الأرض أرض الجدود
وارثها عن جدي
من قبل شبح اليهود
ما يخطِّي ويعدِّي
الأرض أرضي أنا
من سالف الأزمان
أنا اللي عِشت هنا
قبل التاريخ بزمان
ويقولوا مِلك اليهود
ويقولوا مش أرضي
وبوعد واحد حقود
خان الجميع عهدي
بلفور يا أس الفساد
إيه اللي لك عندي
دمِّي اللي سال في الحروب
وساح في كل الدروب
لوِّن حيطان السجون
وروى عروق الزتون
دمِّي اللي أصبح رخيص
في عين عدوِّي الخسيس
بكره هيطرح جنود
ويكون لحربي وقود
ويرد حقي السليب
وتعود لي أرض الجدود
الأرض لازم تعود
مهما تمر السنين
عمري ما هترك سلاحي
شايله في ليلي وصباحي
وكل ما ادفن شهيد
هحيي في قلبي جراحي
وأقول لنفسي واعيد
الأرض لازم تعود
إن كنت ابني بصحيح
احفظ وذاكر حدودي
رجَّع لي أرضي ووجودي
احفظ أسامي بلادي
اللي نهبها الأعادي
وان جيت تزورني في يوم
اكتبها فوق الضريح
وازرعني تين أو زتون
وصلي وادعى واقول
يا رب نصرا مبين
يا رب ع الظالمين
*********
سرعة تعديل قانون الأسرة وتأمين حق المرأة والأبناء أهم توصيات ندوة "معا لحماية الأسرة" بنادي هليوبوليس أوصى الجمهور المشارك في ندوة مبادرة "معا لحماية الأسرة المصرية" التي عقدت بنادي هليوبوليس الرياضي، بسرعة سن تعديلات قانون الأسرة، مؤكدين أهمية مطالب الندوة وأهدافها لصالح الأسر، وأعربوا عن أملهم في إعلان التعديلات في أقرب وقت وعدم الانتظار طويلا.. وأشاد الجمهور بأهداف المبادرة ومن أهمها ضرورة وضع قانون موحد ينظم الأحوال الشخصية لكل المصريين، وإيجاد آليات منصفة لتطبيق قانون الأحوال الشخصية، وحماية المطلقة والأرملة والأبناء بعيدا عن العناد، وتفعيل الحق في الرؤية والحق في نفقة الزوجية ونفقة العدة والمتعة ونفقة الطفل، وكذلك تطبيق فقه "الحق في الكد والسعاية" ومشاركة الزوجة في ثروة الزوج بقدر مساهمتها في زيادتها. تميز حضور الندوة بالإيجابية ومشاركة الشباب خاصة ممن أقل عشرين عاما واتسمت مداخلاتهم بالثراء وفتحوا مدارك جديدة تتطلب نقاشا مجتمعيا منفصلا، وطالبوا بالتفاعل معهم ومعرفة القضايا التي تشغلهم والعمل على حلها سويا. واستعرضت الندوة باستفاضة قضية "التنمر" في المدارس والجامعات والأندية، حيث طرحت إحدي الفتيات المشاركات من الجمهور، فيما اعترف البعض بأنهم هم الذين تنمروا بزملائهم نتيجة تعرض أسرهم لخلافات بين الأب والأم، فما كان منهم سوي التنمر من زملاء لهم لمجرد أنهم يعيشون حياة سوية بلا مشكلات أسرية. توفير استشاريين نفسيين وأكدت د. إنجي فايد كبير الباحثين في وزارة الآثار، أستاذ مساعد الآثار ، مؤسس المبادرة، إن من بين أهداف "معا لحماية الأسرة توفير استشاريين نفسيين مهمتهم الاستماع والعمل على حل هذه المشكلات والتعرض لمثل هذه القضايا مبكرا تطبيقا للمثل الشائع "الوقاية خير من العلاج". وقالت إن اللجوء الي المتخصصين لحل مشكلات عديدة ولم شمل الأسر يؤدي في النهاية الي تخفيض حالات الطلاق، وهو ما تعمل من أجله المبادرة بقوة. وطرحت إحدي الفتيات المشاركة مشكلتها باستفاضة حيث تعرضت لتنمر البعض لها، بالإضافة إلى ما تعانيه البنات مما أسمته بـ"سيطرة المجتمع الذكوري" داخل الأسرة نفسها، أو تمادي الأب (الزوج) في معاملة الأم (الزوجة) بصورة سيئة أمام الأولاد، مما يؤثر سلبيا على نفسيتهم ومعاملتهم مع المجتمع الخارجي. وقد تصدى د. محمد أنور فراج عميد كلية تربية جامعة الإسكندرية، للرد على هذه المشكلة وشرح للفتاة حلول التعاطي السليم مع مثل هذه الظواهر، وضرب أمثلة مما يتعرض له طلاب الجامعات سواء فيما بينهم أو من أعضاء هيئة التدريس. السنباطي: الحوار المجتمعي السبيل لحل القضايا وكان عمرو السنباطي رئيس نادي هليوبوليس، عضو مجلس النواب، قد افتتح ندوة مبادرة "معا لحماية الأسرة المصرية" تحت عنوان "الأسر المصرية..أمن واستقرار الدولة"،وأشاد بفكرة "الحوار" بين المبادرة وأعضاء النادي، وقال: الدولة تجري حوارا مجتمعيا تناقش فيه محاوره المتعددة حاضر ومستقبل مصر..فالحوار هو السبيل لبحث قضايا المجتمع، ومن ثم وضع الحلول اللازمة لمواجهة أي قضية كانت، سياسية، اقتصادية، اجتماعية. وأكد أن نادي هليوبوليس وانطلاقا مع دوره الاجتماعي، يتبنى نفس نهج الدولة وقرر استضافة حوار مجتمعي حول قضية استقرار الأسرة المصرية حيث تستحق النقاش والبحث. كما أشاد السنباطي بأهداف مبادرة "معا لحماية الأسرة المصرية" ومطالباتها التي وجدت طريقا لتكون ضمن مشروع تعديلات قانون الأسرة الذي بصدد إخضاعه لحوار مجتمعي قبل عرضه على مجلس النواب. وأشار إلى أن نادي هليوبوليس شريك أساسي في الحوار المجتمعي الذي يجريه مؤسسو المبادرة، وأعرب عن أمله في أن تحقق المبادرة الطموحات المرجوة من أجل وضع حد لظاهرة التفكك الأسري نتيجة الطلاق أو اختلالات في العلاقات الأسرية وأوضح الدكتور حسام لطفي أستاذ ورئيس قسم القانون المدني بكلية حقوق بني سويف، في مداخلته بعنوان "قوانين الأسرة ما بين الماضي والحالي" أن المبادرة تقوم على فكرة التعاضد والمشاركة، مشيرا إلى أن وثيقة التأمين التي تنادي بها المبادرة تتشابه مع ما أسماه "رزق الصيادين" حيث كان الصيادون يتوافقون على اقتسام الغلة فيما بينهم، فمن اصطاد كثيرا يتعاون مع من قله غلته وهكذا يعود الجميع في حالة رضاء تام. وقال: صندوق تأمين الأسرة المقترح سيقي الجميع من أي أضرار قد تتعرض لها الأسرة ويعمل على استقرارها في حال حدوث الطلاق، فالزوجة ستجد لها مكانا آمنا للإقامة به وستحيا حياة آمنة في نفس الوقت. وأشار "لطفي" إلى خطأ من يعتقد أن القانون الفرنسي المعمول به في مصر بعيدا عن التشريعات الإسلامية، موضحا أن بنود القانون الفرنسي مأخوذة من نصوص الشريعة، وخاصة من فقه الإمام مالك الذي استفاد منه القانونين الفرنسي والأمريكي. وقال: فقه الإمام مالك كان سابق لعصره باعتباره اعتبر أن القانون كائن مجتمعي. ومن جانبه..ناشد الدكتور عبد الله النجار عضو مجمعي البحوث الإسلامية والفقه الإسلامي الدولي، الرجال بأن يتحلوا بالمروءة والعدل بعد حدوث الطلاق، وانه على الرجل ألا يستبدل الحب والعاطفة قبل الانفصال بالعداوة والبغضاء بعد الانفصال. وقال: الأٍسرة ما هي إلا فرح وحب وسرور ويجب تفعيل القانون ولا حرج على الرجل أن يكون كريما مع زوجته وأولاده بعد أي خلاف، مستلمها قوله تعالي (لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا). وأضاف: المرجو هو عدم الأمور للهوي، خاصة وأن المرأة هي المتضررة من حدوث الطلاق في أغلب الأحيان، وبالتالي يجب تفعيل مبدأ العدالة وتحكيم شرع الله بالعدل والقسط. ماجد منير: مواجهة الإعلام البديل وفي إطار جلسة الإعلام بعنوان "مبادرات بناءة ودعاوي هدامة".. شدد الكاتب الصحفي ماجد منير رئيس تحرير الأهرام المسائي وبوابة الاهرام، على أهمية التصدي لحروب الجيلين الرابع والخامس، وتحدث باستفاضة عن هذه القضية وضرورة توعية الشباب والمجتمع في مواجهة ما تبثه "السوشيال ميديا"، مشيرا إلى خطورتها حيث صعب السيطرة عليها وأنها لا تخضع لأحكام القانون مثل وسائل الإعلام التقليدية أو حتى الإلكتروني. ودعا إلى ضرورة وضع ضوابط عملية من أجل التصدي لمخاطر السوشيال ميديا. وتحدثت د. ميرفت أبو عوف أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية ،في نفس الجلسة، عن الوعي الإعلامي الذي لابد أن يبدأ من المدارس، مشيرة إلى أهمية الوعي الثقافي. وقالت إن القوة الناعمة للإعلام ترتبط بتنمية الفكر الإعلامي للمتلقي. وفي جلسة "التعليم والاقتصاد..والجمهورية الجديدة"، تحدثت د. غادة قنديل الرئيس التنفيذي لبنك ميلون نيويورك بمصر، عن مبادرات البنك المركزي والجهاز المصرفي للدولة بشأن الشمول المالي، وضرورة نشر التوعية المالية لأفراد المجتمع كي يتكون عنده ما أسمته بـ"الثقافة المالية". وأوضحت أن الجهاز المصرفي حدد الحقوق والالتزامات المالية للأفراد، وأن المجلس القومي للمرأة والبنك المركزي تبنا معا مبادرات للتدريب والتوعية على الشمول المالي وحتى لا تتورط النساء في قضايا شيكات بدون معرفة. وأِشارت "قنديل إلى مبادرات "المركزي وقومي المرأة" أيضا بشأن تأسيس مشروعات متناهية الصغر تستفيد بها الأسرة. وأوضحت أن المرأة أكثر التزاما بالسداد فيما يتعلق بقروض تأسيس المشروعات، وهذا نتيجة عوامل نفسية واجتماعية. وشرح د. محمد أنور فراج عميد كلية تربية الإسكندرية في نفس الجلسة، دور الجامعة في خدمة المجتمع، مشيرا إلى مشاركة جامعة الإسكندرية في مبادرة "مودة" الرئاسية وقامت بتدريب الشباب المقبل على الزواج وتوعيته بما هو قادم عليه ودور الأسرة في المجتمع، وكيفية تنشئة أسرة قائمة على العدل والمساواة وتقاسم المسئوليات، مع تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة. كما أشار إلى أن الجامعة قامت بدور كبير في مبادرات "محو الأمية" ليس في نطاق محافظة الإسكندرية فقط ولكن شملت قواقلها المجتمعية التربوية محافظات عديدة، في إطار مبادرة "حياة كريمة" . وقال فراج عن أهمية محو أمية المجتمع: تكلفة الجهل أكبر من تكلفة التعليم. الوحش: ضرورة الكشف المبكر عن الأمراض وفي جلسة "الصحة العامة"، تحدثت د. نيفين الوحش استشاري طب الأسنان وإخصائية صحة المرأة، وركزت على الصحة العامة وتأثيرها على تنمية الأسرة، وضرورة توعية المرأة بالعلاج من الأمراض مع أهمية الكشف المبكر والمراجعة الدورية بهدف الوقاية من الأمراض. وعرضت "الوحش" نماذج للوجبات الغذائية النموذجية على أن تتضمن كافة العناصر اللازمة لبناء الجسم والحفاظ عليه. وشرحت باستفاضة دور التحاليل الطبية ومواعيد وكيفية إجرائها، وركزت على تحاليل السكري والسكر التراكمي والكلى والكبد والغدة الدرقية. وأشارت إلي أهمية القوافل الطبية التى تجوب المحافظات والمدن المختلفة للكشف المبكر عن الأمراض وكيف تساهم مثل هذه القوافل في تقديم العلاج المناسب للمواطنين وتقليل تكلفة المرض عن المجتمع. وفي ختام الجلسة..عرض د. إنجي فايد مؤسس مبادرة "معا لحماية الأسرة المصرية فيلما تسجيليا عن أهدافها وتأسيسها وتوصيات ندواتها السابقة ودورها في المجتمع وما توصلت إليه من نتائج عملية ساهمت من خلالها في تضمين أهدافها في التعديلات الجديدة لقانون الأسرة.
*********
استقر عرفًا ولغةً على تعريف المخزن بمكان مؤقت لتخزين الأشياء تمهيدًا للتصرف فيها فيما بعد.
إذًا فإن مخزننا هذا الذي بين يدينا الآن يجري عليه تعريفه اللغوي، ولا يجوز بحال تجاوزه إلى غيره، كما لا يجوز تحميله بما لا يطيق إسقاطًا أو تأويلا يتنافى أو يعارض ماهيته الأصلية.
بناءً على ما سبق وأسلفناه يحق لنا أن نفتح أبوابه، ونتناول متنه تشريحًا نقديًا موضوعيًا يحكمه التعريف السابق ولا حيود عنه ولا فسوق.
مخزننا كمكان تعريفًا ولغةً وواقعًا هو بقعة ساكنة تضم بين حوائطها المتصلة تشييدًا أشياء..أشياء كانت من قبل سكونها متحركة، وآخر حركاتها كانت بالطبع التسكين، أي نقلها حرفيًا من حالتها المتحركة إلى الثبات الساكن، ومن ثم نحيلها مرة أخرى من حالة السكون المؤقت إلى حالة متحركة مغايرة لحركتها الأولى- قبل التخزين- أو متوافقة معها كامتداد طبيعي لتأدية وظيفتها المنوط بها إليها، ومن الجدير ها هنا أن أشير إلى براعة الأديبة التونسية فتحية دبش، حين نوهت في قراءتها الوجيزة لقصة * المخزن * بالآتي
" فالمخزن ليس بالمكان الذي تحيا فيه الأشياء متحركة بل تكون فيه شبه جامدة في مكانها وفي حالة انتظار دائم " والانتظار هنا هو انتظار محدد الهوية واضح المعالم يتلخص في كلمتين موجزتين ناجزتين..حركة جديدة، كما الجنين يترقب لحظة مخاض..هذا التعبير اعتبره تعبيرًا جيدًا بل غاية الدقة والدلالة السيميائية المباشرة السابرة ببراعة لرؤية النص..إذن هو الانتظار!!..وليسأل سائلٌ " انتظار ماذا؟ وقد ماتوا جميعا!!"، وهو سؤال محق قطعا يضم بين ثناياه دهشة واستغراب، تماما كما ضم النص بين دفتيه الدهشة والاستغراب، وكأن السائل أصيب بعدوى النص، أو كأن النص أفرغ في تلافيف فكر القارئ بذور دهشته، ولنجيب على هذا السؤال المحق وهو بالفعل جدير بالإجابة عليه، ينبغي علينا أن نستعين بعبارة أخرى أوردتها الأديبة الرائعة فتحية في مستهل قراءتها، ألا وهى
" أما (لا يزال) فقد جاءت لتؤكد على فعل الثبات أو الانقطاع عن الحركة الذي تحول من مجرد حالة وقتية إلى حالة دائمة " وسأسمح لنفسي أن أضيف شرحًا مبسطًا يقرب هذه الجملة الفلسفية الاستثنائية إلى ذهنية المتلقي البسيط كي يستوعبها حق استيعابها، فهى جديرة أن تستوعب وتهضم لما فيها من فلسفة ومتعة بلاغية..لا يزال ..أوردها القاص لتؤكد على فعل الثبات أو الانقطاع عن الحركة باستمرارية الحركة ذاتها بشخوصها وحيثياتها( صب الشاي/ رفع اليد) فتتحول من ماهيتها كلحظة وقتية حدثت وانتهت إلى حالة حركة متكررة دائمة، لا تغادر الكادر المشهدي رغم أنف مغادرتها الفعلية المنطقية للزمن والمكان كلحظة حدثت في الماضي، وكانت هذه الجملة الموجزة للأديبة هى التعبير البلاغي بحرفية مشهودة عمّا أورده القاص نصًا في منتصف متن قصته حيث دوّن
" إلى هنا ينتهى المشهد، ليعاد مراتٍ ومرات، فلا هو صب الماء الساخن في الكوب، ولا أنا تمكنت من مد يدي لأتناوله " فالثبات ثبات المشهد إذًا
وليس ثبات الحركة داخل
الكادر المشهدي، وجاءت
العبارة ذاتها لتضيف بعدًا
آخر أخفاه القاص خلف
سطورها التي دوّنها في
نهاية القصة، فتظهره
كحركة مستمرة نابضة
بالحياة بين حوائط المخزن
مخالفة بذلك ما يستلزمه
المخزن من سكون اتساقًا
مع ماهيته، إذ مازجت بين متضادين كلاهما أبدعه النص في خاتمته اللافتة، وهما الحركة المستمرة وسكون الانتظار ترقبًا للحركة التالية للتخزين.
وهنا نعود للسؤال الأول..انتظار ماذا ؟ وقد ماتوا!
ولنجيب عن هذا السؤال بطريقة أخرى واجبة وملحة يتوجب علينا أن نعي ماهية الأشياء المخزنة، وبالتروي وامعان النظر سندرك بسهولة أن النص ينتمي للغرائبية السردية، إذ أنّ السارد روح، وعم عبده روح والراكبون أرواح..أرواح لأنفس ازهقها الانفجار..أرواح أزهقت دون ذنب أو جريرة..أرواح معلقة تتطلع لراحة أبدية لن تتحقق إلا بعيد القصاص، ومن ثم تغادر المكان، ولن تغادره وهى مغبونة مقهورة، ارواح تنتظر انصافها بالقصاص ممن ظلمها..والذي ظلمها ليس فردًا ( مسبب الانفجار ) وإنما كثر كثر..ومنظومة ألقتهم كنفايات، وهذا ما وضعت أديبتنا السورية القديرة / ريم محمد يدها عليه في حيثيات قراءتها الرائعة للقصة حين ذكرت الآتي " مخزن نفايات يجمع فيه ما تبقى من فتات الظلم والكره والعنف لتحفظه مخازن بعض الحاويات المهملة ، أو مخزن لذاكرة مخفية خلف تغافل المسبّبات عن هذه الحالات، وبالتالي تشجيعها لأن التّغافل وعدم المحاسبة يدفع بالضرورة للإهمال ( حالات منسية )."
وأختم مقالتي - وجميلٌ أن أختمها - بمقولة شيخ النقاد العرب والمنظر الأول للقص القصير صديقي وأخي / أحمد طنطاوي، بما أورده في دراسته التوقيفية الرائعة للنص ذاته
* كأنها تلك القصة التى تستعيد نفسها مع آخرين كأسطوانة خالدة دائمة الدوران مع راكب آخر و بائع آخر و بأسماء أخرى , فالنص هو قصة الحياة و الموت اعتيادًا ,
و النص اعتمد دلالتى القطار و المخزن فى تقابل لافت بين( الحركة\الحياة ) و( السكون \المقبرة )بصمته اللازم و عتمته * وكذلك ما أورده في مستهل دراسته حين قال
* مقدمة\ وسط \ نهاية خط صاعد الى الذروة و خط هابط الى النهاية ( لحظة التنوير الكاشقة ) كما وضع أسسها "موباسان" و سار عليها كل كتاب القصة من بعده *
ثم عرج بعدها للتنميط الحديث للقص القصير حين أشار إلى * يمكن أن يتعامل مع القصة القصيرة بنمط سردى جديد يخالف هذه الكتل و مراكز الثقل بشكلها المعتاد و ينظر _ كقصيدة النثر _ الى النص فى إطاره الكلى *
وهو تماما ما اتبعه القاص كتقنية سردية مستعيضًا عن ( مقدمة / وسط / نهاية ) بالمشهدية وتجزئها ( حركة/ سكون / حركة)، ليتماهى بقوة مع ما سبق وذكرته عن ماهية العنوان ( المخزن).
شكرا حبيب قلبي / أحمد طنطاوي
شكرا أديبتنا العالمية / فتحية دبش
شكرا أديبتنا الرائعة / ريم محمد
محمد البنا...القاهرة في ١٨ مايو ٢٠٢٣
صحيح انتى اللى ربيتي
وكبرتي وعلمتي
وكان شارعك غطايا
وفرشتى ونومتى
فانا اللى زرعت اشعاري
مابين شجرك وبين نخلى
ودم ابويا على بارليف
خلي الصعب جه ناخ لى
فليه دلوقتى غضيتي الطرف عني
وانكرتى
وفرقتي مابين همك وبين همى
وتهتمي بكل غريب
وبرده تخلفى و ترمي
ففوقى من عمي اللحظه
ومدي ايديكي واتوضي
بتراب فضي
بيرفض يملكه غيرى
ترابك جه وقف صفى
وشمسك شاهده ع المشهد
فلو قررتي هتصفي
هنتجمع ونفديكي
عشان ما نشوفش ولا نشهد
فيوم ذلك
لو اتباعتي ببلاش لغريب
ساعتها موش هتلقى حبيب
ولا تلاقى ولاد م الصلب
ولا غزل الامل ينفع
اذا بعتي ف يوم الحب
ولا عصفورك الاسمر
يزقزق غير انين م الغلب
فما يغركش اى سكوت
ده لو وصلت لاني اموت
ولا تجفش ينابيعك
هموت لجلك رافع راسي
ولا يقولوا ان انا ابيعك
ساعتها هبقى انا الكسبان
الاقى لعضمي فيك تربه
وتبقى للولاد عنوان
واسيبلك حته من لحمي
تناكف فيك وتتعصب
وتحميكي من الالاعيب
وتحرس ارضك الطاهره
لتتورزع على المحاسيب
مشى على أرصفة المدن الغريبة، تحت أبطه كتاب وفي جيبهِ صورٌ قديمة، بعد ربع قرن إلتقينا في ساحة التحرير، يحمل علماً وأنا أرفع لافتة، عَرَفته من خلال صراخه، كُنا نصرخُ معاً في زنزانة التعذيب.
*********
الرابعة عصراً يجيئون ،
بتوقيت لا أعرف متى رحلوا.
ببجامتي المقلّمة وقميصي السمائي _ آخر ما اشتراهُ أبي لي قبل أن يتلاشى في المجهول _؛ عبرت شارعا ، شارعين ، حزمة شوارع ، وبضعة قطاعات من أحياء شعبية ، كي ألتقي..كي ألتحق..كي أنضمّ إليهم.
نعم، ألتقيتُ وأنضممتُ.
منذ الطفولة ، أدمنت اللقاء بهم كما أدمنوا اللقاء مع أنفسهم ، يتضاحكون ، يتصايحون ، يركضون خلف الكرة..هيا أعطني... اضرب لي..هيا..هيا. أنت.. لاتعرف اللعب...هيا..هيا..
عبرت شارعا ، شارعين ، حزمة شوارع،وبيوت شعبية متلاصقة.
لا، لم ألتقِهم هذه المرة، ولم أنضم إليهم.
ماذا حصل ؟!
تم اختفائهم ؛ ومن كل شيء.
ماذا سيفديني لو عبرت كل شوارع المدينة وميادينها وبيوتها ولم أجد إلاّ بقايا ضحكاتهم وبرائتهم محنطة داخل ذلك الملعب الترابي، له مرميان من صفائح التنك، تتوسطه شجرة كاليبتوز عالية ، لم نكن نعلم حكمة وجودها بيننا ،أو لِمَ اخترنا ملعب تتوسطه الفارعة الطول تلك.؟
لم نكن نعرف أصلا من جاء بها وزرعها هنا مع ذكرياتنا.
أتراني عرفتُ الحكمة ولكنها تأخرتْ ،كما تأخرتُ أنا كثيراً..ستظّل حَكَماً بيننا مدى الحياة.
أم تظل شاهدا لنا.
الآن وقد عبرتُ.. وعبرتُ..مرةً ومرتبن.. وأنا أعرف أني لم أجد غير الصدى ، هو من يحركني ويجذبني إليهم وأنا لا أعرف أين هم الآن.
كلا الفريقين قد أُعْتِقلا ،مَن لا شائبة في وطنيتهِ ومَن لا وطنيةَ لديه كما قيل لنا.
كلا فريقي الصبية _وكان أكبرهم سنا لا يتجاوز الخمسة عشر عاما _كانوا بلا شرف وطني؛ في نهاية اللعبة.
هذا ما قالوه لنا.
_" يا سيدي ،كنا نلعب على التراب ،تراب وطننا...حين نكبر ندافع عنه، وحين نموت نُدْفَنُ فيه، وحين نغني نرقص عليه ،وإنْ كنا لا نجيد الغناء ولا الرقص."
كنا نعشق الكرة ،تُنْسينا الكثير ،غضبُ المدرسين حين نذهب بلا تحضير لدروسنا ،غضبُ أبائنا المساكين حين يغضب علينا المدرسون ،فماذا نفعل بل ماذا سيفعل الجميع إذا ما غضب الوطن علينا.
وهل يغضب الوطن علينا ؟ نفضلّ غضب الله ولا غضبَ من يضع الوطن في جيبهِ.
أخطأ عمران المرمى ، كان الهدف مفتوحاً ، الحارس المسكين انشغل بحذائه الذي طار من قدمه؛حذاء بلاستيكي لم يكن على مقاس قدمه، القندرة والكرة كلاهما طائرتان خارج المرمى؛ بسبب حماقة عمران.
الضحكات تصاعدت مع غبار الملعب.
كلا الفريقين ضحكا، لكن راشد وهو غير الراشد؛ والذي هو من نقل الكرة إلى رأس عمران:"حظ فريق الثورة مثل......"
لم يُكملْ الجملة التي طارت هي الأخرى بسرعة البرق ، حتى الأثير يلعبُ ضدنا.
قال فريق،و لم يقل الثورة لوحدها ،بل مع فريقها، وتلك قسمتْ ظهر راشد ، وأطاحت برأس عمران ، وقلعت أظافري.
بعد عشرة أيام من الهدف الضائع،والحياة الضائعة وشتمِ حظ الثورة العاهر وجدتُ نفسي في تأويل الحدث الماكر: "يا سيدي.. كنا نلعب..."
على جذع شجرة الكالبتوز نُقِشَتْ أسماء..فيصل.. عمران.. كريم..راشد.. قاسم...و وو.. وأنا.
أكثر من عشرين عاماً مرّ، وأسمائنا معلقة. لا الليل ليلنا ولا النهار نهارنا ولا السنين لنا ، لكن الأسماء أسماؤنا.
وكلّ كان له مركزه ؛عندما تحين وقائع الكرة المستديرة ، وقد دارت بنا.
فما لنا ومال أهل الصولجان.
مازالت نوايانا بريئة وصغيرة ،ليست بحجم الأهداف الكبيرة التي لا تُسَجْل أو تُسَجْل في شِباك أرواحنا.
أجهشتُ بالبكاء.
" كان عليك يا عمران أن تسجل الهدف ،فلولاكَ لما تجرأ راشد على النيل من العواهر، سهوا أو بغير سهو ، والسنين كلها عواهر "
تجمعَ صبية حولي ،فيهم من يشبه عمران أو كريم أو...بل كلهم يشبهون الكل...والويل كل الويل لهذا الكل ،والسنين بينهم والصولجان.
" لماذا تبكي يا عم؟"
بالطبع، أنا المقصود بهذا العم.
" من أنت.. لماذا دخلت ملعبنا...ما قصة هذه الشجرة"؟
" ماذا تريد.... يا عم.."
نسوا لعبتهم وتجمعوا حولي.
راحوا يتهامسون، تصاعد الهمس حول أصابع قدمي.
" لماذا بعض أصابع قدمه بلا أظافر"!
الكرات الطائرة جميلة، كما الكرات الأرضية ،شأنها شأن الحياة ،إن كانت تحلّق في الهواء أو تجري على الأرض.
أليس كذلك ؟
رد علي أبي ممازحاً.
ماذا تقول أبها الفيلسوف الصغير ؟بعد أن نعتني بالفيلسوف، واشترى لي قميصي الأخير؛ خرج ولم يعد، مثل الكثير.
الله يلعنني لأنني فهمت ذلك مبكراً.. وألتحقت بفريق شباب الأمل مبكراً ،حيث لا أمل حتى و إن هزمنا شباب الثورة.
لم يلعنني الله لأنني عرفت ذلك لكني دفعت ثمن أن الله لم يمنعني من ذلك.
لست الناجي الوحيد الذي أفرج عنه بأصابع مشوهه،ربما هنالك غيري ، لكن ربما أكلتهم الحروب ،الانفجارات البغابا ،
شظايا شقيقة ، شظايا صديقة.
كفكفت دموعي بكم قميصي ، قبّلت الشجرة باسمائها المسافرة قسرا في الغياب...ومشيت.. ومشيت..نظراتهم مثل اسئلتهم ظلت تتبعني.
لم أسمع أصواتهم،قهقهاتهم ، صياحهم،
لم أجدهم ، اختفوا؛ وبقيت وحدي انتظرُ عودتهم.
الرابعة عصراً يجيئون..
وبتوقيت لا أعرف متى بدأوا الرحيل.
وإلى الآن لم يعودوا.
*القصة فائزة بالمركز الأول.. منتدى المشكاة الأدبي /آيار 2023
*********

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق