الاثنين، 5 أغسطس 2024

تهنئة مُرة بقلم / عبدالله عبدالإله باسلامه ذمار- اليمن.

 


تهنئة مُرة
بقلم / عبدالله عبدالإله باسلامه
ذمار- اليمن.
أخي الحبيب، عندما أرسلت لي تهنئة: (من العايدين وكل عام وأنتم بخير).
بالكاد انتهيت من مسح المفرشة الوحيدة التي ذهب لونها واهترأت أطرافها، لولا ملاءة زاهية الألوان أخفيت بها أغلب ملامح وجهها الباهت، كنت استدنتها من جارنا الجديد صاحب مفروشات الحراج، على أن أسدد قيمتها في أقرب وقت.
كم تمنيت لو استطعت أن أتصل بك، أو أن أرد عليك برسالة طويلة جدا جدا؛ اشتقت لسماع صوتك وصوت أبناءك، وأن أبارك لك على البيت الجديد .. ماعدت قادرة على تحمل مرور ماتبقى من ساعات عشية العيد كي أراك أمامي بعد هذه الغيبة الطويلة، لكن كما يقولون (العين بصيرة واليد قصيرة) فرصيد الهاتف خضع لمساومة مع اسطوانة الغاز، وطبعا فازت الأسطوانة.
كما فازت فاتورة الماء، والكهرباء على حساب ملابس الأولاد الداخلية، وحذاء البنت الصغيرة، وبلوزة البنت الكبيرة التي أقسمت أنها لن تشارك بريال واحد من عيدية خالها في إيجار البيت الذي يلتهم عرق زوجي كأنه نار تقول هل من مزيد .
فكرت أن ألجأ إلى جارتي وأتصل بك من تلفونها لكني تراجعت في آخر لحظة، كما يقول المثل (إن كان حبيبك عسل لا تلحسه كله) فقد أعارتني اليوم أكوابا كرستالية للعصير، وطاولة صغيرة جميلة وضعت عليها صحون الزبيب، واللوز، والشكليت، وزجاجة عطر العود الفاخر المخبأة؛ اخرجتها أمام نظرات زوجي المندهشة وقبل أن يفتح فاه ابتدرته متباهية :
- إنه أخي .
ولأني أخبرت جارتي الطيبة بأني سأكون مشغولة يوم العيد بك فقد أعطتني محتوى طنجرتها من كبسة الدجاج لتكون وجبة غداء العيد للأولاد الذين ينتظرون بفارغ الصبر خالهم.. فهذا يريد - بعد طول تأنق - أن يلتقط لنفسه صورة مع خاله، وهذا يحترق شوقا إلى الركوب فوق سيارة خاله، وذاك يود ان يتعلق على رقبة خاله يباهي به أترابه في الحارة.
آه..لو رأيتهم صباح العيد وهم خارج الباب بانتظارك، والبنات خلف النوافذ يترقبن وصولك،
كلما أطلت من رأس الشارع سيارة جديدة هللوا:
- خالو ..خالو ..خالو ..
لا تلبث السيارات أن تمرق مخلفة غبار العجلات، يعود الأولاد إلى الباب، والبنات إلى النوافذ...
ولم تأت .
كم تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني لحظة أعقبت رسالة التهنئة تلك برسالة اعتذرت لي فيها عن عدم الحضور ..طبعا كتمت الأمر عن الأولاد. ظلت عيناي تسح قهرا طوال نهار العيد وأنا أمثل دور المتلهفة وصول أخيها الوحيد، إلى أن امتصت شمس الظهيرة فرحة صباح العيد وحماسة الاولاد، ليدخلوا البيت كالورود الذابلة، بينما توسدت البنات حافة النافذة كسيرات الخاطر.
تدبرت ثمن رصيد للهاتف ليس لأهاتفك، أو أعاتبك، أو أسمع أعذارك المتكررة... بل لأكتب لك كلمتين (ليتك لم تكن أخي) .
عبدالله عبدالإله باسلامه
ذمار/ اليمن.

الأحد، 4 أغسطس 2024

قراءة في رواية ثرثرة في مقهى إيفانستون للأديبة المقدسيّة هناء عبيد . بقلم / عفيف قاووق – لبنان .

قد تكون رسمة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏
قراءة في رواية ثرثرة في مقهى إيفانستون للأديبة المقدسيّة هناء عبيد
  • بقلم / عفيف قاووق – لبنان .
ثرثرة في مقهى إيفانستون للكاتبة المقدسيّة هناء عبيد والمقيمة في شيكاغو، صدرت في طبعتها الأولى العام 2023 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان- الأردن. كُتبت بلغة سرديّة وبأبعاد فلسفية ونفسيّة، حيث صنعت نسرين في مخيلتها طيفا لشخصية سارة واعتبرتها توأم روحها.ومن خلال هذا الطيف أطلقت الكاتبة العنان لسارة للبوح بكل معاناتها وعذاباتها التي بدأت مع طفولتها ورافقتها في كل أيام حياتها.
إذا أردنا تجنيس هذه الرواية نجد انها تنتمي لعدة اجناس أدبية منها: الأدب السياسي، الأدب الإجتماعي وحتّى أدب الرسائل، إلا أن ما يجمع هذه الأجناس كلها هو أدب الإلتزام الذي يبدو جليًا من خلال ما تتناوله الكاتبة من قضايا وموضوعات في رواياتها ملتزمة بإثارة القضايا الوطنية والسياسية التي تمس في جوهرها ما يواجهه الفلسطيني سواءً في الأرض المحتلة او في المنافي وبلاد الإغتراب.
امتازت الرواية باعتماد تقنية الإسترجاع في أكثر من موضع، وتماشيًا مع تقنيات العصر وبما ان الرواية تضمنت نفحة من أدب الرسائل فقد اعتمدت الكاتبة على التكنولوجيا فجاءت رسائلها عبارة عن إيميلات عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الإجتماعي الرائج إستخدامها في عصرنا الحالي. وما يُميز هذه الرواية أيضا هو عدم اعتمادها على الراوي الواحد او السارد العليم بل أن الكاتبة أفسحت المجال لأكثر من راوٍ وهو ما يعرف بتعدد الأصوات، بحيث كانت حيادية ومانحة الفرصة لكل شخص من شخوص روايتها بأن يبوح بكل ما يعتمر بداخله انطلاقًا من وجهة نظره وفهمه لما يمر به دون تدخل أو إيحاء من الكاتبة، وهذا ما يضفي على الرواية الكثير من المصداقية والواقعية.
ولكي لا يقع القارىء في حال من الملل كان ما يشبه تقطيع المشاهد عن طريق الإنتقال إلى الإسترجاع او الفلاش باك مما يدخل عنصر التشويق لدى القارىء ويحفزه لمواصلة القراءة ومعرفة ما ستؤول إليه الأحداث لاحقًا. وإلى جانب تعدد الرواة فقد شهدنا أيضا تعددأ للأماكن بدءًا من الاردن الى اميركا وإيفانستون مرورا بالنرويج مع الإشارة إلى بعض مدن فلسطين كالخليل وغزّة والقدس.
رواية ثرثرة في مقهى إيفانستون، رواية ذات وجيهن ظاهريّ وباطنيّ، ففي وجهها الظاهريّ يمكننا القول أننا أمام رواية إجتماعية ذات بعد نفسي، تعالج مسألة الإنفصام أو ما يسمى بالإضطراب الوهمي، والذي غالبا ما يصيب الفرد نتيجة تجارب مؤلمة ورغبات مكبوتة يصعب تحقيقها،بحيث يصبح المرء عاجزا عن التفريق بين الحقيقة والوهم. وهذا بالضبط ما قدمته لنا الكاتبة من خلال شخصية سارة المتخيَّلة - والتي هي بالواقع نسرين- حيث تفصح سارة أنها عاشت طفولة بائسة مع زوج أمها ثم تزوجت لتصبح زوجة مهملة من زوجها رمزي الذي يعاملها بفظاظة وخشونة مما حملها للتوهم بأنّها قتلته وجشّت رأسه بحجر، لتختفي بعد ذلك وتضع نسرين في دوامة البحث عنها وعن حقيقة ما إذا كانت فعلا قد قتلت زوجها كما تدعي.لنكتشف في النهاية أن سارة ما هي سوى نسرين المضطربة نفسيًا نتيجة لموت والدها قتلًا على يد الإحتلال في القدس. ولقد أبرزت الرواية الصراع الأزلي داخل النفس البشرية بين الشر والخير، ففي أحد الحوارات تقول نسرين لسارة"أنتِ كثيرًا ما تتذمرين بينما أنا أجد ملاذي في إسعاد الآخرين، تمتلىء نفسك بالغل والحقد ورغبة في الإنتقام"(ص16).كما عبرت عن هذا الصراع الذي يعتمر في النفس البشرية من خلال ما درجت عليه نسرين من عادة في طلب فنجانّي قهوة أحدهما حلو والآخر مُر، فكيف لشخص أن يشرب قهوة تحمل طعم الحلاوة والعلقم في الوقت نفسه؟ إلا إذا كان يعيش صراعا داخليًا وتشتتًا ذهنيًا.
إضافة إلى هذا فقد تناولت الرواية الآلام النفسية التي يعانيها الشباب العربي نتيجة إغترابه وإبتعاده عن جذوره كما عبَّر عن ذلك ليث بقوله:"صعب أن تترك جذورك وتحاول أن تنبت لك جذورًا جديدة في أرض أخرى (55). ونتيجة للأوضاع المتردية في معظم البلاد العربية بعد ما سُميَ بالربيع العربي أصبح الإغتراب القسري هو ما يتشارك به الشباب العربي من مختلف الأوطان ولكي لا تقع الكاتبة في فخ تسمية هذه الأوطان فقد لجأت للترميز واختارت ان تسميها ببلاد النخيل القادم منها ليث الذي يقول بلسان حال معظم الشباب العربي : لم أختر الغربة يومًا،لكن أحلامي تلاشت فلم يعد مسقط رأسي وطنًا صالحًا بعد أن امتلأ باللصوص ومدمري الأحلام" (ص56).
لقد إستفاضت الكاتبة على لسان شخوص روايتها في الإشارة إلى ضرورة التمسك بالجذور مهما بعدت المسافات، تقول فاطمة ابنة الخليل: "كيف سينسى الفلسطيني جذوره المتغلغلة في وجدانه؟ (ص80). وفي موضع آخر تفصح عن وصية والدتها لها: " لا تقطعي رحلاتك إلى الأرض، هذه أرضنا وحلمهم أن ننساها" (ص116). وبهذا المعنى وردت عبارة في الرواية لا يجب ان تمر مرور الكرام لما تحمله من موقف سياسي ووطني لافت، وهي ما قالته نسرين من أن الأردن وطن دافىء إلا أنّه لن يكون يومًا وطنًا بديلًا عن فلسطين" (ص111).
هذا بإختصار ما يمكن استخلاصه من الرواية إذا تمّت مقاربتها من هذه الزاوية النفسية والإجتماعية، ولكن جوهر الرواية كما قلنا يكمن في مكان آخر وفي منحى مختلف تماما وأكثر تشعبًا. وهنا لا بد وأن نسجل للكاتبة براعتها في اعتماد ما يشبه التورية فقدمت لنا رواية على أنّها تعالج أزمات نفسية ما نتيجة القهر او الإغتراب، ولكنها في الحقيقة هي رواية ذات بُعدٍ سياسي ووطني وهذا ما نلمسه إذا ما حاولنا فك شيفراتها والقيام ببعض الإسقاطات على الواقع العربي عمومًا والفلسطيني خصوصًا.
بداية ليس مصادفة أن تنتقي الكاتبة شخصياتها بمجملها من العرب والفلسطينيين - بإستثناء السيدة نانسي المرأة الآتية من النرويج لتستقر في أميركا - .وهذا ما يمكنها من الإطلالة على ما يعانية الفلسطيني المغترب والمُبعد عن أرضه.
وبالإنتقال للبعد السياسي والترميز في هذه الرواية، فلو إستمعنا إلى سارة وهي تقول: " كنت صغيرة حين إحتلّ هذا الغريب الدار ورأيته يطلق النار على رأس أبي بعد أن كسّر عظامه بعقب البندقية،هذا الرجل الغريب –زوج أمي الوحش- كان دومًا يلبس بدلة عسكرية كاكية اللون ويحمل على ظهره بندقية، لقد طردني من بيت أبي وأمي وإدعى انّه مالك البيت ولديه حاجيات فيه قبل وجودنا نحن". إذا أردنا التمعن فيما قالته سارة نجد ان قولها هذا بالتأكيد يرمز إلى المحتل العسكري الذي يدعي زورًا أن له الحق في هذه الأرض التي إغتصبها عنوةً.
وفي موضع آخر وتحديدًا الصفحة 137 تقول سارة ما مضمونه أن زوجها يريد أن يُسكِن صديقه وزوجته معهم في الغرفة الفارغة متساءلة كيف لها ان تعيش بحرية مع أغراب تتقاسم وإياهم المنزل. أليس في هذا القول إشارة إلى حركة الإستيطان التي تمارس في مصادرة البيوت والأملاك؟.
إشارة رمزية قد لا تخلو من البعد السياسي والوطني وهي عندما تفصح سارة عن وصية والدتها لها: " واصلي الرسالة يا سارة، كانت تحمل بيدها حجرًا أخذته منها، حينها قالت لي هذا هو إرثي لك" (ص12).هذه الوصية من الأم لإبنتها تعيدنا بالذاكرة إلى إنتفاضة الحجارة وتعلن بوضوح ان المقاومة ولو بحجر هي السبيل الوحيد لإسترجاع ما خسرناه.
لقد حضرت فلسطين بقوة في هذه الرواية وفي مفاصل كثيرة، وتضمنت إشارة تذكيرية بيوم الأرض الذي لا يمكن إختصاره بتاريخ يوم واحد فكل يوم من ايامنا هو يوم الأرض، وأيضا يأخذنا خالد إلى مدينته غزّة وكيف ان الحياة فيها يغلفها القلق الدائم وهي تنتظر الغارات القاتلة لسكان عزّل لا يحملون غير حقيبة من الأحلام المؤودة. ومشيرًا إلى الغارات التي تستهدف الأماكن المدنية بحجة انها تشكل خطرًا على الإحتلال بينما الحقيقة هو التصميم على قتل هذا الشعب.لكن هذا لا ولن يمنع غزّة من ان تنجب اطفالاً يرضعون مع الحليب العزّة والكبرياء. وغزّة لن يُقْصم ظهرها يومًا فجذورها عميقة بعمق تاريخها الأصيل أمّا فاطمة تقول ان لها ابنة أسمتها فلسطين وصبّي اسمه خليل متمنية ان تنجب المزيد من الأبناء،لتحضن يافا وجنين وبيسان وصفد وتأخذنا الى الخليل بعين والدتها التي تعتبر الخليل قطعة من جسد الوطن ولا يمكن بترها مهما حاولوا إقتلاعها، لقد إنحفرت الخليل في قلبها كوشم أبدي وهي تستذكر المسجد الإبراهيمي وما حدث فيه من مجزرة أقدم عليها العنصري جولدشتاين العام 1994. والحديث عن فلسطين لم يقتصر على الخليل وحده بل كان للقدس نصيبها التي تستحقه ، فالقدس كما تقول نانسي لها نور خاص يدخل السكينة إلى القلوب، والأماكن المقدسّة فيه تتشابك فكنيسة القيامة توجد في الجهة المقابلة للمسجد الأقصى. وللقدس أبواب عريقة كانت تغلق لتحميها من الطامعين أمّا الآن وبعد أن احتلوها فأبوابها أصبحت تغلق في وجه أصحابها بحجة أنهم إرهابيون.
الى جانب ما ذكر فإن التراث الفلسطيني كان حاضرًا أيضا من خلال جمعية إحياء التراث الفلسطيني كالحديث عن ضرورة التمسك بالثوب الفلسطيني حيث يحمل كل ثوب تاريخ مدينة فلسطينية، كي يتم تناقله بين الأجيال، فالإحتلال يسعى لسرقته كما سرق الأرض والوطن، مع الإشارة الى الأكلات الشّعبيّة الفلسطينيّة التي تعتبر من صميم التراث الفلسطيني والذي يحاول الإحتلال أيضا طمسه ونسب تلك المأكولات إليه.
كما ان الرواية قاربت مسألة الإعلام وأيضا كتابة التاريخ الذي يغلب عليه الكذب، فالتاريخ يكتبه المنتصر أو الظالم في معظم الأحيان. وأيضا تشير إلى الإعلام الموجّه الذي لم يكن صادقًا يومًا.فهو يتبع القوي ويغسل الأدمغة ويعمل على تفريق الشعوب، كما تقول نانسي.(103).
مسألة أخرى بدأت تلوح في الأفق وهي مسألة بداية التغيير في الرأي العام الأميركي وتحديدًا أولئك القادمون من بلاد أخرى كالسيدة النروجية نانسي المتعاطفة مع القضية الفلسطينية والتي رفضت أثناء زيارتها للقدس أن تستمع لشروحات الدليل السياحي خشية منها ان يسرد التفاصيل التي تتناسب مع تاريخ الإحتلال، وتقول لا مصداقية يمكن أخذها بدقة إلا ممن عاش على هذه الأرض على مر العصور.(106).
قضايا أخرى تناولتها الرواية ولو لمامًا كمسألة الزواج غير المتكافىء كما حدث مع سارة التي تزوجت من شخص لا تعرفه وتسأل كيف لشخصين أن يعيشا في بيت واحد؟ كيف يمكن لها أن تتعامل مع قلب مغلق وكيف للروح أن تتواصل مع عاطفة ميتة؟ (ص37).
لا بد وان نسجل للكاتبة متابعتها لما يدور في الأوساط الثقافية والأدبية من خلال إشارتها إلى رابطة الأدباء العرب حيث تتم مناقشة الأصدارات الأدبية سواء وجاهيا ام عبر تقنيات الزووم كما يحصل حاليا في معظم الملتقيات الأدبية. ولكن ما لفتني هنا شجاعة نسرين – أو الكاتبة لا فرق- في طرحها لسؤال إشكالي بعد مناقشة روايتها فتقول: لا أدري إن كانت الآراء تحكي الحقيقة أم أنّها مجاملات؟ كل الآراء متشابهة "قلم جميل واعد، لغة متينة، أفكار عميقة" فهل هذا قالب معدّ حتى يضمن كل كاتب ألا يهجو أحدٌ أعماله"؟
سؤال برأيي يجب التوقف عنده خاصة إذا كانت مناقشة الروايات او الكتب تتم بحضور كاتبها، فإلى أي مدى تكون مساحة الحرية والجرأة والموضوعية متاحة امام من يريد ان يدلي بمداخلته.
ختامًا مبارك للأديبة هناء عبيد هذا الإصدار الهادف وإلى المزيد من التألق والنجاحات.
قد تكون رسمة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏

قراءة تحليلية عن رواية ..أمضي أم اعود؟ للكاتب الفلسطيني أ. فوزي نجاجرة اصدار ٢٠٢٤ حروف نابضة وشعاع من التفاؤل بقلم الأكاديمية وفاء شاهر داري كاتبة و الباحثة

 


قراءة تحليلية عن رواية ..أمضي أم اعود؟

للكاتب الفلسطيني أ. فوزي نجاجرة اصدار ٢٠٢٤
حروف نابضة وشعاع من التفاؤل
بقلم الأكاديمية وفاء شاهر داري
كاتبة و الباحثة
كتبت
الرمزية والواقعية الاجتماعية
تمثل هذه الرواية رمزية واقعية واجتماعية يصور الكاتب من خلالها معاناة الشعب الفلسطيني وما يلاقيه يوميا من غطرسة المحتل ومن إذلال يومي على حواجز الاحتلال، وما يلحقه من ظلم ومرارة وضياع وفقدان للهوية، محاولًا سلبه كرامته وحياته الكريمة وحتى أمام زوجته وأبنائه، زيادة في القهر والإذلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تصور واقعًا اجتماعيًا تعيشه كثير من زوجات الشهداء حيث التغاضي من قبل المؤسسات الوطنية لاحتواء حالتهن الإجتماعية والإقتصادية فيزداد الحال سوءا، وتتعقد الأمور حتى تكون حلقة ضعيفة حتى أمام إبنها العاق وإن كان وحيدا، الذي يصبح الآمر الناهي لأمور حياتها فيزداد القهر قهرا والظلم ظلمات.
وينسج الكاتب بداية روايته من خلال سرد حدث إنسانيّ، حيث يلقي الضوء على إنسانه فلسطينية شابة تدعى "خديجة"، تعبر عن إحساسها اتجاه حدث إنساني حول طفل يكاد يسقط من علو "...إنه يتعلق بيديه الضعيفة في الدربزين، سيسقط، نعم سيسقط، لطفك يا رب، ركضت مسرعة انكمشت، توترت، انشدّت أعصابها، يديها لفوق تضرع إلى الله اتسعت فتحة عيونها، تجمد دمها، اقشعر بدنها..."، إلا أن شهامة شاب فلسطيني يدعى "خالد"، هذه الشهامة المعهود بها كل فلسطيني في كل مكان، تمثّلت في انقاذ الطفل من سقوط محقق قد يؤدي به الى الموت أو الأذى الكبير مما أثار إعجاب خديجة بهذا الشاب "فتحت فمها مندهشة....ذاهلة...ضحكت...فرحت كثيرا....، عندما شاهدت شابا طويل القامة، مثبتا قدميه على الإسفلت، يطبق بيديه القويتين على الطفل قبل وصوله إلى الإسفلت وكأنه حبة برتقال، أو كرة سلة".
هذا اللقاء الإنساني يترجم إلى علاقة حب عفيف تُتوّج بزواج ينقطع يوم العرس نفسه بسبب عادات مقيتة تعود لثأر معين منذ زمن طويل، إلى أن الإصرار والتحدي أدى بقرار خططه الحبيبان في زواج سري بعيدا عن الأهل والخلان، تكون ثمرته طفلا أطلقا عليه اسم "وسيم"، ولكن هذه الفرحة لم تدم طويلا، إذا كان أثناء عودتهما من فحص لتطعيم ابنهما إذ يصلان إلى حاجز عسكري يحاول الجنود الاستفزاز متعمدا إهانة خالد أمام زوجته:
ـ "شو...أنت بلعب مصارع يا جيفر ـ بطل؟ أنت عامل نفسك قوي، هاه...احكي!!!!؟(ص 40).
.....
ـ "احكي...أنت موش جيفر -بطل – أنت حمور".
ـ "حمار كبير...أنت فاهم يا حمور؟؟؟"(ص41).
يدور صراع بين خالد وبعض الجنود وتكون الغلبة لخالد أولا إلا أن جنديا حاقدا يفرغ العشرات من الرصاصات تخترق جسد خالد وتسقطه شهيدا...ومن خلال هذا المشهد يضعنا الكاتب في صورة من الصور التي يواجهها كل فلسطيني يوميا على حواجز الاحتلال من السخرية والإهانات وينتهي كثير منها باستشهاد العشرات من شبابنا الفلسطيني.
ـ "وصيتك وسيييييم ....يا....خ....د...ي....ي...ج ...ـة..."(ص42).
هذا آخر كلمات صرخ بها الشهيد "خالد" تاركا زوجته "خديجة" زوجة شهيد مع وليدها، حيث يبدأ الراوي حبكة قصصية أخرى أكثر إثارة تصور واقع زوجة الشهيد ما بعد استشهاد زوجها.
ولتوضيح الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها سنحاول تفكيك الرواية إلى عناصرها الأساسية وتحليلها على النحو التالي:
العنوان:
ينجح الكاتب في أن يشد انتباه القارئ من خلال عنوانه المتميز "أمضي أم أعود؟"، حيث يكون مدخلا للرواية، ومضمونه يمثل حالة صراع وتمزّق دائمين تواجهه الفلسطيني في حياته اليومية في كل مكان وزمان، هي حالة الصراع التي تراوده عند حواجز الاحتلال، أيعبر الحاجز أم يعيده الجنود، أيقبله صاحب العمل أم يعود أدراجه بقية أيامه باطلا عن العمل، أيمضي في قرار الهجرة من الوطن بحثا عن لقمة العيش أم يعود ويستقرّ في وطنه في حالة فقره المدقع ويتقبل واقعه المرّ، هذا حالة الصراع الدائمة التي تواجه الفلسطيني خلال مسيرته حياته بسبب الظروف القاسية التي يمرّ بها يوميا تحت الاحتلال.
المكان: انطلقت الأحداث في رواية "أمضي أم أعود؟" من مكان حدث يكون فيه طفل في حالة سقوط من علو، حيث كان متعلقا بدربزين البيت يكاد يقع على الأرض، وتتوالى الأحداث حيث يتم إنقاذ الطفل على يدي شاب يدعى خالد، ينتهي بلقاء في بيت والدة الطفل الذي تمّ إنقاذه بين خديجة وخالد، ومن هناك تنسج بينهما علاقة حب. وقد حرص الكاتب على ألا يذكر مكانا معينا خلال الرواية كلها بالإشارة إلى موضع ما صراحة، مدينة أو قرية، بل أشار إلى اسم إحدى المدن بالحروف (س ص)، لأن الكاتب أراد الإشارة أن أحداث هذه الرواية قد تحدث في كل ومكان من المدن أو القرى الفلسطينية.
الشخصيات الرئيسة: تدور أحداث رواية "أمضي أم أعود؟"، بين عدد من الشخصيات الرئيسة:
خديجة: تُعدُّ من الشخصيات الرئيسة في الرواية، وحتى يمكن اعتبارها الأكثر رئيسية لما يدور من أحداث حول هذه الشخصية الإنسانية، وهي التي أخذت قرارا عكس التيار في الزواج من خالد سرا بعيدا عن أهلها متمردة على العادات والتقاليد البغيضة التي أرادت أن تحرم هذا الزواج بين حبيبين عفيفين، وهي زوجة الشهيد التي تبقى وفية لزوجها الشهيد خالد، لترعى طفلها الوحيد وتقضي جلّ حياتها في خدمته وتربيته، ومن ثم تعاني ظلم ابنها الوحيد الذي ربته "برموش العين"، كما يقال في عاميتنا الدارجة، إلا أنه ينقلب عليها بعقوق وصل به أن يقوم بمحاولة قتلها لا لسبب إلا أنها رفضت أن تلبي ما يريد هو رغم ما قدمته له من حنان وعطف وعطاء، حيث يصور الكاتب في كلمات الإهداء:
"إلى الأمومة المعذبة الشقيّة، إلى الأمومة المقدمة على مذبح الحب والحنان، والعاطفة الصادقة البريئة دون أثمان"(الإهداء).
ثم تتوالى الأحداث حول هذه الشخصية فتشق طريقها بعصامية منقطعة النظير، بعد أن تنكّر ابنها لمعروفها، بعيدا عن أهلها وابنها وتبني حياة جديدة في مجتمع جديد يقدّر إنسانيتها وأسلوبها الراقي في التعامل، لأنها تستحق ذلك وبجدارة لما قدمته من تضحيات، بدءا من وفائها لزوجها الشهيد، واستمرارا لتربيتها لابنها في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، هذه الحياة الجديدة من تقدير الناس لها أثلج صدرها وعوضها خيرا عما كان الحال مع ابنها.
خالد: زوج خديجة، الشاب الشهم الذي أنقذ الطفل من موت محقق، وهو الشاب الفلسطيني الشهم الذي أبى أن ينقاد للعادات والتقاليد وأصر أن يتزوج خديجة ولو سرا وفاء لحبه لها ويقينا أنه على حق، وأنهما يستحقان الزواج على سنة الله ورسوله كباقي البشر رغما عن كل العادات والتقاليد، وهو الشاب الذي أبى أن يذلّ، وانتفض لكرامته أمام محاولة جنود الاحتلال إذلاله والسخرية منه وخاصة أمام زوجته، فدفع ثمنا غاليا، وهذه الشخصية تمثل في سلوكياتها كل شاب فلسطيني يحمل كرامة يعتز بها ويكافح من أجلها، وهي الشخصية المتعلمة التي تتمرد على العادات والتقاليد وتأبى الانصياع لها، هو شاب كما وصفه الراوي:
"خالد ليس من الشباب الطائشين، هو رجل نبيل بحق وحقيقة، كامل متكامل، لديه الكثير من خصائل الرجولة والشهامة والنخوة، أينما وجد ولا يوجد رجال يكون هو الرجل، هو صاحب موقف لا يتنازل، لا يتراجع أو يتقاعس، يتصرف بما تمليه عليه أخلاقه الكريمة ورجولته...."(ص37).
هذه الشخصية التي جعلت خديجة "تاجرت فيه ولم تفرط، انتظرته تحملت الإهانات من أهله وأهلها لأكثر من ثلاثة أعوام، ...كذلك إن الصفات والمواصفات العالية التي يتمتع بها خالد، فرضت على خديجة احترامه وتقديره والتمسك به، وتضرب بعرض الحائط خاطر أهلها، ثم تهرب معه دون اعتبار لأي منهم"(ص37).
وسيم: ابن الشهيد خالد، وخديجة زوجة الشهيد، المرأة التي كانت وفية لزوجها الشهيد، أبت الزواج حتى تربي ابنها الوحيد وسيم، وكان حلمها كبيرا نسجته لمستقبله وأعطته بلا حدود "لم تبق لها أي شيء لتحتفظ به لقادم الأيام، فكلّ ما كانت تملكه أعطته لابنها، أعطته بسخاء بدون حدود ودون تحفّظ"، ورغم هذا العطاء الكبير الذي ناله وسيم من أمه والتضحيات الكبير، جعلت في شخصيته الأنانية، وقد حملت نفسها مسؤولية "الأنوية" التي رافقت ابنها وحب التسلّط حتى على أمّه الذي ربته وسهرت عليه ليلا ونهارا:
"فالاهتمام الزائد الذي أولته خديجة لابنها وسيم، كذلك حبها الكبير له في كلّ مراحل حياته، أوصل وسيم للاعتقاد أنه ابن ملك أو أكثر، أو أن وجود أمه خديجة على هذه الأرض يرجع الفضل فيه إليه، لذا تكوّن لديه مفهوم خاطئ لعلاقته مع أمه وغيرها، وكأنّ الآخرين ملزمين بإعطائه كل ما يطلبه، فدوره في الحياة هو الأخذ فقط، أصبح وسيم يأخذ ولا يعطي، يسمح لنفسه بالأخذ ويمنع نفسه من العطاء، وبالتالي كبر لديه مفهومي التملّك والاستحواذ، ومفهوم الأنا تضخّم عنه كثيرا، صار صارّا لنفسه أكثر من ضرره لغيره، أنانية كبيرة ومفرطه، طمع زائد عن الناس، اعتقاده الواهم بسهولة الحياة، وأن كلّ ما يطلبه يستطيع الحصول عليه بسهولة، وغيرها من الصفات التي أصبحت مسؤولة عن أنويته ومسلكياته بشكل عام".
هذه الشخصية التي نالت كلّ شيء بلا حدود، التي تربت أن تأخذ ولا تعطي، استعظمت أن يُرفض لها طلب، لأنّه اعتاد أن تكون أوامره كلها مستجابة على الفور، استعظم أن ترفض أمّه طلبا له أن تلبس ما يريد هو من لون، ورغم تفاهة هذا الطلب، أدى به أن يقوم بسلوك عدواني بالاعتداء على أمه وحتى إلى قتلها:
" من شان اللللله لا تقتلني...آاااااااااه..ساعدونننننننني يا ناس.... جااااااي يا أهل البلد...يا عالم حد يساعدني".
فوسيم هي الشخصية التي تمثّل أناسا كثيرون في مجتمعاتنا الذين تقدم لهم خدمات كبيرة، إلى الحد الذي لا يمكن الردّ عليه، يردون عليك بنكران الجميل، فيصبح عدوك لفرط ما أحسنت إليه.
منى (أم بشير): بعد أن قررت خديجة (حيث سمت نفسها فيما بعد زبيدة أم الوفا حتى تخفي هويتها) الرحيل عن بلدها كانت تبغي الابتعاد كثيرا عن جرحها وبلدها، والوصول إلى ابعد الأمكنة التي يستحيل على أي من معارفها إذا فكّر في البحث عنها أن يجدها خاصّة ابنها وسيم. وبعد مسير طويل وبعد أن تحملت مشاق السفر تلتقي ببائعة خضرة تدعى "منى أم بشير"، امرأة طيبة مضيافة، شهمة بعد أن عرفت أنها غريبة عن البلد ولا تعرف أحدا يضيفها قالت لها:
ـ إذن أنت ضيفتي هذه الليلة إن شاء الله إذا قبلت، أنا أختك اسمي منى أم بشير"(ص67).
منى امرأة صابرة زوجها أسير لدى سجون الاحتلال الصهيوني، والذي يقضي حكما مؤبدا، امرأة كافحت شظف العيش وقسوة الحياة بعد سجن زوجها مما اضطرها للخروج إلى العمل في بيع الخضار، وكما وصفتها ابنتها سميه"....فأمي أطال الله بعمرها تقوم بدور الأب والأم، ....فهي إنسانة حديدية بكل معنى الكلمة، تنهض باكرا مع الفجرية، تذهب إلى الحسبة مع الناس، وتهتم بي وبأخوتي، وكل أسبوعين تذهب لزيارة والدي في سجم عسقلان، وتعود مهمومة مغمومة، كثيرا من الأحيان تمرض وتتعب، حياتنا قاسية يا خالتي، ولكن الحمد لله على كل حال"(ص74).
وشخصيتها كما رسم الراوي حياتها كبقية النساء الفلسطينيات اللواتي عانين قسوة الحياة مما اضطرهن للعمل في مجالات شتى لسد حاجات الأبناء من الطعام، والتعليم حين غياب الزوج إما لاستشهاده، أو سجنه، أو هجرته.
سميّة: ابنة منى أم بشير، طالبة جامعية طيبة بطيبة أمها، أحبتها خديجة (زبيدة أم الوفاء)، وكذلك سمية تعبر لها عن حبها لام الوفا "خالتي أم الوفا أنا بحبك كثيرا"(ص75)، وقد اصطحبتها في جولة إلى المدينة تعرفها على معالمها وحال الناس فيها، وتنشأ علاقة طيبة بينما دامت طويلا، وسمية هي الشخصية التي تمثل أيضا الكثير من الفتيات الفلسطينيات اللواتي أيضا عانين مرّ العيش، إما بسبب استشهاد الوالد أو سجنه، وإما باستشهاده، وتعبر عن ألمها من فراق الأب بسبب سجنه بقولها:
ـ الحمد لله يا خالتي، والله أنا بحب أمي وأبي، والله عندي حسرة كبيرة؛ بسبب اسر والدي في سجون العدوّ الصهيوني، والله لو حد يطلب من روحي، مقابل أن يفرج عن والدي ويفكه من سجنه لأعطيته إياها. أنت ما بتتخيلي كم المعاناة الكبيرة التي نعانيها جراء أسر أبي..."(ص74).
إقبال: خاتمة الفرح، حفيدة من غير ميعاد لبطلة هذه الرواية خديجة (زبيدة أم الوفا)، التقت بها في مقهى كانت قد أقامته أم الوفا بالتعاون مع سمية قرب الجامعة استقطب طلاب الجامعة، وكانت إقبال ممن يرتادون المقهى مع بقية الطلاب، أم الوفاء (خديجة) قربها من قلبها، وعند مرض أم الوفا الشديد نتيجة وساوس أصبتها أو ما أسماه الأطباء الوسواس القهري، انتقلت إقبال للسكن معها وقدمت لها أفضل الرعاية تعافت أم الوفاء جيدا، واستشعرت إقبال حبها الخاص لأم الوفا:
ـ "صرت لا أستوعب حياتي ووجودي في هذه المدينة، بدون أن تكوني فيها خالتي أم الوفا، فأنت اللغز المحير بالنسبة لي بحنيتك وحبك، بقهوتك، ضحكتك، وذوقك النادر حبيبتي، أنا وجدت نفسي مشدودة إليك بسر لا يعلمه إلا الله"(ص149-150).
وحين كتبت أم الوفا مذكراتها منذ التقائها بخالد وحتى اللحظة الأخير ذاكرة تفاصيل حياتها بدقائقها، وما حدث مع ابنها حين أراد قتلها وهجرتها إلى مدينة أخرى، ورأوا أنها تصلح لعمل أدبي روائي، تستحق التكريم عليه، و يذيع صيت الرواية ويفوز بجائزة الإبداع، ثم دعوة من البنك المركزي للتكريم، وتكون المفاجأة حيث يكون أحد المكرمين هو ابنها وسيم، وتكون إقبال حفيدتها، ويكون الهرج والمرج من هول المفاجأة، والبكاء والعويل، وصرخات إقبال وأبيها لاكتشاف أن أم الوفاء ما هي إلا خديجة التي رحلت منذ زمن:
ـ " أنت ستي...أنت ستي خديجة، أنت لست خالتي زبيدة أم الوفا...أنت ستي أم وسيم، حبيبتي يا ستي خديجة..."(ص173).
لم يخب حدس أم الوفا ـ خديجة بمشاعرها اتجاه إقبال لأنها كانت الأقرب على القلب.
رسالة الرواية
استطاع الكاتب أن يقدم للمكتبة العربية عامة، والفلسطينية خاصة إبداعا متميزا، كان له حس مرهف استشعره في كل بيت من بيوت الوطن فلسطين، فما من بيت إلا وفيه، شهيد، أو أسير، او مهجّر عن وطنه قسرا، إذ قدّم لنا نموذجين لما تعانيه الزوجة:
الأولى زوجة الشهيد، اليت ظلمها المجتمع، وظلمها الأقربون، وظلم ذوي القربى اشد مضاضة، بجاية مع ظلم مجتمع لم يرد لها الزواج ممن تحب وتراها سندا لحياتها، وسعادة دائمة، مما اضطرها إلى التمرد على هذا المجتمع وعاداته والزواج من شريك حياتها بعيدا عن إرادة الأهل والمجتمع، فقد دفعوها دفعا لذلك لتحيا مع زوجها بالحلال، ثم صور لنا كيف تفرّد بها ابنها الوحيد رغم عطائها اللامحدود لها ليفرض أنانيته، لأنه استشعر أن الكل يجب أن يدور في فلكه، وأنه الأحسن والأفضل، مما دفعها لأن تشقّ طريق حياتها بمفردها وتبني مستقبلا زاهرا من النجاح، وهذا معهود عن المرأة الفلسطينية التي تتحدى الصعاب، وتتخطى الحواجز وتنطلق كالريح المرسلة إلى الأمام فلا تقل عن شأن الرجال، وكما يُقال "امرأة أخت رجال"، تفرض في نهاية الأمر نفسها على المجتمع وعلى من ظلمها وتحظى بكل احترام مرفوعة الرأس رغم الألم والجراح.
الثانية: هي أم بشير زوجة أسير حكم عليه بالمؤبد في سجون الاحتلال الصهيوني الغاشم، وهي كبقية زوجات الأسرى تحد نفسها معيلة لأبنائها، تعاني من الصعوبات المادية والاجتماعية، تذهب مسيرة ساعات من المعاناة للوصول إلى سجن عسقلان لزيارة زوجها، وتعود مهمومة مغمومة، وفي كثير من الأحيان تعاني المرض، وقد نجحت هذه المرأة بعد مضي زوجها في السجن مدة 31 عاما فوق أنت تعيل أبنائها أن تعلمهم في الجامعات ويكونوا ناجحين، ميسون تزوجت وهي طبيبة أنف وحنجرة مشهور، سمية أنهت رسالة الدكتوراة في الجامعة، وهي رئيسة قسم، متزوجة ولها أسرة رائعة، بشير مهندس ناجح وله اسرة وأموره موفقة، وتبقة أم بشير وحيدة في بيتها صابرة تنتظر الفرج، حتى يأتي اليوم ويفرج عنه مع عدد من الأسرى في صفقة تبادل أسرى وتعم الفرحة البيت وسائر بيوت الأسرى.
وقد قدم لنا الكاتب رسائل عدة من خلال هذه الرواية:
الرسالة الأولى: هي رسالة موجهة لعموم أبناء الشعب الفلسطيني يبعث من خلالها الأمل في قلب كل فلسطيني، تضمنتها رسال سمية حين قرأتها في حفل تكريم أم الوفاء على كتابها:
"نعم صحيح أن ليلنا طال؛ إنما نهارنا قادم، ستشرق شمسنا وسيرحل الجراد عن أرضنا، وستنطفئ نيران الوجع لهذا الزمان البائس، وسيحتفل الوطن ويفرح بميلاد الإنسان الفلسطيني وانبعاثه من جديد. القدس تنتظرنا، لكل بداية نهاية، ولكل نهاية بداية، إنّ مع العسر يسرا، والفجر لا بدّ قريب، أليس الصبح بقريب."(ص170).
الرسالة الثانية: رغم قسوة الحياة التي تواجهها زوجة الشهيد أو زوجة الأسير، إلا أن الصبر مفتاح الفرج وتبقى الأم عظيمة بعطائها، وحنانها، وحبها، تحتوي الجميع، ورغم قسوة الأبناء اتجاه الأمهات، إلا أنه سيأتي اليوم وتدور الدائرة ويكونون آباء لأبناء ويعرفون معنى الأبوة، وسيستشعرون كم ظلموا آباءهم أو أمهاتهم، وهو الحال بالضبط الحال الذي حصل مع وسيم مع أمهم، يأكل يديه ندما وحسرة على ما فرطه بحق أمه الحنونة الطيبة المعطاءة.
الرسالة الثالثة: هي أن الصبر والمثابرة والثبات على الحق هي مفتاح لكل نجاح، فما حدث مع خديجة لا يعني نهاية الحياة بل هي بداية جديد وأفضل، تصل بصاحبها أعلى المراتب واحترام الناس ومحبتهم، فالأصيل يبقى أصيلا، وهكذا بقيت خديجة أصيلة بمبادئها، بحنانها وطيبتها، وهي دعوة لكل من واجه صعابا أن يبحث عن بديل أفضل، وقد افرغت خديجة همومها في الكتابة وأبدعت في ذلك، فمن المحنة تنتج المنحة، ومن الظلمة يخرج النور، ومن الأحزان يبزغ الفرح "ربما لا يستطيع الإنسان أن يكون شاعرا أو كاتبا، إلا إذا صار وزن أحزانه يعادل وزن جسمه، عندما يعيش الإنسان صراعا داخليا عنيفا مع فوضى متصاعدة من الأحاسيس والمشاعر، بهذا يكون الإنسان كاتبا"(ص170)...وحتى مبدعا.
وأخيرا أحيي الأستاذ فوزي على هذه الرواية الرائعة التي لامست المشاعر والقلوب والوجدان متمنية له المزيد من العطاء والتقدّم.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏

افتتاحية العدد الثالث من مجلة "الناقد" يوليو ـ 2024 الناقد "3" بقلم / ممدوح رزق



 افتتاحية العدد الثالث من مجلة "الناقد"

يوليو ـ 2024
الناقد "3"
بقلم / ممدوح رزق
يمثل كتاب "القصة القصيرة" للناقد الإنجليزي آيان رايد النموذج المناقض لكتاب "الصوت المنفرد" للكاتب والناقد الإيرلندي فرانك أوكونور والذي تناولته في المقال السابق .. كنت قد حصلت على الكتابين في نفس المساء ـ كما سبق وذكرت ـ من معرض الكتاب بالمنصورة عام 1993، وحين انتهيت من قراءتهما أدركت الفرق بين "النصية الحميمية" للنقد الأدبي كما عند أوكونور، و"العلمية الجافة" كما لدى آيان رايد، مع أهمية التعريفات والمصطلحات الدقيقة التي تضمنها كتابه خصوصًا بالنسبة لكاتب يخطو خطواته الأولى في كتابة القصة القصيرة ونقدها.
صدر كتاب "القصة القصيرة" لآيان رايد عام 1990 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة د. منى مؤنس واشتملت فصوله على مناقشة لتعريف القصة القصيرة، وعرض لتاريخ القصة القصيرة من العصر القديم إلى العصر الحديث، وتناول لأشكال أدبية تابعة للقصة القصيرة، ومقارنة بين القصة القصيرة والأنواع الأخرى من الكتابات النثرية وكذلك شرح لخصائص القصة القصيرة .. من ضمن ما لفت انتباهي في الكتاب أن "الصوت المنفرد" لفرانك أكونور كان من المصادر التي اعتمد عليها آيان رايد، وبالرغم من أن "الصوت المنفرد" كان يجسّد ـ وبشكل ساحر ـ ماهية عمل الناقد بالنسبة لي إلا أنني أدركت أن "اللعب الشاعري" ليس ضامنًا للتخلص من غريزة "الحكم الأبوي" على النصوص الأدبية، والدليل على ذلك أنني مع الاستغراق التام في الحديث الفاتن لفرانك أوكونور عن تاريخ القصة القصيرة كنت متيقظًا برفض عفوي "للانتقادات الإلهية" التي كان يطلقها أوكونور تجاه بعض النصوص التي يحللها ـ كما فعل مع موباسان وهمنجواي وكاثرين مانسفيلد مثلًا ـ حتى وإن لم أكن قد قرأتها من قبل، ولكنني كنت أمتلك في تلك الفترة المبكرة ما يمكن اعتباره وعيًا شاحبًا وأصيلًا، بأن "الحميمية النقدية" لا تعطيك الحق في أن تعيّن نفسك "شرطي القصة القصيرة".
في المقابل فإن الرصانة النقدية التي يمثلها آيان رايد لا تعني مطلقًا حتمية "الحضور الأبوي" بكل ما يتسم به من تحيزات عقابية مطلقة، ولهذا فإن جوهر "الناقد" كما تشكّل في بصيرتي منذ البداية ـ ومثلما أشرت في مقالي السابق ـ يمزج بين اللعب الحميمي وتفكيك "الحكم الإلهي" على النصوص، أي أنه أبعد ما يكون عن "الوصاية" التي لا تقوى سوى على محاولة إخضاع "الكتابة" / الحياة والموت إلى مجرد "وجهة نظر"، أو "زاوية رؤية" يتوهم صاحبها أنها "الصواب المطلق للعالم" وبالتالي لا يمكنه تحمّل وجود ما يناوئها.
تحميل العدد

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...