الثلاثاء، 25 أبريل 2023

صحيفة المؤتمر العربي الصفحة الثقافية ص 6

 













دائما ما أسمع تلك المقولة المجحفة التي يرددها البعض كثيرا، والتي تقول ( زوجة الأب خذها يا رب ) ولأنني لم أكن أتجاوز السابعة من عمري؛ كنت أراها مقولة ظالمة، لا سيما وأنا أعيش في كنف زوجة أب غاية في الرحمة والعطف والحنان؛ لدرجة أنني تعلَّقت بها أكثر من أمي التي ولدتني!

لم أكن أعرف تفاصيل الطلاق في هذه الفترة البعيدة من عمري، لكنني كنت أعرف أن أمي تنازلت عن حقها في حضانتي لأبي! واكتفت بساعة واحدة من كل أسبوع، ستين دقيقة فقط تراني فيها، وتطمئن على أحوالي! والعجيب أن زوجة أبي الطيبة كانت تسمح لها بالمجيء إلى بيتنا، وزيارتي والجلوس معي طيلة هذه الساعة، ورأيتها بعيني في كل مرَّة ترحب بها، وتستقبلها وكأنها أختها وليست طليقة زوجها، بل وكانت تطمئن على أحوالها، وتقول لها دائما :

إذا واجهتك أي مشكلة في العمل أو في غير العمل اتصلي بي، وسوف أحلها لكِ على الفور، أنا أعتبرك أختي؛ وأريدك أن تعتبريني كذلك!

وفعلا بحكم كونها موظفة في مركز مرموق في المجلس المحلي، كانت تساعد أمي، وكانت سببا في نقلها من المدرسة النائية التي كانت تعمل فيها إلى مدرسة قريبة من سكنها.

كل أسبوع كانت أمي تأتي لرؤيتي، وتجلس معي ساعة كاملة، وكانت بعض الأمور الغريبة تحدث خلال هذه الساعة، ولم أكن أنتبه لها، ولكن تكرار هذه الأحداث المأساوية أثار في نفسي الخوف والتساؤلات، ففي إحدى المرات سقطت مروحة السقف وتحطمت، والحمد لله لم يكن أسفل منها أي واحد منا، وإلا لوقع ما لا تُحمد عقباه؛ وفي مرة ثانية انفجر جهاز التلفاز واحترق، وكاد أن يتسبب في إشعال حريق في البيت؛ وفي مرة ثالثة زوجة أبي المسكينة سقط على كتفها أحد المصابيح المثبتة في سقف المطبخ، وتهشَّم؛ وأصابها بجرح قطعي بالغ، وسالت دماؤها على البلاط  حتى أصبح لونه أحمر من كثرة الدماء!

وتكرَّرت هذه الأمور الغريبة المخيفة، في كل مرة تحضر أمي؛ تقع المصائب، ويتحوَّل البيت إلى مكان منكوب، لدرجة أنني بدأت أكره الساعة التي تحضر فيها ! وسمعت أبي ذات ليلة يخبر زوجته، وهو في شدة الانفعال، ويقول لها:

لن أنتظر حتى تقع مصيبة أخرى، لن أسمح لتلك المرأة المشؤومة بالدخول عندنا مرة أخرى، ليتني لم أستمع لكلامك عندما طلبتِ مني أن أسمح لها برؤية الولد ..

حرام عليك تحرم أم من رؤية ابنها، مهما حصل، أرجوك راجع نفسك في هذا القرار أكيد ما يحدث لا علاقة لها به .

في المرة الأخيرة التي رأيت فيها أمي، كنت أبكي، ورغم كل محاولاتها ومحاولات زوجة أبي لتهدئتي لم أكف عن البكاء، لدرجة أنني شعرت أن قلبي سينشق إلى نصفين! لم أستطع أن أكرهها رغم كل ما كان يحدث، وكنت قلقا جدا، وخائفا مما سيقع في هذه المرة، وفي هذه المرة  تم نقل أبي إلى المستشفى، إنهم يقولون أنه أصيب بهبوط حاد في الدورة الدموية، كان من الممكن أن يؤدي إلى وفاته! رغم أنه طيلة الأيام الماضية كان سليما معافى!

خرج أبي من المستشفى، وعاد إلى البيت، ولكن أمي لم تعد مرة أخرى، ولم أرها بعد ذلك، وسمعت من فترة أنها ماتت، ولم أحضر جنازتها لا أنا ولا أبي!

وبعد سنوات بينما كانت زوجة أبي الطيبة راقدة في فراشها، من أثر وعكة صحية تمر بها، عثرت صدفة على دفتر مذكراتها، لقد نسيته على المنضدة، رغم أنها كانت دائما تخبئه في صندوق مجوهراتها، وتحكم إغلاق الصندوق عليه!

صدمتني الخطط الشيطانية التي كانت تدبرها لتجعل من اليوم الذي تأتي فيه أمي يوما أسودا مشؤوما! وصدمني أكثر أنها لم تتورَّع عن إصابة نفسها أكثر من مرة، مرة بجرح قطعي في كتفها، ومرة أخرى في كف يدها، كل ذلك لتبدو أمي شيطانة في عيني وفي عيني أبي وفي أعين الجميع! ولم أصدِّق عيني وأنا أقرأ كيف دسَّت حبة الدواء لأبي في طعامه، تلك الحبة التي جعلته يُصاب بذلك الهبوط المفاجئ في الدورة الدموية!

ووجدتني أبكي بحرقة، وأجثو على ركبتي، وأنا أقرأ كيف أنها بواسطة وظيفتها المرموقة أفقدت أمي عملها كمعلمة في وزارة التربية والتعليم، واضطرتها للعمل بعد ذلك كعاملة نظافة في إحدى المستشفيات .

*********************


 



النص

تمن

وضب لابنه الكرسي، أجلسه، أخذ يتمايز به، رسم له مخططاً يؤمّن مستقبله.. استفاق وهو يتصببُّ عرقاً؛ قرر مراجعة طبيب العقم للمرة العاشرة عله يحظى بامتداد يخلده.

مهدي الجابري - العراق

_________

القراءة

معاناة العقم تتحول الى هلوسة وتفرغ شحنتها في المنام او السرحان ..وكذلك في التفتيش عن مخرج في الطب احيانا وفي الخرافة احيانا التي لم يتبناها النص..

اذن نفس العقيم مشتتة متشظية تخاف من ان ينبتر نسله ولا يكون له امتداد ..ذلك يمليه عليه الواقع القبلي وحب البقاء والخلود .. فالبنية المعرفية هذه تفرض نفسها على تفكيرنا ووجودنا فنحاول ان نتغلب عليها بالنسل ..

والتكاثر ..وهنا اتخذت منحى واضحا ان الاب في تصوراته وضب له لغير موجود كرسيا وخطط لمستقبله ..وهذه ايضا تمليها بنية

معرفية متخفية ..وهي ان الاهل يتدخلون في رسم مستقبل اولادهم ايكون لهم صورة او تعويضا لما لم يستطيعوا تحقيقه هم..فيسخروا طاقات اولادهم لهم ..لرغباتهم ..

وذلك في بنية اخرى تسمح باجتياز الحدود ..وذلك يكون في الحلم ..الذي يتجاوز الاشكاليات ويلغيها ..

والتكرار في الذهاب الى الطبيب هو لتأكيد فكرته ..ومحاولة للتغلب على عقمه..

هل حقق له المنام بعضا من امله ؟

هل اشكالية واقعية اذا تفاقمت سيطرت على الانسان حتى تتجلى في المنام ؟

النص يغوص في كشف المعاناة واقعا وتخييلا ..

وما تصبب العرق الا لغة النصب ..الذي يعانيه في الحالين ..

صاحيا وغافيا ..

وكذلك الامنيات قد تتحقق او لا تتحقق .لذا كانت صيغة الماضي تقول ان الامر حدث وانتهى واصبح الامر خبرا ..يمتد في الماضي ..وضّب...أجلس ...اخذ يتمايز .. "وهو يتصبب"

حال لاستفاق..اي ماض ..

ولكن العقم الخلقي قد لا يصلح .."وجعلناه عقيما".

او نهبه الذكور والإناث .

*********************




السيرة الذاتية
-
شاعر وكاتب مسرحى وروائى مصرى ، ولد فى السادس من ديسمبر 1969 فى قرية العلاقمة – مركز ههيا – محافظة الشرقية .
- درس بكلية الحقوق جامعة القاهرة .
-هو مالك مؤسسة يسطرون الشهيرة فى مصر والعالم العربي أسس 
ملتقى يسطرون الثقافي ومؤسسة يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع وتولى رئاسة مجلس إدارة المؤسسة من ٢٠١٠ حتى الآن
_ ساهم فى الحركة الثقافية المصرية فأسس جماعة النيل الأدبية 2008 .
- عضو اتحاد كتاب مصر .
- مقرر اللجنة الثقافية باتحاد كتاب مصر ثلاثة سنوات وعضو لجنة العامية فى اتحاد كتاب مصر وفاحص معتمد فى اتحاد الكتاب المصرى والمسابقات المحلية والدولية
- رئيس لجنة التحكيم فى مسابقة أمير الشعراء في جامعة القاهرة ٢٠١٣ - ٢٠١٤
- عضو اتحاد الناشرين .
- عضو جمعية الأدباء .
- عضو المنتدى الثقافى المصرى .
- عضو جمعية المؤلفين والملحنين الدولية فى باريس
- عضو رابطة الزجالين وكتاب الاغانى .
أهم الإصدارات
- الروايات
1- ليزا .
2- أبو خشبة .
3- كعابيش .
4- يهودى فى شارع الغجر ( أديفا ) .
5 - بيت الزناتى
- المسرح
1- مسرحية : إنسان ملاك .
2- مسرحية : رقصة يناير .
3- مسرحية : عودة الأميرة .
4- مسرحية : فرحة الغلبان .
5- مسرحية : أحلام عبدالراضى .
6- مسرحية : جوز حبيبتى .
7- مسرحية : عالم غريب .
8- مسرحية : فستان فرح .
9- مسرحية : ناشط سياسى .
10- مسرحية : مجانين فى خطر .
11- مسرحية : الرجل الأحمر .
12- مسرحية : ليالى .
- الشعر
١ - تلغراف .
٢ - غيطان الليل ( أغانى مصرية ) .
٣ - الحب فى ميدان التحرير .
٤ - أسرار مريد .
٥ - مركب أفكار .
٦ - أمى راحت للملايكة
- الكتب
١ - آخر محطة للوطن ( مقالات نشرت فى أهم الصحف المصرية والعربية : الشروق ، اليوم السابع ، الفجر ، الوفد ، الديار ، السياسة الكويتية ، وغيرها )
وله تحت الطبع : فى ظلال الأدب .
صدرت حول مؤلفاته العديد من الدراسات منها :
١ - ( ليزا ) عماد سالم .. قراءة في تاريخ الحركة الإسلامية .. و العودة إلى
) واقعية القاع (..
د / حسام عقل : رئيس ملتقى السرد العربى .
٣ -( ليزا ) عماد سالم .. الشخصية المصرية قبل الطوفان ..
د عبدالرحيم درويش :
أستاذ الدراما ، ورئيس قسم الإعلام بجامعتى دمياط والوادى الجديد .
٣- مسرح عماد سالم وعالمه والموشى بالأرق ... الكاتب والناقد المسرحى د / أمين بكير .
 

*********************


 

     شعر

عماد سالم

....................

حود الطريق منى

والشمس مطفية

ماعرفتش أوصل لها

خطفتنى جنية

كل اليمام رقص

والرقص دا غية

طلع العنب يرقص

رقصته بعنيا

فكتب لى على ورقه

السكة مش هى

الخطوة متعسرة

ودموعى متبعترة

والضحكة محنية

تايه كما المعتوه

ولا كنش قصدى أتوه

والرك ع النيه

قلبى اللى كان معدول

بيحب دولا ودول

شاف الطريق معوج

والجنة باب مقفول

وصبرت ياما كتير

ولا عمرى مرة بانول

ودموعى ف عنيه

مركب تعوم فيها

وفوقيها تحتيها

وقلبى مش فيا

خطفتنى جنية

انا قولت دى آية

لابد اقراها

أعمل حجاب تحصين

م الفرقة والتوهة

خطفوا القمر منى

والشمس حجبوها

وفضلت أنا وحدى

أطلع لآخر دمعة

وانزل كرار روحى

ألاقينى باوصلك

والاقيكى بتروحى

لو كان على روحى ؟!

أزرعها قدامك

تطرح شجر ليكى

والشمس لعنيكى

وتنورى الناحية

لسه القلوب صاحية

وغرمها حواليكى

وانا قلبى ف اديكى

وبتحدفيه ف النيل

والموجة بتعيط

على عشق همسه جميل

يسند بإيده السما

يعدلها لماتميل

وانا قلبى حظه قليل

يعشق سراب الحلم

يحلم يشوفك حلم

أنا عاشق

يكون للعلم

ليكى انتى

وللسامعين

انا باهواكى

وصورتى فى حلمك الأصلى

ملامحك اللى انا عارفها

ومتدخل ف أوصافها

بروحى الهايمة وياكى

زرعت الشمس ف سماكى

هتطرح اسم لاولادنا

وعينى وروحى م الاول

سايبهم رهن وياكى

فمش ممكن اعيش وحدى

وقمرى لسه فى سماكى

وقلبى نبضته ف ايدك

وعينى ضيها شمسك

وضلى ماشى وياكى

وصرخت كل أشعارى

وحلفت عمرى ما انساكى

 

*********************











 في ليلة من كانون، لم أذق الطعام من يومين، قلت أبحث عنه بجانب الحاويات، فرحت أتسكع بالشوارع والأزقة من غير هدى . البرد القارص الزمهرير يقص الحديد كما كانت تغالي والدتي في وصف شدته، وأثناء سيري، رحت أبحث عن مكان فيه دفيء، قلب دافيء، ركن دافيء.

كل جسمي يرتجف، وأسناني تصطك من شدة البرد، ها هي امامي بناية قيد الانشاء، تقع على طرف الشارع، معدة لتكون محلا، كان يخرج الدخان منها، وصلت إلى مدخل المكان.

نظرت للداخل، فوجدت كهلا يفترش الأرض بأوراق الجرائد وكان يوقد نارا، دخلت اليه، لم انتظر ان يدعوني للدفيء؛ اقتربت من النار، أوشكت أن أحضن النار من شدة البرودة.

أخذت أمد يدي بالقرب من لهيب النار. تأملت الكهل، شعر أبيض غير منتظم، ولحية كثة، ملابس ممزقة متسخة، رائحة عفنة، ينطبق عليه وصف متشرد بجدارة. سلمت عليه، لم يرد، اكتفى بأن رفع عيونه نحوي، ثم نكس رأسه.

قلت له:_هل لي أن أجلس، قتلني البرد واللا موقف؟

ثانية لم يجبني، كان يلقم النار بصفحات من الجرائد، يختار الصفحات الاولى من الصحف القديمة، وقبل أن يرمي الصفحة للنار، كان ينظر الى صورة الوالي الموجودة عليها،يتمتم بصوت ضعيف، وبحروف لم أفهمها، ثم ينتزع الصفحة الاولى من أخواتها، ويقذفها بالنار، يرميها بكل غل ، يتبعها بتنهيدة، ثم يروح يهز رأسه بسخرية، ويقهقه بصوت عالي.

حاولت مرارًا وتكرارًا أن يدعه يكلمني، ولكن دون جدوى. رحت أقرأ... آه.... يا موطني..!

نظر إلي وكأنه يريد ان يقول:_أكمل..

تابعت.... قدم لي الزمان يا وطني إمتحان غيابك..

فقلت للحاوي:_اعطني يراعًا من جرابك..

فانتزع ضلعًا من أضلع صدري الشريدة..

والمداد كان دماء شهداء أيامك يا وطني التليدة..

وورقة الإختبار كانت جريدة..

فانتزعت صورة الوالي، وكتبت بدلًا منها قصيدة..

حجمها بحجم الكون، بدايتها آه.. ونهايتها تنهيدة..

ابتسم الرجل، وهز رأسه...

نظر نحوي، وكانه يقول:_اكمل.

عدت أقول:_ اهكذا يا زمان تقابل أحبابك!

سحب العمر أوراقي من أمام أعتابك..

ثم سحب السجادة من تحتي، كان هذا سوط عِتابك..

وصوت عَتابك..

تبين أن السجادة كانت عيونك، وحروفي أهدابك..

وأنا ما زلت أحاول ان أجد وجهًا لي، يتحمل عَذابك.

توقفت لما أخذ يجهش بالبكاء..

مسح دموعه بكُم قميصه، ثم نظر إلي، رحت أكمل...

لكن.. فاض حسنك يا وطني، وملأ الكرة الأرضية عِذابك.. تراني يا وطني، ما زلت أسير بأعتابك..

معلقًا بين السماء والأرض، انتظر عقابك..

ها أنت تفتح لي ثانية أبوابك..

وقفت قدامك، واقتربت حذاءك، لأقبل حذاءك.. .

لكني وجدتك قد تلطخ نجم سماك برحابك..

حتى راح الشوق يجذبك لقلبي، فصهرك وأذابك..

فلطختُ فؤادي بحنة جنة ترابك..

وصار إسمك على شفاه الفجر تنهيدة..

دموعه راحت تتساقط على النار حتى أطفأتها، عاد للخلف ومد جسده النحيل، أبعد الصفحات الاولى من الصحف، واختار صفحات الوفيات، الصفحات الوحيدة الصادقة بالصحف،افترش بعضها بالأرض، وتغطى ببعض منها .

اقتربت منه أكثر، يا إلهي.. أسبلت عيونه،حزنت على أنه حتى اسمه لن يكتب بصفحة الوفيات التي أحبها،لكني حسدته على نومته الدافئة الأبدية هذه!.


*********************








صديقة علي أديبة  تشيكوفية بامتياز، كما أنها أيضا إدريسية بلا منازع. كلاهما لم تبتعد أبصارهما، ولا اهتماميهما عن الفقراء، والبائسين، والتعساء، والمقهورين، سواء كان مصدر القهر خارجيا، أو داخليا. وتلك الفئات بحق هم الأبطال الحقيقيون للقصة القصيرة، ولسوف يبقى الأمر كذلك مهما أوجعوا رؤوسنا بالميتاسرد، وبالفذلكات الحداثية، والمابعد حداثية.

جرى السرد بضمير المتكلم على لسان الشخصية الرئيسية، فطرحت محنتها بأسلوب غلب عليه التعاطف.

والتعاطف هنا لا يعني الانحياز بقدر ما يعني التماهي مع الشخصية، والإحساس بآلامها ووصف الظروف المحيطة بأمانة وصدق دون إطلاق أحكام من شأنها الوصاية على القارىء. وهذا التعاطف لا يكون ممكنا إلا إذا تمتع الكاتب بقدر كاف من الإنسانية والمروءة.

والقضية التي تطرحها القصة شائعة، ولها جذور في كل المجتمعات الشرقية، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب. ظاهرها تضحية الفرد من أجل صالح الجماعة، بينما جوهرها الأنانية، فالتضحية عندما يقهر عليها الفرد قسرا لا تعدو نوعا من الاستلاب. أفدح أنواع الاستلاب، فالمسلوب هنا ليس مالا او عقارا، بل الحياة ذاتها.

والمستلبة في القضية المطروحة لا تواجه خصما واحدا، وإنما منظومة كاملة من الأعراف والتقاليد التي تمنح الجماعة سلطة تفوق سلطة القوانين، وتجد لها أسانيد من الشرع، وتتستر بأردية الفضيلة، والعفة، والمروءة، وهي من كل ذلك براء.

والاستلاب ظاهرة متعدية للجنس. يتعرض لها الرجل والمرأة على السواء. فيجبر الشاب على الزواج من أرملة أخيه حفظا للميراث داخل حدود العائلة، وتجبر الفتاة على الزواج من أرملة اختها بدعوى تربية الأولاد.

كيف عالجت صديقة موضوعها؟

تلك حكاية الحنكة، والخبرة، والبراعة في تقمص الحالة، فعندما تستلم صديقة الحالة وتعبر عنها بضمير المتكلم تتماهى معها حتى يستحيل على القارىء إدراك المسافة بين الكاتب وبين لسان الحال. فالاختفاء التام خلف الشخصية فن تتقنه وتبرع فيه. وهذا بالضبط مايمنح نصوصها المصداقية، أو مانسميه " الصدق الفني".

قام الحوار في النص بأدوار متعددة:

فهو نقل المشاعر، وأفصح عن النوايا والمخاوف. وسوف نستعرض فيما يلي الفقرات الحوارية التي شكلت العمود الفقري للقصة لنعاين كيف تم توظيفه في توفير كافة الخصائص اللازمة لنجاح القصة القصيرة.

- الفقرة الحوارية الأولي بين الشخصية وبين اختها المحتضرة. تترك فيها الأم أطفالها وديعة لدى الأخت، وتربطها بهم برباط وثيق .." هم يحبونك فلا تتركيهم.. عديني ".

لا نلمح لدى المحتضرة أي إيماءة للمصير المنتظر. لكن المعنى المضمر في اسم الإشارة "هم" يلمح إلى أنها تشمل به الزوج، يؤكد ذلك الوصايا التي حرصت على إزجائها عن عاداته وطباعه.

- الفقرة الحوارية الثانية بعد موت الأخت، وشملت على إيجازها الفني الجميل الأطراف الثلاثة. وفيها تمهيد للعقدة. نلمس إرهاصات الأزمة تحلق في أجواء الحوار دون إفصاح. وما تمخض عن تلك الفقرة من مشاعر الرفض والقبول، وتمهيد الأطراف لطرح تلك الرغبات أو تفنيدها لم يكن ليحتاج أقل من عشرة سطور من السرد والوصف.

- الفقرة الحوارية الثالثة وردت مبهمة مبتسرة، لأنها قيلت في الخفاء همسا في غياب الراوية فلم تلتقط إلا كلمات الأم التي بدت وكأنها صاحبة الفكرة. وغياب كلام الزوج يعني إما انه لم يحر جوابا. أو أنه أعلن عن موقفه صمتا بلغة الجسد.

- الفقرة الحوارية الرابعة: تدور بلغة سافرة بعد أن اتضحت المواقف، ومقاطع الحوار يتم تبادلها بين طرفي الأزمة بإيقاع سريع، يستخدم فيه الزوج منهج عاطفي، فيذكرها بالوعد الذي قطعته لاختها، ويطرق على وتر ارتباطها العاطفي بالأولاد فيهرع لاحتضان الابنة الباكية مثيرا تلك العاطفة.

- الفقرة الحوارية الخامسة: تدور بين الزوجين عقب أسبوع من العرس الذي تم في اجواء من الحزن والفتور .." بلا فستان زفاف ". حوار مقتضب يشي باستمرار الأزمة فلا الزوج بقادر على نزع صورة البنت اليتيمة التي كان يعدها بمثابة ابنة له. ولا الراوية بقادرة على محو رائحة وصورة الأخت المتوفاة.

- الفقرة الحوارية السادسة والأخيرة: تدور بين الراوية والأم، وفيها تنحل الأزمة باتخاز الراوية قرار إنهاء علاقة الزواج، " فالأيام لن تحل أمرا عصيا على النفس".

أما الأم فترضخ إذ أنها لم تحر جوابا دلالة الاستسلام للأمر الواقع.

يعتمد قوام القصة في أغلبه على الحوار باسثناء انتقالات سردية محدودة. ويعد نجاح الحوار في تغطية كافة تفاصيل الحبكة بحيث بدت الحكاية متماسكة ومقنعة. يعد ذلك من إمارات البراعة والحنكة التي تتمتع بهما صديقة علي.

والأمر الذي تجدر الإشارة إليه في هذا الظقام هو استخدام الفصحى في الحوار، وأظن - ولعلي مصيبا في ظني - أن احدا من قراء القصة لم يلتفت إلى ذلك، لأن مالفت نظري لتلك الجزئية هو أنها واحدة من نقاط الفحص التي اعتمد عليها، وما أظنني كنت أنتبه فيما لو كنت قارئا للمتعة. وهذا يؤكد أمرين:

- أولهما إمكانية إدارة الحوار في السرد القصصي بالفصحي. صحيح أن استخدام اللغة الدارجة من الأمور المسموح بها في الحوار بإجماع الآراء، والحجة التي تبيح ذلك هي قدرة الدارجة على تجسيد الواقعية في السرد. فما شأن اللغة الفصحى التي استطاعت أن تعبر عن الواقعية في أجلى صورها على يد صديقة علي. كيف تمكنت صديقة من وضع اللغة الفصيحة على ألسنة أبطالها فتبدو وكأنها الدارجة المستخدمة في الحياة الواقعية. إنما هو الإحساس بطبيعة اللغة، والقدرة على تطويعها لتعكس أدق خلجات النفس. ونحن نجد عند نجيب محفوظ تلك الخاصية، فهو في رواياته وقصصه أنطق أبطاله بتلك اللغة التي تقرأها فتحسبها عامية لبساطتها ومناسبتها لمقتضى الحال، ولطبيعة الشخصيات. فـ صديقة علي في هذ الباب محفوظية أيضا.

تستحق القصة بالطبع التناول من محاور متعددة، فليكن هذا التناول مقصورا على براعة الحوار، عسى أن تتوفر الفرصة لقراءات لاحقة.

------------------------



نص القصة:

وعد

حال وجهها الحبيب، بيني وبين سعادة مفترضة لعروس بلا فستان زفاف.

بعد فقدانها يصبح الحديث عن السعادة ضرب من الخيال، كلها أوهام لأفراح سطحية، لا تلامس العمق، قد تخلقها ضحكة ابنتها، أو لعبة ننجزها معا أنا وابنها، أو كلمة “ماما” تنعش قلبي، بل تحرك أوجاع الحزن.

ـ أوصيك بالولدين وأبيهما …هو رجل، لا كل الرجال، وأنت تعلمين كم وقف معنا، وكم تحمل لأجلنا.

ستعيشين… وستفرحين بأولادك، وهم يكبرون… وتتمتعين بالحياة …

- لا تواسي محتضر… لا تقاطعينني … تذكري هو لا يحب الأكل البائت … لا يحب أن نشغل التلفاز وقت الطعام، يحب أن … أن أجلس مقابلة له على المائدة، لا يبدأ بالطعام قبل أن أجلس … لا تنظفي الأطباق قبل موعد الشاي، يحب أن ينظفها بنفسه … ثيابه … آه كيف سأشرح لك عن ثيابه؟

دموعها تغور في الوسادة، ودموعي المكبوتة تسقي قلبي الطافح بالألم، وحزن أمي لا يحيط به كلم!

- هم يحبونكِ جدا لا تتركيهم ..عديني.

- أعدك

وإن تزوجت …؟

لن أتزوج، ثم انت ترين طابور العرسان … ما أطوله ! . قلت ممازحة، عسى أن تنبثق من شفتيها ابتسامة تلين كل هذا العذاب.

ردت بصوت واهن، وبابتسامة ملائكية واهية:

كله قسمة ونصيب… عندما يكبران، أخبريهما كم كنت أحبهما، ولا أرغمهما على شرب الحليب.

أشعرني بإن اصراري على التواجد الدائم مع الأطفال هو الجنون بعينه، “فالمجتمع لا يرحم”

- حتى بوجود أمي معنا …؟

- حتى بوجودها قال، مطرقا رأسه في الأرض، يخفي دموعه العالقة.

- لن نسلم من ألسنة الناس .قالت أمي .

وسمعتها تهمس له : لا أستطيع البقاء هنا أكثر … كما لا أستطيع حرمان الولدين منك … الحل الوحيد أن تتزوجا.

جاءني مقهورا، مرتبكا، كمن يداري جريمة:

- ما رأيك؟

ـ هذا لا يمكن بل شبه مستحيل … أختي حاضرة بكل شيء هنا وفيك، ثم كيف تنسى كم كنت أخي بل أبي؟ .

لم أكن أشعر باليتم بوجوده، كان يغمرنا بكرمه وعطفه … اللامحدود، لوقت قريب كنت كابنته التي تحكي له عن كل همومها. فكيف ستتبدل الصورة …؟

ـ لا أخفيكِ سرا، هذا ما أشعر به … لم تكوني يوما سوى شقيقتي الصغرى، ولشدة محبة أختك ورعايتها لك؛ كنت أشعر بالمسؤولية التامة عنك … لكن الوعد أنسيته؟ من سيحنّ عليهما مثلك؟.

-دعني هنا واذهب لحالك … تزوج، هذا من حقك …. وسأبقى طوال العمر أماً لهما.

ـ لا ينفع …صدقيني لا ينفع، قالها بأسى وذهب يحتضن طفلته الباكية لانشغالنا عنها.ونظراته تنبئ عن صراع رهيب يدور في داخله.

كل يوم يمرّ، مع فرح الطفلين بي، يؤكد رضوخي للحلّ الوحيد … إلى أن تمّ الزفاف بأجواء جنائزية.

وكانت أمّي، بالرغم من مرضها، حريصة على أن تتحمل أعباء الطفلين، بعيدا عنا ، إلى أن يمضي ما يسمى بشهر العسل… ومضى الأسبوع الأول، بعواصف مجنونة من البكاء المرير… يحتضني من أصبح زوجي بخطأ قدري، لكن حضنه دائما ينسى أن يخلع رداء الأخوة.

ـ ما رأيك أن نلجأ للطبيب؟

ـوما قدرته …؟ أويستطيع أن يبدل عيني كي أراك فيهما غير أخي؟، هل هو قادرعلى إزالة رائحتها منك ؟أو على محي شريط صورها في كل ركن من ذاكرتي… ومن بيتها .

يقطع نحيبي صوتُ أمي القلق على الهاتف:

ـ لا تطمئني … وجه ابنتك حاضر أبدا … لم ترحل… أفهمت؟! واقتراحك لن ينجح…لن ينجح.

ـ الأيام كفيلة بأن تحلّه لك.

ـ لن تحلّ الأيام أمرا عصيا على النفس … ابحثي له عن زوجة ثالثة، وأعيدي لي ولديّ … أتوق بشدة لهما.

صديقة علي

*********************







في ليلة من الليالي الممطرة، وقد "أرخى الليل سدوله" وأغلق كل ذي باب بابه، طلبت (فنتا) من خطيبها (سمبا) أن يرافقها لإيصال رسالة أبيها إلى إحدى القرى المجاورة التي تفصل عن قريتهم غيل دونه غيل؛ إذ ليس لـوالد "فنتا" ابن يعينه على أموره، فكانت المسكينة "فنتا" بمنزلة الابن والابنة في آن واحد، ولذلك تعين على سامبا أن يغطي هذا الفراغ بعد زواجه من فنتا.

عموماً وافق سمبا على الفور لِيتنهز فرصة الحديث مع خطيبتها التي تحدث الجميع عن حبها له حتى إن شباب القرية يكنّون له حسدا وبغضا على حبهما الصافي الذي لم تَشُبْه شائبة ولو لمرة. أخذا الحبيبان سبيلهما نحو القرية لتنفيذ مهمة إيصال الرسالة المطروحة على كاهل فنتا، وفي الطريق مع أخذ الحذر والحيطة من أصوات الضباع التي تملئ كل مكان، وفنتا تكاد أن تقيّأ أحشائها من شدة الخوف وهي متعلقة تحت إبط سمبا، وقلب سمبا يرتعد وكأن بصدره رعد لكن رجولته منعته من أن يظهر خوفه أمام خطيبته، وكان فقط يواسيها ويطمئن قلبها ويهمس في أذنها الأمل والتفاؤل، وفجأة إذا بأسد ساكش يقطع عليهما الطريق وأنيابه مقشّر، فأغمي على فنتا وأنفاسها تعلو وتسفل، وسمبا يفكر كيف ينقذ حبيبته التي قطع لها عهدا أنه سيفدي روحه لها مع ظن سمبا أن فنتا لفظت أنفاسها إلا أنه يتوجب عليه حمل جثمانها ليعود بها إلى القرية، والأسد يرعد بصوته ليقض على فريسته.

حاول سمبا أن يضع خطيبتها المغمية عليها على كتفه ظنا أنه جسدا هامدا دون روح، ما إن حاول سمبا النجاة بفنتا حتى انقض عليه الأسد بكل قوة وجعله مجدولا على الأرض، ووخز بأظفاره في ظهره، وسامبا قد جعل صدره حصنا حصينا لـ فنتا التي حسبها جثة، فلما رأى الأسد أن سامبا لا يهمه سوى حماية فنتا، قام بقطع وريده فهوى سامبا جثة على فنتا، فلما قضى الأسد وطره من لحم سمبا ترك عقيرته دون مساس بفنتا المغمية عليها، وغادر بعيداً متعمقا في غيل بعده غيل.

وفي الصباح عادت فنتا إلى وعيها وعاينت المشهد المريع، فأدركت أن سامبا إنما ضحّى بحياته لإنقاذها هي، فجنّ جنونها وبدأت تصيح وتصرخ قائلة: "من لي بعدك يا سامبا؟ يا ويلي لقد ذهب حبي؟ يا ويلي من لي بمثلك يا حبي!؟.. فحضر الناس من كل مكان، وامتلأ الموقع بالناس، وهم يواسونها قائلين"الحب.. التضحية! الحب.. التضحية!".

 

*********************






هناك تعليق واحد:

  1. بالتوفيق دائما لهذا المنبر الراقي ..بوركت جهودكم

    ردحذف

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...