الأحد، 28 يوليو 2024

جزء من رواية ( الممسوس ) تأليف / متولي بصل مصر

 

جزء من رواية

الممسوس

تأليف / متولي بصل

مصر

عندما أصاب الكساد النجارة، وتحولت معظم الورش إلى مطاعم ومقاهي؛ اضطررت إلى أن أترك صنعتي وصنعة آبائي وأجدادي، وأعمل في أحد تلك المطاعم، وظننت وقتها أن القدر قد ظلمني، لكن فيما بعد اكتشفت أنه كان يساعدني ويهيئ لي كل السُبُل التي يمكن أن تخفف عني تلك الطامة الكبرى التي توشك أن تدمِّر حياتي وحياة أسرتي الصغيرة.

فالمطعم بجوار المسجد الكبير، وإمام هذا المسجد هو أحد أشهر الشيوخ الذين يعالجون بالقرآن، وكل أربعاء من كل أسبوع بين المغرب والعشاء تزدحم ساحة المسجد بالناس، وأكثرهم جاؤوا من بعيد، ومن شدة الزحام يُضطر بعضهم لافتراش رصيف المسجد ! ومنهم من يفترش رصيف المطعم، ولأنني حارس أمن هذا المطعم كان من واجبي أن أبعدهم عن الرصيف بكل حزم.

في البدء كنت أبعدهم دون أي اهتمام بمعرفة السبب الذي أخرجهم من ديارهم في ذلك الوقت؛ وجاء بهم ليفترشوا الأرض بهذه الطريقة في انتظار مقابلة الشيخ.

كانوا يواسون أنفسهم في وقت الانتظار، بسرد حكاياتهم لبعضهم البعض، وما أعجبها من حكايات تفوق حدود العقل والمنطق! لدرجة أنني كنت أُكذِّب أكثرها بيني وبين نفسي، لكن هذا لم يصدَّني عن الاستماع لما يقولونه، فقد كان بمثابة تسلية لي حتى ينتهي وقت العمل.

صاحب المطعم كل يوم في ذهابه وإيابه يُذكرني بألا أسمح لأي مخلوق مهما كان بأن يشغل الرصيف، وعندما أخبرته بأمر زوَّار الأربعاء الذين يأتون من كل مكان لمقابلة الشيخ، قال لي وهو يضحك ساخرا:

-  هؤلاء المساكين لو يعلمون حقيقته .. هذا الشيخ ميمون من عشرين سنة تقريبا كان مجرما، وقاطع طريق، وكان اسمه ميمون العفريت وعندما قبض عليه رجال الشرطة في إحدى حملاتهم، سأله الضابط عن سبب تسميته بالعفريت؛ فبدأ يتلفت يمينا وشمالا، ويهذي بكلمات غير مفهومة وكأنه يتحدث إلى شخص آخر - ولم يكن ثمة شخص ثالث في حجرة المكتب - فظن الضابط أن له علاقة بالجن؛ فصرفه خشية أن يؤذيه، ويعمل له سحرا أو عملا، و أمر العسكر ألا يأتوا به إليه مرة أخرى، ومنذ ذلك الحين اشتهر ميمون ودخل كار السحر والأعمال من أوسع الأبواب .

-  لكن الناس يقولون أنه يعالج بالقرآن!

 - وهل يحتاج القرآن إلى شيخ ليقرأه ؟! أنا ممكن أقرأ القرآن، وأنت وكل واحد يقدر أن يقرأه، قراءة القرآن لا تحتاج واسطة !

من كثرة ما سمعته من زوار الأربعاء عن الدجالين والمشعوذين صدَّقت كلامه، لكن الذي كان يُحيِّرني أن سمعة الشيخ ميمون كانت حسنة جدا، والجميع يذكرونه بكل خير! حتى إنني عندما سألت واحدا ممن ينتظرونه عن حاله مع الشيخ؛ قال لي :

-  إنه رجل مبارك!

-  هل يطلب منكم مالا ؟!

-  لا، لم أسمع أنه طلب مالا من أحد، لكن معظم الناس يُقدِّمون له الهدايا عن طيب نفس.

-  وكيف يُعالجك ؟!

-  إنه لا يعالجني أنا، وإنما يُعالج زوجتي، ففي أحد الأيام ظهر فجأة قِط غريب، وقبض بأنيابه على دجاجة صغيرة، وهمَّ بافتراسها، وكانت زوجتي تطحن بعض البهارات؛ فضربته على رأسه بيد الهون فمات؛ ومن يومها ونحن نعيش في عذاب، لو كانت تعلم أن هذا القط جني لتركته يأكل الدجاجة الصغيرة، وكل الدجاج الذي عندنا.

-  تقصد أن القط بعد أن مات انتقل الجنِّي منه إلى زوجتك ؟!

-  لا يا أخي، عندما مات القط مات الجنِّي، لكن أهله من يومها يُعذبون روح زوجتي انتقاما لموته؛ هذا هو الكلام الذي قاله لنا الشيخ ميمون.

-  يُعذبون روحها! كيف يُعذبون روحها ؟!

-  يوما تشتكي من آلام فظيعة في ذراعها، وتصرخ صراخا شديدا، وتقول أن ذراعها ستُقطع! ويوما تشكو من آلام رهيبة في رأسها لدرجة أنها تظل تضرب رأسها في الحائط من شدة الألم؛ حتى تسيل منها الدماء، ويوما تصرخ من وجع شديد في ساقها، وتظل تبكي وتتألم، وعندما أذهب بها إلى أي طبيب، وينظر في الآشعة والتحاليل، يقول متعجبا أنها سليمة، ولا يوجد أي مرض عضوي!

-  يااااه كل هذا لأنها قتلت قِطَّا !

أمسك الرجل يدي بكلتا يديه، وقال لي بتوسل حتى أنني شعرت كأنه غريق يستنجد بي :

-  والله العظيم أنا أعيش في جحيم، عندما أطفئ نور الغرفة؛ تصرخ كالمجنونة، وعندما أشعل النور، تُقسم لي أنها رأت عيونا من نار تنظر إليها نظرات مرعبة؛ فأظل أبحث في كل مكان، وأقلب أثاث الشقة، لكنني لا أعثر على شيء! ماذا أفعل .. ماذا أفعل ؟!

-  الله يكون في عونك، ويصرف عنها ويشفيها!

هذا الرجل ظل يأتي مرات عديدة إلى الشيخ، وأحيانا كان يحضر زوجته معه، نصحته أن يعرضها على طبيب نفسي فربما تعاني من مرض نفسي، وكان رده أنه لم يترك أي طبيب نفسي في البلد إلا وذهب إليه!

و من بين زوار الأربعاء الذين لا أنسى حكايتهم العجيبة شاب يافع، عندما كنت أبعد الناس عن رصيف المطعم، أمسك بذراعي؛ وقال لي بهدوء عجيب :

-  لا تتجبَّر فالله أكبر !

نظرت إلى عينيه، فشعرت برهبة كبيرة، إنه لم يتجاوز العشرين، لكن نظرته نظرة رجل في الخمسين ! قلت له محاولا أن أصرف عن تفكيره فكرة التجبر هذه :

-  هذا عملي يا بني، إنني أتقاضى أجري من أجل إخلاء هذا الرصيف من أي إشغالات أو زحام قد يسبب مشكلة لزبائن المطعم !

-  يمكنك أن تؤدي عملك، مع إظهار بعض الرحمة والرفق بالناس، الرحماء يرحمهم الرحمن .

أردت أن أغير مجرى الحديث، إذ وجدت أنه من الصعوبة إقناعه بأن طبيعة عملي تحتاج إلى القسوة والحزم وليس الرحمة والرفق؛ فقلت له :

-  لم أرك من قبل، إنني أكاد أحفظ وجوه زوار الأربعاء، ولا أظنك واحدا منهم !

-  هذا صحيح، إنها المرة الأولى التي أحضر فيها لأرى الشيخ .

-  ولماذا تريد مقابلته، هل بك مس أو سحر، مع أنني أراك - ما شاء الله ولا قوة إلا بالله - شابا فتيا تتمتع بالصحة والحيوية !

-  أمي وإخوتي كلهم كأنهم مسهم الشيطان !

-  كلهم !!

-  يرون أشياء تعيش معنا في البيت !

-  أكيد شخص مؤذي عمل لهم سحرا !

-  لا، ليس سحرا، إنه مس شيطاني، فقد انتقلنا من البيت القديم الذي كنا نعيش فيه بجوار النيل، وسكنا في منزل جديد، لكن هذه الأشباح التي يرونها انتقلت معنا !

-  الله يكون في عونك يا ابني، وهل ترى أنت هذه الأشياء ؟!

-  أنا من صغري تربيت عند جدتي، وكانت حريصة على تحفيظي القرآن الكريم، وعلمتني أصلي الفروض في أوقاتها، لذلك عندما ماتت، ورجعت للعيش مع أهلي، لم يظهر لي أي شيء مما يحكون عنه، لكن أحوالهم تكاد تقتلني .. أخي الأكبر يظل يهذي ويتحدث إلى نفسه؛ وأخي الأوسط أصابه الجنون؛ وهام على وجهه في الشوارع؛ وأمي وأخواتي البنات في البيت كالأموات أو الأشباح، أحوالهم تبكي الحجر!

-  ألا يمكن أن يكون كل هذا الذي يحدث لأفراد أسرتك بسبب مرض نفسي ؟!

-  ذهبنا لجميع الأطباء في كل التخصصات، لم نترك بابا إلا طرقناه، لكن بلا فائدة.

-  وأبوك، لم تذكر شيئا عنه !

-  قتلوه !

-  مَن ؟!

-  الذين يسكنون معنا !

-  لا إله إلا الله !

-  كان يحاول أن يطردهم بكل الطرق، وأحضر الكثير من الشيوخ، لكن لم يستطع طردهم، وفي النهاية قتلوه .

-  قلت أنكم انتقلتم من البيت القديم إلى بيت جديد، فانتقلوا معكم !

-  صحيح، كنا نظن أن السبب وجود البيت القديم قريبا من النيل، لكن عندما انتقلنا إلى البيت الجديد، وسط المباني والعمران، فوجئنا بأنهم انتقلوا معنا !

-  لماذا قلت بكل يقين أنهم قتلوه، ربما مات ميتة طبيعية، حزنا على ما أصاب أسرته؛ أزمة قلبية مثلا، أو أي سبب من أسباب الوفاة الطبيعية !

-  أمي وإخوتي أخبروني أنهم رأوه وهو يصرخ ويستنجد بهم، بينما كانت هذه الأشباح تحيط به من جميع الجهات، لو كنت موجودا وقتها ربما كنت استطعت إنقاذه من بين أيديهم .

كلام الشاب جعل الخوف يتسلل إلى قلبي، إنه أغرب من أن يُصدِّقه عقل، لقد بدأ كلامه بحكمة، وأنهاه بخرافات لم أستطع تصديقها؛ لدرجة أنني بدأت أرتاب في أمره، فربما يكون هو نفسه به مس من جنون !

سمعت حكايات كثيرة عن عالم لا نراه، ولا نعلم عنه إلا القليل، لكن ضحاياه أكثر بكثير مما يتخيله عقل بشر، وقد اكتشفت أنني كنت مهملا جدا في صلاتي، لكن بعد كل ما رأيته وسمعته أصبحت حريصا أشد الحرص على أن أصلي الفريضة في وقتها، وألا أنام إلا بعد أن أصلي العشاء، وأقرأ آية الكرسي.

ولم يكن لي في هذه الدنيا إلا زوجتي وابنتي الوحيدة؛ لذلك أوصيتهما بحفظ القرآن، وأداء الصلاة في وقتها، وألا يقتلا أي شيء حتى لو كان جرذا صغيرا، فربما يكون عفريتا ونحن لا نعلم! لكن كما يقولون ( لا يغني حذر عن قدر ) ولأن المكتوب ليس منه أي هروب، كان لزاما عليَّ أن أشرب من نفس الكأس التي شرب منها هؤلاء المساكين الذين كنت أطردهم من على رصيف المطعم.

ابنتي حبيبة قلبي؛ وفرحتي الوحيدة في هذا العالم المليء بالأحزان؛ نور عينيَّ في هذه الدنيا السوداء المظلمة، فجأة ودون سابق إنذار بدأت تظهر عليها نفس الأعراض التي كنت أسمع عنها من زوار الأربعاء، تبكي دون سبب؛ تظهر على وجهها ملامح الفزع والذعر فجأة وكأنها رأت وحشا مخيفا؛ تهذي بكلام غير مفهوم في بعض الأوقات؛ كل صباح عندما تستيقظ من نومها تظهر على جسدها خدوش وجروح حمراء لا تعرف سببها؛ وعندما أقرأ عليها القرآن ترتمي على الأرض وتتلوى بطريقة عجيبة، وهى تترجاني أن أتوقف عن القراءة!

كذَّبت نفسي، وكتمت ما أعرفه - بخصوص الجن والمس والسحر - عن أمها، وذهبنا بها إلى أكثر من طبيب لكن بلا جدوى، فالجميع يظنون أنها حالة نفسية، ويصفون لها أدوية لعلاج الاكتئاب، وحالتها تسوء، والأعراض تزداد، وأنا وأمها لا نعرف ماذا نفعل! لذلك لم أجد مفرا من الذهاب إلى الشيخ ميمون، الذي استمع لي؛ ثم قال :

-  ابنتك ممسوسة !

نزل كلامه على رأسي كالصاعقة، تحاملت، وسألته :

-   وما العمل يا شيخ ؟!

-  أحضر عسلا، أي نوع من العسل، وسأقرأ عليه، ثم تأمر ابنتك بأن تغسل به شعرها مرتين كل يوم؛ عندما تستيقظ من نومها، وقبل أن تنام.

نفذت كل ما قاله لي، لكن حالة ابنتي كانت تسوء أكثر، وزوجتي تعتقد أن ما أصابها هو نتيجة سحر أسود، وعمل سفلي، عمله أهل العريس الذي رفضناه منذ شهر، فقد كان شابا عاطلا، ولم يكن له حظ في التعليم، وكل ما يمتلكه هو شقة اشتراها له أبوه!

رفضناه أنا وزوجتي كما رفضنا من قبله آخرين لم يكونوا جديرين بابنتنا، إنها وحيدتنا، ولم نبخل عليها حتى تتعلَّم، وتكمل دراستها، وتتخرج من كلية العلوم، صحيح لم يكن لها حظ في الوظيفة، لكنني - ما دمت على قيد الحياة - سأوفر لها كل ما تحتاجه، ولن أقصِّر في حقها أبدا.

أنا وأمها كانت كل أمنيتنا أن نزفّها إلى الشاب الذي يستحقها، ويستطيع أن يسعدها، ويرعاها ويحميها، أما اليوم فأمنيتنا أن ننقذها مما أصابها، ونخرجها من تلك المأساة التي ألمَّت بها، والتي لا نعرف سببها.

لم أترك شيخا أو دجَّالا إلا وذهبت إليه، لكنني كنت دائما أرفض أن تأتي ابنتي معي إلى أي واحد منهم، وبدأت بمرور الأيام أشعر بما يشعر به زوار الأربعاء، وأنا أقف على رصيف المطعم، لم أعد أهشّ أحدا، فمصيبتنا اليوم واحدة، وحتى إذا مرَّ صاحب المطعم، ورآهم؛ وغضب منِّي، وحتى إذا طردني من العمل، لن أشعر بأي أسف أو ندم، فطردي من العمل أصبح بالنسبة لي أهون بكثير من طرد هؤلاء المساكين الذين يعانون أشد المعاناة من أجل أحبائهم.

الأيام تمر ثقيلة على قلبي، وكأنها عجلات قطار، وخوفي على ابنتي يزداد، وكنت قد أخبرت الشيخ ميمون بأن حالة ابنتي لم تتحسَّن؛ فطلب مني أن أحضرها معي في المرة المقبلة، لذلك لم أذهب إليه مرة أخرى، فقد كنت أرفض تماما أن أذهب بها إلى أي شخص فربما يكون دجالا؛ فيؤذيها، وكان هذا من لطف الله سبحانه وتعالى بي وبابنتي، ففي خلال أيام قبض رجال الشرطة على الشيخ ميمون بعد أن اتهمه أهل فتاة بأنه اغتصبها بعد تخديرها، وبعد القبض عليه، وانتشار الخبر؛ ظهرت من تحت الأرض حكايات لجرائم أخرى.

قررت ألا أذهب بها إلى أي مكان، خوفا عليها، لكن حالتها كانت تستفحل كل يوم، إنني أراها تذبل وتموت أمام عيني ولا أستطيع أن أفعل شيئا!

لذلك قرَّرت أن أبحث عن الكتب التي تتحدث عن الجن والمس والسحر، وظللت أياما أقرأ فيها، لكنني لم أصل إلى طريقة أنقذ بها ابنتي!

وذات ليلة وأنا أقرأ في كتاب من هذه الكتب، بينما كانت هى نائمة في سريرها، أخذتني سِنة من النوم؛ فرأيت شبحا مخيفا يقول لي بصوت غريب مرعب:

-  ابنتك ماتت .. ابنتك ماتت!

قمت مفزوعا، وجريت عليها؛ وجذبتها من على السرير بقوة؛ لأوقظها وأتأكد من أنها على قيد الحياة، وأنا أصرخ وأبكي، وأنادي عليها :

-  مريم .. ابنتي .. مريم !

ولم أهدأ إلا عندما رأيتها تفتح عينيها! كاد قلبي يتوقف من شدة خوفي عليها، وجاءت أمها مذعورة واحتضنتها، وهى تشعر أن وراء صراخي وبكائي خطب كبير، لم أخبرها بالكابوس الذي رأيته، لكن دمعي أخبرها، فمنذ تزوجتها لم تنزل دموعي أمامها إلا مرة واحدة عندما بشرتني بأنني سأصبح أبا، بكيت وقتها من شدة الفرح، بعد أن ظللنا محرومين من نعمة الإنجاب سنوات، واليوم نزل دمعي مختلطا بمزيج من الخوف والحزن والحسرة.

الشقة التي نعيش فيها في الطابق الأخير من العمارة، لذلك كنت أصعد إلي السطح أحيانا  لاستنشاق بعض الهواء النقي، كان عبارة عن مساحة كبيرة خالية إلا من حجرة مغلقة في أحد أركانه، لم أسأل يوما عن سبب وجودها، ويبدو أن أصحاب العمارة قد نسوا وجودها، فلم يفكر أحدهم يوما في تأجيرها لأي شخص، شدَّ انتباهي بابها الخشبي القديم، وفوجئت بأن القفل الذي عليه مفتوح! لم أصدِّق عيني إلا عندما مددت يدي، ورفعته عن الباب؛ فانفتح، وأخذ يصدر صريرا حادا، مع وصول النور إلى الداخل عرفت أنها خالية، لكن يبدو أن على الأرض سجادة .. غير معقول، إنها سجادة ابنتي مريم، كيف وصلت إلى هنا ؟!

عندما وقفت في مدخل الحجرة تضاءل النور، وانكمش للحظات، وحلَّت محله الظلمة، لكن بمجرد أن دخلت فرش النور ضياءه في أركان الحجرة من جديد، لاحظت أن السجادة مفروشة عكس اتجاه القبلة! أكيد ابنتي لم تنتبه لهذا الأمر، وربما فرشتها فقط لتجلس عليها، وتقرأ كتابا، فهى تحب القراءة.

تذكرت ما كنت أسمعه من زوار الأربعاء عن قراءة بعض آيات القرآن بالمقلوب، وعن الطقوس الغريبة التي يفعلها خادم السحر لاسترضاء الجن واستحضارهم.

في نهار اليوم التالي، قلت لابنتي :

 - الحجرة المهجورة التي على السطح وجدتها مفتوحة، ويبدو أن شخصا ما قد فتح قفل الباب!

ابتسمت ابتسامة ضعيفة، وقالت :

-  أنا التي فتحتها يا أبي !

-  معقول يا مريم، وكيف تفعلين ذلك، أصحاب العمارة لو علموا سيتهموننا بالسرقة!

-  لا تقلق يا أبي، فهى خالية، ولا يوجد فيها أي شيء!

-  حتى إن كانت خالية، فليس من حقنا أن نفتحها، ما دام على بابها قفل مغلق، صحيح كيف فتحت ذلك القفل الكبير الصدئ ؟!

-  طرقت عليه بقطعة خشب عدة مرات فانفتح

-  ولماذا فتحته ؟!

-  سمعت صوت قطة يأتي من داخل الحجرة، كانت كأنها محبوسة وتستنجد بي !

-  قطة !!

-  نعم، كان صونها واضحا!

-  وهل رأيتها عندما فتحت الحجرة؟!

-  لا، لم أجد أي قطة في الداخل !

-  والسجادة، كيف وصلت هناك ؟!

-  كنت أقرأ كتابا، وآشعة الشمس كانت شديدة؛ فدخلت وفرشت السجادة، وجلست أستكمل القراءة، وغلبني النعاس، فنمت، وعندما استيقظت كانت الحجرة مظلمة، والباب كأنه مغلق؛ فأخذت أصرخ وقمت مفزوعة، وفتحت الباب، ونزلت إلى هنا.

في ذلك اليوم عرفت سبب ما حدث لابنتي، هذه الحجرة المهجورة يسكنها عفريت، وهو السبب فيما تعانيه ابنتي . كيف أخرجه منها، وأبعده عنها قبل أن يقضي عليها وعلى مستقبلها ؟!

أسوأ شيء يمكن أن يُبتلى به الإنسان أن يرى فلذة كبده تتعرض للخطر، وهو لا يستطيع أن يدافع عنها، ويبعده عنها، كيف أتعامل مع شيء لا أراه، ولا أعرف عنه شيء؟!

أمها قالت لي وهى تجهش بالبكاء، وتكاد تلفظ روحها مع الكلمات من شدة الكرب الذي تعانيه :

-  مريم ابنتنا حصل لها شيء فظيع !!

- ماذا حصل ؟!

-  تقول أنها تشعر وكأن شخصا - لا تراه - يتحرش بها !

-  يتحرش بها .. معقول .. لطفك يا الله !

-  وصفت لي أشياء تحدث لها .. لا تحدث إلا لامرأة مع زوجها يا سليم !

-  لطفك يا رب .. لطفك يا رب !

لم نتحمَّل، وذهبنا بها إلى طبيبة نساء، كنا مثل شبحين أو ميتين ونحن نجلس أمامها، نشرح لها المصيبة التي أصابت وحيدتنا !

كلامنا أصابها بالذهول، ويبدو أنها لم تصدِّق حرفا مما قلناه لها، لكنها قامت وكشفت على مريم، والعجيب أنها عادت إلينا بوجه مبتسم، وهى تضرب كفا بكف، وتقول :

-  ياااه .. معقول فيلم الرعب الرهيب الذي جعلتماني أعيش فيه ! البنت سليمة، لم تُمس، ولم يُخدش لها خدش، ربنا يحميها، ويرزقها بابن الحلال.

تهلل وجهي ووجه زوجتي، وشهقنا شهقة غريقين كانا في عِداد الأموات، ثم قذف بهما الموج فجأة إلى الشاطئ؛ فعادت إليهما الروح من جديد!

سألتها زوجتي بعد أن اطمأن قلبها قليلا :

-  والأشياء التي تحكي لي أنها تحدث لها يا دكتورة ؟!

-  مجرد أوهام وخيالات لا أساس لها من الصحة .

تمنيت أنا وزوجتي لو نصدق أن كل ما هى فيه مجرد أوهام وخيالات، لكن حتى لو صدقنا بمجرد أن نعود للبيت سنجد أنفسنا وجها لوجه أمام ذلك الهم الثقيل، والعذاب المستطيل الذي يلاحق ابنتنا، ولا يرحمها .

كان من الضروري أن أجد حلا، يقولون أن ( كل عقدة ولها حلال )، وإيماني بهذه المقولة هو الذي جعلني أفكر وأبحث عن طريقة أنقذ بها ابنتي من ذلك الملعون الذي بدأ يُكشِّر عن أنيابه؛ وأخيرا اهتديت إلى حيلة؛ فأخذت السجادة، وصعدت إلى السطح بعد أن خيَّم الظلام على كل شيء، ثم دخلت الحجرة، وفرشت السجادة كما كانت مفروشة من قبل، في نفس المكان، وأغلقت الباب، ثم تمدَّدت عليها، محاولا النوم! وأنا أغالب خوفي، وأصبِّر نفسي بأن ما أفعله قد ينقذ ابنتي .

لم أخبر زوجتي في ذلك اليوم بما نويت فعله، بل كذبت عليها، وقلت لها أن صاحب المطعم يريدني أن أعمل فترة إضافية تلك الليلة، قلت لها ذلك حتى تطمئن، ولا تشعر بأي قلق، يكفيها قلقها على ابنتنا، كما أنها لو علمت أكيد كانت ستعارضني وتحاول منعي .

لا أدري متى استيقظت، لكنني شعرت وأنا بين النوم واليقظة كأن شخصا يُقيِّد ذراعي ورجلاي! وأنا أحاول بكل قوة التخلص منه! وفتحت عينيَّ بصعوبة شديدة، فقد كان جفناي كأن عليهما ثقلا يضغط عليهما ليظلا مغلقين! كنت أقرأ بتلقائية شديدة آية الكرسي وبصوت جهوري حاولت تضخيمه بكل ما استطعت من قوة، كنت أحاول أن أستجمع كل قوتي لتتركز في صوتي وأنا أقرأ ! رغم الظلمة الشديدة رأيت في لمح البصر ذلك الملعون الذي كان يحاول تقييدي وشل حركتي! لمحت حدوده الخارجية فقط! كانت تبدو مثل الخطوط التي يرسمها الرسام ليحدد بها الشكل قبل تلوينه !

حاولت أن أقنع نفسي أن كل ما يحدث لي ليس سوى هلاوس سمعية وبصرية سببها الظلام الشديد، كل هذا لأطمئن نفسي، لكن هيهات .. هيهات!

اتخذت وضعية الجلوس، وأخذت أردد كل ما أتذكره من آيات، وأذكار، وأدعية، وفجأة شعرت بقشعريرة شديدة تسري في سائر جسدي أصابتني بالشلل للحظة، ثم بدأت تزول شيئا فشيئا، وتنسحب من الأطراف إلى الداخل، حتى استقرت في الجانب الأيسر لي، وأحسست بثقل غريب لم يكن موجودا من قبل! قمت ناسيا السجادة، وفتحت الباب، وخرجت من ظلام الحجرة إلى ظلام الدنيا، وقفت فوق السطح مترددا لا أعرف هل أنزل أم أظل في مكاني حتى تشرق الشمس، كنت أخشى إن نزلت إلى الشقة أن ينتقل هذا الذي أصابني إلى زوجتي، فأنا أتعامل مع شيء لا أعرف عنه إلا القليل، قررت أن أبقى مكاني حتى تشرق الشمس، وعندما تشرق شمس الغد سأعرف نتيجة ما فعلته، لديَّ أمل كبير في أن يكون هذا الذي اقتحم مسام جلدي؛ وتسلل إلى لحمي وعظامي؛ وتلبَّسني هو نفسه الذي مسَّ ابنتي، يمكنني أن أتحمَّل كل بلاء يسببه لي، إنه الآن في كليتي الشمال، ومن المؤكد أنه سيجعلني أشعر بآلام رهيبة، لكنني سأتحمَّل، سأصارعه ويصارعني، قد أهزمه فأشفى، وقد يهزمني فأصبح مثل هؤلاء المجانين الذين يمشون في الشوارع على غير هدى، أو هؤلاء الذين تمتلئ بهم مستشفيات الأمراض العقلية، ليس مهما عندي، لكن الأهم أن يكون قد خرج من جسد ابنتي، غدا سأعرف وأتأكد، فبعد قليل ستشرق الشمس .

(جزء من رواية الممسوس)

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...