قصة قصيرة
رجولة ووفاء
للأديبة الفلسطينية
نجاة كلش
رحل عنها زوجها وهي في ريعان الشباب ، وتركها تصارع أمواج الحياة العاتية وحيدة مع ثلاثة أطفال أكبرهم محمد في العاشرة من عمره ، وسلوى في الثامنة ، وأحمد في السادسة ، كان زوجا صالحا مخلصا ، وكان يحلم برؤية أطفاله شبابا صالحين، مسلحين بالعلم والدّين والأدب يخدمون وطنهم بكل إخلاص..ولكنها إرادة الله..
اضطرت أم محمد أن تبحث عن عمل مناسب؛ كي تعيل أطفالها الثلاثة ، وتحقق حلم الوالد الراحل ، الذي لم يترك لها شيئا، كونه كان عاملاً بسيطا ، بحثت كثيرا ، حتى يسّر الله لها عملا في أحد مصانع الخياطة ، عملت بجد وكدّ، وإخلاص عدة سنوات ، واستطاعت شراء ماكينة خياطة خاصة بها، وضعتها في بيتها لتخيط ليلاً لأهل الحي ، والأقارب، والجيران ، ومن يحتاجها ، عملت ليلاً ونهاراً ، حتى كبر الأطفال ، وصاروا شبابا تفتخر بهم، وحققت حلم الوالد الراحل.
محمد يعمل الآن في إحدى الشركات ، وقد تزوج وانتقل للعيش في بيت منفصل مع زوجته وأطفاله ، وسلوى صارت معلمة جميلة ومخلصة، وهي تعيش مع زوجها في مدينة قريبة ، أما أحمد أصغرهم فهو موظف في أحد البنوك، ولم يتزوج بعد، يعيش مع والدته ، يرعاها ويقوم على خدمتها ، وتوفير مصاريف علاجها ، بعد أن أنهكتها السنون، وهي مكبّة على ماكينة الخياطة ، مضحية بصحتها ؛ كي يعيشوا حياة كريمة تقيهم ذلّ السؤال.
حصل أحمد على عقد عمل مغرٍ خارج البلاد ، يمكّنه من الارتباط والزواج ، أخبر والدته بالأمر ، وأخذ رأيها ، فلم تمانع أبدا، بل، شجعته على السفر ، فهي تحب أن ترى له زوجة وأطفالا ، واتفق معها أن تعيش مؤقتاً، في بيت أخيه محمد لحين عودته من غربته.
تم الاتفاق مع محمد على ذلك، ورحّب بأمه أكبر ترحيب، وفعلاً انتقلت الأم إلى بيت ابنها لتعيش مع أسرته ، وبترحيب من زوجته التي لم تمانع على وجودها.
كان محمد يشتري لبيته كل ما تحتاجه الأسرة من طعام ولحوم وخضار وفاكهة ، وأوصى زوجته بالعناية بأمه المريضة ، وتغذيتها جيداً.
عاشت أم محمد في بيت ابنها، ومع زوجته وأطفاله ، وكان محمد يتفقدها قبل خروجه لعمله، وبعد عودته مساء ، ويسألها عن حالها ، فترد بأنها سعيدة معهم، ولا ينقصها شيء.
لكن محمد بعد فترة لاحظ هزالا وضعفا على صحة والدته، فأخذها للطبيب ليطمئن عليها ، أخبره الطبيب بعد فحوصات وتحاليل أنها تعاني من سوء التغذية بشكل كبير ، تعجب محمد من هذا الأمر ، فهو يشتري كل أنواع الطعام ، واللحوم ، والخضار ، والفاكهة.
تحاور مع والدته بعد رجوعه للبيت، وعرف أن زوجته لا تقدم لها من الطعام إلا القليل من الخبز واللبن ، وأحيانا القليل من الخضار ، جنّ جنونه، وثار وغضب ، ولأن أمه لم تخبره بهذا من فترة؛ فأجابت أنها لا تريد أن تسبب له المشاكل مع زوجته.
دخل غاضباً مستاء على زوجته، وسألها عن سبب معاملتها السيئة لأمه المريضة المسنة، فأجابت أنها لا تقدر على خدمتها ، وأنه يجب عليه إرسالها إلى بيت المسنين ، لحين عودة أخيه أحمد من السفر.
جنّ جنونه لسماع هذا الكلام ، فهي وافقت من البداية على وجود والدته وخدمتها ، ولم تعارض أبدا، وهو أيضاً كان يسمح لها أن تذهب لزيارة والديها، والعناية بهم وإكرامهم..ثار وصاح: هل تقبلين هذه المعاملة لوالديك ؟ لقد كنت أعتبرهم مثل والديّ، وأحترمهم.. أنتِ أسأتِ كثيرا لوالدتي المريضة ، ولم تراعي حق الله فيها ، ومن هذه اللحظة أنتِ لستِ زوجتي ، أنت محرمة علي، فمن تعامل والدتي بهذا السوء ، لن تتوانى في معاملتي بالمثل عندما أكبر، وتتراجع صحتي ، أنت لا تصلحين أن تكوني زوجة، ولا أما صالحة ، اذهبي لبيت والديك، وستصلك حقوقك كاملة.
*******
سكيزوفرينيا
قصة قصيرة
للكاتب المغربي
عزيز أمعي
فتح باب البيت ثم دخل استقبله هدوء بارد كموجة ثلج. نادى باسم زوجته، لا أحد يجيب. كان البيت فارغا كقلب أم موسى. تعودت زوجته أن تتأخر بين الفينة والأخرى في عملها بالمستشفى. توقيتهما الوظيفي كان مختلفا، وقلما اجتمعا حول المائدة، لتناول وجبة غداء. تمنى لو أن زوجته لم تكن تشتغل، أو أنها كانت على الأقل تنتسب لنفس القطاع الذي يشتغل فيه. حينها كانا سيحظيان معا بنفس التوقيت. ويعودان سويا ألى البيت . لكن شاءت الظروف أن تكون ممرضة، وهو أستاذ . تعرفا على بعضهما، حين أجرى عملية لإزالة الدودة الزائدة في المستشفى الجامعي للعاصمة. الغريب أنه كان أحيانا يلمس الجهة اليمني من جذعه فلا يعثر على أي أثر للجرح. يستغرب ويتساءل هل حقا أجرى عملية جراحية لاستئصال الدودة الزائدة.
تأكد له أن زوجته ليست في البيت. تناول الهاتف، وحاول أن يتصل بها ليخبرها، أن الشرطة عثرت على جثة زوجة الجار، التي اختفت منذ أزيد من شهر. لكن صوت العلبة الصوتية النسوي، كان يجيبه في كل مرة، الرقم الذي تتصلون به خارج التغطية أو مشغول .
اتجه إلى غرفة النوم لغير ملابسه. ما أن فتح باب الخزانة حتى لا حظ، أن كل ملابس زوجته مفقودة. استغرب لذلك . يذكر أنه في الصباح حين غير ملابسه قبل الذهاب إلى عمله، كانت ثيابها مرتبة بعناية في مكانها المعهود. والآن ها هي الخزانة فارغة، لا ملابس فيها ولا حتى ذلك العطر الفواح الذي كان يصدر من درج الخزانة حتى ولو كان فارغا.
بعد أن غير ملابسه، اتجه ألى المطبخ أعد قهوة سوداء. وانتقل ألى الصالون . جلس على الأريكة. أيفظ التلفزيون من سباته، وراح يتنقل عبر القنوات الفضائية، ليستقر أخيرا على قناة "بيين سبور" التي كانت تبث مباراة معادة بين ريال مدريد برشلونة.
كان ينظر ولا يشاهد شيئا. أسئلة كثيرة كانت تتزاحم بين تلافيف دماغه. أين ذهبت زوجته، هل قررت أن تغادر البيت إلى الأبد. هل حقا هجرته و لماذا. بقي حائرا لا يفهم شيئا، شعر بدماغه يصاب بالشلل، ولم يعد يعرف من هو ولا أين يوجد.
صوت انذار سيارات الشرطة، أعاده إلى مسرح الواقع. نهض اتجه الى النافذة، رأى سيارتين لرجال الامن متوقفة قرب باب بيت جاره، وأضواؤها لازالت تتراقص فوقها. قبل أن يدخل الى بيت، مر بجاره، وجده يتحدث في الهاتف، ما أن أنهى مكالمته، حتى سأله:
-هل من جديد ؟
قال الرجل، وهو يحاول لأن يمسك دموعه، دون جدوى :
-لقد عثر رجال الشرطة على جثة زوجتي. وهم قادمون ليأخذوني إلى المستشفى للتأكد من هويتها.
قدم له أحر التعازي، وتركه لحزنه واتجه إلى بيته. ها هو يراه يركب احدى السيارتين ويغادر رفقة رجال الأمن. خشي أن يكون ما حصل لزوجة جاره، هو نفس ما حدث لزوجته. المدينة لم تعد آمنة كما في السابق. ظاهرة الاجرام، استفحلت فيها. قرر ان ينتظر بعض الوقت ، وإن لم تظهر زوجته، سيتصل برجال الشرطة. طال ولم تظهر زوجته. قضى ليلة أخرى مزعجة، ظهر له ذلك الكابوس الذي كان يراوده منذ مدة. كان يرى فيه نفسه وكانه يخنق امرأة، عيناها جاحظتان، وهي تطلب النجدة.
في الصباح قصد مفوضية الأمن ،قدم بلاغا باختفاء زوجته. طلب منه الشرطي أن يمده بصورة لها. أخبره أنه لا يملك ولا صورة لزوجته. استغرب الشرطي. سأله:
-قد تكون لديك واحدة على الأقل في الهاتف .
أجاب:
-ولا واحدة.
تمتم الشرطي:
-غريب
وأخبره بعد أن سجل كل المعلومات المطلوبة، ان سيفتح تحقيق حول اختفاء زوجته، وسيتم اخباره، أولا بأول بكل مستجد. وبالفعل انطلقت التحقيقات بعد انصرام المدة اللازمة لأجراء البحث.
بعد ثلاثة أيام، وبينما كان يستعد للمغادرة إلى عمله. سمع طرقا على الباب. فتح، وجد نفسه أمام أربعة من رجال الشرطة ، عميد وثلاثة أخرين أقل منه رتبة .قال العميد ، وكان رجلا أربعينيا، متوسط القامة بدين الجسم.
-صباح الخير سيد علي. جميل أننا وصلنا قبل أن تغادر.
سأل علي العميد:
-هل عثرتم على زوجتي .
نظر العميد إلى مرؤوسيه ، نظرة لم يستوعب الأستاذ مغزاها . ثم قال :
-أذا منحتنا بعض الوقت سنخبرك بكل شيء .
-قال علي، وهو يدعوهم للدخول :
-طبعا.. طبعا، تفضلوا .
أخذهم إلى الصالون. جلس الجميع . ما أن أخذ كل واحد منهم مكانه، حتى قال العميد.
-منذ أربعة أيام ، تقدمت لنا بطلب البحث عن زوجتك التي اختفت من البيت. أليس كذلك.
أجاب علي:
-نعم سيدي .
ساد الصمت هنيهة، ثم قطعه العميد قائلا:
- ما رأيك أننا اكتشفنا أنك غير متزوج أصلا . وأنك في المقابل ارتكبت جريمة قتل مروعة .
صاح الأستاذ علي:
-جريمة قتل .
قال العميد :
- نعم ، أنت متهم بقتل زوجة جارك. دافعك انها رفضت تحرشك ورغبتك في إقامة مشينة معها. وحين يئست من نيل ودها، قتلتها. عثرنا على رسائل كثيرة منك، بعثت بها إليها على هاتفها الذي دفنته معها. لم يفهم الأستاذ علي ما الذي يقوله العميد. قال في نفسه، أكيد أن هذا الشرطي مخطئ في مزاعمه. إنه حقا متزوج، حتى و أن كان يتوهم أنه يعيش وحده في بعض الاوقات. الكثير من المتزوجين ينتابهم مثل هذا الانحساس. اما قتل زوجة جاره. فهي فرية لا يصدقها عقل. فجأة عاوده شريط ذلك الحلم الذي كان يرى فيه نفسه وكانه يخنق امرأة ، عيناها جاحظتان، وهي تطلب النجدة.
قصة قصيرة جدا
تمرّد
للقاص التونسي
فتحي بوصيدة
أجهدهم الرّكض خلف الأجساد دون تحصيل حين حلّ بالكون ليل طويل خلع كلّ ظلّ نفسه هرولوا إلى مسلك صخريّ ، عند شروق الحرية، ظهروا بأقدام متورّمة، شقّ عليهم السّير، ما من ظلّ تذكّر أن ينتعل حذاءه بالمنحدر تدحرجوا تدحرجوا تدحرجوا عند السّفح مازال الظّلم سيّدا؛ كلّ ظلّ ألزمه جسده.
أشكال التعبير في الأدب الشعبى
الكاتب المصري
عزيز فيالة :
نقدم نموذجا لأسطورة البطل
متمثلا في أسطورة جلجامش . وسنعرض نص هذه الأسطورة مع دراسة موجزة لمغزاها وقيمتها
الفنية حيث إنها ما تزال تُعد أثرا أدبيا خالدا حتى اليوم .
في العدد قبل السابق تحدثنا عن الأسطورة بتسمياتها المختلفة، التقوسية، والتعليلية، والتكوين، والرمزية، واليوم نلقى الضوء علي أسطورة جلجامش البطل الإله ليس الأسطورة كاملة لأن صفحات المجلة مجتمعه لاتكفي لنشرها ولذلك سوف نلخصها,و نلقي إطلالة سريعة علي أهم الأحداث في هذه الأسطورة الممتعة الرائعة ولعلنا نوفق في إبراز قيمة الملحمة الفنية والجمالية اللتين صيغت فيهما لامأساة جلجامش فحسب، ولكن مأساة كل إنسان يعيش في كل مكان وزمان.
لا نريد الإستطراد كثيرا ونكتفي بهذه المقدمة المختصرة ... والله الموفق/ والمستعان..
عزيز فيالة
************
الأن نقدم نموذجا لأسطورة البطل المؤله متمثلا في أسطورة جلجامش. وسنعرض نص هذه الأسطورة مع دراسة موجزة لمغزاها وقيمتها الفنية حيث إنها ما تزال تعد ؟أثرا أدبيا خالدا حتى اليوم...
فى أواخرالقرن التاسع عشر غنم العالم مغنما كبيرا حينما عثر العلماء على قطع متفرقه من ملحمة جلجامش فى مكتبة قصر الملك آشوربانيبال فى نينوى- عاصمة الدولة الأشورية التى كانت تقع على نهر دجلة فيما يقابل حاليا مدينة الموصل.ثم نشط العلماء بعد ذلك فواصلوا البحث حتى اهتدوا إلى الملحمة كاملة مكتوبة باللغة الأكادية.والملحمة تنقسم إلى إثنى عشر لوحا,وفى نهاية كل لوح بداية اللوح الذى يليه, فيما عدا اللوح الثانى عشرالذى لم يتضمن فى نهايته بداية للوح جديد...
وكان أول ناشر لما عثرعليه فى البداية من مخطوطات الملحمة هو(باول هاوبت)وقد نشر ذلك فى العدد الثالث من مجلة(المكتبة الأشورية)عام 1884م تحت عنوان(ملحمة النمرودالبابلية)ثم تلا ذلك نشر بعض أجزاء متفرقة أخرى قام بنشرها (باول هاوبت)و(الفريد بريميز)وبعد أن تم نشر المخطوطات المتفرقة ومقارانتها بعضها بالبعض الآخر,تمكن الباحث (ب. ينش)من نشر الملحمة نشرا كاملا لأول مرة,ثم أعقب ذلك بدراسة لها وتعليق عليها .ونتيجة لهذا البحث أصبح اسم بطل الملحمة معروفا بصفة مؤكدة على أنه جلجامش وليس جيشتوربار أو أزدوبار كما اعتقد بعض من سبقه من دارسي المخطوطات...
( اللوح الأول)
كل شيئ كان يراه سيد الأرض,وكل مخلوق كان يعرفه.كان يتعمق الناس فى حياتهم وكفاحهم,وكان يطلع على السرويكشف مكنون العلم منذ عصر الطوفان إلى عصره. لقد سار فى الطريق بعيد,فكان تجواله طويلا وكانت رحلته شاقة,ثم ترك السطور التى حفرها تشهد على ذلك .
وابتنى البطل جلجامش حول أوروك(ورقا)سورا ,ووضع أساس إينا المقدس- المعبد الطاهر- ثابتا كالصخر,و حول السوروالمعبد وقف الحراس يقظين.كان ثلثه إنسانا وثلثاه إلها,وكانت صورته الجسدية تبعث على الرهبة والخوف .مثيله لم يرى الإنسان فى الجمال والقوة,فالأسد كان يمسك بشعر جسده ويطعنه والوحش كان يوقع بها فى الشرك فى سرعة وعنف. ثم كان قانون البلد كلمته وقوله.لم يشعر يوما بالتعب ذلك الإنسان السعيد البائس.وكان الجميع فى خدمته:الأقوياء والأسياد والحكماء,ثم الصغار والكبار ,بل النساء كذلك .فلم يترك الفتاة لحبيبها ولم يترك البطلة لزوجها البطل,حتى إرتفعت أصواتهن بالشكوى إلى الإله الكبير.رب السماء ورب أوروك:(لقد خلقت الوحوش المفترسة والآساد الضارية ولكن جلجامش يفوقها قوة,فمثيله لم نر أحد.الحبيبة لم يتركها لحبيبها ولا البطلة لزوجها البطل.واستمع الإله(أنو) لشكواهن,ودعا الإلهة أورورو- خالقة البشر- وقال لها:قد خلقت الوحش يوم أن خاقت مردوك,إله مدينة بابليون,فاصغى الآن مخلوقا يشبه جلجامش منافسا,وحينئذ يعم ورقا الهدوء,وفى لحظة رسمت أورورو الصورة فى ذهنها,تماما كما طلبها.
الإله أنو,ثم أمسكت بتراب طالته ببصاق الألوهية وصنعت إنجيدو.
وهناك وسط المراعي الشاسعة وقف إنجيدو جاهلا لايعرف شيئا عن الأرض وعن أهلها.وكان يكتسى جلد الإله(سوموكان)إله الجبال,وكان يملأ جسده الشعر.كان يأكل مع الغزلان من عشب الحقول,وكان يشرب مع القطيع من مياه النبع.وعلى هذا النبع كان يترددأحد الصيادين,وكان يرى إنجيدو مهددا له.ولما حملق إنجيدو فى وجه ذات يوم,رجع الصياد إلى مسكنه غاضبا محنقا والحزن يملأ قلبه.لقد بدا له ذلك الشبح كما لوكان سيد الجبال.ثم تقدم بشكواه إلى أبيه وقال :(أبتاه,أرى رجلا قادما من أعلى الجبال,يبدو لو كان من سلالة الإله أنوس.إن قوته آسرة وهو يتجول فى المراعى.ثم رأيته يقترب من النبع ويرقب القطيع.لقد أثارتنى هيئته وخشيت الأقتراب منه).حينئذ رد عليه الأب قائلا:(اذهب إلى ورقا..إلى جلجامش,وتحدث معه عن قوة ذلك الرفيق المتوحش.وتوسل إليه أن يوقف على خدمتك أنثى,ثم اصطحبها معك إلى الخارج.فإذا ما انتشر القطيع حول النبع وظهرأنجيدو,خلعت الأنثى عنها ملابسها وأسرته بامتلائها.فإذا ما وقعت عيناه عليها اقترب منها وترك القطيع).وذهب الابن بكلمات أبيه إلى ورقا,واقتحم الأبواب وسجد أمام جلجامش وقال:(جاءنا رجل من أعلى الجبال قوى فى قوة إله السماء,فسيطر على المراعى بأسرها منذ أن وطئتها قدماه.إنني أخشى أن تقع عليه عينى وأخشى أن اقترب منه.كلما حفرت حفرة ملأها بالتراب,وكلما نصبت شراكا حطمه.ثم إنه إذا بدا ولى القطيع هاربا)حينئذ رد عليه جلجامش قائلا:(اذهب يابنى واصطحب امرأة مشرقة من معبد الإلهة عشتروت ثم قدمها إليه.فإذا رأته خلعت عنها ملابسها وأسرته بامتلائها وصرفته عن القطيع)واصطحب الصياد الأنثى حتى النبع,وستقر هناك.وجاء أنجيدو وأخذ يرعي ويرتوى مع القطيع.ولمحت المرأة الأنسان المكتمل القوة,الرفيق المستوحش.رجل الجبل.لقدجاء بخطوات متئدةعبر المراعى ثم أخذ يتجسس حوله..لقد اقترب.وأسر إليها الصياد كلماته:(إنه هو أيتها المرأة,اخلعى عنك ملابسك حتى تأسريه بامتلائك,لاتنتظرى طويلا.ابعثى الشهوة فى نفسه,إنه حين يراك سيقترب منك,فأسريه بأنوثتك)وكشفت المرأة عن جسدها,وأثارت الرغبة فى نفسه,فاقترب منها أنجيدو وغفل عن القطيع,واختلى أحدهما بالآخر ستة أيام وسبع ليال وبعدها أفاق أنجيدو واحس أنه قدأشبع نفسه من جمالها,ثم أرسل نظرة فى المراعى حوله,لقد كان يبحث عن القطيع,ولكنه لم يرشيئا.فتملكته الدهشة ووقف منعقد اللسان بلا حراك.ثم تحول إلى الأنثى وركع أمامها ساجدا فانطلقت تتحدث إليه وهو يصغى إليها:(إنك تمتلك جمال الألهة وقوتها ياأنجيدو,فلماذا تسعى وراء الحيوان المتوحش فى المراعى.تعالى معى إلى ورقا..إلى المعبد المقدس حيث أنوس وعشتروت..بل إلى القصر الذى يسطع بالأضواء حيث يسكن جلجامش- البطل الكامل الذى يحكم بقوة لامثيل لها بين البشر).. وسعدإنجيدو بحديثها وأجبها:(هيا بنا ياسيدتى..انطلقى بى إلى البيت المقدس حيث أنوس وعشتروت,بل إلى جلجامش-البطل الكامل.إنني سأعودإلى القتال وسأهتف بصوت تصدع له الجبال حتى يسمع صداه فى ورقا:إنني أنا القوى,قد خطت قدماي الميدان لأغير من مصير ورقا!)وسار إنجيدو مع المرأة إلى ورقا,واستعدت المدينة لاستقبالهما,ثم دخلت المرأة به إلى المعبد المقدس,فخلعت عليه أبهى الحلل وقدمت إليه خبز الإله وخمره وهى تسر إليه قائلة:(إنجيدو يامن آمل أن يحيىا طويلا,أريد أن اطلعك على جلجامش الإنسان السعيد البائس.سترى كيف أن عينيه تتقدان كالشمس,وكيف أن عضلاته جامدة كالصلب,ثم كيف أنه يرتفع بجسده فى زهو.
التعب لاسبيل له إليه,والخوف يبعثه فى نفوس الناس كما يفعل الإله أدد-إله الأعاصير والزوابع.إن جلجامش يتوقع ظهور منافس له,إذ أنه رأى حلما أزعجه وجاء ليقصه على أمه وقال لها:(أماه..فى هذه الليلة شاهدت حلما عجيبا,شاهدت أن نجوم السماء تتساقط حولي كقتلى الحرب,ثم تمثلت أمامى رجلا حاولت أن أرفعه،ولكننى لم أتمكن لثقله.ثم وقف حوله شعب ورقا يقبلون قدميه,ولكننى قبضت عليه فى عنف حتى ألقيت به تحت قدميك.وحينما نظرت أنت إليه,اتخذت منه ابنا لك وقدمته إلى أخا فى كفاحى)ونظرت الأم مفسرة الأحلام إلى ابنها وقالت له :(إذا كنت رأيت نجوم السماء تتساقط ,وإذا كانت تمثلت أمامك رجلا,وإذا كنت حاولت أن ترفعه فلم تستطع,ثم ألقيت به تحت قدمى فاتخذت منه ابنا- فكل ذلك معناه أن بطلا سيظهر منافسا لك.وبالرغم من أنك ستغلبه فإنك ستتخذ منه أخا لك.إن كفاحك سيكون كفاحه,وسعادتك سعادته)هذا هو الحلم الذى رآه جلجامش ياإنجيدو!.حينئذ أطرق إنجيدو برأسه,وخرج من المعبد.
وأخذ إنجيدو يشق طريقه وسط الحشد إلى جلجامش.لقد خرج الجمع ليشهد رجل المراعى والجبال الذى فاق رجال البلد طولا . ثم تقابل البطلان . وطلب إنجيدوا المبارزة , وغلب جلجامش إنجيدوا ورمى به إلى الارض, ثم قبض عليه وألقى به تحت قدمى أمه . واعترى الناس هول وفزع . ورفع إنجيدوا جسمه الضخم ناظرا إلى جلجامش وقد على وجه السواد وملامحه الاكتئاب . ثم طرح زراعيه إلى جانبيه فى يأس واغرغرت عيناه بالدموع . ومدت الأم يدها إليه وأمسكت به وقالت له:(أنك ولدى يا إنجيدوا , لقد ولدتك اليوم .إننى أمك وهذا أخوك ) وفتح إنجيدوا فمه وقال:(إنك صديقى فتعال نكافح جنبا إلى جنب !) ثم أراد الإله ( انليل) إله الأرض ان يحمى أشجار السدر , معين خومبابا حارسا عليها لينشر الرعب بين الناس . لقد كان صوته يشبه الرعد وأنفاسه تهتز لها الأشجار .عند ذلك قال جلجامش لإنجيدوا :(إن خومبابا يسئ إلى(شمس) إله الشمس والقاضى فى الأرض والسماء . إن حمايته لأشجار السدر لم تعد تعرف حدودا ,فكل من اقترب من الغابات أرداه قتيلا . إن قلبى يحدثنى بالبحث عنه . صديقى ! لماذا نبقى فى ورقا كسالى بلا عمل؟ إننا نريد أن نغامر وأن نقوم بأعمال البطولات )إنجيدوا : إن قوة خومبابا لا تعرف الحدود كما زكرت يا جلجامش : صديقى ..إننا سنرحل سويا إلى الغابات وسنقف سويا أمام خومبابا عدو الأنسان والإله .
لقد انتقل أنجيدوا إلى البهو الملكى , ولكن قلبه كان حزينا , بل كان يرف كاطائر فى السماء . لقد أخذ يحن إلى المراعى وإلى قطيع الجبل , ولم تكف أغنية الشوق عن التردد فى نفسه . فلم يستطع البقاء وخرج هاربا من المدينة إلى المراعى مرة أخرى ,وانصدع قلب جلجامش إذ قد ولى صديقه . ثم اجتمع بالأسياد والأشراف وأخذ يتحدث إليهم :(إن الحزن يقتلنى بسبب غياب إنجيدوا , فأنا أبكيه بعويل كعويل النساء . إن السيف الذى يتدلى من منطقتى , والبهاء الذى يحاط بى , بل القوة الجبارة التى أمتلكها , كل هذا لايعنى لى شيئا . لقد اختفى إنجيدوا صديقى اختفى ليرعى مع وحوش الجبال مرة أخرى , بل إنه ولى ليسعى وراء امرأته التى أضلته . إننى أعلن الحداد عليه منذ اليوم حتى أبحث عنه فى المراعى وأعثر عليه ) أما إنجيدوا فقد جلس وحيدا فى المراعى رافعا يده إلى السماء .. إلى إله الشمس متوسلا وهو يقول : (شمس , أتوسل إليك أن تحل اللعنه بالصياد , أن تزيل ملكه وأن تسلط الشياطين عليه فتعزبه , والأفاعى لتملأ حياته رعبا ) قال ذلك ثم نظر حوله فلم يجد امرأته , فرفع صوته إلى الإله مره أخرى : (وهل يمكن أن يكون مصيرك أيتها الأنثى كما أتمناه , حياة أبدية وحنينا ملتهبا إلى يعيش فى نفسك إلى الأبد ؟ . إنى أتمنى آن يكون الطريق مسكنك , وأن التعب لا يفارقك , وأن قدميك تظلان تدميان من السير . إن الجوع والعطش يعذباننى , وذلك بسببك أيتها الأنثى . لقد أيقظيت الرغبة فى نفسى فسعيت وراء المعرفة وأصبحت غريبا عن الوحوش , إننى أطلب لك اللعنة لأنك قدتنى من المراعى إلى المدينة ) واستمع الإله شمس إلى كلماته , فأجابه لماذا تلعن المرأة يا إنجيدوا ؟ لقد أطعمتك من مائدة الآلهة – طعام الإله , ثم سقتك الخمر- خمر الملوك . ثم سقتك إلى جلجامش السيد فأتخذ منك صديقا . جلجامش الكبير , اتخذ منك صديقا , فأسكنك القصور وجعل الناس تقبل قدميك .أنه الآن حزين عليك , وقد أعلن الحداد بالمدينة , بل أنه قد ارتدى جلد الأسد وترك المدينة إلى المراعى ليبحث عنك ) استمع إنجيدوا إلى كلمات الإله شمس , فاطمأن قلبه بعض الشئ . ثم لاحت له من بعيد سحابة من تراب . لقد جاء جلجامش ليقود إنجيدوا مرة أخرى إلى المدينة .
كان قلب إنجيدو بعد ذلك مثقلا بالهموم.لقد رأى حلما أزعجه وأراد أن يحكيه لصديقه جلجامش قال له:(إنني رأيت حلما أقضى مقعدى,رأيت أن السماء تبرق,وأن الأرض تهتز, ورأيتنى أقف وحيدا أمام مخلوق وجه مكتئب أسود كالظلام.
لقد كان يبدو أمامى شرسا ككلب المفاوز,وفى لحظة قذف بى بعيدا في حفرة ثم حولني إلى شكل آخر,واستبدل بذراعى جناحين وقال:(الآن طر بجناحيك بعيدا حتى تصل إلى طريق لا رجوع لإنسان منه فسر فيه,حتى تتقابل بيتا لا مخرج منه فادخل فيه.هناك يعيش الناس فى حلكة دامسة,فيهم عن الضوء فى غناء)جلجامش:غدا نحيي الطقوس ونذبح الضحايا ونتوسل إلى الإله أن يحول بين أرواح وبينك ياإنجيدو..إنني أطلب منك ياإله شمس أن تحفظه.قال ترذلك ثم أشعلت النار فصعد الدخان بدعائها إلى السماء.ثم توجهت إلى إنجيدو,وقالت له:(إنجيدو أيها القوى..إنك لى سعادة وعزاء.كن حاميا لجلجامش ولدى)
واستعد جلجامش وإنجيدو للسير.ومن بعيد لمحا الجبل الشاهق وقد أطل من أعلاه بيت الإله.وكانت غبات السدر الكثة تحول بينهم وبين بيت الإله.فنصبا خيمتهما فى أسفل الجبل ثم أخذا يلتمسان الطريق لاقتحام الغابة.ولمحهما خومبابا ولم يكن مرتديا أثوابه السبع السحرية,فجري فى الغابة كالوحش الجائع وزأر بصوته:(هيا ؟اقتربا منى حت أقدمقما طعاما للوحوش)
وساعدت الآلهةالبطلين ومكنتهما من الضرب.ولكن الضربة أصابة رجلا من رجال خومبابا.فسعدا بالضربة الأولى,وبعدها نظر إنجيدو إلى صديقه وقال له:(صديقى,لانريد أن نتوغل فى الغابة أكثر من ذالك..لانريد أن نسير بعيدا فى الظلام..إننى أشعر أن رجلى عاجزتان عن السير ويدى عن الضرب)جلجامش: لاتكن هكذا عاجزا ياإنجيدو,ألسنا مكلفين بالقضاء على خومبابا؟تذكر الإله شمس وحينئذ سيزول العجز عن رجليك ويديك.ثم سارا بعيدا حتى وصلا بالقرب من اشجار السدر.وهنا بدأ تجوالهما,ومضت ساعة ولم يريا أثرا لخومبابا.ثم عم الظلام الكون وأضاءت النجوم السماء,فركنا إلى النوم وأحدهما يقول للآخر:(انر كيف تكون أحلامنا الليلة)وفى منتصف الليل استيقظ جلجامش يحكى حلمه لصديقه:(صديقى قد رأيت حلما مفزعا حقا..لقد كنا نقف نحن الاثنين على قمة الجبل,ثم انحدرت صخرة كبيرة إلى أسفل محدثه صوتا كالرعد.ثم رأينا أنها قد قذفت معها بإنسان طارحة به إلى الأرض.عندئذ جرينا,وفى لحظات كنا فى طريقنا إلى ورقا)ثم استأنف السير ساعات طويلة أخري.وهبت رياح باردة وعاصفة هوجاء.وعندما أقبل الليل لجآ إلى النوم من شدة التعب.ثم استيقظ جلجامش مذعورا مرة أخرى وقال لصديقه)صديقى آلم تنادينى؟وما الذى أيقظنى إذن؟إنه حلم..حلم مزعج للغاية:لقد احسست بأن الأرض تهتز وأن السماء تبرق ثم ابصرت نارا.وبعد ذلك هدأ كل شيئ ولم أبصر سوى رماد)واخبره صديقه مرى أخرى بأن الحلم يبشر بكل خير.ثم استأنفا السير,حتى اقتربا من الهدف,وقابلهما خومبابا وجها لوجه ساخرا بقوتهما.ولكن جلجامش قذفه فى سرعة وأصاب الهدف,ومات خومبابا.فاحتضن جلجامش صديقه وحملا الجثة ورميا بها فى الفضاء طعاما للطيور.ثم صعد إلى قمة الجبل حتى اقتربا من الآلهة.ولكنهما سمعا صوتا محزرا يقول لهما:(إذا كنتما قد أتممتما عملكما,فارجعا إلى ورقا.لاسبيل لإنسان مصيره الموت أن يصعدإلى أعلى قمة الجبل حيث تسكن الآلهة)وهنا أدار البطلان ظهريهما إلى بيت الإلهة وسارا فى طريقهما إلى ورقا..استيقظ إنجيدو من نومه مذعورا ودخل على جلجامش وقال له:(لقد تدبرت الآلهة أمرها ياجلجامش وأحسبها أنها تدبر هلاكى.إن حلمى الليلة كان مزعجا.لقد أنبأتنى بخطر عاجل,فقد أبصرت نسراعظيما هوى من السماء ثم حملنى فى الفضاءعاليا,وظل يصعد بى موغلا فى السماء,ثم حدثنى قائلا:ألقى ببصرك الآن إلى اسفل,كيف ترى الأرض وكيف ترى البحر؟,فلما نظرت وجدت البحر كالقصعة والأرض كقطعة الجبن.حينئذ تركنى أسقط من بين مخالبه.فهويت إلى الأرض محطما.جلجامش:الويل لنا إن كانت الآلهة قد أرادت بنا سوءا.ثم تملكت أنجيدو الحمى,ورقد طريح الفراش ثلاثة أيام .وفى اليوم الرابع فتح فمه وتحدث لى صديقه جلجامش وقال:(صديقى لقد أرادنى إله الحياةإلى نفسه.أنه يريد أن يصيبنى بسهمه وانا لم أصل إلى منتصف المعركة بعد)
لم يصدق جلجامش ماقاله أنجيدو.لقد كان قلب الصديق مازال يطرق فى خفوت)
ورقد جلجامش بجانب إنجيدو يحدثه لعله يبعث فيه الحياة:إنجيدو..صديقى أين قوتك وأين صوتك؟ لقد كنت أقوى من الأسد وأسرع من الغزال.لقد احببتك كأخ لى,فغامرنا معا, ثم قضينا على الشر معا..هل تظل نائما هكذا.وكان إنجيدو قد لفظ أنفاسه الأخيرة.ووضع جلجامش يديه على قلب صديقه فلم يحس خفقا,فصرخ:(صديقى أنجيدو!ألم تعد تسمعنى..ألم تعد ترانى؟بل ألم تعد ترى الضو؟)وظل جلجامش راقدا بجانب صديقه يبكيه بعويل مزعج ستة أيام وست ليالى,ثم حفر له فى اليوم السابع ودفنه.ثم خرج هائما على وجهه فى البرارى.فقابله صياد قد أزعجه منظر الملك جلجامش فقال له:(ما الذى جعل وجهك هكذا شاحبا هزيلا,بل ماالذى أظلم روحك وأحنى جسدك؟ لماذا يمتلئ قلبك بشكوى مريرة تريد أن تحكيها فى أسى,لماذا تتجول هكذا مضطربا فى المراعى؟)
فتح جلجامش فمه ليحكى ألم نفسه:(صديقى إنجيدو الذى إرتبط بى كعضو من جسدى..صديقى الذى تجولت معه وقاتلت الوحوش معه وقضيت على الشر معه,قد وصل إلى المصير الإنسانى.لقد بكيته ستة أيام وست ليال وهو راقد أمامى بعد أن خمدت أنفاسه,ثم حفرت له فى اليوم السابع ودفنته.إن موته جعلنى أحس بثقل الحياة,ولذالك أسرعت إلى المراعى باحثا وراء اللانهائى,كيف يمكننى أن أسكت,بل كيف يمكننى أن أصرخ بعد أن صار صديقى ترابا؟وهل سألقى يوما مثل هذا المصير,ثم أظل راقدا إلى الأبد؟ كنت أبحث عن الحياة في جسده ولكننى لم أجدها.واخيرا حفرت له ودفنته ثم خرجت هائما على وجهى فى البرارى فكيف يمكننى أن أسكت,بل كيف يمكننى أن اصرخ؟والأن هل لك ياسابيتو أن تهدينى إلى طريق (أونتابيشتيم؟)
سابيتو:إلى أين تسير ياجلجامش؟إن الحياة التى تبحث عنها لن تجدها.فحينماخلقت الآلهة البشر,قررت أن يكون الموت من نصيب الإنسان,وأما الخلود فقد احتفظت به لنفسها.,إننى أنصحك ياجلجامش أن تأكل وتشرب,وأن تستمتع بالحياة ليلا ونهارا.إرجع بلدك ورقا واستعد بهجتك الملوكية,واصنع لنفسك كل يوم عيد..جلجامش:كفى ياسابيتو!هل يمكنك بعد ذلك أن تطلعينى على الطريق إلى(أوتنابيشتيم؟)سابيتو:ليس لهذا البحر مرفأ لسفينة يمكن أن تحملك إلى مكان تهبط فيه.ولكن هناك عند هذه الأحجار يعيش(أورشانابي)الذي يعمل نوتيا بسفينة(أوتنابشتيم)ألاتراه؟ إنه الآن قد ذهب ليقطف فاكهة يأكلها.اذهب واسأله,فإما أن يحقق مطلبك راضيا وإما أن يردك خائبا إلى هذا المكان.ذهب جلجامش إلى شاطئى البحر.فرأى المركب ولم ير النوتى,فنادى بأعلى صوته,ولكن أحدا لم يرد نداءه,فدفعه الغضب إلى أن يحطم الحجارة الملقاة بجانب السفينة وفجأة ظهر له(أورشانابى)وسأله عن أسمه وعن مطلبه,فحكى له جلجامش عن معانته فأجابه النوتى قائلا:ولكنك حطمت بيديك طريق الرحلة التى تبغى القيام بها
إن الحجارة التى حطمتها هى وسيلتنا للوصول إلى المركب والخروج منه,إذ أن كل من يمس مياه البحر يهلك لامحالة وليس أمامك الآن ياجلجامش سوي أن تحضر إليه مائة وعشرين جذر شجرة نستخدمها لهذا الغرض؟وفعل جلجامش ذلك ثم صعد الإثنان فى المركب,وبعد رحلة
طويلة فى بلاد الظلمات وصلا إلى منبع البحار.ولمح أوتنابيشتيم السفينة قادمة على بعد فأخذ يحدث نفسه:أوتنابيشتيم:من ذا الذىيركب السفينة مع النوتى؟أهو إنسان أم إله؟(ثم أسرع من فوره ليستقبل الضيف)مااسمك؟حدثنى عن نفسك,أما أنا فأتنابيشتيم الذى عثر على الخلود.
إننى جلجامش الملك,وقد أتيتك من مكان بعيد لتحدث معك فيما يزعج خاطرى.لقد عذبنى موت صديقى إنجيدو,ولذلك فقد جئت إليك لعلك تشفى غلالة صدرى فترشدنى إلى الوسيلة التى حصلت بها على الخلود,لعلى بعد ذلك أستطيع أن أرت الحياةلصديقى وأن أحتفظ بها لنفسى.
أوتنابيشتيم:؟أترك شكواك وغضبك جانبا ياجلجامش.إن الفرق كبير بين الإنسان والإله.الموت للإنسان والدوام للإله.وإذا كان ثلثاك إلها وثلثاك إنسان فإن هذا لن يغير شيئا من الحقيقة وهى أنك إنسان.ما إن يستقبل المولود ضوء الحياة حتى تجتمع (أنوناكى)الروح الأكبرمع(ماميتوم)الإله الخالق للمصاير ثم يدبرا معا أمرهذا المولود,فيقررا معا ولادته ووفاته.
أما يوم ولادته فيعلنون عنه,وأما يوم وفاته فيحتفظون به!
واستعدت السفينة لأن ترحل بجلجامش إلى ورقا,وعندئذ صاحت زوجتة(أوتنابيشتيم)على زوجها وقالت له:(لقد أجهد جلجامش نفسه وأذاقها الويل,فهل يمكنك أن تمنحه شيئا حتى يرجع سعيدا إلى بلده؟)واستمع جلجامش لكلماتها فأوقف المركب عن السير,ونظر إلى أوتنابيشتيم وهومتلهف لسماع كلمة أخرى منه,ونطق قائلا:(لقد اجهدت نفسك ياجلجامش وأذقتها الويل,ماذا يمكننى أن أمنحك حتى ترجع سعيدا إلى بلدك؟إننى سأطلعك على سرآخر..إنه سر الحشائش ذات الأشواك المدببة تنبت بعيدا فى البحر الذى تسير فيه,إنك إن حصلت عليها وأكلت منها فسوف تخلد)بهذه الكلمات انبثق الأمل فى نفس جلجامش,ثم استأنف السير بالسفينة.وفى منتصف الطريق عثر على الحشائش فاقتطفها فى سعادة وقال لأورشنابي:(الآن قد حصلت على الحشائش..أخيرا تحقق أملى العريض ولم أرجع من الرحلة خائبا.إننى سأحتفظ بها حتى أعود
إلى ورقا فآكل منها وأطعم الأبطال فأخلد ويخلدون)
وسارة السفينة بالبطل جلجامش حتى قابل أرضا فطلب الراحة,ثم أراد أن يستحم بعد العناء فترك الحشائش على الأرض ونزل إلى الماء.وإشتمت أفعى رائحت الحشائش فخرت من جحرها
والتهمتها عن آخرها.وماأن فعلت ذلك حتى خلعت عنها جلدها واستردت شبابها.ورآها جلجامش
تبتلع آخر قضمة فارتسم الذهول على وجهه وتساقطت الدموع من وجنتيه,ونظر إلى أورشانابى فوجده يحملق إلى وجهه فى رعب.وأخيرا نطق جلجامش فى يأس:(لمن كان كل ذلك التعب؟لقد
أجهدت نفسى ثم لم أحصل على شيئ,فقد التهمت ديدان الأرض ثمرت رحلتى الشاقة فى لحظات
)وسارت السفينة ساعات طويلة حتى ظهر على بعد برج معبد ورقا.لقد وصلا إلى ورقا..إلى المدينة ذات السور الضخم الذى بناه جلجامش..ولم ييأس جلجامش البطل,فرجع وتوسل إلى الإله(إيا)أن يساعده على تحقيق مطلبه,ويعودإليه إنجيدوليسأله عن أحواله بعد الموت!, فتفجرت الأرض فى الحال عن فجوة خرج منها خيال إنجيدو.لقد وقف بعيدا عن جلجامش ولم يقترب منه.وفتح جلجامش فمه وقال:صديقى إنجيدو,
أخبرنى عن قنون الحياة..إنجيدو:لن أخبرك ياجلجامش,لأننى لو فعلت لجلست وبكيت .
جلجامش:إننى سأجلس وأبكى..ولكن أخبرنى!
- إنجيدو:صديقك ياعزيزى الذى كنت تعانق جسده
وكان يسعد قلبك قد تهالكت الديدان على جسده,تماما كما تتهالك على ثوب مهلهل!صديقك ياعزيزى الذى كنت تمسك بيده فتحس بنشوة السعادة قد تحول إلى رماد,لقد غاص فى وسط التراب ثم أصبح رمادا!..
فتح جلجامش فمه ليتساءل بعد ذلك,ولكن الظل كان قد اختفى.رجع جلجامش إلى ورقا..إلى المدينة ذات السور الضخم الذى قد بناه.وهناك فى قصره أراد أن يرتاح بعد تعب طويل.فاستلقى
ثم راح فى نوم عميق..إلى الأبد.
حتى نلتقى في العدد القادم :مع أسطورة الإسكندر الأكبر ومغامراته التى لا تنتهى ..
****************
الكاتب :عزيز فيا لة




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق