السبت، 22 أبريل 2023

الصفحة الثقافية من صحيفة المؤتمر العربي ص 7

 


الأديب المصري مجدي شعيشع يكتب  قط أم طلعت قصة قصيرة


خلف ساقية الأبعدية الطين عطِن لاختلاطه ببقايا القش يكثر فيه طُعم الصيد، أحضرت بعض منه فى علبة سلامون فارغة، وغطيته ببعض الطين؛ كي يظل حياً طول اليوم، جهزت غابة رومي تقارب المترين، واشتريت صنارة فضية و خيط بلاستيك وثقل رصاص وعوامة فلين، من دكان الشيخ أحمد،

فى طريقى للصيد مررت بيت أم طلعت، الكبير والعتيق، الذي تركت منه غُرفة فى نهايته تطل على شارع البحر، لعمي فريد الجزار، رغم مساحتها الصغيرة، كَسَا ابنه أحمد فريد جُدرانها من الداخل والخارج بصور لاعبي الكرة، و كتب عليها، كازينو الزمالك، الكازينو ثلاثي الأبعاد مطعم فول وطعمية فى الصباح، وقهوة بلدي بعد الظُهر، ومحل جزارة فى المواسم والأعياد.

تجلس أم طلعت خلف شباك كبير مرتفعاً عن الأرض قليلاً، يُفتح للداخل، ومن الخارج تحميه قُضبان حديد، لا يُغُلق الا ساعة النوم، لا تنام حتى تنام قططها، كأنها أنجبتهم، يحلم الأطفال فى مثل عمري أن ينالهم من الرفاهية ما يناله أصغر قِط من قطط أم طلعتوا.. تتبختر الابتسامة على شفتيها دون سبب، حتى تصيب عدوى ابتسامتها من يحظى بزيارتها، محتشمة فى غير تكلف، تطل من بين سياج نافذتها كالشمس تشرق على النخيل، ألقيت عليها السلام، استوقفتني، تسمرتُ تحت النافذة، من بين قضبان الحديد مدت يدها بطبق زنك فارغ، وباليد الأخرى قرشين صاغ، والأساور تعانق ذراعها عناق العطر للزهر.

"قُل لعمك فريد، بقرش فول وقرش طعمية، لِستي أم طلعت".

امتلأ طبق الفول، كان دخولي البيت أمراً حتمياً، تتجول في أنحائه رائحة البخور الهندي تجول العطر بين بتلات الورد، وثريات الذهب تغازل ستائر الحرير.

أم طلعت سيدة فى منتصف الستينات مكتنزة فى غير ترهل، فتافيت امرأة وقفت لها السعادة بالمرصاد، بحثت عنها طويلاً، وعلى ضفاف ميت حديد أماط الزمن لثامها عنها، لعلها تجد فيها ضالتها.

دعتني للفطور، تعللت بذهابي للصيد، رفضى المُتلجلج، يعني موافقتي.

هَمَست بصوت حنون لتُسقِط عني عناقيد الخجل، يا حبيبي أنا خالة والدك، وافقت دون تردد، وأنا متلهف لدخول بيت عتيق له مهابة القصور الملكية، الستائر كفساتين السهر، والكريستال يزين ثريات الذهب كالنجوم حول البدر فى قبة السماء.

ناولتني بصلة، وقالت بهدوء وابتسامه: فول عمك فريد يشتهى البصل، ممكن تساعدنى فى تقطيعها.

أخذتها باستحياء وضعتها على حرف طاولة الطعام، وعزمت أن أهوي عليها بقبضتي الصغيرة وأقسمها نصفين، لكن رهبة البيت حالت دون قدرتي، ثم وضعتها بين باب الغرفة وحلق الباب، وأغلقُت عليها الباب بسرعة، طار على أثرها قلب البصلة كالسهم فى رأس القط الأسود الرابض (كالمعبود باستت فى مصر الفرعونية) أطاحت بالغفوه من عينيه، يتظاهر بالانشغال عني، فأباغته بنظرة تشق دياجى الصمت بيننا، فيتلهي بأي شيء مستنكراً وجودي.

تصرُخ عيونه الملتهبة: أنت غير مرغوب فيك.

أصفعه بنظرة حادة: أنا فى بيت جدتي، قِط مثلك يحلم بصيد فأر، أو ينام فى دوار غنم.

أوغل صدري وعيونه المريبة تشعل الثلج حرائق من الغيرة، وهو يتمرغ على السجادة الحرير، والشرر يتطاير منها، وهو فى الأصل قط لقيط كأغلب قططها، لو صادفنى قط مثله أُسمى على حجر وألقيه عليه، حتى يهرب أو يحتفي.

أول من أدخل الراديو ميت حديد، أم طلعت، وضعته فى نافذتها المطلة على شارع البحر، الاستماع مجاني، يتجمع الرجال تحت النافذة، فى الصباح قرآن كريم وفى المساء أخبار وأم كلثوم.

تلوك أم طلعت، مرارة فقد زوجها الثري، وتبتلع غصتها قبل دخول أي ضيف، فتظهر دائماً مبتسمة كالأميرات، ناعمة مكتنزة كالقطة الشيرازي، مدللة كالسيامي، تربي قططاً لا أصل لها، أظنها من باب الصدقة. كما تربي الطيور لتستر البيت.

القطط فى ميت حديد نوعان، نوع مرابض بجانب الموائد أو تحتها، يخطف ما تطوله يده، وحضوره مقبول، ونوع أسود يلبِسه شيطان، وحضوره ممقوت.

عَقَدت اتفاقاً معي، أعطتنى علبة صفيح فارغة، لها فتحة مستديرة فى وسطها، حرفها مثني للداخل حاد كشفرة الحلاقة، وحذرتنى منه، واعطتني خمسة قروش مقدماً على أن أعود لها بما أصطاده كي تقدمه طعاماً للقطط.

على ضفة الترعة يتدلى الخيط بهدوء، يحمل صِنارة فضية ملفوفة بالطُعم، تبتلع ريقها الجاف على وجه النهر، عجزت صِنارتي الصغيرة عن تحقيق صيد سمكة واحدة، أسدد بها ديني، الخجل يقطر من الصِنارة، ورأسها كالشادوف يسقط مرغماً فى فم النهر ويرتفع بالخيبة فلا يتعلق فى طرفها شيء.

أشتاق لسمكة يطربني صوت قفزها فى عُلبتي الصفيح الفارغة.

تطفو البساريا على وجه الماء الجاري، تحتمي بضفة الترعة، وهو المكان الأنسب للصيد وماهى الا دقائق حتى بدأت حفلة زار فى قاع العلبة، أقامتها البساريا التي استجارت بالصِنارة من السمك الكبير، وامتلأ نصف العلبة تقريباً، أكبر واحدة فيها أصغر من أصبعي البنصر.

عُدت لأم طلعت، ليس فى العلبة من سمك البلطي إلا رائحته، فتحت لى الباب، قفز القط الأسود على العلبة، قفزة نِمر جائع على غزال شارد، نفضت يدى منها، تلقفتها يديه، سقطت فى مدخل البيت من الخارج، حاول الدُغُم -هكذا كنا نسميه- أن يصل للسمك، فتحة العلبة مستدير وضيّقة، تتحرك العلبة على الأرض دون وعي، والقط يحاصرها بشراهة المغتصب الذي تتملص منه الضحية، يدفع الأرض برجليه، يدس رأسه النافر غيظاً وحُمقاً فى حلقها، ينتظره مصير ذكر النحل بعد الوصول للملكة.

استعصت عليه كَسَمِ الخِياط فى وجه الجمل.

كلما راودها استعصمت، حتى حُشِرت بين درجات السلم وقضبان الحديد على إحدى جانبيه، واستسلمت فى إحدى زاوياه رغم عنها، استجمع القط قوته المفرطة، ارتخى فم العُلبة فابتلعت رأسه ابتلاع الأفعى لفريستها، سقط فى جُب معتم، لا شبعت شهوته ولا ظل على البر.

تدحرج الخبر بين الناس، تجمهر الفضول على نواصي الشوارع متأبط الحذر، والخائفون لبسوا البيوت وزرروا الأبواب.

يدفع رأسه للقاع فيختنق، يرجع للخلف تلتقمه حافة العُلبة من الداخل، تحزُ رقبته حزاً، كان الدخول فى مستنقع الزلل مستحيلاً وأصبح الخروج منه أكثر استحالة، والاقتراب منه يعنى الهلاك، يجرى فى أي اتجاه، يقفز على كل مكان، حتى الجُدران لم تعد ملاذاً آمناً، يترنح وسط البيوت كفأر ضرير، سقط فى حفل زفاف قِط جائع.

القط يجرى بجنون ويقفز بعشوائية، كثور معصوب يهيجه الرشق بالنبال أو السِهام، لطخ دمه الجدران والشوارع، أمسكت بكفها المكتنز البارد المرتجف كفى الصغير وبلهفة ضمتني بيدها الأخرى، لست أدرى هل تحتمي بي، أم تصرف عنى الخوف الذي حاصرنا، وسمعتها تدعو بالخلاص بصوت خافت.

انحرف القط قليلاً صوب بركة مفتوحة على النهر أمام بيتها، يجري بأقصى سرعة كمن يجري على محيط دائرة وينتظر حد النهاية، سقط فى البركة، ألهبت المياه الباردة الجروح الغائرة فى رقبته كلها، كلما قفز وهبط، تضيق قبضة العلبة على رقبته، خارت قواه وأشرف على الموت، تحولت البركة لبقعة دم فى منديل أبيض، غطس دقائق، طفت العُلبة فارغة، تتحلقها أرغفة خبز جاف أطعمته أم طلعت لأسماك البِركة قبل دقائق، ومن بعيد طفا القط على صفحة الماء ممدداً بدون رأس تنهشه البساريا.

 ***************************************************************************

اللاشيء في نهاية الطريق قراءة تحليلية بقلم الأديب المصري

محمد البنا لنص ( رحلة بحث )  للأديبة العراقية ليلى موراني 

النص

هاجسٌ غريب دفعها أن تفتّش عنه بعد عقودٍ من النسيان. هي تزوّجت وأنجبت، وهو سافر ولم تعد تسمع عنه شيئاً بعد أن رفضه أهلها، وبعد معاناةٍ مع النسيان كادت تفقدها ذاكرتها، تقول، “ وبغفلةٍ من الزمن قفز اسمه من بين دهاليز ذاكرتي المعتمة. “.

آلامٌ قاسية، ورحلة شقاء مع النسيان، ورغبةُ أهلٍ جامحة في تزويجها كي تكون نهايةً لأحلامها في أن تلتقيه يوماً. نظرت إلى وجهها في المرآة، “ ما زلتُ جميلةً، وما زالت عيناي تشعّان بريقاً أنثويّاً، ودمعةٌ حائرة تطوف بهما، صفةٌ تفرّدتُ بها بين طالبات الكليّة، ولكن أين هو، هل حبسني طيفاً في ذاكرته، وأخرى يعيش معها، وأنجب منها الطفل الذي حلمنا به معاً؟ ألا يزالُ وسيماً، كما عرفته، أم فعلت فعلها السنين ؟ "

إعتدلت في جلستها، شريطُ ذكرياتها معه عاد إلى الوراء. لقاءاتٌ معدودة اختطفاها من عمر الزمن، ذلك الشاب الوسيم، القادم من أرضِ الموت والتهجير، لم تره يوماً برفقةِ أحد، وحيداً يدخل نادي الكلية، إلى منضدةٍ منزوية يجلس، نظراته لا تفارقُ الكتاب الذي يرافقه بانتظام، فقط حين يذهب لشراء كوبٍ من الشاي أو القهوة، يرفع رأسه دون الإلتفات إلى أحد، ورهانٌ كان بينها وبين صديقاتها أن تدير رأسه !

منضدةٌ طويلة وسط إحدى قاعات النادي المخصصة للدراسة، كانت وصديقاتها يتحلّقن حولها، حين ظهر فجأةً . تلفّت حوله، كانت منضدته المنزوية قد شغلها غيره، وركن المطالعة مكتضٌّ بالطلبة . كرسيّ واحد شاغر في الطرف القصيّ للمنضدة التي تحتلها وصديقاتها. بهدوئه المعتاد جلس، لم يرفع رأسه عن كتابه، همست بإذن صديقتها.. “ سترين “ ! وبهدوءٍ اقتربت منه، حاملةً كتابها، همست.. “ هل تسمح؟ “، رفع رأسه، والتقت عيناه الخضراوان بعينيها الدامعتين أبداً، وابتسامةٌ خفيفة، أودعتها كلّ أنوثتها، أشارت إلى صفحةٍ ،عشوائيّاً فتحتها .. “ ممكن تشرح لي هذه الجملة، لو سمحت ؟ “



تلعثم، ثم تمالك نفسه ، وهو الطالب المتفوّق في قسمه، والذي تطارده عيون زميلاته ، فلا تجد صدىً.

وكان لقاء ثانٍ، وفِي المكان نفسه، ولقاء ثالث، وآخر، همس في أذنها فجأةً، وبلهجته التي تعشقها ..” بحبّك، بموت فيكِ “. دارت الأرض بها نشوى، وهي التي راهنت أن تلفت انتباهه، غارقةً في حبّه وجدت نفسها، والسنة الدراسية شارفت على الإنتهاء، وإلى بلده سيعود بعد أن أنهى بتفوّق أربعة أعوامٍ في منحةٍ دراسية، هبةً من الحكومة العراقية ، وهي ما تزال في السنة الأولى.

تلاحقت الصور أمامها، وكأنها حدثت بالأمس حين تحطّم جدار النسيان. بكت حين سافر، رافضةً مشهد الوداع في المطار . “ سأكمل دراستي في أمريكا “، كتب في رسالته الأولى، “ وأعود لأختطفكِ زوجةً ترافقني إلى بلدي. “

غزيرة انهمرت دموعها وهي تسترجع أياماً وليالٍ عاشتها مترقّبةً رسائله. كتب في إحداها، وبعد سنتين من سفره..” سأعود لأتقدّم إلى أهلكِ، وتأتين معي.

ثورةُ عارمة اكتسحت كلّ دفاعاتها كانت حين أبلغتهم بذلك. إنتفض الأب، يسابقه الأخ الأكبر في تقديمها قرباناً للشرف المهدور !

عادت تعبث على شاشة الكومپيوتر، تضع اسمه الثلاثي، وتبدأ من جديد رحلة البحث عن حبيبٍ أطلق ساقيه للريح، ما أن سمع ضجيج المعارك.

إنهارت، ومحاولة انتحارٍ فاشلة، محت كلٰ ذاكرتها وما يتعلّق به، وعلى الزواج أعلنت حرباً. تقول صاحبتي، أنها طوت كلّ أحلامها وذكرياتها معه، كلّ لحظات حبٍّ أو ألم، وفي بئرٍ عميق رمتها، وأهالت عليها تراباً، ثمّ صخوراً لتأكيد موته، وصوب الحياة أدارت وجهها . فجأةً، ودون استئذانٍ من حاضرها، أو احترامٍ لعقودٍ طويلة من النسيان، انبثق برعمٌ صغير من بين الركام .. بعد أكثر من عشرين عاماً، عجباً! هل هو الإحباط الذي تعيشه، أم الفراغ الذي يبتلع أيامها وسنين عمرها، بعد أن تزوّج الأولاد، والزوج رحل ؟

سأحاول للمرّة الأخيرة، قالت لنفسها، وضعت اسمه على الشاشة، صدمت، عشرات الأسماء المشابهة تتوالى أمام عينيها. تركت البحث بعد أن أعياها التعب، مجرّد فكرةٍ طارئة، قالت، أو حبّ استطلاعٍ تحوّل فجأةً إلى تحدٍّ وإثبات شيء، أي شيء؟ لا تدري!

عنوانٌ في بلدٍ مجاور قفز إلى ذهنها، كان مقرّراً أن يستقرّا هناك حين عودته، ويعيشان معاً.

إلى البحث عادت من جديد، وقد أمسكت الخيط من رأسه، كما تقول . الإسم والعنوان .

سكتت وكأنها دخلت في غيبوبة، أو ربما أضاعت الخيط والعصفور، وهي تبحث في عالم خيالها.

احترمتُ صمتها، وأحدتُ نظري عنها .. فجأةً، وبصوت ناسكٍ بوذيٍّ يتعبُد، جاء صوتها عميقاً، منتحباً ..

” أتعلمين، وجدته، إسمه الثلاثيّ الذي ما زلت أذكره، كان مسبوقاً بكلمة المرحوم !".

ليلى موراني...العراق في ١٧ أبريل ٢٠٢٣

القراءة

هل هو الإحباط الذي تعيشه ؟

أم هو الفراغ الذي يبتلع أيامها بعد زواج الأولاد ورحيل الزوج؟... قصر الأمر ( التذكر ) وتحديده بين منعطفين..أجد فيه اجبارا على المفاضلة بين أمرين وفقط!!

الإحباط الذي ( تعيشه )!...ما هو ؟؟.

ولنعد للنص الغني بالمشاعر والمتدثر بعباءة شتوية وجليستان يتسامران بتنهد حول مدفأة وقودها عمر مضى، وجمراتها جذوة ذكرى.

هذا هو شعوري واحساسي بعدما وأثناء تصفحي لذاكرة متذكرة ومخيلة منصتة.



لغة دااااافئة بثها الحنين ثمارا لشجرة يبست فأورقت أغصانها..اللغة اللغة اللغة...هى سر نجاح النص..هى حياته وبريقه..هى حروفه الدامعة وعيونه الناطقة صمتًا وهو الضجيج صنوان، نعم ضجيج الصمت تنثره النظرة الكسيرة عطرًا، عطرٌ يشبه الدموع حينما تقهر المآقي، وتهد حصونًا بناها الواقع حجرًا فوق حجرا.

والشيء المدهش اللافت لنظري كناقد هو براعة المزج بين سارد عليم - في غالبية سطور المتن- وصديقة جليسة مواسية ومسامرة..براعةٌ لا تكاد تبين فوارق بينهما إلا لمما.

غاب المكان والزمان عن النص ظاهريًا، لكن روح النص أظهرتهما بجلاء ووضوح، فالمكان بقعة جمعتهما سبق أن جمعتهما من قبل مرارا، والزمن برهة من وقت أظنه بل أتخيله جزءًا من ليلة شتوية، تظللها سماءٌ صافية يجللها سواد ناعم وساكن، بينما النار كل النار تتأجج تباعًا بين متذكر يتذكر ومنصت يتابع تداعي يشارك فيه أيضا بما تجود به ذاكرته مؤيدًا ومكملًا ومفسرا، وبمعنى آخر حوار غير معلن بين جليستين تكمل إحداهما ما بدأته الأخرى.

الحقل الدلالي:

كما سبق وقلت أنّ اللغة المستخدمة هى سر روعة هذا النص، فقد أتخمته شجنًا وروته دموعا فينع نصا، نصٌ تراوح بين حاضر بائس وماضٍ أغلبه مرا، كسفين أبحر قهرًا يقود ربانه لا يقوده ربانه، ويخوض به عباب حياة مفروضة فتماشى معها عل وعسى، وعندما رست ..رست على شطٍ خال... ولننظر إلى بعض الكلمات لنر كيفية مساهمتها في توطيد أساسيات الفكرة النصية..

( هاجس/ نسيان/ آلام / انهارت / انتحار / بحث/ مرحوم / رحيل/ نهاية / أحلام / طيف.....).

التقنية السردية :

نص حداثي ينتمي بشقه الأساس لمدرسة تيار الوعي السردي، وبشقه المكمل للمدرسة النفسية.

الشيء الجميل هو الالتفاتة الرائعة بالإضاءة الواعية الراشدة على من مضى بهم قطار العمر، وأوشك أن يصل محطته النهائية..يتأملون ما مضى من محطات عمرية، ولا حول لهم ولا قوة إلا البكاء على الأطلال، فلا بمقدورهم العودة لإصلاح ذات البين، ولا قدرة لهم الآن على تصحيح المسار، ولا يملكون إلا الذكرى والتذكر حول مدفأة في ليلة شتوية، يحترقون مع لهب حطبها، أو في ليلة صيفية رانين إلى سماء فوقهم راجين إذنًا بالصعود.

ملحوظة خاصة جدًا:

الغيض..الغيظ

خطأ لغوي أو لنقل على وجه الدقة لهجة محكية عراقية.

محمد البنا..القاهرة في ١٧ أبريل ٢٠٢٣


****************************************************************************

حلم ليلة صيف 

قصة قصيرة  

للأديبة السورية 

سمية الإسماعيل



تلك الليلة ، كانت ليلى بأناقتها البسيطة المعتادة تقف عند باب العمارة في انتظار صديقتها سامية ، زميلتها في نفس المدرسة و صديقتها المقربة، التي دعتها لحضور الحفلة الموسيقية التي تعزف أوبريت يوهان شتراوس في دار الأوبرا فقد كانت تعلم حبها لهذا الفنان الفذ . توقفت أمامها مباشرة سيارة يدل مظهرها على رفاهية صاحبها ،

- ليلى . تفضلي

تنبهت لصوت صاحبتها من وراء نافذة السيارة المفتوح . فتحت باب السيارة وركبت بحياء

-مساء الخير.

-ليلى ، هذا أخي مازن . كابتن طيار يعمل في كندا.

-تشرفنا.

-شرف لي . مساء الخير. رد مازن باتزان .

مساء الخير ، كانت الكلمة الوحيدة التي نطقت بها طوال الطريق مع أن سامية و مازن لم يتوقفا عن الكلام و المزاح بينما كانت هي تشاركهما ذلك بابتسامات خجولة حملت الكثير من الارتباك . إنها المرة الأولى التي تخرج فيها للسهر ؛ و لو لم يكن هذا الحفل هو ما كانت طوال حياتها تتوق لحضوره ، لما وافقت .

في هذه الأثناء، كان هناك حديث يجري بينها و بين نفسها. كم هو عالٍ و ممتد على مساحة عمرها هذا الجبل الجليدي؛ أما آن له أن ينصهر . أما آن لكل ما تحمله من رهافة الحس أن يترجم قلبها المعطلة دقاته إلا لإعلان أنه على قيد الحياة؛ إلى دقات حمراء تتفتح على وجنتيها و تحيل عينيها نجوماً تنير قتامة ليلها الطويل . ماذا يحدث لو أنها شاركتهما الحديث و المزاح .

-أفٍ . ليتني أستطيع . تمتمت بينها و بين نفسها .

هناك ، في دار الأوبرا نسيت نفسها و استغرقتها الموسيقا بكليتها لم يقطع صمتها إلا عندما بدأت أوبريت البارون الغجري، تقاطعت كلماتهما

-إنها المفضلة لدي .

قالتها و مازن في نفس اللحظة . تلاقت نظراتهما عن قرب . ابتسما و اعتدلا في مقعديهما و تابعا الحفلة التي انتهت بدعوة للعشاء من مازن . حاولت بشتى الأعذار التملص من قبولها و لكن تحت إصرار سامية وافقت . كانت ليلة امتلأ فيها قلبها بالضجيج . دقاتٍ كأنها طبول إعلان ببدء حرب بينها وبين ما أخذ يعتمل داخلها . مازن رجلٌ مثقف، متحدث لبق ، أكسبه السفر الكثير من التجارب و الخبرات . هادئ و رزين إضافة إلى أنه يتمتع بمظهر أنيق و وسامة لا يستهان بها . هذا كان انطباعها الأول عنه بعد هذه السهرة الوادعة . عادت لتجد والدتها بين كبوة و أخرى تنتظر عودتها :

-تبدين سعيدة . كيف كان الحفل ؟ .

-رائعاً يا أمي . سأحدثك عن مازن .

نهش الفضول كل مؤونة الصبر التي كانت أم ليلى تقتات عليها و هي تحاول إقناعها بالزواج .

-من مازن هذا ؟ تعالي احكي كل شيء بالتفصيل العمل .

كانت ليلة استمر فيها السهر لوقت متأخر .. ليلى تتحدث و الأم ترسل صلواتها لله

-يا رب ، رفقاً بقلب طفلتي الغض.

لم يكن إحساس أم ليلى ليخطئ . و لم تكن ليلى تعرف أن دقات قلبها و هي تتسارع عند ذكر اسمه و ضحكتها التي تحاول لملمة اتساعها خفراً ، ما هي إلا أول الغيث لعاصفة ستجتاح قلبها . في اليوم التالي جلست ليلى و سامية كعادتهما في مكتبهما يستمتعان بقهوتهما الصباحية،

-يبدو أن الحب يستعمر قلوبنا أحياناً دون استئذان ، هكذا يقول مازن

قالت سامية ذلك و هي تغمز بطرف عينها لليلى . ارتبكت ليلى و تظاهرت بعدم فهم ما قالته سامية لكن سامية لاحقتها بنظراتها الماكرة تحاول استنطاق نظرات عينيها و ارتباكها الذي فضحها .

-تباً ، لا أعرف لم ترتجف كل أوصالي عندما يذكر اسمه.

همست ليلى لنفسها و قد ابتعدت محاولة الهروب من نظرات سامية التي تلاحقها ، و قد دست وجهها كله في خزانة الاضابير في محاولة منها إخفاء ما كانت تنطق به عيناها و قسمات وجهها .

أشياء كثيرة بدأت تتحطم ، جبل الجليد ،و أسوار الرفض لفكرة الحب من أصولها و وعود أبرمتها مع نفسها ألا تدع والدتها بمفردها، والدتها الأرملة بعد حادث سيارة أودى بحياة زوجها . كانت ليلى ابنتها الوحيدة التي نذرت أمها نفسها لها وحدها رافضة كل عروض الزواج التي كانت تتوالى عليها و هي الشابة الحسناء ذات الأصول الراقية، هذ الأمر جعل من علاقة ليلى بأمها علاقة تعلق الرضيع الذي يرفض الفطام . توالت لقاءات ليلى بمازن في كل مرة كان يأتي بها لزيارة أهله . بل أنه أصبح يتعمد قيادة الرحلات القادمة لبلده للالتقاء بها . لم تكن ليلى بأقل منه رغبة في ذلك، غلبتها دقات قلبها فاستسلمت لطلاوة هذا الإحساس الجميل الذي تسلل ليغرق روحها بنشوة كانت تزداد مع كل لقاء يجمعهما . . كل حديث بينهما و كل نظرة كانت تحكي قصة عشق تكتب فصولها؛ كل همس بينهما بدا إعلاناً سافراً لغرام صارخٍ يسمع من به صمم .

-إنه جنون يا مازن ، أتريد خطبتي ؟.

-أين الجنون في ذلك ؟

-و لكننا نعرف بعضاً منذ أقل من سنة

-و إن يكن . فأنا فعلاً أحبك حد الجنون.

بدا الأمر و كأن كل شيء على ما يرام . إلا أن هناك فتيل حرب قد اشتعل داخلها بين "نعم" و "لا" .

كثير من الحيرة و الإحساس بالذنب كان يسرقها من فرحتها التي لم تكتمل. لم يتركها الحاح السؤال؛ "كيف سأريق دم الوعود على عتبة عمرك التي أضنيته لأجلي .أألبي نداء قلبي لأكسر قلبك ؟ "

-لا تفعل . لا أريد إن أخذلك . لا أستطيع .

وقع رفضها على مسامع مازن كصاعقة أيقظته من حلم ندي

-و لكن لماذا؟ أنت تحبينني ، فلم ترفضين إذاً ؟

-أنا لا أرفضك ! فأنت تعرف أنني ،و رغم هذه الفترة البسيطة من تعارفنا، أحببتك . مازن أنت رجل نبيل و تمتلك من الرجولة ما تجعل أي فتاة تغرم بك . ولكنني أرفض فكرة السفر و ترك والدتي، مستحيل .

لم تنفع نظرات الرجاء من والدتها في حل عقدة الامتنان و العرفان .

-ماذا سأقول لله إن سألني عنك ؟

-ولكنني راضية بذلك يا ابنتي

-يريدني أن أسافر معه و لن أفعل؛ لن أتركك وحدك. لم أكن يوماً عاقة و لا أنانية ، و لن أكون

لم يستسلم مازن لرأي ليلى بل كرر محاولاته في كل مرة كان يعود فيها الى بلده لكنه كان يواجه بذات الرفض حتى كان آخر لقاء بينهما في بيتها .

-ليلى ما زلت أطمع بموافقة منك . لن أتخلى عن أملي في موافقتك .

-لا تحاول يا مازن . لقد اتخذت قراري. لن أترك والدتي التي بذلت عمرها لأجلي. أنت يمكنك الالتقاء بمن توافق مطلبك لكنني لن أجد أماً أخرى و هي أيضاً ليس لديها ابنة أخرى

نظرت إليه نظرة طويلة و كأنها تختزن مؤونة لقلبها من عينيه . ثم أردفت

-ليس من السهل علي قول ذلك، لكنها أقدار . أتمنى لك الخير .

غادر مازن و في قلبه ألف حسرة و أسف ، فقد كانت الوحيدة التي احتلت من فؤاده السواد ، الوحيدة التي طالما زارت خياله لكن القدر يصر على أن يبقيها خيالاً رغم أنها تمثلت له حقيقة و واقعاً .بينما وقفت ليلى على النافذة تودع آخر خطواته المتباعدة كانت الغصة تعتصر قلبها البكر .فرت من عينها دمعة، أهي دمعة حزن لفراق أم شوق كانت ناره تشتعل على هون أم أنهما معاً، فقد أحبته هي الأخرى . مسحت ليلى دمعتها كي لا تراها والدتها ثم نظرت إليها بابتسامة دافئة قائلة :

-من سيتزوج بي سيقبل بك قبل أن أقبل أنا به فنحن يا عزيزتي “جملة ” إما كلتينا أو لا .

ثم عانقتها لتفرغ ما استطاعت من عواطف كانت ستتفجر فتبوح بكل ما أخفته.

 

******************************************************************

غنائم

قصة قصيرة

للأديب السعودي

عبدالله النصر



- لِمَ كل هذا الإصرار، يامؤمن؟!!

- قلتُ لكَ، يا أحمد، لا أراني فقط إلا في العمل الميداني.

مط أحمد شفتيه، فَرَّغ شُحنة دهشته، ثم سلمه قائمة أرقام هواتف المحتاجين وبيان ما حُدِّد لهم من لوازم.

*****

أيقظه منبه جواله، قبل صلاة الفجر، لم يكد ينهض، حتى تأففتْ، وسحبتْ ذراعه العاري، وسدته خدها، جعلته يرتشفُ ما بقي من دفءٍ فيه، وقبضتْ بكلتا يديها على كفه، قبلتْ باطنه، شمته، وشبكتْ أناملها بأنامله، بل اندستْ بكاملها كقطةٍ وديعةٍ في مجمل جسده، وأرادتْ ألا تفيق من غفلتها، وأن تؤلفَ أكثر بين قلبها المثخن وقلبه الشارد، همستْ له:

- رائحة الزلال، نفاثة، شقاوتها تغريني..... حبيبي، ماذا لو كنتَ..زو..

كمَّ فمها سريعاً:

- لا تكملي، صفاء.

شعرتْ بانزعاجه المعتاد، شعرتْ بأنه سينسحب عنها، فشدته إليها أكثر، ثم أردفتْ:

- متأسفة، أتعبتكَ لكثرة الحديث في هذا، لكن هل أنا مختلفة عن نساءِ هذا العالم؟..

سَلَّ ذراعه، وجسده:

- بل أنتِ الأفضل.

قالها، وخطافياً لمَّ قطع ملابسه المتناثرة في غرفتها، فأردف:

- من يَقدر على قول بأننا لسنا زوجين؟.

بادرته، بينا تفرغ حممها:

- لن يكتشفوا، إلا بعد أن تدور حولي الدوائر، ويكون قلبي قد اهترأ وتمزق، حتى أبنائي وأبنائك لن يرحبوا بعابر سبيل مؤقت، وعليَّ وحدي تحمل مجمل التبِعات.

(كلانا نتحمل، حبيبتي)، أجابَ بحروفٍ ثلجية. وأرتدى أثوابه، ألتثم غترته، وأشار إلى الباب، خمَّدَتْ نيرانها كالمعتاد، غطتْ عُرِيِّها، وبمضض وهدوء بالغ رفعت قطعة القماش من تحت الباب، وأدارت قفله ومزلاجه بتؤدة، ثم ألقت نظرة دقيقة في ردهات بيتها، تحسباً من أن يكون أحد أطفالها قد استيقظ.

أطمأنت.. فعانقته طويلاً، نفثت حمم نيرانها أعلى كتفه، نقلت خدها إلى صدره، التحمت به، لم ترد الفكاك منه، وهو مسدل الذراعين، همست له:

- حتى أننا لا نجلس ونتحدث!.

فك ذراعيها، لثم شفتيها ببرود:

- نتحدث عبر الهاتف.. من الصعب هنا، يا قلبي، أستأذنك، الوقتُ تأخر كثيراً..

أخلت سبيله، ونواتها تتقد، أنْقَلَبَ للشارع مجنحاً، ريثما فعلتْ وباب الخروج ما فعلته وباب غرفتها، واطمأنتْ منه كما أطمأنتْ من أيتامها الغارقين في أحلامهم المُهملة المهدهدة بتبرعاتٍ عينيةٍ بسيطة.

قبيل المساء، أدار حبيباب مسبحته، أسدل غترته، مشط لحيته الكثة، واستعرض بيان الأسماء واللوازم الذي تسلمه من أحمد..

- ألو (صالحه).. حبيبتي، الآن سأزودك بالمعونة الخاصة بأبنائك، وأشكري الله، فقد بذلتُ مجهوداً عظيماً كيلا تُقطع عنهم.. ولا تنسي موعدنا الواحدة ليلاً.. دعي شوقك العارمَ المعهود ينتظرني.. ها؟!.

 ٢/  ٣ / ١٤٤٤هـ

 *****************************************************************

من وحي الورقة الصفراء

قصة قصيرة

للأديب الجزائري

عبدالعزيز عميمر

نظر إلى أوراق الخريف الصفراء الذابلة ،وتنهّد ،ثمّ أخرج سيجارة،وملأ رئتيه بنفس طويل،طول حزنه وكآبته،أيعقل أن تتحوّل الأوراق الخضراء الطريّة، وتصبح يابسة ،وتصرخ بطقطقة عالية حينما تداس بالأقدام ،تتفتّت وتذروها الريٌاح ،تداعبها ،ثمّ ترميها بعيدا عن موطنها،تبكي تركت غصنها وشجرتها، لكن ليس بيدها! لقد شاخت وجفّ ماء مسامها ،واعترتها

المتاعب ، تطمح أن تنظر للأعلى لاتستطيع فظهرها مقوّس،وعيونها تمسح الأرض!

انتهت الضيافة،وترك المكان مبرمج،مدّة تناول قهوة بحساب الضوء .

هيكل مصنّع ،تحمله أعمدة،وينخر السوس،وتسقط

الأعمدة، فالتّراب للتّراب .

أو يصير لنا مثل الورقة ؟

نلعب ونلهو، ونتمتّع بحريّتنا زمنا طويلا دون حساب والعصابة السوداء على العينين تمنع تسرّب

اليقين والساعة تخطف أحلامنا ،وترمي دميتنا ودرّاجتنا ،وتعصر براءتنا ،وتقبض على ضحكتنا.

ونكبر ! ونكبر،ونحتفل بأعياد الميلاد ،والحياة تدفعنا

للمغامرة،وفي نفس الوقت تضحك وراء ظهورنا،لأنها

تعرف مصيرنا!وتدفعنا إليه بميثاق الحبّ والنصيحة.

احتفلوا! تمتعوا! ستلتحقون بالورقة الصفراء اليابسة،

سيتخلّى عنكم الجمال ،ويعطيكم ظهرا مقوّسا،وفما

دون أسنان،وينزع قوّة الركبتين،ويعطيكم عكّازة الأعمى،أما الشعر فيأخذ البياض دون إذنكم، ويُنظَرُ

إليكم باستهزاء واحتقار ،ياله من مسنّ ! يريد سباق

المارطون ! هههه وأكل اللّوز! والسباحة،طمّاع في أخذ وقت الآخرين، عِشتَ وقتك ،والآن توسّد التّربة

والتحق بصديقتك الورقة الصفراء اليابسة ،هذه هي البرمجة! ليست بأيدينا ! وما لنا لها من نصيب !

خط أحمر لا تتجاوزه ! شئت أم أبيت !

فهمت الدرس! نم واصمت للأبد وتوجه للمكان الذي ينتظرك منذ ولادتك

أخذ نفسا آخر وانتفخ صدره،ثم رمى دخانا كثيفا

من مدخنة أنفه ،وتابع دخان السيجارة وهو يعلو متموجا في دائرة لولبيّة، تحت دعابة نسمة خفيفة ،

ربّما السيجارة،تشعره بالانتصار! لكن على من !!؟

يحبّ رؤية الدخان وهو يتلاعب به،ينفثه كيف ماشاء

يخرج من فمه وأنفه ،وكأنها قوّة أخرجت هموم الصدر،وقذفت بالمرتزقة ،ودخل الحلفاء،يقدّمون الهدايا ،يوهمونه أنّه ليس بورقة خريف! وانّه باق،والوقت طويل،والطاحونة لاتنام.

ابتلع السيجارة وعاد لنفسه وَرَكِبَتهُ كآبته،وعاد للتقوقع

داخل انقباض النفس وفي دوامة طيران الورقة

الصفراء ،التي تجهل مصيرها .

نهض وهو يتمتم: مادمت ميتا! فلماذا اترك التدخين ! به أو بغيره فأنا لاحق بالورقة اليابسة الصفراء ......

أنا مشتاق للتربة وهي أمّنا وأنا ذرّة سأحتمي،وأختبئ بين ذرّاتها .

******************************************************************

مقال

لنغيِّر من أنفسنا

للكاتبة الجزائرية

كريمة بلكيف عبد القادر

في الحقيقة نحن لم نختر الأهل ولا المجتمع ، حتى يكونوا بنفس تطلعاتنا وأحلامنا، ما متاح نختاره هو كيف نحافظ على درجة من راحة عقلولنا وقلوبنا، ما نختاره هو قراراتنا متاحة لأنفسنا رغم أن بعضها نتمنى المنفى أو الافول على اختيارها، اختيار صعب لدرجة التوهان والحيرة المطبقة على شعورنا الداخلي، كلنا لا نختار أمورا ولكن قراراتنا ملك لنا، و نتيجتها محسوبة لنا أو علينا . سؤال لكل الناس لماذا نحاسب كل المحيط؟ على أفعال مضت؟ ألم يخطر ببالنا نحن الأذكياء أن ننظر لأنفسنا، نسأل أنفسنا عدة أسئلة عشرات المرات، هل كانت قراراتنا من قبل صحيحة؟ هل تصرفاتنا مع المحيط صحيحة؟ هل كنا على قد تطلعات غيرنا ولم نخيّب أحد؟ هل كنا من الملائكة حقا!؟ لا تخطئ أبدا؟، لنجب عن كل تلك الأسئلة كل يوم وليلة ويجب تصحيح الأخطاء، مشكلتنا أنت وأنا وأغلب الناس كلّ شيء يحدث نتملص منه نخرج أنفسنا منه كما نخرج الشعرة من العجين. العيب الكبير في أعماقنا في قرارات أنفسنا، لنتعرف أننا لسنا ملائكة ولا كل الناس شياطين كلّ إنسان يحمل ما يجعله ناقصا في نظر الآخر كل شخص له سلبيات وإيجابيات، لا يمكننا جعل أنفسنا قاضيا يحمل الناس أوزارها، لنكن أرقى ببعض التفكير ونزن الامور كما يجب أن تكون، فلا يمكن لأحد اختيار أهله ولا محيطه، لكنه يختار بقرار واحد منه من يكون، أ شخصا حكيما أم غبيا يحسب نفسه الأذكى بين الناس. لنتعرف بعضنا لا يتحمل الوسط الذي يعيش فيه وكأنه لأهله يد في اختيارهم لأنفسهم له، لماذا لا نحاول تغيير تفكيرنا منطق أفكارنا؟ هذا حلّ جميل! بتغييرنا نحن يتغير كل شيء، ليكف الجميع على لوم الآخرين على ماحدث ويحدث ، لنفكر في المستقبل بطريقة مختلفة نحسنه، نقوم نحن بغربلة شوائب عقولنا، الصراحة بعض الأمكنة في دواخلنا عفنة إنها الحقيقة يا سادة، أتعلمون لماذا جميعنا تعساء؟! لأننا لا نحاول الإصلاح فقط اللوم ونلعن ماذا نلوم ونلعن طبعا القوم الأولين. بطريقة أو أخرى مانفعله حقيقة هو الهروب أو إخفاء حقيقتنا نحن، لأننا جبناء والكثير من الصفات السيئة فينا، متجذرة في كينونتنا في العمق، لا نلوم أنفسنا بل نتجه صوب الآخر نحمله مسؤولية كل شيء وكأننا نحن صفحة بيضاء بدون أخطاء، لنحاول للمرة الأخيرة فقط أن لا نبكي ولا نشتكي، فقط نكون سعداء بالشيء الموجود، نحاول أن تكون قراراتنا صحيحة، لنعتبر من السلف الأولين ولا نعيد نفس الخطأ، لا ينفع نلوم وأن نلعن أحد بل نحاول تصحيح مسارنا وتشييد منطق عقل وحكمة، ونقرر في الوقت المناسب قرارات صحيحة.

*****************************************************************

 من إصدارات دار وعد للنشر والتوزيع

                مسرحية المزرعة  للدكتور هشام السحار

                





 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...