القصة القصيرة في الجزائر
حضور قوي في كل
المنافسات العربية والدولية
كتاب القصة القصيرة الجزائريون
يتألقون ويحرزون المراكز المتقدمة
في الكثير من مسابقات القصة القصيرة
على امتداد الوطن العربي
ظهر ذلك جليا في المسابقات الأخيرة ومنها المسابقة التي نظمها نادي ( الساردون يغردون ) حيث فاز بالمركز الأول في المسابقة الفردية الكاتب والأديب المتميز ” مسعود ناهلية ” عن قصته القصيرة ( حديث إلى الله ) كما فاز الفريق الجزائري بالمركز الثالث، حيث جاء بعد الفريق المصري الذي أحرز المركز الأول ولقب التتويج، والفريق اللبناني الذي أحرز المركز الثاني.
وقد وضحت الكاتبة والأديبة تركية لوصيف أن هوية القصة الجزائرية مكنت الفريق من إحراز المركز الثالث عربيا
فقد أسدل الستار على فعاليات القصة القصيرة التى نظمها موقع الساردون يغردون ،وعرفت مشاركة 14 فريقا دامت شهرين ،وتعود الفكرة للكاتب المصرى رضا يونس الذى عرض مشروعه الثقافي ليلقي الرواج والترحيب من قبل المجتمع الأدبي العربي. آليات اعتمدها في تجسيد المشروع المتحدث عنه بدعوة أدباء من المنتسبين للنادى والذين خاضوا غمار المسابقات وأحرزوا المراتب الأولى لتوكل لهم مهمة تشكيل الفرق حيث ينطلق رؤساء الفرق من نشر إعلان على صفحاتهم الشخصية وعلى منصات ثقافية لتعميم الإعلان ،وتم تشكيل أول فريق في القصة وتعلق الأمر بالفريق الجزائري الذى ضم نخبة من الأقلام المميزة منها العتيدة ومنها الناشئة التى تبحث عن الفرصة للبروز والظهور عربيا ودوليا.
تركية لوصيف
هذه خامس حصالة من الفخار أكسرها وأعد النقود التى وفرتها مما تقاضيته من صاحب مسرح األراجوز، إنه شحيح وبائس يعيش بمفرده فى بيت قد خصص جزء من ّهم من األطفال الفقراء الذين حفظوا العروض ، كنت أستمتع من خلف الستار وأنا مساحته للمتفرجين ، جل أصغى لصغيرتين ترددان الحوار المفترض ما بين العروستين السوداء والشقراء، وينتقل الشجار المفترض إلى حقيقة وواقع مر ..أعود بعدها مع زميلى خلف الستار ونواصل العرض بعد فض الشجار ،ويعود الهدوء إلى المكان وخرجنا يومها عن النص ، زميلى يردد: أحبك يا دميتى ثم يشرك األطفال فى 3 العرض و يسألهم : من يحب سيلينا أكثر منى ؟ الجمهور : نحب سيلينا ..نحب سيلينا- .لماذا؟ -ألنها دمية وتحب الصغار ..تعرض موسى لعقوبة الفصل من المسرح ، رأيته يغادر غاضبا فاستوقفته حتى أفهم قرار ذلك البائس ولكن لم يمنحنى الفرصة ، استعلمت من اإلدارة ، كان الفصل ورأيته قرارا تعسفيا فى حق موسى ، دخلت مكتب ذلك البائس فح ّملنى بعض الوزر مما حدث وهددنى بالفصل فصحت فى وجهه: أيها البائس أنا مغادرة بمحض إرادتى .. أين موسى اآلن ! فكرة التسكع فى سوق األقمشة راقت لى حتى رأيت موسى داخل أحد المحالت ، كنت أختلس النظر لما يفعل ! ربما سيصمم عرائس جديدة ويخطط للعرض فى الشوارع ، كان يحلم بهكذا عروض ولكن قريتنا صغيرة وقليلة السكان ومعظمهم يعملون فى البستنة عند أحد الخواص .عالقتى بموسى تعود أليام تواجدنا بدار الطفولة المسعفة ، كان الوحيد الذى يقبل اللعب معى والحديث عن وجودنا فى هذا المكان الذى يعج باألطفال مجهولى النسب ، كنت الللؤة السوداء الوحيدة بينهم وحتى موسى كان أشقرا ، كيف لطفلة سوداء أن يكون لها وافر الحظ فى مجالسة موسى ، كنت أرى الصغيرات عنصريات . إنه عيد ميالدى الثالثين وكان البد من وجود كعكة من أرقى محل وأنا محاطة بهؤالء العنصريات اللواتى قدمن لألكل وليس لمجاملتى ، نرجس التى تسعى للظهور على حسابى فى كل فرصة أكرهها وأضيق من تواجدها حتى مسرح العرائس اقتحمته وكانت تفشل فى كل مرة فأعوضها حتى ال ينسحب الجمهور .كان يوم مولدى بحسب شهادة الميالد التى لم أقرأ فيها سوى إسمى )سيلينا (، من أطلق هذا اإلسم كان موسى وكان يكبرنى بثمانى سنوات ، كان يعتنى بى ويضمنى إليه كلما تعرضت لبطش الصغيرات العنصريات ، كان يدافع عنى ويقول : إنها دميتى السوداء !! جميعنا فى أرقى مطعم يقدم الحلويات والشاى وحتى تنظيم أعياد الميالد ، كانت فكرة موسى وسعدت بها ولكن أرى األشقر يدخل من الباب الدّو أراه قد تأخر فى الحضور وأرى اآلن العنصريات يتهكمن . ار وهو يحمل علبة طولية الشكل وقد لفّت بشريط أسود، ابتسمت ألنى أدرك أن كل لون أسود هو ملكى ، لم يضعها على الطاولة بل كان يمسكها بقبضة محكمة ثم نادى النادل : أحضر الكعكة وشغّل موسيقى هادئة فهذا عيد ميالد رفيقتى ومؤنستى ولؤلؤتى السوداء .كنت أرى المحل ال يتسع لألخريات ، بعد تقطيع الكعكة والتقاط الصور ، وجدتنى بين ذراعى األشقر يراقصنى مثل األميرات ثم همست فى أذنه : ماتحويه تلك العلبة؟ استوقفنى قليال وطلب انتباه الجميع: سيكون لنا مسرح خاص بنا ، واخترت ممثلة من بينكن حتى تجوب معى العالم ونعرض عروضنا فى الشوارع وسأطلب من سيلينا فتح العلبة اآلن . وجود الشريط األسود على العلبة كاف ألطمئن وأكون أنا من تجوب العالم بمسرح العرائس، كانت عروس سوداء، فرحتى كانت كبيرة ، أنا من سترافق األشقر فى جوالته . تذمر كبير من الحاضرات ، عانقت األشقر وغادرنا المطعم وأنا ألوح للمارة بالعروس السوداء ...تبادر إلى ذهنى هذا السؤال: من أين لك بالمال ياموسى ؟ لقد دفعت للنادل بسخاء، وجلبت لى دميتى السوداء .كان يبتسم وفهمت أن وراء هذه اإلبتسامة مقلبا ناجحا ، فأنا أعرف مشاكساته منذ الطفولة ، كان يسرق ممتلكات األطفال ويبيعها فى السوق ويجلب بثمنها شكوالطة ولكن هذه المرة غابت الشكوالطة- .كل ماجناه ذلك البائس الذى استغل جهودنا فى مسرح العرائس صار بجيبى- . هل اختلست ماله ؟ سيشكوك للشرطة ! بعد عمر طويل إن شاء هللا ) يضحك بنشوة النصر ( -لن أرحم أحدا ،سأصبح غنيا وسأتزوجك يا سلينا، هل تقبلين عرض الزواج ؟ تحسست حرارته ، أمسك بيدى وطبع عليها قبلة وقال : سننتقم من هذا العالم البائس ! رأينا نرجس تركض بإتجاهنا وكانت تلهث ، لم يمنحها موسى فرصة استعادة أنفاسها التى كادت تنقطع- . نرجس ياوجه النحس ، مااألمر؟ -الشرطة ..الشرطة ..تبحث عنكما ، ذلك البائس أبلغ عنكما ، ولكن ماذا فعلتما ؟؟ –غادرى ، الوقت ليل ، عودى إلى وكرك يا مشردة- . لن أفعل ، سأرحل معكما . ضاق صدرى من وجود نرجس فى حياتى ،إنها هنا ألجل موسى ، شيء من الحب تكنه له ، إنها شقراء جميلة وتناسبه .صمت ساد للحظات وتنهيدة موسى العميقة كانت بسبب تذمرى . صفير سيارة الشرطة تجعلنا نفر من المكان .انتهى بنا المطاف عند ميناء وكانت السفن تغطى المياه وأصبح موسى المشاكس قائدنا ونتلقى منه األمر فننفذ فحسب ، غاب بريق الحب من عينيه واستبدل بنظرة الشر .أمرنا بالسباحة والتخلص من أغراضنا ولكن رفضت التخلص من عروستى السوداء وحتى نرجس تمردت فحقيبتها الصغيرة تحوى أحمر الشفاه وفستانها األحمر المسروق من أرقى محالت المدينة ..وافق على مضض وقفزنا فى المياه ، نرجس تظاهرت بالغرق حتى ينقذها موسى ، صارت بين ذراعيه اآلن ، بينما أنا كنت من وجدت المنفذ ، كانت سفينة تجارية ، تحوى صناديق الفاكهة التى ينتجها فالحو البلدة .نمنا ليتها نوما عميقا، استيقظ موسى قبلنا وقال: إنها طيور النورس .! . فركت نرجس عينيها ، إنها كسولة ، فتحت حقيبتها وأخرجت المرآة وأحمر الشفاه واستخدمته على شفتيها ،موسى متذمرا: لن ينفع جمالك فى هذا الموقف ، كل الحيطة والحذر مطلوبتان منكما ، سيلينا راقبى المخرج . لم أر أحدا من راكبى السفينة ، ربما هم نيام قلت : لنقفز فى المياه وفعلنا ..سبحنا حتى وصلنا للمرفأ وكان التعب قد أنهكنا .اخترقنا جموع الزبائن وقررنا تقسيم األدوار ، أنا خادمة السيدة الشقراء وهذا أسعدها ورأيتها تبتسم بخبث استفزنى ، أنا ح ّرة ويمكننى تركهما وشأنهما ولكن موسى حثنا على الصمود والتكاتف فيما بيننا ..تعرف إلينا أحد الح ّمالين يعمل فى السفينة التجارية منذ سنوات ،اقترب مّنا و ابتسامته تسبقه- . حمدا هلل على نجاتكم من بين يدى الشرطة .ثالثتنا فى حالة من الذهول -ولكن ؟ -هل نمتم جيدا ؟ –ثالثتنا : حمدا هلل وشكرا على قضاء الليلة على سفينتكم -صاحب السفينة يريدكم فى أمر يعود بالنفع عليكم .تبعنا الح ّمال واجتزنا الممر الخشبى الذي يوصل السفينة بالمرفأ،الح ّمالون ينزلون البضاعة بكل نشاط ، دخلنا لمخزن المؤونة ، كان هناك إبريق من الشاى يفوح عبقه محضر للتو ، وكان الرجل حسن الهندام ومتوترا ، أشار للح ّمال بالمغادرة وطلب منا الجلوس فجلسنا وتوسطنا موسى وكل واحدة شدّت على يد..اأطال صاحب السفينة النظر إلينا ثم قدم لنا أكوابا من الشاى و عاد لمجلسه .. كنا نستمتع بمذاق الشاى ونتبادل نظرات اإلستفهام بيننا ، وضع موسى الكوب وقال :هات ماعندكم ياسيدى- !! لى ابنة وحيدة تمردت منذ سنوات وأريدك أن تعيدها للبيت . قام وأخرج من الدرج صورتها وناولها لموسى ، اندهشنا لجمالها ورشاقتها وحلو ابتسامتها واتساع عينيها وشعرها البنى المنسدل على كتفيها . نظرت إلى نرجس كما لو أنها بلعت لسانها وأنا نظرت إلى سواد دميتى المقرفة ،موسى لم يبعد نظره بعد عن الجميلة- . أين يمكن أن تكون ؟ -فى هذه البلدة- . ولكن لم لم توكل المهمة ألحد موظفيك ، لم أنا؟ -اجعلها تحبك وتتزوجك وانجب منها أحفادى وستصير سيدا غنيا يوما ما- . أقبل الشطر األول فقط من عرضك هذا ، ولكن ال يمكننى الزواج- !! هل أنت متزوج ؟ -أحب هذه السوداء وال أريد غيرها- . هل ترفض ابنتى أيها اللص ؟ !! ذهلنا ، إنه يعرف كل شيء ، ولم يزعجنا ذلك اليوم ، وتركنا ننام ونرتاح ، يبدو أ ّن له عيون بكل مكان تترصدنا وصرنا فى قبضته .موسى مص ّر على الرفض وصراخه يعلو، وصاحب السفينة تناول تحفة نحاسية وضربه على وجهه وسال دمه..إنه يسقط أرضا ونرجس تصرخ رعبا وأنا تقدمت من العنيف وأطرافى ترتعش وقلت : قبلنا عرضك ياسيدى ولكن نحتاج عدة الدواء حتى نعالج جرحه فى الحال أخشى عليه من العفن .وضع بقربى العدة وغادر المكان ، رأيته يحدث ح ّمالين من خالل نافذة دائرية الشكل وهما يصغيان بانتباه ، مسحت الدم ووضعت ضمادة على الجرح كانت نرجس قد عقمتها ، الح ّماالن يقدمان لنا المساعدة وينقالن موسى لغرفة خاصة . مالك السفينة يقايضنا فى هذا الظرف السيء، موسى فى شبه غيبوبة فى الغرفة الموصدة، علينا أن نجد الفتاة المتمردة حتى يسلم لنا صديقنا المصاب وفى حالة فشلنا سيتخلص منه رميا فى عرض البحر..حياتنا البائسة فى الشوارع كانت أرحم مما نشعر به اآلن ، طلبت مساعدة نرجس فهى ذكية للغاية وتحسن الحديث مع الناس وتستخدم جمالها الفاتن للتأثير عليهم ، جبنا السوق الشعبى ، كان زقاقا مكتظا بالزبائن من الجنسين ، أصوات الباعة تختلط ببعضها- . ركزى إن سمعت صوت فتاة يا نرجس- .علينا التسلل حتى نهاية الزقاق ثم ننتقل إلى وجهة أخرى كانت هناك لحسن حظنا ، تعرض عبوات معجون البرتقال وتطأطأ رأسها استحياء من نظراتنا ، جذبت نرجس من يدها وأشرت إلى حيث تتواجد الفتاة لوحدها- . إنها حقا الفتاة المطلوبة- . ال زبائن ، ال تنادى وال تروج لبضاعتها اقتربنا منها ، نرجس تسأل عن ثمن العبوة الواحدة ، الفتاة ال تجيب وتكتفى بالتحديق بنا ، نرجس تضع عبوتين فى الكيس وتناولها المبلغ واستدرنا ، الفتاة تلحق بنرجس واستخدمت اإلشارات للتواصل- . يا إلهى ! إنها خرساء .كانت ليلة مقمرة،جعلت كل من بالسفينة الراسية يتسامرون وكان األمر عاديا لدرجة أن مالكها كان يتحدث ألحد أعوانه بخصوص األيتام ، كنت أسترق السمع خفية عنهما بينما كانت نرجس تتأمل النجوم كما لو أنها تراها للمرة األولى ، كانا يتابعانها بأعين مشدودة لجمالها- .كنت أجلب األيتام وأفرغهم مثل الحمولة فى تلك البلدة البائسة ، كنت أقبض أجرا على كل لقيط يتخلص منه ذويه ، وكانت ابنتى التى كرهتنى وهجرتنى عندما بحت لها بحقيقتها .. كنت أبيت الليلة بفندق العاهرات وكنت شابا يافعا ولكنها حملت منى أو من غيرى وعند رحيلها سلمت لى الطفلة بعمر السنتين فرار موسى وصديقتيه جعلنى أتذكرها حتى أعيدها للحياة الجميلة ورأيت أن موسى شاب ذكى وله من الطموح للثراء مايجعله يقبل الزواج منها وأغير نظرتى للحياة وأتقبل هؤالء اللقطاء جميعا شعرت بالغيرة كما شعرت أن روحى تنسل منى ، مالك السفينة يقدم ماملك لموسى ونرجس يساعدها الوضع فهى جشعة للمال ولصة محترفة ، حتى الخرساء ستتموقع الموقع الجميل بين كل هذا .. أنين موسى ينبعث من الداخل ، هرعت إليه كان ينادينى : سلينا ..سلينا .. وجدت الخرساء بالقرب منه تراقبه حتى استفاق ، كانت بمالمح هادئة وابتسمت ، جلبت مالك السفينة وهى ممسكة بيده كما لو أنها تعجل بإقامة العرس .األهازيج ورقص المالك مع موسى والخرساء والشقراء نرجس فى حلقة لم أستدعى لها ، كنت أقدم الشراب ومالذ وطاب من الطعام للحضور ، كنت أتساءل إن الحياة تعيد ترتيب مراتبنا وأدوارنا بحياة بعضنا شيء من مسرح الدمى ياسلينا ، كان مالك السفينة يطلب تسلية على حساب أعصابى ، حملت دميتى السوداء ودخلت ، لم أجد كالما حتى اقوله فى العرض ولكن قلت : سأجرب السباحة وسأقاتل السمكة الكبيرة ولكن مالونها ؟ الحضور : حتما هى سمكة سوداء قهقهات الحضور قفزت للماء وصرت أسبح كان شعور مخيف ، أن أنتحر بهذا الشكل ، صرخت وكلت ذراعاى ، لم أستنجد بموسى ، نرجس قفزت فى الماء وكانت تسبح وتقترب نحوى شيئا فشيئا ثم أمسكت بى ، كانت تمسك برأسى حتى آخذ نفسا ،وتشجعنى حتى نقترب من اليابسة ، كانت تضع شيئا على ظهرها ، استلقينا ثم سألتها وأنا منهكة : ماتحملين ؟ قالت : كل مال المالك بحوزتى، لقد بعت موسى.
*****************************
بختي ضيف الله
في يوم عطلة بارد جدا، ارتدى "عليوة"معطفه الأسود المرقع، يمشي متعثر الخطى، شارد الذهن، يتفقد أبواب وآلات المصنع الكبير الذي يبعد عن المدينة بضعة كيلومترات. يعلم مديره "مسيو مراد" أن فيه ما يكفي من كاميرات المراقبة، وأن مهمته هي حراسة الباب الرئيس فقط، ولكن هكذا أوامره؛ لا أحد يستطيع رفضها. ساد صمت مخيف؛ تمنى" عليوة" لو تستيقظ المحركات النائمة ولو للحظات وتصدر ضجيجها من جديد لتنسيه ضجيجه الذي بداخله. لم يشهد هذا الخوف من قبل رغم أنه يحرسه منذ أكثر من عشرين سنة؛ لم يفقه لماذا يأمره بتنظيف مكتبه هذه المرة؛ أليس هذا من مهمات عاملة النظافة؟ -هل وجدت الفرصة المناسبة، هذه المرة، لتهينني أكثر من قبل يا سيادة المدير؟ ابتسم ساخرا من واقعه؛ فليس للمطحونين كرامة في هذا العالم، هكذا يقول للبؤساء من أمثاله؛ فقد اعتاد على سخريته المرة؛ فكلما يجده واقفا عند باب المصنع، يذكره بأيام الدراسة، وأن تفوقه فيها لم يكن له أي معنى؛ فهو الحارس المغبون لا السيد صاحب الكلمة الأولى والأخيرة التي تخيف كل العمال، وأن نصائحه المكررة بأن يهتم بدروسه التي كان يعينه على كتابتها، ويحمل عنه محفظته الثقيلة التي كان يرميها على الأرض وينصرف إلى لهوه ولعبه، ما هي إلا سذاجة وإذلال لنفسه. -ماذا قدمت لك الكتب التي كنت تقرأها باستمرار غير التعاسة، يا "عليوة" التعيس؟ وينصرف إلى مكتبه في كبرياء، مسرورا والقهقهة تملأ فاه، ولكن دون أن يترك أثرا في قلبه الذي اعتاد على هذه الطعنات في عالم مليء بالوحوش الضارية. لم يدخل مكتبه أحد عدا رئيس العمال أو المنظفة التي تصبر على لسانه الحاد حتى تطعم صغارها الأربعة. كان مكتبا كبيرا فخما؛ لم ير مثله من قبل؛ كل شيء فيه جديد ونظيف ومرتب؛ كم احتاجت المسكينة من وقت، وكم قدمت من جهد حتى منحته تلك الأناقة والجمال؟ تراجع إلى الخلف ونزع معطفه وحذاءه مخافة أن يقع بعض غباره على الأرض، انتابته حالة مفاجئة من الضحك ممزوجة بالحزن؛ تذكر مشهد هؤلاء الحمالين الذين يرتدون معاطف مثل معطفه وهم يصطفون عند محلات البيع بالجملة، كل منهم يريد أن يفوز بأكبر حمولة، يدسون آلامهم وآدميتهم كلها من أجل دنانير لا تسكن ألما، يشفق عليهم وهو يعلم بأنهم يحسدونه على فوزه بمنصب في المصنع. أعادته دقات قلبه المتسارعة إلى صمته من جديد، كأنه أحس باقتراب أجله. حاول أن يتجاوز خوفه؛ فراح يقلب ملابس وحاجات مديره الخاصة؛ بدلاته الفخمة وعطوره الباريسية غالية الثمن. وقف أمام المرآة وتلمس وجهه الذي يشبه حبة باذنجان يابسة ليرى الوجه الآخر للحياة. غسل وجهه بأغلى صابون، ولبس أحسن بدلاته، دون أن ينسى ربطة العنق الحمراء. أصيب بضيق شديد، كأن هذه الأشياء الثمينة لا تليق به؛ فاشتاق إلى معطفه المريح. ذكرته ربطة العنق بحالات الانتحار التي انتشرت بصورة غير طبيعية في المجتمع. جلس على الكرسي الكبير، وضع رجلا على رجل، أخذ سيجارا بين أصبعيه دون أن يشعله. نصبت نفسه مديرا لبضع الوقت. جرب لعبة الكرسي الدوار، كم كانت مسلية وممتعة. علم حجم الصراع المرير من أجل أن يفوز المرء بمكانة عالية. سبحت نفسه في سرابها وخيالاتها، لم تقطعها غير رسالة وقعت عيناه عليها: " سيدي الحارس الأمين... أرجو أن تسامحني على معاملتي القاسية وإذلالي لك. أعلم بأنك كنت مشفقا على نفسي أكثر مني؛ فقد أصبت بتيه منذ أيام الدراسة وبغروري بالمنصب الذي لست أهلا له. ولتسامحني، صديقي، لأنك أول من سيعلم بخبر انتحاري، لعلك ستسر بنهايتي التعيسة. في درج المكتب مبلغ من المال، خذه، هو لك، أنفقه على عيالك. صديق الطفولة." أسرع باحثا عنه، لعله يقبض قبضة من أثر الحياة. وجده يهيئ نفسه للموت. حاول أن يقذف في قلبه قبسا من أمل؛ رقص له رقصة فيما بقي من فضاء، مرتديا بلته الأنيقة، محلقا بذراعيه كالنسر السعيد، يعانق الجبال الشامخة في كبرياء، تزين صدره ربطة العنق الحمراء، تلمسها برفق ليريه جمال الحياة وبهاءها. تحسر كثيرا لأنه لم يتفقد ذلك الركن البعيد التي تعلوه نافذة لم تغلق منذ أن شيد المصنع أول مرة، كان كل ما رآها يصاب بالرعب، كأنها وجدت للنهايات غير السعيدة. ما أصعب الوصول إلى صديقه؛ حالت بينه الأخشاب المستّفة حتى السقف الذي يتدلى منه حبل المشنقة الذي لف رقبته، وهو على كرسي خشبي. وناداه بصوت مبحوح وعيناه تذرف دمعا: -يا صديق الطفولة، سيادة المدير العام:"مسيو مراد"، أما آن لك أن تنزل من عليائك وتعانقني، كم أنا مشتاق إليك. كأنه سمع كلامه فأعجبه وانسجمت روحه مع رقصته التي أتقنها ببراعة رغم أنه لم يرقص في حياته؛ ابتسم ابتسامة لم يجدها على وجهه من قبل وبكى بكاء المحب المشفق، ولكنّ ريحا قوية تسللت من تلك النافذة الملعونة، دفعته بقوة إلى الهلاك.
*****************************
القصة القصيرة
الفائزة بالمركز الأول في المسابقة الفردية
مسعود ناهلية
الإهداء: إلى كلّ من لم يكسرِ الحُزن كبرياءَهم. تنتقل بتعب. يطاردك صخب المدينة وشبحك المنكسر على المرايا والواجهات العريضة، تخنقك الروائح، تصك أسماعك أصوات الباعة والموسيقى العابثة، وصرير الآلات ونداءات الحياة.. تتعثر، تركلك الأرجل...الغروب غول وغربة. تتنفس الشوارع الأمواج البشرية. تلفظها شيئا فشيئا، وأخيرا تجلس إلى طاولة حزينة تنادم وحدتك الثكلى. تقوم. تجلس، تغيبك الأمكنة المتكلسة، والخطوات العجلى. تهيم.. تبحث عن طعام تفرغ فيه جوعك المتراكم، ثم تتوزع في المدينة. تسأل شوارعها عن مأوى، وعن رغيف.. تهاجمك الذكريات. شجرة الصنوبر الشامخة، الجاثمة أمام بيتكم في اخضرار مهيب، الواقفة في صبر منذ أمد بعيد، وكأنها في صلاة أبديه. تتذكر أباك يوم قلت له باستطلاع طفولي: - ماذا تفعل بهذه البندقية يا أبت؟ فرد عليك ملاطفا: - نصيدو بها الفرنسيس. - هل الفرانسيس ذيب؟.. خنزير؟.. ثعلب؟ لم تكن تعي ما قال لك غير شوق تدفق في أعماقك، وفرحة طفولية ارتسمت على محياك بلا حدود. تغوص عيناك في ظلام الشوارع. تسرق منعطفاتها، خطواتك. تدور.. وتدور.. نامت المطاعم، وتعبت رجلاك، مسح الليل الناس من على أرصفة المدينة ألاّك، وقططا هائمة تبحث عن غنيمة في بداية هذا الليل البهيم. تزينت الشرفات بأهلها، وتدلت أعناقهم وأبصارهم نحو الأزقة الناعمة ليلا، الزاهية بمصابيحها المتراقصة، ورحت أنت تذرع الأرصفة نحو اللامكان. ضحكات الأنس الناعمة والموسيقى العابثة تغازلك من الدور الساهرة، تنعش صمت الليل وتعطره.. وتعزز غربتك أنت !!.. تسافر في زمنك الأليم.. ترى ما لا يرى النائم.. تذكر قول ذاك العسكري اللعين:"أعطينا هذا "الفلاقَ الصغيرَ".. تفتكّ أمك منه صبيها بقوةٍ هاصرةٍ، وتزورّ بك بعيدا.. يسدد بندقيتَه مخوّفا.. ثم يتلاشى ضحكا. تذكر حفاءها وعراءها. تذكر عشرات قرص الخبز، والقدور التي كانت تنصبها بمعية نساء القرية من قبيل الغروب إلى الهزيع الأخير من الليل.. تذكر أرتالا من المجاهدين، وهم يتلاحقون أفرادا وجماعات إلى القرية عبر المسالك الترابية الوعرة، وهم يجرون أغصانا من الضرو والصنوبر لمحو آثار الأقدام حتى لا يتتبعهم العدو. تذكر رزم الثياب العسكرية التي تغسلها وتجففها النسوة على نار حطب الضرو والصنوبر النيء في ليالي الشتاء الحالكة الطويلة ليلبسها المجاهدون في رحلة الفجر قبل أن تتسلل الدورية الملعونة إلى "المشاتي". عندما تسمع أمُّك أزيزَ الطائراتِ تلفُّ دقيقا أو عجينةً، لتطعمكم حين تصل بكم الطريق إلى المداشر البعيدة.. تحمل أحزانَها وغربتَها، وتغوص بكم في صمت الطبيعة ووحشة الطريق ليستقبلكم صمتُ الديار ووحشةُ الإنسان أيضا. ها هو الليل يحاصرك بجيش من الظلام المتجهم وأنت تتأبط يتمك الأبدي.. ها أنت الآن بين الدور والقصور، تبحث عن مكان يمنحك دفأ وأمنا.. تبحث عن مأوى يلم شتاتك وسنينك العجاف. وحدك تقف أمام "كشك السعادة".. لم يبق إلا أنت وصاحب الكشك وأم كلثوم.. تهاجمك مسحة من حزن...لا. ليست هكذا الدنيا يا أم كلثوم. لماذا لا يكون لي بيت ومفتاح، ومصباح؟ أريد أن يكون لي مصباح ولو بشدة ست فولت. المهم، أن يكون لي وجود في هذا الوجود. أريد أن يكون لي بيت وحلم وزوجة ؟!. سلخت الأحزان من عمري خمسة وثلاثين ربيعا حزينا، رفضتني كل الموانئ وكل أنواع المنفى... الظلام شرطي يسلّط عصاه الغليضةَ على رأسك يا أنت: سرّع خطاك.. ارحم نفسك من أسئلة أخر الليل. . لم تعدْ تقنع أحدا بسانفونيتك الحزينة المتكررة. اغتال حاضرهم ماضيك، اغتالوا حلمك الوردي. يا ملاحا، كسّر الحزن ألواحَ سفينته التائهة. يعترض طريقك. تلتقي عيناك بعينيه في خجل. يحاول جرك إلى البيت.. ترفض.. يُلحُّ.. تحاصرُك توسلاته.. تقبلُ، وأنت تقدم رجلا وتأخر أخرى. تدخلان.. قام الجالسون من حول مائدة الطعام في دهشة، وحالهم تستفسرُ عن الزائر !!؟. تسمروا في أماكنهم. راحوا يبحلقون في شعثك، وصورتك الغريبةِ.. صمتوا متسائلين للحظات (؟؟ !!). قال نعيم مبددا وجومَهم المستطلعَ، ومبررا استقدام الضيف في هذا الوقت المتأخر: هذا ابن عمنا (حمّو) الذي حدثتكم عنه. تعرفت عليه منذ أيامٍ مع ابن جارنا.. رأيته، وهو يمر بقرب بيتنا، فاستضفته. كان نعيم قد تعرف على ابن عمه (حمّو) بالصدفة في مقهى المسافرين، الذي كان يلتقي عنده العمال الموسميون من القرى البعيدة. يقف العمّ متفحصا الشاب، ثم يعانقه في دهشة، في حين تنزوي مريم ابنة العشرين ربيعا ككاميرا مخفية، وهي تستطلع ملامح الشاب وتمسح جغرافيا جسمه في استطلاع مشوب. أما حليمة زوجة عمك عمّار التي رافقت أمك طيلة سنوات الحرب وما قبلها، فقد اقتربت منك وضمتك إلى صدرها، وقد راحت تسألك عن والدتك التي لم تلتق بها منذ أن نزح سي عمّار إلى العاصمة في الأيام الأولى للاستفلال: - أهلا أهلا.. تفضل..تفضّل.. يجلس حمّو بجنب عمه.. تلتفت حليمة إلى ابنتها مريم محفزةً إياها على معرفة الشاب الضيف، ثم أشارت إليها بالجلوس، وهي تقول: - هذا ابن عمك مخلوف..ابن "الداقوم". فردت مريم في زهو خجول: - أهلا.. Nous sommes honorée. سألتك زوجة عمك عن أمك التي مازالت ترابط في معسكرها القديم، وتتدثر بحزنها السديم: - كيف هي الداقوم؟ تزلزل عمقك، وأنت تسمع كلمة "الداقوم". وهي كنية لجدة أبيك، ألحقت بأمك لطول صبرها وتراثيتها.. كنت تنتظر أن تقول: بنت الحاج الفضيل أو لالة سُعدى. بعد غيض صامت متألم، أجبتها: - بخير.. الحمد.. لله. في عجلة محمومة، يضاف كرسي إلى الخوان. وفروا لك مكانا مع الآكلين. جلست. خافض البصر. خجلا مما "لذ وطاب" على المائدة المتبرجة التي أبدت زينتها الباذخة للآكلين. وتتسرب إليك صورة مائدتكم الخشبية العابسة العارية على الدوام. رحت تشجّع ملعقتك في حياء صامت لتنال مما لا عين رأت، ولا بطن ّأكلت.. توقفت الملاعق عن نشاطها تباعا، وانتقل الجالسون إلى رتل من الأرائك البهيجة، في ركن قصي من الخوان لتناول الفواكه المشروبات. دارت الكؤوس في زهو وأنس.. أجلس العم ابن أخيه إلى جواره، وراح يربت على كتفه في صمت وذهول، وهو يسترجع ملامح أخيه الشهيد، وقد اعتقلته ذكريات قديمة، فراح يستحضر بصعوبة نتوءاتها وملامحها المتلاشية: - رحم الله الشهداء.. ما أكرم الاستقلال.. وما أطيب رحيق الحياة.. أين نحن من ذلك الزمن.. كان حلما أن نرى أنفسنا مالكين للنصر والقصر والعصر !! . كنت شاردا بذهنك متمردا بنظراتك، خطف جمال الدار بصرك الذي أنهكته العتماتُ وأدخنةُ مصابيحِ البترول والشموعُ الناعسةُ. كنت صامتا، ذاهلا، ضائعا في هذا القصر وما حواه من عز ودلال، ودفء وجمال. زوجة عمك البدوية حليمة، غسلت النعمةُ فقرَها وحزنَها واكتسبت بريقا أوروبيا، يَشعّ من ثوبها وعينيها. جمّلتِ الثيابُ الفاخرةُ، والألوانُ الزاهيةُ جسدَها اليابسَ، وملّستِ الأصباغُ الأثلامَ والأخاديدَ، وهجرتِ الأوشامُ صفحة محياها البليد إلى الأبد. بقيت للحظات في ذهول وأنت ترصد البهاء الذي ملأ الفضاءات. تتذكر أمك التي مازالت مرابطةَ هنالك.. تتحرّك مودّعا.. يستوقفك عمك (عمّار) المكتنز البطن والأوداج بابتسامةٍ خجولةٍ، مرفوقةٍ بحركات مضطربة: - إلى أين تذهب يا ابن أخي؟ تحني رأسَك. تصمتُ للحظة. ثم تقول متظاهرا: - أنا معروض عند واحد صاحبي.. تسمرت حيرة كسولة على محيا عمك، وهو يقول: - لا.لا. ستقضي ليلتك عندنا.. البيت بيتك. . أغمض عينيه. فاض عمقه، وقال: - صحيح أننا بعدنا عنكم.. لم نسأل عنكم.. نسيناكم.. لعنة الله على الدنيا .. لعنة الله عليها. ثم راح يشهق ندما. مسكت يده.. نظرت في عينيه المنخفضتين، وقلت مودعا: - يجب أن أغادر.. صاحبي في انتظاري. يمدّ عمُّك يدَه وقد أطلتْ منها ورقةٌ من فئة مائة دينار كعصفورة أفرج عنها في غسق الليل. ويتسلل بها إلى جيبك.. تمسك يدَه، وهي متلبسة بكرم مشبوه. تردّها في كبرياء إلى صدره... فظلّتُ مشلولةً، ممدودةً إلى عنقه. كان نعيم مُطرقَ الرأس. في حين راحت أمُّه تتساءل عن مغادرتك البيت في هذا الليلِ البهيم. اعتذرتْ لك بدمعة كاذبة، شقت طريقها وسط زخم من الألوان بخدها الذي أنهكته الأصباغ. بينما راح عمُّك يلعن الزمن الضال، ويضمُّك إلى صدره الذي حال بينك وبينه بطنه المنتفخ. تغوص من جديد في رحلتك التي تدثرت بصمت الليل. يوقظك صرير مكابح سيارة شاردة.. وقد نزل أصحابها - في ضحكات هيستيرية - يتأسفون وقد دهسوا قطة كانت تجوب معك شوارعَ المدينة، وتؤنسك في وحدتك في هذا الليل المتوحش. تحث خطاك.. تزيد من سرعتك. "ما أقساك أيها اليتم.. وما أطولك أيها الطريق !!..". تقف. تواصل سيرك التائه. تسأل الليل عن مأوى.. تجد نفسك أمام فندق كبير، تعلوه لافتة كتبت بحروف ضوئية متراقصة (فندق السعادة). تتناهى إليك من داخله ضحكاتٌ وموسيقى وصيحاتُ غرام.. يحاصرُك الليلُ والجوعُ والبردُ.. تطرق بابَ الفندق. يردُّ عليك الحارسُ بصوت كأنه يخرج من مقبرة: - من الطارق؟. - جئتُ لأنام... - ليس لدينا مكان. - أنقذني من وحشة البرد، ومن مخاوف الليل. أرجوك.. أنا غريب. - قلت لك ابتعد. وإلاّ.... - اعتقني من أسئلة الشرطة التي تنهشني كل ليلة. تسمع تراجع وقع أقدام ثقيلة، وتمتمات متأففة.. تتابع رحلتك ..يستسمحك آخر مقهى أن تخلى له المكان... يغلق وراءك الباب. يستقبلك البرد واليتم والألم من جديد. تعانق وحشة الظلام، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. ومن أعماقك تسمع إجابتك المعتادة في مركز الشرطة: اسمي (حمّو).. مشرد.. مضيع بالمزاد.. أوصدت الرحمة أبوابها في وجهي. كتبت.. ولم يردوا.. طرقت.. ولم يفتحوا. قلت .. ولم يستجيبوا.. وبكيت ولم يتعاطفوا. أخيرا تخامرك فكرة غريبة !!؟.. لماذا لا احتلّ مئذنة؟ وأصرخ في القوم !!..أو أهتف لأكبر مسؤول في المدينة؟ رسائلي الكثيرة كلها ماتت على مكاتب المسؤولين، أو توفيت في مكاتب البريد، أو ظلت طريقها كبريد الحرب العالمية؟ !. تقترب من غرفة الهاتف. تتحسس جيبك. تخرج قطعة يتيمة من جيبك البارد. تشكل أرقاما عشوائية، وأنت تقول: "لعلي أتسلل إلى مسؤول كبير في هذا الليل، بعيدا عن الموانع وجبروت البوابين".. ولمرات عديدة، تصرخ في وجهك أصوات أزعجت أصحابها، وهم يسبَحون في أحلامهم...وأخرى تعتذر لك بنبرة خاصة بأنها ليست المسؤول الكبير. وفي جوف الليل، ودون أن تدير قرص الأرقام تجد نفسك تقبض على السماعة.. وتتحدث ..إلى الله.
*****************************
قرية من بلادي هي أول دروس العشق لرائحة المكان والدروب المعشوشبة بالأقحوان .. وهبة الخالق العظيم للطبيعة الساحرة .. بمساحاتها الخضراء الممتدة على حافات أحد الوديان .. كانت تنام بين جبلين .. أما أشجار الصفصاف فقد حضنتها من كل جانب .. شامخة هي كقمة " لالة خديجة " بكرم ونبل أخلاق أهلها .. وعلى ربوعها المسحورة من الجهة الغربية يتربع ضريح الولي الصالح "سي يوسف" ومع كل غروب تتسلل الشمس خلف الضريح لتظهر مرة أخرى أكثر إشراقة في غدها مع نسمات الصبح العليل حيث يسري في الروح والوجدان .. ومع أنفاس كل فجر جديد .. كان "نوح" الذي حرمته تقاليد القرية من عدم الذهاب إلى المدرسة كبقية أقرانه .. ليمتهن رعي الأغنام .. ويومها لم يتجاوز التاسعة من عمره .. لكن أبناء البؤس عادة ما يظهرون أكبر من سنهم .. أما اليوم ف "نوح" قد تجاوز العقدين من عمره .. ولا يزال يقطع المسافات الطويلة يوميا برفقة قطيعه نحو المراعي والحقول .. عبر الروابي والتلال .. متسللا عبر أشجار الصفصاف .. حاملا سماطه على كتفه .. يختزن فيه حبات تمر وكسرة شعير .. ونايه الذي لا يفارقه أبدا أنيسه في الوحشة ومتنفسه الوحيد في خلوته . كان يمضي أيامه مع أترابه من الرعاة في بهجة ومرح .. أكل وشِبَع ورِي ورقص وغناء .. يصنعون آلات الكمان من علب الزيت الفارغة .. والبنادير من جلود الأغنام .. ويعزفون عليها بمهارة وإتقان . كان "نوح" يشاركهم بنايه الذي يداعبه بأصابعه الخشنة وأنفاسه المتواصلة المعجونة بآلام وأحلام أهل القرية .. وكم كان " نوح " في غدوه ورواحه كثير ما يتقاطع مع كوكبة من فتيات القرية .. وهن تحملن القلل .. وسلل الملابس لغسلها على ضفاف الواد .. لم تكن عيون "نوح" ترى سوى ذلك البدر الساطع .. وكأنه الصبح إذا نتنفس .. كان ثوبها الأحمر يخفي جسد هيفاء الذي لا يشتكي منها قصر ولا طول .. كانت جميله بعينيها الواسعتان .. وشعرها المتدلل برفقٍ على كتفيها .. ووجهها الأبيض المزين بوجنتين عليهما احمرار .. يعكس طيبة قلبها وطهر سريرتها .. انها "حسناء" هكذا كانت تناديها صوحيباتها .. لم تكن "حسناء" تعير أي اهتمام ل "نوح" الذي حفر اسمها في عروقه .. وجعلها جزءا من أنفاسه .. حيث كانت صورتها قد ارتسمت بين أجفانه وأهدابه . كم حاول أن يكون محط انتباه حسناء .. تلك التي تعلق قلبه بها .. لكنه كان كمن يطارد خيط دخان . آه لقلوب لا تعرف كيف تتحسس الى قلوب أحبتها ...!! هكذا كانت أحلام "نوح" تموت بين يديه ولا يستطيع أن يكفنها .. وتمضي الشهور والسنون .. وتنمو جذور الحسرة والألم .. ولم يفلح "نوح" في جلب من تربعت في بحر قلبه .. آه أيها الحب الضرير .. ليتك تبصر لتصل . وفي احدى الليالي حيث سكنت الأصوات فلا تسمع الا همسا تسلل بين أجنحة الظلام البهيم نحو ضريح الولي الصالح .. وهناك راح يصرخ بأعلى صوته من داخل الضريح .. هاتفا باسم حسناء .. وصدى صوته كان يزلزل جدران بيوتات أهل القرية .. أما حسناء فأغمي عنها ودخلت في غيبوبة تامة .. ووقف سكان القرية الهادئة مذعورين لهذا الصوت المندفع من داخل الضريح .. هنا راح أهل القرية يطلقون العنان لتأويلاتهم .. فمنهم من قال: أنه صوت الولي الصالح وقد نادى على حسناء لتلتحق بسكان المقابر .. أما أخرين فقالوا: أنه صوت جني . لاأحد كان يعلم الحقيقة الا "نوح" الذي غمرته نشوة عظيمة .. لأنه أخيرا جعل من غُرست في قلبه كالنخلة الشامخة بين الضلوع .. تتألم .. لكن ليتها كانت تتألم ..! لقد فارقت الحياة .. وانتقلت الى مدينة الصمت والسكون .. أما "نوح 'فبات يزور قبر حسناء كل حين .. ولو اقتربت منه وهو بجانب القبر لخيل إليك أن حيا يناجي حيا .. هكذا كثيرا ما كان يودع قطيعه مع أقرانه الرعاة ليخلد للنوم في تلك المدينة الصامتة إلى جانب من سكنت القبر والقلب .. هكذا ازداد تعلق" نوح "وكبر حبه لمن سكنت اللحود .. الا أن قرر ذات ليلة أن ينبش قبرها ويخرج جثتها ويفصل ساقها الأيمن .. ويعيد عليها التراب مرة أخرى .. ويحتفظ" نوح "بساقها ليصنع منه ذلك الناي الأبدي ليعزف به أعذب الألحان في خلوته ومع أقرانه من الرعاة .. وكان كلما تحلق الرعاة حوله أخرج نايه الجديد وأمر أترابه بالصمت والانصات قائلا : " انصتوا فان حسناء ستسمعكم أعذب الألحان .
*****************************
قصة قصيرة
هذا الخريف بتقلباته يُداعب أشجار الزيتون في الوادي، يراقص الريح حباتها السوداء فترتمي تلك التي اكتمل نضجها على الأرض بعدما أتعبها الانتظار في غصنها. أراقب من خلف زجاج نافذتي هذا الريف الذي يضج بالحياة، و في جنباتي ضجيج الموت يخلط كل موازيني. أيتها الغيوم في الغرب، لا تقتربي و تجعلي نهاري حالكًا كلَيْلي. آخر أوراق العتاب، تسقط ليلا بعدما تحترق بآهات الوجد و الشوق، لكنها تنبت صباحا حين تأتي الشمس بآمالها. يا لهذه الأيام المتشابهة، و يا لهذا الغياب الظالم القاسي!.ها أنا أشكو بثي لنافذتي و أحكي لها أسرار المحبين و لهفة المشتاقين، و حين تحتضن بصقيعها أنفاسي، أرسم فوقها كل أحلام اللقاء و البقاء. أيتها الغيوم في الغرب، لا تقتربي و تجعلي نهاري حالكا كليلي. ها أنا أحمل أثقال تسعة أشهر من البعد و الانتظار، و تسعة أشهر روحا بثها الله في أحشائي. أيها الغائب، إني لأشم ريحك في الأرجاء، لكنها ليست نقية و كأنها اختلطت برائحة الدماء!،و إني لَأَعرف رائحة الدماء، فلقد ودَّعت أبي و أخي مخضًّبين. يا لهذه الهواجس التي تحاصر فكري و الأوهام التي تعصر صبري ، لابد انها خيالات امرأة ريفية اتعبتها افكارها الساذجة و هي منفية في قلعة الأشواق و مقيدة بسلاسل الأعراف. كيف لمن أكمل انوثتي في أيام معدودة أن يقتطع نصفي و يرحل به بعيدا نحو الغرب مخلفا نيران الغيرة تلتهمني و جمرات الشك تحرقني و ألاف الأسئلة تراودني، هل فتنته جميلات اروبا؟. أيتها الغيوم، لا تقتربي و تجعلي نهاري حالكا كليلي و إني لأشم ريحه قد اختلطت برائحة الدماء. قد تكون هواجس امرأة حضرها المخاض و هي وحيدة، و ماذا يساوي وجود الجميع إن لم يكن معي ليشهد صرخة مولوده الأول. يشتد المخاض و لا أحد يسمع أنيني، مهلا يا صغيري لم يحن موعد خروجك للحياة فقد أقسم أن يكون حاضرا في ولادتك و لطالما صدقته في كل ما يقول. كيف جمعت الحياة هاته الأقدار مرة واحدة؟مخاض، وحدة،انتظار، و غيوم سوداء أحالت الظهيرة ليلا مظلما، و ما تزال رائحة الدماء تطغى على رائحة الغياب، فلتأتِ، و لتشدّ يدي ليسكت ألمي، و لتنتظر زغاريد القابلة و صرخة طفلك، فلتعدْ و سأغفر كل خياناتك، و سأنسى كل غياباتك، و سأهديك كلمة أبي التي خبّأتُها من أجلك في رحمي الموجوع. تصرّ تلك الغيوم أن تغطي سماء القرية، و يصرّ مولودي على الخروج و يجبرني على الصراخ بكل قوتي. جاءني أهل الدار مفزوعين، و سمعتهم يتهامسون: رأو جثته في النهر الذي أصبح ماؤه أحمر، فكيف تصنع من انتظرته تسعة أشهر؟.
*****************************
قصة قصيرة
كان الجدُّ ''مرزوق'' يؤمن بأن الذئب لن يكتفي بالخروف التاسع. وكان الأبناءُ والأحفادُ يشاهدون كلامَ ''مرزوق'' بكلّ بصيرة واهتمام. حتى أن ''بوفلجة'' الحفيد الأصغر للجدّ '' من ابنه ''بلحول''، كان يحسب إلى الرقم تسعة وينتظر قدوم الذئاب؟
ذات قيلولة و''بوفلجة'' يُغني بالأرقام ويعزفُ على الرقمين الثامن والتاسع، وبالكاد ينطق الرقم عشرة، حتى اختلطت موسيقاه الرقمية بعواء الذئاب. يستغرب ''بوفلجة'' هذه النادرة التي تحصل وقت القيلولة. فهو يصدق كلّ ما يقوله الجدُّ ''مرزوق''، لم يحدث أبدا وأن سقط كلام جدّه إلى التراب، وأن تمرغت كلماتُه في وحل الذئاب؟؟
كيف للذئاب أن تعوي في قلب شمس النهار؟ فهو يدرك؛ أن هذه المخلوقات لم يعد يبعثرُ عواؤُها هدوء الليل فقط، وإنّما يزحفُ الآن إلى هيبة قطيع الخرفان الصغيرة التي تبقى وحيدة في الزريبة من دون أمهاتها؛ والتي أخذها عمُّه ''بن عامر'' إلى المراتع بالجوار.
يختفي فجأة العواءُ، وتختفي أيضا بسرعة البرق الذئاب. يتنفسُ ''بوفلجة'' الصعداء؛ إذ لا توجد نفسٌ من العائلة بقرب الدار وبجوار الزريبة.
يعود ''بوفلجة'' إلى السباحة في الأرقام؛ يدندن: «واحدْ ... زُوجْ...تْلاتَ ... ربْعَ ...خمسَ ...ستَّ ... سبْعَ ... تْمنيَ...تسْعَ...» يصمت قليلا ثم يتجرأ ''بوفلجة'' في نطق العدد: «عَشْرَ»؟؟ بَغْتَة يظهرُ أمام زريبةِ صغارِ الخرفانِ ذئبٌ مزركش الألوان؛ قد يكون به تسعة من الألوان أو يزيد؟؟
يتجمدُ ''بوفلجة'' واقفا، يفقدُ البصرَ والكلامَ، لا يستطيع التحرك أو الهروب، ينظرُ باِرْتِعَاب إلى هذه اللوحة الطبيعية التي يجسدها هذا المخلوق الذئبوي. يسكنُه الدعرُ والهلعُ.
ينظرُ الذئبُ الزركشُ إلى الطفل ''بوفلجة'' وكأنه يتوعده إن هو صرخَ وفضحَ وجودَه المزعج...
يرتكس الطفلُ ''بوفلجة'' في مكانه، يمنعُهُ هولُ الموقفِ من أخذ أي موطئ قدم أو خطوة. يسكُنُه الروعُ والرعشةُ؛ يحاولُ جرّ قدميه الغائرة في عروق الارتياع والقلق. يستلطف عيون الذئب المزركش؛ يريدُ حيزَةَ شفقته. يتَرفَّقُ الصبيًّ رحمة عابثة من قلب هذا المفترس.
يظهر شبحٌ بشريٌ خلف ربوع الزريبة، يتجنب الظهور، يتوارى خلف أكوام التبن المنتشرة الأرجاء. كأنه يتحيّن فرصة الانقضاض على شيء، يعتادُ فعله.
يتوسّم الطفلُ ''بوفلجة'' فرجا من وحل الذئب المزركش الذي لا تريد قدماه الانفلات منه والتملّص من معاناته. يفرح بقدوم هذا البشريّ الطيّب لإنقاذه من مخالب الذئب.
يتوجّسُ الذئب المزركش، حضور رائحة البشر؛ من ورائه، ترتفع أذناه إذنا بالريح. وفي ذات اللحظة المقرونة بالهروب؛ يحوم مكرها حول الزريبة مغادرا. يرتفع عواء الذئاب الأخرى من خلال الجبال.
في هذه اللحظة الفارقة في ذهن الطفل ''بوفلجة''، يتذكر صِدْقَ جدّه ''مرزوق''، والذي أبدا لم يسقط كلامُه في تراب الأرض، ولم تُمرغ كلماتُه في وحل الذئاب؟؟
لقد كاد الرقمُ الخراف المغدورين من الذئاب؛ أن يرتفع إلى أعداد زائدة من ''معادلة الجد مرزوق'' لو لم يظهرْ ذاك الشخص الخفي وراء الزريبة؟ ولم يقدرْ هذا الذئبُ المزركشُ الذي فَتحَتْ له أبوابُ السّماءِ اغتنامَ أحدِ الخرفان وخطفها من الزريبة رغم وحشة المكان وخلائه.
يرجعُ ''بن عامر'' قبيْل المغرب -كعادته؛ يتفقد الزريبة من غير ريْب أو ظنّ. يُدخل القطعان إلى حظيرة الماشية.
تكون الأم ''منّانة'' قد أحضرت معاش العشاء الذي تلتف حوله عائلة الجدّ ''مرزوق''، وبعد احتساء قليل من شاء الشهيبة، يخلد البعضُ إلى النوم.
قبل تفرُّق العائلة؛ يتذكر الطفل ''بوفلجة'' قصته المروعة مع الذئب المزركش؛ الذي قد يكون به تسعة من الألوان أو يزيد، وغرابة نظرته إليه، واختفاء قطيع الذئاب الأخرى.
لم يهدأ للجدّ ''مرزوق'' والعمّ ''بن عامر'' وكلِّ العائلة بالٌ إلا بتفقد زريبة الماشية ومعاينة أضرارها؟؟
في دَامِس اللّيل الدّامجِ، يتعهّدُ الجدُّ ''مرزوق'' وولدهُ ''بن عامر'' زريبة المواشي من الداخل، بينما تقومُ منّانة والابنُ ''بلحول'' بتفقد محيطها الخارجي. لقد أخذت شهادةُ الطفلِ ''بوفلجة'' قدم صِدْقٍ ورفعٍ مع قصّتِه والذئب المزركش وهروبِ قطيع الذئاب الأخرى وانقطاع عوائها العجيب؛ بمجرد ظهٍوره عند الزريبة. وكأنّه يرسمُ تُخومَ ملكيته البائنة الحدود من زمن وفضاء الزريبة.
أخذت العائلة عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ وَالأَهَمِّيَّةِ. رواية طفلها؛ فهي لم تعهد كذبا سابقا منه أبدا. فما عرفوا منه - رغم صغر سنه - اختلاق روايات وأحداث كاذبة، وما كان فيه مثل هذا الخُلق القبيح المذموم.
تتلاشى أضواء المصابيح اليدوية المنتشر عبر
الزريبة وما حولها، تنسحبُ نحو الدار وتنصهر مع ظلمة الليل. يخلو المكان حتى من الشياطين...
في الصباح الباكر و''بن عامر'' يغْدُو كعادته إلى رعْيه، يفاجئ، باختفاء رؤوس من الماشية، كان يضعها في شباك أسلاك منفردة، ليذهب بها أخوه ''بلحول'' المختص في بيع وشراء المال.، في سوق الماشية الأسبوعي.
وبعد الفزع والجزع، يستذكر لحظتها الطفل ''بوفلجة''، عبثية حضور ذاك الشبحُ الآدمي من قرب الزريبتة.
*****************************
قصة قصيرة
ما يحدث للشمس خلف الجدار نراه غريبا جدا..
مزعجا جدا..
مستفزا جدا..
بخبث متجذر يقتادنا إلى أرضه الضحلة كي نمارس معه لعبته المفضلة.. يجعلنا كل يوم نرمي أوراقنا المهشــــــمة المبعثرة كي نتبيّن ماهيـــــته وفي قرارة نفسه يتمنى ألا نتفق على رأي واحد..
وبعد مضي اليوم كله وحين يرانا اقتربنا من فضح ألاعيبه اللعينة نجده يجمع شتاته ويغادرنا سريعا مع حقيبة الأسرار..وعلامة السرور والاستهزاء تعلو محياه..
لقاؤنا غدا
ونحن هنا..ليس بمقدور أحد منا أن يغوص في ثنايا الجدار كي يستكشف حقيقة ما يحدث لها، ولا أحد لديه القدرة أن يجزم بتقدير صحيح كم مضى وهي في حالتها تلك..شهر أو شهران أو أكثر، لا ندري..هي احتمالات مشكوك في أمرها..فحساباتنا مبنية على عدد الخطوط المنقوشة عبر كامل الغرفة الضيّقة المشؤومة..والخطوط دنت من بعضها حتى تقاطعت..
أحدنا..حاول أن يستبق الأحداث ويرمي بورقته..فكر أنه يحق له أن يقول شيئا عنها..
اختمرت في ذهنه أنه سيفعل عين الصواب وسط السكوت المثير للغيظ والألم المخيّم..فنحن لا نختلف عن أسماك التونة المحشوة في علب قصديرية في شيء ، ما عدا بعض الأحاديث بين فينة و فينة تتوارد، فتشعرنا أننا بشر:
إنها تنازع بشـــــدة ما قدر لها أن تعيشه من صراع أزلي ..
لزم الصمت برهة تأمل عبرها تقاسيم وجوهنا المنهكة من أثر الأشغال الشاقة التي قدّر لنا أن نعيشها..لا أحد كان يتصور يوما أن تكون بمثل هذه الفظاعة وهذا العذاب..
أحدنا هذا بعد صمته استطرد:
فهي تأبى أن تظل حبيسة "شروق وغروب"..فما بين عشقها لبني البشر وخوفها عليهم من أن تمسهم بسوء، وبين ما عُهد إليها من أن تمد الأرض بوهج شديد حتى تستمر الحياة عليها..تظل تبحث عن جواب يشفي غليلها..
خيّل لمن في الغرفة أن الرجل حين نطق نطق كفرا..وأيقظ ما كان راكدا في ذواتهم من تشققات، وحر كنوافذ موجعة ما كان لها أن تتحرك..
عيون شزرة تحدق فيه.. تكاد تلتهمه من هول ما قاله..
رجل منا لم يستسغ ما قالـه ولم يصبر، كان هزيـل الجسد لكنه فـارع الطول..زفراته الغاضبة سبقت يده التي كوّرها بقوة يريد أن يدك بصاحبنا في الإسفلت المطيّن الغارق في السواد:
أجننت؟!..
الرجل تكوّر في مكانه..
لكني نطقت بما أحسست به تجاه الشمس ..
كل منا رفض ممتعضا مما قام به الرجل فارع الطول في حق زميلنا.. فنحن نعرفه حق اليقين بحكم السنوات التي قضاها معنا.. فهو رجل طيب ومسالم..هي كلمات قالها فكانت زلة لسان..الأكيد أنه لم يقصد أن يسب الذات الإلهية.. هو أراد أن يعلن عما تستشعره جوارحنا من احتراق.. لكنه نسي أننا فقدنا الكثير من عوالمنا داخل علبة التونة..
الجدار من أشعة الشمس كأنه قطعة كبيرة من أسوار جهنم..الوجوه البائسة تتفرسه كأنه السبيل الأبدي بين الحياة والموت..
بين آهات تنساب بين الطرقات والأحياء الطينية والبساتين وأشجار الصنوبر المتناثرة في الجبال، حتى ولو رافقها خوف فهو خوف مستتر تقديره إياك أن تفعل ما يجر قدميك إلى تلك الأسوار العالية..وبين أنفاس تحترق في شوق وتتلهف إلى البحث عن ملاذ آخر خارج الأسوار لتلعن من جديد..إياك
اللعنة على إياك..
البحث في كل زاوية من زوايا الغرفة عن ظل خفي تتوارى داخله من هذا الجحيم..فكلما اقتربت يد منه مسها غثيان عظيم صاحبه صمت طويل رهيب يزيد من وحشة المكان.. وحشة أكثر قساوة..
نحن ندرك أنها ساعات وستغيب الشمس عن الجدار وسننعم ولو لساعات قليلة أخرى بشبــه برودة تنعــش قليلا أجســـادنا.. ففي الغد إن كان هناك غد..ستحرقنا الشمس من جديد، وسننتظر ككل مرة..مساء آخر لا شمس فيه..
هكذا هي اللعبة التي ألفها الجميع..
قال أحدنا دون تحفظ ونادرا ما نسمع صوته:
هذه الشمس حارقة..مجنونة
رد آخر ونادرا أيضا ما نسمعه:
هذه ليست شمسنا..شمسنا ستشرق قريبا..
علت الجميع ابتسامة حين جاءهم صوته حماسيا:
نعم..شمسنا ستشرق قريبا..
إلا أنّ الابتسامة سرعان ما تلاشت وحل محلها الغضب والحزن:
انتظرنا طويلا..
في الجدار الرابع المقابل للبوابة..كتبت بخط متعرج أبيات لشاعر كان محكوما عليه بالإعدام قبلهم..
قام يختال كالمسيح وئيدا يتهادى نشوانَ، يتلو النشيدا
وقربها خطوط طول وعرض توشمه..هي رموز لحكايات رجال ورجال مروا من هنا..ونحن أيضا لا يمر يوم إلا ونخط خطوطا جديدة..منا من يبتسم لأن العد قد اقترب على المجموع ومنا من لا يبتسم لأن شكوكا تظل تساوره..
ألا تخط اليوم؟
لا أدري..لم أعد آبه بها..
سيختلط عليك الحساب
هي عندي كلها سواء..
جميع من في الغرفة الملعونة..رفض هذه الجملة الانهزامية..فكل منا رغم ما تخامره من هواجــس مريرة..تشده إلى قـاع بلقع..قـاع لا محيص منه.. إلا أننـا نحـاول أن نتبـين بشغــف كبـير أي حركـة من الحــراس الملاعين تدعونا إلى ملاذ جديد..فيه شمسنا التي نحب..
لكن الانتظار طال..
والغرفة ازدادت عتمتها بعد أن تشابكت جدرانها ولم نعد نشعر لا بالحر ولا بالبرودة..كأننا أصحاب الكهف.
قال أحدنا كان يستند إلى رجل فارقنا منذ لحظات..
لا تنسوا أن تخطوا بدلا عنه فقد أوصاني..
صاحب الصوت الحمـاسي قام يصلي على الرجل الذي فارقنا منذ لحظـات..وقمنا جميعا نصلي خلفه إلا واحدا بقي ينقش على الجدار أسماءنا جميعا وتحتها بحروف كبيرة كتب:
..شابر..
حمام بوحجر..
غرفة الاثني عشر شهيدا ..
شابر : معتقل " شابرغيتون" يقع بين حمام بوحجر بعين تموشنت وولاية سيدي بلعباس.
*****************************
قصة قصيرة
المحمولات الفكرية والجمالية في قصة "حديث إلى الله" بقلم
الدكتور مسعود ناهلية
"حديث إلى الله" هي القصة التي نالت شرف الصدارة في المسابقة العربية الدولية التي نظمها نادي "الساردون يغردون" ما بين 13 فبراير و 13 مارس 2023
ويمكنني القول بأن القصة التي شاركت بها ذات ملمح تاريخي اجتماعي، فهي تاريخية كوني وظفت التاريخ في جانب من محمولاتها الموضوعاتية، وفي نفس الوقت هي اجتماعية كونها تتبنى أزمات وأنساق اجتماعية ورمزية صارخة بما تضمنته من ألم فردي وجماعي. أما من حيث تقنيات السرد فقد سعيت إلى توظيف مزجي بين الضمائر التي أعطت للقصة بعدا دراميا زاد في وهجها ناهيك عن المقدمة الجاذبة والخاتمة المفاجئة.
أولا: المحمول الفكري في القصة
تنفتح قصة "حديث إلى الله" من حيث مضمونها الفكري على ثلاثة مستويات:
المستوى الفردي:
يتجلى في القصة أن البطل يعيش أزمات مركبة، فهو يعاني غربة وجودية في مدينة كبيرة افتقد فيها المأوى والكفاية المادية والمعنوية، يسكنه يتم وجودي كبير. يستعين في تأثيث حاضره بماضيه التاريخي في بيئة تغالب الاستعمار. حيث طغت لدية الذكريات التي استدعاها عن طريق الاسترجاع، حيث مزج الماضي بالحاضر الأليم، بسبب غياب التكفل والتنكر لماضي أسرته، خاصة وأنه ابن شهيد. كما يعيش حالة من اللاتوازن بين أسرة عمه التي نالت حظها من الاستقلال، في حين ظلت أسرته محرومة من ثمار الاستقلال.
فرغم بلوغ "حمو" سنا متقدمة من العمر(35سنة) لم ينل سكنا يأوي إليه، ولم يتحصل على عمل يسكت جوعه. وشكاواه الكثيرة التي دفع بها إلى المسؤولين في شكل رسائل، لم يجن منها شيئا، ولو بمقابلة مع مسؤول يشرح له أوجاعه المتراكمة، نتيجة البيروقراطية المتعفنة التي أعطت للبوابين سلطة التحكم في مصائر الناس. وأمام هذا الصد لم يبق أمامه إلا مغامرات تكاد تكون عجائبية، وهي:
إما أن يحتل مئذنة، ويصرخ التسلل إلى مخاطبة الناس والمسؤولين ليلا عبر مكبر الصوت بأحد المساجد.
أو القيام مهاتفة عشوائية قد توصله على أحد المسؤولين. غير أن شئيا من هذا لم يحقق له ما أراد. فشعر بخيبة أمل مع البشر.
وهو لا يزال يمسك على السماعة ودون إدارة قرص الأرقام، أدار وجهه إلى السماء، راح يتحدث إلى الله، يرفع له شكواه من ظلم البشر.
المستوى الاجتماعي:
تطالب القصة أفراد المجتمع - كل من موقعه - أن يخففوا من آلام المستضعفين، وأن يردوا الحقوق إلى أصحابها، وأن يبتعدوا عن الأنانية والاستكبار، وتومئ إليهم بمهماز خفي إلى الحث على التكافل والتراحم، أقرباء كانوا أو أباعد. وأن يبثوا ثقافة السلم والعدل بين الناس، وأن تكون الإدارة، أو المؤسسة العمومية في صالح المجتمع.
وتتعدى قصدية القصة إلى كل المجتمعات التي تفشت فيها هذه الظواهر السلبية، وتدعو القصة من طرف خفي إلى إصلاح أوضاع الناس كافة أينما وجدوا.
المستوى الرمزي:
في المستوى الرمزي، تتوسع دائرة المحمول إلى اعتبار المدينة وطنا، والعم عمار رمزا لفئة المجاهدين الذين نسوا العهود التي قطعوها مع إخوانهم الذين سقطوا في ميدان الشرف، حيث تفرغوا بعد الاستقلال للثروة، وتزكية أنفسهم وأسرهم بالمتع والحظوظ المختلفة، ناسين أبناء إخوانهم في القرى البعيدة أو في الشعاب والفيافي يعانون الفقر والجهل والمرض.
وما "حمو" وأمه «الداقوم" كما نعتتها حليمة زوجة عمّار، والمترددون على المدينة كعمال موسميين إلا صورة لهؤلاء المستضعفين من أبناء الشعب الذين ضحوا بالغالي والنفيس. من اجل الوطن. ورغم ما قدموه ظلوا على الهامش، وسقطوا من اهتمامات المسؤولين، وأهل العقد والحل، وحتى من قبل ذويهم المقربين من دوائر المال والسلطة، في جزائر ما بعد الاستقلال وظلت أزماتهم القديمة- الجديدة تتراوح في المكان.
ثانيا: المحمول الشعري:
عتبة العنوان:
عملت على اختيار التقنيات السردية المختلفة التي تحقق أدبية هذه القصة بدءا من عنوانها (حديث إلى الله) الصادم إلى حد ما. فهو عنوان جاذب وإغوائي ودافع للقراءة من جهة ثم انه يحمل شكوى من أسفل إلى أعلى. مما يوحي بظلم واقع في الأرض. وهو مستل من آخر جملة في القصة. هذه الجملة التي غيرت مسار السرد وكسرت أفق انتظار القارئ وهو يتابع في سيرورة وصيرورة القصة. كان المتلقي ينتظر من خلال حيثيات السرد أن (حمو) هذا قد يجد حلولا لأزمته عن طريق استجابة المسؤولين، ومن خلال تعاطف الناس معه. غير أن هذا الم يحدث فاضطر على رفع شكواه إلى الله في لحظات جد حرجة وفي زمن ليلي نامت فيه الأجساد كما نامت فيه الضمائر.
تقنيات السرد والضمائر المشتغلة في النص:
من حيث تقنيات السرد، لجات إلى توظيف ثلاثة ضمائر هي (هو/ أنا/ أنت) تعاونت كلها على صيرورة السرد. ف(هو) كضمير تقليدي في السرد أدى دورا مهما في كهيئة ساردة حينا وناظمة بين مختلف الأصوات السردية أحيانا أخرى. ومكنت ضمير المتكلم (أنا)، والمخاطب(أنت) من أدوار خطيرة في القصة. فأنا كانت ساردة وشاهدة، بمعنى تقص قصتها، وشاهدة عن قصة وأحوال وأدوار غيرها. أما ضمير (أنت) فكانت هي الذات المسرودة التي تكفل بها ضمير (أنا) الشاهدة.
لعبة تسمية الأصوات السردية:
أما عن تسميا ت الشخصيات، فهي تسميات مقصودة، على عكس التسميات التي يمنحها الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم، فتلك هي اعتباطية. فيها الأمل والتمني أكثر ما فيها ضمان التحقق. وأنا كمنشئ لا أمنح الأسماء اعتباطيا لأصحابها، فالتسميات التي يطلقها الكتاب على شخصيات أعمالهم هي تسميات مقصودة وتلتزم تلك الشخصيات Personnages بصفاتها ومحمولات أسمائها وفق ما قصد بها الكاتب، لأنه هو صاحب مصيرها ومسيرها في هذا الاتجاه أو ذاك. على عكس أسماء الأشخاص Personnes إلا القليل.
فت(عمّار) على صيغة فعال الذي يرمز للقوة والأخذ والفتك، والأنانية.
حمو: هو شخصية ترمز إلى الاستغراق في المجتمع حتى وغن كان من الناحية التاريخية يشير إلى سلالة من الملوك الذين تداولوا على الحكم في دولة بني زيان. وهو أيضا ينخرط في كسر أفن انتظار المتلقي.
نعيم: ابن النعمة واللطف والهشاشة أيضا التي يتصف بها من غرقوا في الملذات والبذخ.
حليمة: اسم تراثي، يمنح تبركا بحليمة السعدية أو لصفة في ذاته، فهي صاحبة عقل وروية، وتسامح. وهو ما عايشناه في القصة.
الداقوم وصف قليل التداول في المجتمع الجزائري، وهو مطابق لما في المعجم العربي. حيث يقال: دقم فلان فلانا أي ضربه على مقدمة أسنانه. والدقمة، مقدم الفم.
فالداقومة كما وصلتنا أخبارها، هي امرأة حكيمة، شاعرة كانت تتنبأ بمستقبل الأيام بناء على حالات وظواهر. عاشت 130 سنة، سقطت أسنانها وجاءتها أسنان تشبه أسنان المنشار في صغرها. فلهذه الحياة الواسعة، والتمرس بالآفات كان اختيارنا لهذا الاسم.
الزمان والمكان:
الزمن: هو الليل: وهو مربوط بضحالة الرؤية، والأهوال والخوف، والعزلة بعد دخول الناس إلى مساكنهم.
المكان: الشارع باعتباره فضاء مفتوحا على كل شيء، المقهى وهو المكان الذي يبقى مفتوحا إلى ساعة متأخرة من الليل. الفندق وهو الإقامة والآمن والانغلاق على ساكنيه بما لذ وطاب.
هذا ملخص نقدي من وجهة نظر المؤلف، وللمتلقي رأيه ورؤيته في القصة، وقد يتوصل القارئ إلى نتائج لم تخطر على بال الكاتب. ولذلك يقولون بأن القارئ هو كاتب/ مؤلف ثان للعمل الأدبي. ونتشرف بكل قراءة نقدية دافعة لتعزيز الإبداع وتثويره.



























ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق