لكل رواية مذاق وذائقة وتصنيف وتجنيس أدبي ، ورواية إمرأة غير قابلة للكسر منذ قراءة العنوان يستشعر القاريء ويمهد عقله ليعرف من هي تلك المرأة الغير قابلة الكسر؟
ثم يستعد نفسيا كي يكون أمام إمرأة قوية لا تكسرها الظروف ولا تؤثر فيها المشاعر!
منذ بداية الفصل الأول تبدأ المعالم تتضح ولا يجعلك الكاتب تنتظر كثيرا فيرسم لك شخصية
تلك المرأة القوية والشخصية الأولى المحورية فى الرواية
"شاهيناز شوكت"
وإذا تناولنا عناصر الرواية والتى تتلخص أولا فى الجنس الأدبي
لها لوجدنا أن الرواية تنتمى تصنيفا للرواية الواقعية التى أخذت من الواقع أحداثه الإجتماعية والسياسية والاقتصادية ومزجت بينها فى حبكة واقعية حتى يشعر المتلقى أثناء قراءتها أنه عاش أحداثها وقرأها على صفحات الجرائد يوما ما..
وإذا انتقلنا لعنصري الزمان والمكان فى الرواية لعرفنا من خلال سياق الأحداث وتتابعها
أن الزمان الذي مرت به الأحداث يقع فى فترة نسبية التى انتشرت فيها رائحة فساد كبار رجال الأعمال بالتوازي مع انتشار الصحافة الصفراء التى كانت تهتم بنشر الفضائح لكبار رجال الأعمال والفنانين والفنانات والمشاهير بوجه عام ومن هنا فإن الزمان نستطيع أن نستشفه ونستنتجه منذ أواخر التسعينات
والعشر سنوات الأولى من الألفية الثالثة خاصة ! أما المكان فيدور داخل القاهرة والإسكندرية والساحل الشمالي والتجمعات السكنية القاصرة على طبقات رجال الأعمال والأثرياء وبعض الأحداث المهمة تقع فى لندن.
أما شخصيات الرواية فإننا نجد
" شاهيناز شوكت "
وهي المرأة الحديدية القوية غير القابلة للكسر.
فخري الريس
زوج شاهيناز البائس الذى عمل فى مخازن مصلحة الأثار وحاول كشف الفساد واضطهد وحورب
ففقد طموحه فى بلده وهرب من الفساد وهاجر إلى استراليا بعد أن طلق شاهيناز.
داليا وهناء وأمنية ..
بنات شاهيناز وفخري الريس.
سارة ..
ابنة فخري الريس من زوجته
الأجنبية مارجريت التى تزوجها فى أستراليا.
علي الجرايحي وسامح ونجوي
على الجرايحي محامي شاهيناز وشريكها من الباطن وسامح ابنه ضابط البوليس الذي عمل فى شرطة السياحة فى بداية عمله بالشرطة وكان ذلك سببا لتعرفه بسارة ابنة فخري الريس .
أما نجوى فهي زوجة على الجرايحي وأم سامح الأرستقراطية والتى تكره شاهيناز شوكت "غيرة منها".
عزت النعيمي
رجل الأعمال وحوت الإسكان
الذى جمع بين المال والنفوذ والسلطة فى يديه وتزوج سرا من شاهيناز شوكت ثم أعلن زواجه مضطرا بعد أن كشفت الصحافة الصفراء خبر زواجهما.
علاء مراد
الصحفي الإنتهازي صاحب مدرسة الصحافة الصفراء وصديق على الجرايحي وعزت النعيمي.
وشخصيات أخرى مؤثرة كشخصية الأميرة الخليجية ورجل الأعمال الخليجي والمنتج السينمائي والفتى رامز التى أحبته هناء الإبنة الوسطى لشاهيناز شوكت قبل أن تلتقى بالضابط سامح ابن على الجرايحي.
فإذا انتقلنا لعنصر اللغة بالرواية
لوجدنا أننا منذ البداية وحتى النهاية أننا أمام لغة بسيطة سهلة خالية من الجماليات البلاغية والتعبيرات الرومانسية وليس هذا يعيب الرواية التى بين أيدينا
ولكن نستطيع أن نقول أن الكاتب كان من الذكاء أن يكتب روايته بهذه الطريقة الخالية من البلاغة والرومانسية نظرا لطبيعة أحداثها.
أما مضمون الرواية والهدف الذى أراد الكاتب أن يجعل المتلقى يعرفه يتلخص فى معرفة
الفساد بكل تفاصيله ومعانيه فى زمن ما بعد بداية الألفية الثالثة.
فقد كان هناك الفساد السياسي واللاأخلاقي والاقتصادي والديني من خلال تقديمه لنماذج معينة فى شخصيات روايته
أ / محمد رفعت
كاتب وصحفي مصري
فقد استطاع أن يقدم هذه النماذج نظرا لعلمه ببواطن الأمور وعمله فى بلاط صاحبة الجلالة ومعرفته بأسرار رجال المال والأعمال والمشاهير ..
أما عن السرد فى الرواية وكيف استخدم الكاتب طريقة السرد لوجدنا بالفعل توافقا تاما بين طريقة السرد التى استخدم فيها الكاتب الراوي العليم ببواطن الأمور كلها والقريب من الأحداث وكأنه كان قريبا من مواقع حدوثها وقريبا من أبطالها وحسنا أنه فعل ذلك فهو كذلك الصحفي الذي يعرف الأسرار ويعرف كيف يصنع الخبر ويعرف ما وراء الأخبار!!
وما كان ليتم سرد أحداث رواية واقعية سياسية إجتماعية صحفية تدور أحداثها فى بلاط رجال الأعمال والميديا والقصور والشاليهات وأحياء لندن أيضا إلا بهذه الطريقة من السرد والراوي العليم بكل التفاصيل.
أما عن الحبكة فلم تخرج عن الحبكة المعتادة لكنه لم يمهد لأحداثه وشرحها فكانت البداية من بيت شاهيناز شوكت وزهراتها أو بناتها الثلاث وتقدم الضابط سامح ابن المحامي على الجرايحي لابنتها الوسطى هناء
وكيف انفصلت شاهيناز عن زوجها وأبو بناتها فخري الريس الذي هاجر إلى استراليا بعد أن تحطمت أماله ولم يستطع محاربة الفساد وتتصاعد الأحداث وتصل إلى عقدتها بعد كشف علاقة شاهيناز بعزت الغنيمي
ثم تصل للنهاية فى تراجيديا درامية سينمائية ومشهديه روائية
كأنها كتبت خصيصا لتكون كذلك.
بعد أن استعرضنا عناصر الرواية والبناء الروائي
وكيف بنى الكاتب روايته وعرفنا كل البني المعرفية أو مفاتيح الرواية وعناصرها والخلفية الثقافية والمعلوماتية التى يملكها الكاتب وجعلته يقدم لنا عملا مميزا من حيث الشكل والمضمون فقد حان لنا أن نعرف فى إيجاز واختصار شرحا لأحداثها دون الدخول فى تفاصيل حتى نترك للقارىء فرصة الاستمتاع بقراءتها ..
فكما عرفنا شاهيناز شوكت المرأة الحديدية والتى نستطيع أن نقول أنه كان بالفعل هناك فى زمن ما المرأة الحديدية وكان هناك ربما نفس الاسم فى عالم الأعمال ولكنه الإسقاط والرمز الذى أراده الكاتب مما يقول إنها المرأة التى صعدت بسرعة الصاروخ وتحولت من سمساره عقارات لصاحبة شركات كبيرة فى مجال المقاولات والأعمال...وما كان ليتم لها ذلك إلا بمساعدة حوت الفساد الذى حاول افتراسها فلم يستطع فكان منه أن يتزوجها
ويسندها فتتحول إلى سيدة أعمال قوية حتى أصبحت المرأة الحديدية ..
نرى من سياق الأحداث ...
داليا ابنتها الكبيرة التى تشبهها فتحقق نجاحا كبيرا فى مجال الصحافة والإعلام بمساعدة زوج أمها رجل الأعمال الذي يشتري القناة الفضائية والصحيفة التى تعمل بها ويخصص لها الإنفرادات الكبيرة للتخلص من خصومه الحيتان الكبار وتقدم برنامجا كبيرا" للتوك شو " وتصبح نجمة كبيرة ..
وفى الخلفية يظهر الصحفي الإنتهازي وصاحب مدرسة الصحافة الصفراء والفضائح الصحفي علاء مراد
صديق رجل الأعمال عزت الغنيمي والمحامي على الجرايحي وشاهيناز شوكت وبالرغم من ذلك لا يوجد عنده مبدأ فيضحى بأي شيء من أجل مصلحته ..!!
ثم الإبنة الوسطى هناء التى تهتم بالفن التشكيلي والديكور وخريجة الفنون وتقترن بالضابط سامح ابن المحامي على الجرايحي صديق وشريك أمها..
ثم الإبنة الصغرى أمنية التى تحاول أن تشق طريقها بعيدا عن أمها ونفوذها فهي تشبه أبيها فى مبادئه وأفكاره وترفض الواسطة والفساد فتتخرج من معهد السينما وتسعى ان تكون مخرجة اعتمادا على قدراتها بعيدا عن النفوذ والمحسوبية.
تظهر " سارة "
ابنة فخري الريس
من الزوجة الأجنبية التى تزوجها بعد هجرته لاستراليا
لتبحث عن أبيها وإخوتها بمصر فيتحقق لها ذلك بعد قصة ومغامرة مثيرة أحد أبطالها الضابط سامح العملاق الوسيم؟!
تتصاعد الأحداث وتتكشف ابعاد شخصية رجل الأعمال عزت النعيمي وفساده ونزواته وتظهر فى حياته الأميرة الخليجية وعلاقاته المشبوهه فى دنيا المال والأعمال وتخصيص الأراضي له بتراب الفلوس واعادة بيعها بالألاف وتنتهى حياته بمأساة وطعنات تصل إلى أكثر من ستين طعنة وسط زجاجات الخمر وأحمر الشفاه ؟!
ربما كان ذلك اختصارا مكثفا لشرح أحداث الرواية التى كانت بالفعل مكثفة وسردها الكاتب فى مئة صفحة وعشرين فصلا مكثفا وكان يستطيع أن يفرد مساحات لها وتفاصيل أكثر ويصل بها لضعف هذه المساحة لكنه استخدم التكثيف كما لو كان كاتبا بارعا للقصة القصيرة فجاء ذلك لصالح الرواية بالفعل وبالرغم من ذلك فهناك بعض التحفظات التى أراها من وجهة نظر شخصية تقبل الصواب والخطأ ، تلك التحفظات وقعت فى استخدام تقريرية بعض الأحداث وسردها فى صورة إخبارية صحفية وبالتالي ظهور شخصية الكاتب لنراها تطغى أحيانا على شخصية أبطاله ومثال ذلك تذكيره لنا فى أكثر من فقرة وحدث أن شاهيناز المرأة الحديدية الصاعدة بسرعة الصاروخ ..وكذلك سامح الضابط العملاق الوسيم ..الخ
ومثلما كانت هناك تحفظات كان هناك مميزات رائعة ..
فشخصية
فخري الريس الغائب الحاضر فى الأحداث تؤثرك بشكل كبير حتى كأنك تشعر بها فهي الشخصية المثالية التى ترفض الفساد من أجل ذلك ربما كان امتداده فى صورة سارة وأمنية الإبنة الصغرى من شاهيناز ربما يكون قد أرضى المتلقى ليشعر أن الحق والخير والجمال أبقى من الشر والفساد .
ربما كانت هذه الرسالة التى حاول الروائي الأستاذ محمد رفعت أن يقولها ..
فإذا كان المال والسلطة والنفوذ أدواتا للفساد والشر فإن الأخلاق والمثالية والخير والحق أبقى؛ فنهاية الفاسد لا بد أن تكون مؤلمة فالمال يذهب والنفوذ يذهب والسلطة تذهب ولا يبقى إلا الأصلح والخير والسيرة الطيبة.
وكما قال الكاتب أن الإنسان هو الإنسان فى كل مكان بشره
أو بخيره بضعفه الإنساني أو قوته وبغروره أو تواضعه..
فهل كانت حقا شاهيناز شوكت
إمرأة حديدية غير قابلة للكسر؟
الإجابة فى نهاية الرواية التى
أفضل أن أتوقف بها هنا وأتركها للمتلقي... ولا يسعنى إلا
أن أهنيء الصديق العزيز الكاتب
الصحفي والروائي والشاعر أيضا
الأستاذ محمد رفعت على هذه الرواية المميزة والتى قال من خلالها وكشف الكثير من الأسرار
التى حدثت فى بلاط صاحبة الجلالة وقصور وشركات رجال الأعمال..
وكل التمنيات الطيبة بمزيد من التألق والإبداع والنجاح بإذن الله.
٢٢ مايو ٢٠٢٣
*****
تصميم العرض : أبو بكر الصديق بن عيسى
مسرحية ''الصفا'' عندما يخدم القصيد البدوي الركح ...
قدم المسرح الجهوي سيدي بلعباس آخر إنتاجاته، عشية يوم السبت 06 ماي 2023، مسرحية ''الصفا'' والتي صمّمَ عرضَها المخرجُ أبوبكر الصديق بن عيسى. حيث ركّحَ أشهرَ قصائد مصطفى بن براهيم من خلال القصيدة المحورية يامنة أو ''غرام يامنة'' وهي قِصَّةُ وَلَهِهِ الشديدِ بمحبوبته يامنة، والتي تدور حولها كل القصائد الأخرى التي أسس من خلالها أبوبكر الصديق بن عيسى دراماتورجيا جديدة مخالفة للمعهود والمتناول والمستهلك. بحيث أفرز نصا غنيّا لثنائية ''الصافا'' و''يامنة'' عن طريق مزج روح القصائد الأخرى بروح القصيد المحوري في العملية الدراماتورجية والبنائية التي أعطت في العام أنموذجا نسيجيا ركحيا لا هو بالحوار الصريح ولا هو بالشعر الضريح (الميت).
يعد في هذا الحال المخرج أبوبكر الصديق بن عيسى، أول من أخذ عشق مصطفى بن براهيم وسافر بقصائده إلى ركح المسرح الجزائري، كما كان شأن بعض المغنيين الجزائريين على غرار أحمد وهبي وخليفي أحمد وبلاوي الهواري وخالد حاج براهيم وعبد القادر الخالدي (الحفيد) الذين غنوا هذه القصائد وتغنوا بالمحبوبة يامنة.
دراماتورجيا أبوبكر الصديق بن عيسى في نص ''الصافا'' ارتكزت محوريا على قصيد يامنة كتأسيس ركحي يقدم أجمل مفردات التجوال والعشق التي أصابت مصطفى بن براهيم. والقصائد الأخرى التي جاءت كركائز تدعيم للركحية الأساسية المحورية خاصة قصائد '' سرج يا فارس اللطام'' و ''خلوني نبكي على سعدي'' و''ما طْوَل دا الليل كي طوال'' و''كتاب جاني من التل''...
لقد استطاع الدراماتورج أبوبكر الصديق بن عيسى، من إبداع تواصل ركحي مائز من حيث النص الدرامي المفحم باللغة الشعرية البدوية والقصيد الملحون، والذي جاء فعلا على شكل حوار مسرحي متمكن.
لقد أوكلت مهمة شرح الأبيات الشعرية إلى الفنان زكرياء فنطازي اعتبارا من ديوان مصطفى بن براهيم من خلال دراسة الأستاذ عبد القادر عزة، قصد تبسيط المفردات الغريبة والغامضة من دراماتورجيا التي أوجدها مصمم العرض، ولكن للأمانة فقد لازَمَت بعض الكلمات والمفردات الغريبة وبقيت عالقة بالنص- الناتجة بالضرورة من عمق اللغة المتداولة أنذاك في سنوات 1800/ 1867 الفترة التي عاش فيها الشاعر- قد أوجد صعوبة في التعامل بها من طرف الممثلين، غير أن احترافية أحمد بن خال وفريدة بن حمودة وحسين بن شميسة ومحمد بن بكريتي وأحمد سهلي ... قد تفوّقت جليّا على صعوبات تواجد مثل هكذا كلمات صعبة، ولو ظهر في بعض الأحيان عناءٌ في التحكم في ذلك. لقد افتقرت كذلك في بعض الحالات الروابط الدراماتورجية بين فضاء القصيدة والقصيدة من جهة وبين فضاء القصيدة وقصة قصيدة الحب بين الصفا ويامنة من جهة ثانية. أرجعها شخصيا لتعقيد في نسج خيوط الحبكة باقتدار وبتجربة العمل الدرامي الجديدة على مسرحنا الجزائري.
تمكن المخرج الشاب أبوبكر الصديق بن عيسى، من أن يضع المتلقي في جوّ وفضاء مسرحيين متناميين، من خلال سينوغرافيا ليوسف عايدي ، بهندسة بصرية اشتغلت على المستويات العليا للعلبة الركحية في عديد اللوحات وعلى المستويات الافقية بكل عناية واقتدار. فجعل أجزاء ووحدات الديكور القماشي المتساقطة من الأفق إلى نحو ارتفاع بسيط من الركح و مفصلات الديكور البائن العتيد والقويّ يتنامى بفعل الإخراج المحكم فظهرت الأجسام القوية كمركبات ( عريات تجرها أحصنة) و أطراف الأقمشة البيضاء المتدلية قطريا كأنها أحصنة منفردة لوحدها يركبها الفارس الذي يملأ أرجاء ساحة فضاء القصيدة الشعبية البدوية وما أكثرها من تنوعات حسب كلّ قصيدة.
لقد أبدع المخرج في إبراز روح كل قصيدة على حدى وفي مجمل العمل على إبراز فضاء القصائد مجتمعة. لقد خدم العمل الركحي في معظمه والذي اعتمد على إفراد فضاء سينوغرافي لكل جزء أقصوصة من قصيدة على حدى، إدراك جمالية الابداع المتخيل العام للمسرحية وعلى استساغ المتعة.
يستجيب العرض المسرحي ''الصفا'' في نظري الخاص لمخبرية الاتقان والبحث في صناعة الفرجة المسرحية فلقد تبنى ''نصا ليس بالقريب إلى الدراما'' واستطاع المخرج أن يؤسس لفعل درامي جريء اشتغل من خلاله على عوالم القصيد البدوي المغنى ومن خلال ما خُفي من فضاءات القصائد التي لم يعثر عليها أي فاعل مسرحي من قبل، وهي جزئية لم يعرفها المسرح الجزائري وحتى ولو عاشها فليس بمثل هذه الحدّة والجرأة في خلق الفضاء السينوغرافي المتعدد الأشكال والألوان واللمسات والترتيبات والمرامي ومن إدارة للمثل في هذا الخضم الضخم من الموجودات الركحية (trouvailles scéniques) وما ستفتحه هذه التجربة من آفاق مديدة وجديدة وفي طرح الإشكالية الدراماتورجية منذ الاستهلال إلى النهاية.
ظهر النص منطوقا نابضا بالحياة في كل فضاءات النص المتتالية و في كل الفضاءات الركحية المتلازمة. كما ظهرت مفردات العملية الاخراجية من تمثيل وأدوات الديكور والاضاءة واللباس والموسيقى موزعة وموظفة بطريقة متظافرة في وحدة كاملة وجاءت مبررة ومفعمة بالإيقاع الموزون ولو في كثير من الأحيان خدم الريتم البطيء (المعتمد) وحدة التونبوريتم (tempo rythme) عموما.
ومن الملاحظات التي يمكن تقديمها لفريق العمل:
1- العرض كله مبني على ثنائية قصيد حب ''الصفا ويامنة'' وهي ما أسميتها بالركحية الحاملة لباقي أركاحيات المسرحية والتي وفق فيها العمل بصفة عامة بل وكانت عملا فريدا من نوعه. غير أن ضرورة نسج القصة لتزداد جمالا وفهما على الدراماتورج إيجاد خيط ربط تقلب يامنة من حب الصفا إلى وصفه بالغدار، كيف ولماذا؟
يا صافا الغدار
حبك عني جار
وخذاني وطوى علامي....
وهو الذي كان في حقيقة القصة يعشقها إلى الثمالة مهما كان في بعض الأمور زيرا للنساء والخمرة ... وهذا ما وقفنا عنده في بداية العرض.
2- يبقى في نظري، اهتمام المخرج أكثر في صياغة النهاية ركحيا. فلم تظهر هذه الأخيرة على نفس وتيرة المكون الدراماتورجي العام. وقد جاءت - رغم استساغتها جماليا- إلا انها وقعت على حين غرة من المتلقي.
سنعود بالتفصيل في دراسة قادمة إلى هذه التجربة الجميلة الجديدة في عالم مسرحنا الجزائري.
سيدي بلعباس يوم 06 ماي 2023
*****
من أجمل الأقوال عن الحذر وعدم وضع الأمان لأي شخص مهما كان قربه منا ما قاله الأمام على بن أبي طالب " أحذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة، فإن أنقلب الصديق فهو أعلم بالمضرة". هذه الحكمة ذات مغزى كبير وخاصة في هذه الأيام، فخطورة الأصدقاء فاقت آلاف الحذر.
فأكثر الجرائم التي حدثت الفترة الماضية والتي مازالت تحدث ترجع إلى الصديق المقرب المحبب للقلب، وذلك لأنه الأكثر معرفه بصديقه، ففي أوقات كثيرة يكون الصديق أقرب من الأم أو الأب أو الأخوات، يعرف ما لا يعرفون، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، قد تصل أحياناً المعرفة إلى دخول وخروج الشهيق والزفير، إلا أن بعض الأشخاص لا يستحقون أن يطلق عليهم لقب صديق، لأنه لقب عزيز يتحلى به أشخاص فاضلون.
فالصداقة بمعناها الحقيقي تحتوي على الكثير من القيم النفيسة التي لا تقدر بثمن كالمودة، والمحبة، والإخلاص، والأمانة، والاحترام، والتضحية بالنفس في بعض الأحيان، وكان خير مثال على الصداقة الغالية الرسول الكريم والصحابي الجليل أبو بكر الصديق، فصداقاتهم لا مثيل لها، لأنها كانت تحمل كل المعاني الجميلة.
فخلال الآونة الأخيرة سمعنا عن حادثتين زلزلنا الشارع المصري، الأولى مقتل فتاة العمل الخيري كما أطلقت عليها السوشيال ميديا، غدراً على يد أقرب صديقه لها، مما أثار غضب الجميع حزناً على الوفاء والصداقة التي قد تظهر للعامة، لكن من الداخل كانت تحمل لصديقتها قلباً ممتلئ بالحقد والكراهية.
أما الحادثة الثانية التي أفجعت قلوب المصريين فهي مقتل مهندس الدقهلية رميا من فوق كوبري الجامعة على يد الصديق المقرب له، كانت صدمة الحادث كبيرة، خاصة لعدم وضوح دافع الجريمة بشكل كبير أمام العامة، ونزل الخبر كالصاعقة على الآذن، لأن الجاني الصديق المقرب والمحبب للقلب.
وهذه الجرائم هزت الرأي العام لأن طرف واحد ذهب ضحية الصداقة، أما بالنسبة للحياة اليومية العادية فيوجد آلاف الأصدقاء كانوا سبب في خراب بيوت أصدقائهم، وسبب في تعسر حياتهم المادية والمعنوية، وسبب في حالات نفسية، وصدمات عصبية وامراض قد تصل للموت بسبب أفعالهم التي أحيانا تكون ظاهرة وأحياناً أخري لا تظهر إلا بعد معاناة.
وخلال الفترة الماضية سمعت وقرأت كثيراً عن أفعال الأصدقاء مع بعضهم البعض، ووصلت إلى حالة من عدم الرضا على إطلاق لفظ صديق على كل شخص جاء أو ذهب، فكنز من كنوز الدنيا هي الصداقة، وعند اطلاقها على شخص يجب أن يستحقها بجداره، بعد مرور حزن، وفرح، وضيق، وسعادة، وسفر، وفلوس، تجارب الحياة جميعا يجب أن تمر بينهم حتى يتوج باللقب، غير ذلك فالباقون زملاء دراسة أو عمل، رفقاء طريق أو سفر، تعود ومعرفة، لا يرتفعون إلى أكثر من ذلك.
فكما قال الأمام علي "لا تأمن لرفقه أحد، حتي تراه في ثلاث: شدة تصيبك، ونعمه تصيبه، وجفوة بينكم"
فالثقة الزائدة في الناس لا تؤدي ثمارها والصديق الخائن، ليس وليد اللحظة، أنما هو ثعبان متلون من البداية في انتظار الوقت المناسب ليلدغ السم المميت، فحذر ألف مرة لا يستهان به، فالأشخاص الطيبين نادرين، وكادوا ينعدموا هذه الأيام، فالحذر مطلوب حتى لا نندم على اللبن المسكوب بعد فوات الأوان.
*****
يصنع أدواته من الأحجار، ورق التوت يستر به عورته، يمضي في الطريق الذي كلما مشى فيه ازداد بعدا، استعان بحمار فركبه عله يخفف عنه وعثاء السفر. جلس تحت شجرة وارفة الظل واكتشف أن الاحتكاك يولد حرارة، أتى بجذع شجرة وأمسك بٱخر وفركهما فاشتعلت النار, شوى ذلك الأرنب الذي اصطاده برمية حجر موفقة. ثم نام ولم يدر كم لبث. عندما استيقظ ركب عربته التي يقودها حصان ودلف إلى السوق وابتاع جلبابا وسيفا وعمامة ثم مضى، وجد نزلا بني من طين وسقفه من قش استلقى فيه ثم نام ولم يدر كم لبث. خرج من الفندق وركب سيارته الفارهة واخرج هاتفه المحمول ثم وضع موقع المطار على الخارطة ثم مضى.
ركب الطائرة وأخذ يسلي نفسه بجهاز الحاسوب المحمول وتجول من خلال خدمة الانترنت لكل بلاد العالم. نزلت الطائرة في أحدى المطارات إضطراريا بعد أن اشتعلت بلاد العالم في حرب مع بعضها البعض، وأقام في فندق ريثما تتم صيانة الطائرة، نام ولم يدر كم ليث. وجد أن المدن قد أزيلت عن الوجود ووجد نفسه يرتدي جلبابا وعمامة ويركب عربة يقودها حصان حاملا في يده سيفا، وصل إلى نزل من طين وسقفه من قش، دخل فنام ولم يدر كم لبث. ركب حماره وهو يستر عورته بورق التوت ومضى، نال منه التعب، استراح تحت ظل شجرة وأحضر جزع شجرة وفركه بجزع ٱخر حتى اشتعلت النار فشوى الأرنب الذي اصطاده برمية ححر موفقة.
*****
*****
*****
