السبت، 24 يونيو 2023

السبت الموافق 6 من ذي القعدة 1444 هـ - 24 من يونيو 2023 م











لقّبها النقاد والجمهور بـ "فراشة الأدب الجزائري" التي أينما حلّت نثرت سحرها الإبداعي، وكلما حلقت أضاءت بحرفها سماء المشهد الثقافي، ..إنها ربيعة جلطي الشاعرة والروائية والأكاديمية والمترجمة التي عشقت وهران منذ صغرها، وكتبت عنها في جُل محطاتها الإبداعية ونصوصها المعطرة برائحة الأمكنة والزوايا،.. طوال رحلتها الفكرية لم تغب وهران عن أوراق ربيعة جلطي ولا عن أحلامها، فجعلت منها الفضاء الروائي لأبطال قصصها، ومسرح الوجود الذي تستحضر فيه الماضي والحاضر، وتروض عبره جوادها الأصيل وهي تركض نحو المستقبل، حاملة معها زادها الفكري وحسها الأنثوي وهمومها كامرأة مثقفة أسهمت في ايصال صوت الأدب الجزائري إلى العالم وترجمت قضايا وتطلعات بلدها بكثير من الحزم والثقة والشموخ،..دون أن تتخلى عن لغة الحب التي تكتب بها رواياتها، و لا الكلمات الرقيقة التي تحيك بها قصائدها، فربيعة كاتبة مسكونة بحب الوطن وبأبجديات لغة الضاد ، هذه اللغة التي اتكأت عليها في حروبها ضد مظاهر الجهل والنسيان، وجعلت منها فانوسا لإنارة دروب الفرح والمحبة والإحسان.

تفننت ربيعة جلطي في رسم الأشياء الجميلة وتقديمها على طبق مُنمق بالود والوفاء،كيف لا؟، وهي التي تكتب بحبر الروح الذي شقّ لها لجج العبور إلى قلوب القراء وعقولهم ،كشعلة من نور تضيء الشرفات المظلمة وتنعش الذاكرة الممزقة، نجحت في توظيف المهارات اللغوية والمكتسبات المعرفية التي تعلمتها على يد والدها واكتشفتها في مكتبتهم المؤثثة بالكتب التراثية العربية الحديثة، فربيعة تعرفت باكرا على "ابن عربي" و"التوحيدي"، و"الحلاج" و"رابعة العدوية"، ..كانت القراءة ملاذها الوحيد ومُتنفسها الذي ساعدها على رسم ملامح شخصيتها الأدبية، ومساحتها الإبداعية التي ميزتها عن غيرها من الأقلام الجزائرية والعربية، فهي التي قالت :" لا أراني أكتب عن موضوع محدد من الحياة، بل إنني أجعل الحياة موضوعا في كتاباتي. إنه اختياري، لأنني أتخيل قارئي ذكيا، نبيها، وعلى دراية بهذا الزمن الدرامي الذي نعيشه، ومستعدا أن يرافقني في رحلتنا الوحدانية، في مغامرة مجنونة وغير مسبوقة، فتبدو لي فكرة تبسيطيةً أن أنزع خزعة من جسد التاريخ الهامد، وأضعها في مختبري الروائي لتحليلها ودراستها وتفسيرها وتقديمها له ".

ربيعة جلطي الزرهوني من مواليد مدينة ندرومة بتلمسان، درست بجامعة وهران، نالت شهادة الدكتوراه في الأدب المغاربي الحديث، وهي حاليا أستاذة في جامعة الجزائر المركزية، تعد من بين الأقلام النسوية التي ظهرت خلال السبعينات ولا تزال إلى اليوم متواجدة بقوة في الساحة الأدبية، خاضت ربيعة جلطي رحلتها الإبداعية بنجاح كبير وإرادة قوية جعلتها تحتل مكانة مرموقة في المشهد الثقافي، حيث أنها أبدعت في كتابة القصيدة التي تعتبرها جزءا من كونها الشعري، وتألقت في عالم الرواية التي وظفت فيه مخيالها وصدقها ومشاعرها اتجاه مجتمعها وبلدها، كتبت عن الحب والجمال والحرية والوطن، وهي اليوم تملك في رصيدها العديد من الدواوين الشعرية والإصدارات الروائية الهامة،من بينها" الذروة" التي صدرت عام 2010، والتي اعتبرها النقاد منعطفا جديدا في مسيرتها الأدبية من حيث تجديد الأسلوب، "عرش مُعشق" 2014، "حنين بالنعناع" 2015، "عازب حي المرجان" 2016، "قوارير شارع جميلة بوحيرد" 2018، "قلب الملاك الآلي" 2019، "جلجامش والراقصة" 2021، "النبية تتجلى في وضح الليل" 2014، " ترتيب العدم " 2022، أما مؤلفها "سيرة شغف" الصادر عام 2017، فهو مجموع المقالات التي نُشرت في النادي الأدبي لجريدة الجمهورية تحت اسم "الربيعيات"، تتحدث فيه ربيعة جلطي عن شخصيات وهران ومُبدعيها وشوارعها، وعن المثقفين الذين زاروها على غرار نزار قباني ومحمود درويش وسعدي يوسف و"يوفتيشينكو" وغيرهم، دون أن تهمل بعض الأسماء التي عاشت معها في مرحلة معينة، وهم أناس عاديون جدا وبُسطاء لكنهم قدموا الكثير لوهران، وكل الحيثيات والتفاصيل التي قدمتها ربيعة في "سيرة شغف"حاكتها بناء على تجارب وتأملات شخصية، بما أن ربيعة كبرت وترعرعت في وهران .

.. ومؤخرا توجت ربيعة جلطي بجائزة فاطمة الفهرية بتونس، تقديرا لها على ما قدمته على مدى أزيد من 40 سنة من الكتابة المتميزة في الشعر والرواية والترجمة والاشتغال الإعلامي والبحث الأكاديمي.

 ****

 














(طوبى لهم أولئك الذين يعبرون فوق الخذلان بأصابع شمعية.....)

هكذا كنت أخبرها كلما بدت حزينة بوصفي طبيبتها، كثيرًا ما تغاضت عن جميع النصائح التي ترفض بأن تحمل رفيقة العمر هوية الطبيب المعالج، وربما تغاضيت عن ذلك أيضًا؛ لشعوري أن منمنات هذه الذكريات كانت لنا معًا طوال حياتنا، فلا يجب بحال أن نتقاسمها مع الغرباء.

تصارحني - في قلق- أن جميعهم يعلمون، وكعادتها تقابل نظراتهم بشيء من ريبة، كما أن رسائل التودد المقيت التي يلقيها المتدرب الجديد على مسامعها تؤرقها إلى حد جعلها تعاود زيارة مركز التجميل مرة أخرى للتأكد من سلامة عمليات الحَقْن التجميلي لوجهها والذي كنت أراه جميلًا على خلاف ما تظن، إطراء أحد المدعوين على رادئها كان كفيلًا بانتزاع لونها المفضل من خزانتها والاستغناء عنه إلى الأبد،

هي تعلم أنهم ينعتونها بغريبة الأطوار، يسخرون من إصرارها على غلق مقابض الغاز والمياه قبل مغادرتها العمل، تطمئن حين يجلس الجميع إلى مكاتبهم قبل ذهابها إلى دورة المياة.. في كل ذلك كنت معها لا أغادرها، بل أحرص على أن تحتفظ بهدوئها أمامهم أكثر.

نعم هم يتهامسون علينا منذ أعوام كثيرة، ولكنها الآن لم تعد تلتفت إليهم.. هكذا تطبق النصيحة الطبية التي حصلت عليها في جلستها الأخيرة،

في طريقها إلى موعدنا ستمضي الوقت في محاولة الإجابة على الأسئلة المحتملة، ستحاول تنميق إجابتها بقدر يكفل لها إخفاء الحقائق عني،

أعلم مراوغتها العنيدة وبأنها لن تخبرني عن فقدانها الثقة في جميع الأشخاص.. أشعر أنني على وشك الانضمام إلى قائمة لا حصر لها من أولئك المغضوب عليهم، وبأنها فقدت ثقتها في قدرتي على علاجها ساعة أن أخبرتها بعدم استشعاري رداءة الحال التي آلت إليها سجائر "روثمان" وبأنني مازلت أدخنها! أغضبها تعليقي العابر ونعتت ذائقتي بالمعتلة، هل فقدتُ ثقتها باسم سيجارة.. ربما، لكن وسط دوامات من تبغ محترق كانت صورتها تتضح أمامي شيئًا فشيئًا ...

نعم كانت رفيقتي ولم نفترق أبدًا، كنت لها بمثابة العقل الآمر والذي حثها على الالتحاق بكلية الطب كي لا نفترق، تماثلني نعم يجب عليها أن تماثلني، أخبرتها في حدة أن هوايتها الساذجة لن تصل بها إلى شيء. كنت شديدة اللوم والتوبيخ، أتذكر يوم أن رأيتها تخبىء مجموعة من الألوان الشمعية بأحد أدراج مكتبها، أنني غافلتها وألقيت بالألوان عبر النافذة، كنت وحدي من أملك حق إرغامها على استذكار دروسها، ألاطفها بين حين وآخر أو أستحثها باللين تارة وبالعنف تارة أخرى، لكنني كنت وحدي من أملك حق صياغتها، بفضلي أنا أمست من أشهر أطباء جيلها، ورغم ما تعانيه من اضطرابات الذائقة والوساوس وتلك الهلاوس البصرية والسمعية؛ غير أنني تمكنت من علاجها وخبأت نقائصها عن أعين الرقباء، ونجحنا في ذلك إلى حد بعيد.

لم أشأ أن أذكر ذلك كله، غير أنها دأبت على تعييري بذاكرة ذائقتي وفي تهكم بغيض أخبرتني باضطرابها الذي تعانيه وكيف أنني لم ألحظه، كما أنها سخرت من لفائف تبغي الذي كانت تنفثه في خوف عند رحيل أمي، والذي كانت تأبى تغييره في أوقات مرحنا الصيفي على شواطىء الإسكندرية، بل هو ذاته ذلك التبغ الذي انتزعت واحدة منه وهي تودع وليدها إلى قبره، لم عليها تعييري الآن؟

هل أخطأت حين منحتها ذلك القدر من الحرية، حتى أنها عاودت اللهو بالألوان أمامي في تحدٍ ساخر،

ربما منحتها الكثير من ثقة قبل التعافي، لكن على أية حال ستصل إلى هنا في غضون دقائق وربما كان لزامًا علي ألا أدعها تواجه الجميع وهي على حالتها تلك.

لم أسمع طرقات الباب منذ ساعات، كما أن المرآة الكبيرة بمدخل عيادتي باتت تروق لي، هي أيضًا تحب التطلع إليها كل مساء.

أشعلت لفافة من تبغي المفضل وجدته لا يحمل شيئًا مميزًا كما أنه لم يكن رديئًا، الآن علي مواجهتها لأعلم من منا ستنتصر لذائقة بقائها، فتحيا دون رفيقتها للمرة الأولى.

 

****


****

المصباح التالف

مجموعة قصصية

للكاتب المصري

د . إبراهيم النهر

****

قراءة تحليلية في مسرحية
اللي بنى مصر

بقلم
الناقد الفني
خالد سامي





اللي بني مصر..مسرحية رائعة_تعرض الآن وحتي يوم الاحد القادم مسرحية اللي بني مصر ..علي مسرح المركز الثقافي بالجيزة..تقدمها الفرقة القومية التابعة لأقليم القاهرة الكبري.

والنص المسرحي من تأليف الراحل د/ محسن مصيلحي والذي لقي مصرعة ومعه عشرات المبدعين في كارثة بني سويف عام ٢٠٠٥ رحمهم الله جميعا......

ومسرحية اللي بني مصر قدمت لأول مره علي مسرح وكالة الغوري عام ١٩٩٤ وأخرجها المخرج الكبير/ عصام السيد وكانت برؤية غنائية استعراضية بطولة علي الحجار وشرين وجدي ومحمود الجندي وفتحي عبد الوهاب ومنير مكرم وخليل مرسي وعدد من الشباب الواعد ....

وفي العام التالي ١٩٩٥ قدمت المسرحية بفرقة قصر ثقافة البراجيل وكتب الاشعار والاغاني د/مصطفي سليم أستاذ النقد والدراما بالمعهد ..رحمة الله ..

وفي المرة الثالثة قدم نفس النص من خلال البيت الفني وعرض علي خشبة مسرح فاطمة رشدي وأخرجها المبدع/اسلام إمام وكانت من بطولة نخبة من النجوم علي رأسهم ..الراحل/ محمود الجندي في دور طلعت حرب ..ومعة مدحت تيخة .والنجم احمد فتحي والنجم محمد ثروت وأخرين ........

والنص المسرحي تناولته أكثر من فرقة مسرحية علي مستوي الهواه والاحتراف ..لما له من أهمية قصوى وخصوصية ..فهو يتناول بشكل فنتازي .عودة الاقتصادي العظيم طلعت حرب الي الحياه المعاصرة هذا الذي أسس أقتصاد مصر في عهد الاحتلال الإنجليزي ...وقد عاد متحسرا ومتألما لما شاهده من هدم وضياع لكل الرواسخ الاقتصادية التي عانت كثيرا من أجل بناءها وتأسيسها .....

فقد قام ببناء الاقتصاد في مصر المحتلة ورغما عن إرادة المحتل الانجليزي .بينما هدم هذا الاقتصاد ودمر بأيدي أبناء مصر وسادتها .....من هنا كانت أهمية النص المسرحي وعبقرية الفكرة التي مازالت. لها أثرها الفاعل علي مصر والمصريين ....

(كنا فين وبقينا فين)

واليوم شاهدت العرض المسرحي اللي بني مصر علي مسرح المركز الثقافي بالجيزة .من خلال الفرقة القومية .من أخراج الشاب المبدع

 محمد الطوبجي ..

فأمتعني الأداء التمثيلي وابهرتني الصورة وجمالها ......

ومن هنا كان السبب لتناول العرض بالتفسير والتحليل والنقد المتواضع علي مستوي الصورة ومستوي الصوت ... .

أولا مستوي الصوره

الديكور.. الملابس.. الإضاءة. الاستعراض.

ديكور..

قدم المخرج العرض المسرحي من خلال أربعة مناظر أساسية ..تغيرت بسرعة وتلقائية ودون أخطاء ..والحقيقة أبدع مهندس الديكور

أحمد شربي في تصميم المناظر بشكل مبهج ومعبر وواقعي حقق معها عنصري الإبهار والجمال ..ورغم ضعف الإمكانيات بالثقافة إلا أنني شعرت وكأني أشاهد عرضا بأمكانيات المسرح القومي أو القطاع الخاص .لما حققه مهندس الديكور وابدعة في تصميم المناظر وتنفيذها...الميدان..المكان المهجور..شركة الملابس..الأستديو..

فكان الديكور مميزا ومعبرا عن الحالة الدرامية والحدث بشكل جاذب ومريح ..واختيار الالوان كان مناسبا غير مبالغ فيه ..وايضا بعيد عن الكآبة..فأبتهجت العين بالرؤية والمشاهدة................

الملابس

كانت الملابس واقعية ومعاصرة ومتفقه مع الحدث

 


الدرامي ومكمله للصورة المسرحية وفق رؤية المخرج .......شابو....

المهندس.أحمد شربي والساده المنفذين أستاذ حمدي. أستاذ عصام.

الاضاءة

* واكتملت الصورة الجمالية بخطة أضاءة عبقرية موظفة بشكل رائع ومتميز دل عن وجود مخرج واعي ومدرك ومتمكن من أدواته .وظفها توظيفا دراميا صحيحا علي النحو الافضل..فجاءت الصورة مكتملة العناصر الجمالية بالديكور والملابس والإضاءة ..وهو أمر واضح في الصور المرفقة ....فقد أبدع المخرج في توزيع الإضاءة. علي خشبة المسرح واستغل كل الإضاءة المتاحة استغلالا فنيا واعيا لمخرج صاحب رؤية فبدا ممثلينه في ابهي صورة وابهجها ..أنه تصميم سينوغرافي عبقري واستغلال لكل الفضاء المسرحي بشكل عالمي بلا مجاملة ....

أما الميزانسين وحركة الممثلين .فجاءت مرسومة بحرفية وموزونة عالشعره فقد أبدع المخرج في تحريك الممثلين وتوزيع الكتل والتشكيلات توزيعا جميلا وكأنة يمسك بريشه لرسم لوحه تشكيلية..فقد استغل خشبة المسرح استغلالا جيدا ينم عن وعي ودراسته وتمكن من الأدوات..

 


 تبقي الاستعراضات أو التعبير الحركي ..وهذه لي فيها بعض التحفظات .ومن وجهة نظري المتواضعة لم يوفق المخرج فيها سواء الاستعراض الثنائي للولد والبنت أو التشكيلات أو الحركات الجماعية للممثلين في النهاية ...الحقيقة لم أفهمها ولم تنال أعجابي ...............

* علي مستوي.

الصوت

****"""****""***

(١)الموسيقي..الغناء

"""""""""""""""""""""""

استخدم المخرج كوبلية غنائي.ولزمه موسيقية موحده في بعض المشاهد والفواصل..(وانا ماشي في الطريق)

تعبر عن رحلة طلعت حرب داخل المدينة وما يشاهده من عجائب العصر ..وهي موسيقي معبره ومتفقة مع الحدث الدرامي ...............

هذا بالإضافة إلي اغنية الاستعراض الثنائي الذي كان من الممكن أن يوظف أفضل من ذلك تعبيرا عن ما أل إليه المجتمع المصري في الوقت الراهن ..وذلك بزيادة عدد الراقصين لخلق حالة وصورة اكثر جمالا مع أغنية الدنيا مهزله ..........

موسيقي هايلة ولحن جميل وبسيط .الملحن وائل

 


عوض .........شابو

علي مستوي

التمثيل

******""""******

ابدأ بشخصية طلعت حرب والتي أداها الممثل الجميل محمد حسن ..حضور طاغي ومتمكن من مفاتيح الشخصية بداية من نبرة الصوت وحركات اليدين والجسم والمشي علي خشبة المسرح بثبات .. لاشك أنه ممثل يعرف جيدا ادواته وتمكن منها واستغلها استغلالا صحيحا وموفقا..ولما لا؟ وهو ممثل محترف وله تجارب عديده ومتنوعة علي مسارح الجامعات والقطاع العام والخاص ..استطاع الانتقال من حالة درامية الي حالة درامية أخري

 


****

قصة قصيرة

أحلام

للكاتبة المغربية

فاتن جبور

 الضوء يتسلل، من بين اصابع مصراعي نافذة الغرفة، يوقظ حواسها بلمساته الحانية في ذلك الصباح الخريفي الجميل. تململت في سريرها، في محاولة منها لإيقاظ عقلها الذي كان لايزال غافيا كأنما يتجاهل لهفة قلبها.. غالبت ذرات النعاس المتشبثة بأهدابها وقامت بخطى متثاقلات إلى نافذة الغرفة، فتحتها وأشرفت منها على الحديقة الصغيرة التي تزين واجهة العمارة وتفصله عن الشارع العام. اطالت المكوث بالنافذة لعل تلك النسيمات التي تهب على وجهها وتداعب خصلات من شعرها ستساعدها على جعل عقلها يستفيق ويرمي عنه رداء النعاس. كانت حريصة على الإستيقاظ باكرا حتى تهيئ نفسها بكامل الأريحية وأتم الإستعداد، فهذه الفرصة تنتظرها بفارغ الصبر منذ ان حصلت على الدبلوم.. إذ تم استدعاؤها من قبل إحدى الشركات.. وهي التي أرسلت طلبات بعدد شعرات رأسها فلم تتلق جوابا إلا هذه المرة.. تناولت أحلام فطورا خفيفا جدا تحت إلحاح أمها التي استيقظت لصلاة الفجر ولم تعد للنوم، حتى تطمئن على ابنتها من غدر النعاس، ثم جلست لدقائق ترتب زينتها بالشكل المقبول في مثل هذه المناسبات. قامت بخفة لا تخلو من ارتباك فقلبها بدأ يدق بوتيرة أسرع وهي تستشعر قرب الموعد.. فتحت خزانة الملابس وانتقت فستانا ثم حقيبة يد، كانت حريصة على أن تكون أنيقة لكن في حدود ما يوفره لها مستواها المادي المتوسط والمناسبة أيضا لا تستدعي ذلك. غادرت البيت تحت وابل من دعوات منتقات بعناية من أمها و أبيها الذي اقنعته بصعوبة كي يعدل عن فكرة مرافقتها إلى الشركة. سارت تعد الخطوات بعناية فائقة وهي تقطع المسافة بين مكان نزولها من سيارة الأجرة ، و البوابة الرئيسية للشركة. توقفت لبضع ثوان تتأمل اللافتة التي تعلو البناية وقد كتب عليها إسم الشركة بخط عريض، فارتسمت على محياها ابتسامة خفيفة، كانت رد فعل لدقات خالجت قلبها وهب تتخيل لو أن الحظ يسعفها هذه المرة ويتم قبولها، لعلها تضع حدا لسوء الطالع الذي لازمها منذ أن تخرجت من الجامعة بعد أربع سنوات بسلك الإجازة وبميزات مشرفة خولت لها الالتحاق بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير و التخرج منها بعد سنتين من الدراسة المكثفة والتداريب، وبعد قضاء قرابة سنة في طرق الأبواب بحثا عن فرصة عمل يناسب تخصصها لعلها تخفف الحمل الثقيل عن ابيها.. دلفت بخفة لا تخلو من توجس نحو الحارس تستأذنه بالدخول، وبعد حوار قصير سمح لها بذلك بعدما أرشدها إلى حيث ينتظرها المسؤول عن المقابلة. صعدت الدرج إلى الطابق الأول وهي تغالب موجة من الإرتباك تزداد شدة كلما اقتربت أكثر، وجدت نفسها في ممر تصطف على جانبيه مكاتب مغلقة الأبواب عليها لافتات بأسماء وصفات أصحابها. تقدمت بضع خطوات ثم توقفت أمام أحدها حيث ينتظر قرابة ثلاثين مترشحا من حاملي نفس دبلومها .. مرت المقابلة على أحسن وأكمل وجه، او هكذا خيل لها.. على الأقل لم يبد محاورها أي اعتراض أو امتعاض من اجوبتها وافكارها وقناعاتها التي اعربت عنها في سياق الحوار. غادرت الشركة بروح طيبة مستبشرة ، بعدما حرصت على انتقاء عبارات الشكر والتقدير لمحاورها الذي أكد لها أنها ستتلقى رسالة قصيرة في غضون الأيام القليلة المقبلة، وأنه هو شخصيا مقتنع بقدراتها. لم تكد تغادر الدرجات الأخيرة وهي تخرج من باب الشركة، حتى أخرجت هاتفها المحمول واتصلت بوالدها : - الو.. بابا.. أنهيت لتوي المقابلة.. - لقد مر كل شيء على مايرام. - الحمد لله يا ابنتي ربنا يتمم لك بالخير ويفرحك يارب. - سأتأخر قليلا يا أبي قبل العودة للبيت. - صديقاتي ينتظرنني بمقهى الشاطئ. - لابأس حبيبتي خذي راحتك. أقفل عمر الهاتف، ونادى على زوجته ليبلغها رسالة ابنته وقد ارتسمت على محياه ملامح ابتسامة تنم عن تفاؤله بأن الله قد استجاب لدعائه وستتحقق أمنية ابنته في الحصول على وظيفة بعد طول انتظار. مر يومان من الترقب و الإنتظار، لم تترك فيهما لمياء هاتفها إلا للنوم، ولم تمل من مطالبة أمها و أبيها بالدعاء لها فينادون عليها لاستلام الوظيفة. يبدو أن الحظ قد ابتسم لها أخيرا ، وهاهي تعود للشركة كموظفة. اشتغلت لمياء ما يقارب تسعة أشهر، كانت من أجمل أيام حياتها، امتلأت حيوية ونشاطا وإقبالا على الحياة، سعدت وأسعدت والديها اللذين ازداد فخرهما بها وتغيرت أحوالهم المعيشية إلى الأفضل، بعد أن عانوا ماديا حين اضطر الأب للتقاعد النسبي على إثر إصابته بمرض صدري مزمن فتقلص راتبه الشهري بشكل أثر على مستواهم المعيشي. بعد تناول وجبة الغداء سويا، أخبرت أحلام أبويها أنها مدعوة لحضور حفل عيد ميلاد إحدى زميلاتها في الشركة بأحد الفنادق الكبيرة بالمدينة، لم يعارضا رغبتها خصوصا حين علما أن صديقتها كوثر وزوجها سيقلانها بسيارتهما ذهابا وإيابا. قامت أحلام إلى مرآتها وتزينت فازدادت جمالا على جمالها الطبيعي الذي حباها الله منه نصيبا وافرا وارتدت فستانا اقتنته من قبل لهذه المناسبة. غادرت البيت مع صديقتها كوثر وزوجها و أعين والديها لا تتركانها حتى أغلق الباب خلفها. قال الأب وهو يرفع يديه بالدعاء: - اللهم لا تحرمني من رؤيتها عروسا وانا في كامل صحتي.. فبادرت الأم قائلة : ً- عن قريب إن شاء الله.. لقد أخبرتني أن أحد زملائها في الشغل يود التقدم لخطبتها وهي تراه مناسبا جدا. استرسل الوالدان في حديثها وهما ينتشيان بأحلامهما عن ابنتهما ويداعبان فنجاني الشاي ويتابعان الأخبار على التلفاز. رن هاتف الأب فجأة.. - خير.. اللهم اجعله خيرا يارب. - ألو.. ألو.. كوثر؟.. ماذا؟ - ابنتي.. ابنتي.. ماتت أحلام.. نعم ماتت أحلام ومعها أحلام والديها.. قتلها الإرهاب الأعمى في تفجير الفندق.

 

****

قصيدة غنائية

هجرتني

للشاعر اليمني

محمد صالح العشبي



هجرتني

هجرتني يا حبيبي

قلبي وليه ما تزرني

وإن ماقدرت دلني

وأنا أجيك..

ما أبي حياتي بدونك

بعيد عني

وما أبي حياتي دامه تقول ما أبيك..

تدري بظلم الناس فيني

وأنت ظلمني

وأكد كلام اللي يقولون ناسيك..

وشلون قلبك ياحبيبي تركني

وتدري خفوقي كم سنين هاويك..

وما تدري بعادك وصدك ذبحني

وما تدري عن دمع نثرته وأنا رجيك..

أسأل جميع الناس وش صار فيني

أسأل وش صار في حال مغليك..

كنت أقول قصدك بالحب ذلي

ذليتني من عقب ما مت أنا فيك..

هذي حقيقه بعض مامنك جتني

حالي لو تشوفه بعينيك يبكيك..

إن زاد هجرك الموت ياخذ الروح مني

بترك لك الدنيا وأنت الله يهنيك..

 

**** 

هوية الذات بين المكان كأصل والمكان كغواية في شعر أحمد فؤاد نجم



للكاتبة والناقدة المصرية

د . رشا الفوال



الخميس، 15 يونيو 2023

الخميس الموافق 26 من ذي القعدة 1444 هـ - 15 من يونيو 2023 م










لك ان تتخيل أن هناك كتابا لم يكتبه بشر ولكن كتبته الأرواح المعذبة لسكان عمارة احترقوا ورحلوا إلى العالم الآخر وتركوا الكتاب لمن يحرر أرواحهم من المرحلة الانتقالية بين الدنيا والعالم الآخر ؟

الناقد يبدأ من حيث انتهى الكاتب فكل متلقي للنص الأدبي لا يستطيع أن يحكم عليه من البدايات ، لا بد أن تنتظر كلمة النهاية خاصة مع هذا العمل الأدبي الذي نصنفه روائيا من أدب روايات الرعب التى يمكن أن تتحول لعملا سينمائيا يمكن تصنيفه بأنه فيلما من أفلام الرعب ؟ ولكن هل الرواية بالفعل تنتمي لجنس الرعب أم سيتضح غير ذلك بعد كلمة النهاية ؟

هذا المدخل يعتبر مقدمة لفهم كيفية بناء هذا العمل الذي بين أيدينا حيث أن الكاتبة استخدمت طريقة سيمائية فى سرد الرواية وهذه الطريقة تسمى فى العمل السينمائي السيناريو التنفيذي أو الديكوباج ؟

الديكوباج معناه كما ذكرته

د.خيرية المنصور / بكتابها الرائع " شرنقة شاهين "

هو انتقال السيناريو المكتوب ورقيا إلى مرحلة التنفيذ

ثم يتم بعد ذلك التصوير فى لقطات ومجموع اللقطات

يكون مشهدا ومجموع المشاهد يكون فيلما.. وهذا ما نراه فى الرواية ..

لقطات كونت مشهدا ومجموعة مشاهد كونت الرواية يربط بين كل ذلك البطل والراوي بضمير المتكلم المشارك فيها والعالم بكل تفاصيلها ..

**********

الرواية تقع فى سبعين صفحة بصيغة   pdf

 أو مائة واربعين صفحة ورقيا كما عرفت بعد ذلك من الأستاذة شاهيناز والرواية مقسمة إلى واحد وعشرين مشهدا أو فصلا .. الرواية قد تبدو قصيرة فى عدد صفحاتها لكنها ثرية فى أحداثها لحد التشويق والإثارة وتتابع اللقطات والمشاهد تسلم بعضها بعضا كما لو كان القاريء والمتلقي يشاهد لا يقرأ فقط فيتخيل ما يحدث ويتطلع لمعرفة النهاية ..

تحدثنا عن التقنية الفنية واستخدام الديكوباج فى طريقة بناء الرواية

فهل هناك تقنية أدبية ؟

التقنية الأدبية التى استخدمت فى طريقة السرد هى طريقة سرد القصة القصيرة

من حيث البناء المكثف واختزال الأحداث اعتمادا على المشهدية

فنرى الراوي يسرد لنا فى كل مشهد أو فصل من الفصول او المشاهد قصة قصيرة مكثفة بلسان بطل او بطلة القصة أو لأحد الشخصيات المشاركة والمؤثرة فى الرواية ..

*********

ربما نكون قد أصبحنا بالفعل فى زمن الرواية القصيرة التى تعتمد على الكيف وليس على كم عدد الصفحات وأيضا تعتمد على روح القصة القصيرة من حيث التكثيف والتشويق والنهايات المباغتة والغير المتوقعة بالإضافة إلى عنصرا جديدا يضاف إلى فن الرواية مؤخرا وهو المشهدية والسينمائية التى تعتمد على بناء اللقطة والمشهد كما يحدث فى طريقة السيناريو وهذا لا يستطيع أن ينفذه إلا من يملك أدواته جيدا.

********

وبناء على ما تقدم فإننا لن نندهش إذا عرفنا أن الكاتبة قد درست وكتبت السيناريو وأيضا كتبت وأصدرت أكثر من مجموعة قصصية فجاء هذا العمل

فنيا وأدبيا وقد مزجت فيه بين طريقة فنية وأدبية او بين السيناريو والقصة القصيرة سواء كان عن قصد وتعمد أو عن غير قصد وأن العمل الأدبي والفكرة والأحداث جعلها تمشي وتكتب وتكون مخرجة لعملها بهذه الطريقة.

***********

التحليل السيكولوجي للنص فى هذه الرواية ربما نحتاج أن ننظر لبعد آخر فى تناولها وتحليلها ، ذلك البعد هو التحليل السيكولوجي للنص ودلالات ومدلولات الجمل والكلمات واستخدام علم النفس لتحليل الشخصيات والغوص فى اعماقها

فلكل شخصية هواجس نفسية تحكمت فى تصرفاتها وردود أفعالها بدء من بطل النص الذى قضى عشرين عاما فى مصحة " عقلية " بألمانيا وإن كنت أتحفظ على كلمة المصحة العقلية فقد تعمدت الكاتبة استخدامها فاستخدام المصحة النفسية كان أولى

فالشخصية الرئيسية تعرضت للصدمة النفسية فقد كان البطل فى عمر السادسة وتعرض للفصام عند رؤية الحريق وفقد أبيه وأمه وقضى بعد ذلك عشرين عاما فى المصحة بعيدا عن العالم وداخل أسوار مصحة نفسية .. وهنا ظهرت براعة الكاتبة فى اختزال الزمن فلم تسرد تفاصيلا كثيرة ولو فعلت لكان للرواية أبعادا أخرى تتماهى مع الزمان والمكان الذى حدثت فيه ..

فالتحليل النفسي والسيكولوجي لأبطال النص وتحليل انفعالاتهم وتصرفاتهم

يجعلنا نفهم النص ونحكم عليه بشكل منطقي بعيدا عن متعة وتشويق ولذة القراءة وعليه فإن موضوع النقد هنا بوجه خاص يكون وسيلة لتحليل حالات نفسية لدى فرد أو فى بيئة معينة .

وعليه فإن فهم التحليل النفسي للشخصيات يؤدى بنا لفهم التحليل الأدبي بل والتحليل الإجتماعي أيضا.

وهذا يأخذنا إلى القراءة الانطباعية للنص التى تعطى للنص لذة ومتعة القراءة التى تأتى من لذة الحواس وردود الأفعال أمام النص والمتلقي وذلك هو أساس الانطباعية...

***********

يقول أناتول فرانس : النقد أشبه شيء بالفلسفة والتاريخ ، فالعقول الواعية تسعى وراء المعرفة ولكل رواية إذا أحسن فهمها هى سيرة ذاتية.. والناقد الجيد هو الذي يروي مغامرات النفس وسط روائع المؤلفات .. والتحليل النفسي هنا للشخصية الرئيسية أو البطل " منير " تجعلنا ننظر للمرحلة الأساسية وهى الطفولة التى تخبرنا عن تكوين شخصيته تحت التأثير المزدوج للميول أو النزعات الغريزية وكذلك البنية الإجتماعية ووظائف الوعي والإدراك عنده بالتوازي مع الشعور بالذنب عند أبطال القصص التى جاءت بالكتاب الأحمر التى تحكى دوافع وغرائز الأرواح المسجونة ومالذى أدى بهم إلى الإنتحار أو القتل ؟!

وقبل أن ندخل إلى التحليل الأدبي للنص

نتوقف عند ما كتبه تودوروف الفيلسوف الفرنسي الذى قدم شعرية النثر وفى نظرية " الفانتستيك " تناول فيها بعيدا عن النوع الأدبي وإشكاليته فتناول معقولية الأحداث فى النص الأدبي ولا معقوليتها وحدد جوانب العمل الأدبي وتحليله مثل الجانب اللفظي اي خصائص التلفظ من ناحية الإبداع والتلقي ثم تناول الجانب التركيبي أي أنماط التتابع المنطقية والزمانية والمكانية داخل النص ثم الجانب الدلالي وهى تيمات العمل الأدبي وهى جوانب متبادلة ومعقدة ولا يمكن فصل أحدها عن الأخر.

********

ففى مذكرات نزيل جهنم لا بد أن نتوقف عند :

- معقولية الأحداث ولا معقوليتها

- جوانب الإبداع فى العمل مثل الجانب اللفظي وخصائص التلفظ فكل كلمة وجملة لها دلالة ولها مكانة فى النص.

- الجانب التركيبي وكيف تم بناء النص وأنماط التتابع المنطقية والزمانية والمكانية داخل النص.

- الجانب الدلالي للعمل ككل ..

مما تقدم نجد أن مذكرات نزيل جهنم

نصا أدبيا له عمق ودلالة ومعنى وليس مجرد رواية رعب نقرأها للتسلية.

هناك تساؤلات للكاتبة وهناك هدف

وراء ذلك التشويق الذى تعمدت الكاتبة تقديمه وطرحت من خلال السرد سؤالها الذى كان العمود الفقري للنص ؟!

******

التحليل الأدبي :

قبل ان نذهب إلى التحليل الأدبي

نتوقف عند دلالة العنوان الذى يقول:

مذكرات نزيل جهنم

رواية مستوحاة من أحداث واقعية.

الكاتبة هنا تجذب انتباه القاريء منذ اللحظة الأولى لأنها إما أن تقصد تنبيهه أو أن الأحداث حقيقية وإما أن تقصد تشويقه وهنا نتذكر معقولية أو لا معقولية الأحداث كما قال تودوروف.

ثم يأتى بعد ذلك الإهداء فتقول:

إلى المواقف التى علمتني أن الحياة

تفاجئنا أحيانا بما هو أشد رعبا

من قصص الجن والعفاريت ؟!

نجد من خلال هذه الكلمات القليلة

أن الكاتبة تعد وتمهد للقاريء ما سوف تحكيه عن العالم الغريب الذى سوف تقصه عليه.

ثم تقول قبل أن تبدأ فصلها الأول :

هل يعلم أحد عن الحرب وويلاتها

هل يعرف أحدنا أسماء القتلى في الحرب العالمية الأولى

و في الحرب العالمية الثانية

وضحايا حريق الشيطان والموتى في زلزال هايوان

وقنبلة هيروشيما، وغرقى السفينة تيتانك، هل يتذكرهم أحدا؟

بالطبع لا أحد يتذكر أسماءهم

أو يعرفها

كانت تضج نشرات الأخبار بصورهم

وذرفت الدموع وأضيئت الشموع من أجلهم،

ثم ماذا؟

لا شيء !!

لقد طواهم النسيان.

فى هذا التمهيد نرى السؤال الذى ربما

بنت عليه الكاتبة روايتها وربما أرقها

ولكنها لم تصل إلى شيء

فقد أجابت بالفعل وقالت :

لاشيء ، لقد طواهم النسيان؟!

لأنه لا أحد يعود من الموت ليخبرنا

ماذا حدث هناك ؟ وهذه فلسفة أخرى لمضمون الرواية فهى تحاول ان تذهب إلى طرح الأسئلة حول هذا العالم مثلها مثل الكثير من الكتاب والفلاسفة الذين اهتموا بالميتافيزيقا والماوراء.

ونربط هذه المقدمة بآخر سطور الرواية التى تقول :

يبدو

أن الموتى يتمتعون بذاكرة قوية قادرة على استجلاب الماضي السحيق بقدرة تفوق قدرة الأحياء، ربما

لأنهم لم يعد هناك ما يشغلهم سوى الماضي، أما الأحياء فتمتلئ ذاكرتهم بالماضي وينشغل عقلهم

بالحاضر وتهفو نفوسهم إلى المستقبل، الموتى لا مستقبل لهم يطمحون إليه، وحاضرهم تحول ماضي لأهلهم

وأحبائهم، الموتى لا يملكون سوى ماضيهم، وهو كل ما يعيشونه في سجنهم الأبدي.

*****

والأن ماذا عن شكل الرواية وأحداثها ؟

الرواية تقع فى سبعين صفحة وهى كما قلنا رواية قصيرة مكثفة جدا غلب عليها الطابع والمشهد والسيناريو السينمائي ..ورغم ذلك

تقع فى واحد وعشرين فصلا أو مشهدا

بلغة السينما وقد وضعت عنوانا لكل فصل بأقوال وحكم مأثورة لكبار الأدباء

العالميين فقد بدأت بشكسبير:

الجحيم فارغا وكل الشياطين هنا.

 


"وليام شكسبير"وانتهت بماركيز:

إن الإنسان لا يموت حين يريد

بل يموت

حين يستطيع.

جابرييل جارسيا ماركيز

وما بين شكسبير وماركيز

تبدأ الأحداث بمشهد عودة منير ذلك الرجل القصير البدين العائد من مصحة للأمراض العقلية بعد أن قضى فيها عشرين عاما ، عاد إلى أرض الوطن

وتوجه إلى العمارة التى بها شقة أبيه وأمه فى الإسكندرية فيجد أثار الحريق وأثار الزمن وقد تمكنت من العمارة

يحاول ان يفتح باب شقته لا يستطيع فيظهر الرجل الثانى والشخصية الرئيسية الثانية فى النص وهو عم شاهين الرجل الثانى فى الرواية

وتبدأ الأحداث المرعبة والمثيرة

وسط الظلام وأثار الحريق ورؤية أشياء وأشباح تتحرك وتحرك أشياء من اماكنها ورؤية أشياء فى الحلم والكوابيس والواقع حتى يصطدم منير بكتاب أحمر ذلك الكتاب الذي من خلاله تروى الكاتبة قصص سكان العمارة الذين احترقوا فى الحريق الكبير الذي حل بالعمارة ومنير كان فى ذلك الوقت فى السادسة من عمره

ويحترق كل سكان العمارة بما فيهم أبيه وأمه وكان قد نجا من الحريق لأنه كان

خارج العمارة فقد أرسلته أمه إلى الفرن لتسوية كعك العيد لكنه يعود ويصطدم بالمشهد الرهيب

ليأخذه عمه معه إلى ألمانيا ويضعه بمصحة الامراض العقلية ؟

يقنع العم شاهين " منير "

أن هذا الكتاب الأحمر

كتبته الأرواح الهائمة لأنها سجينة فى عالم ما بين الدنيا والبرزخ ولم تستقر

وهي تنتظره ليحررها من سجنها

بأن يكشف اللغز ويأخذ بثأرها

حتى تستقر فى عالمها ..

يصدق منير شاهين ..ويبدأ فى قراءة مذكرات الكتاب الأحمر التى تحكي قصص كل سكان العمارة وماذا حدث لهم وكيف تلبست كل منهم الشياطين والجن حتى انتهوا إلى الإنتحار أو الحريق ..فهناك قصة الجارة "يسرية"

غريبة الأطوار التى أخبر شاهين عنها وخدع منير أنها أخته ولكنها كانت زوجته ..ثم تظهر الفتاة ريناد الجميلة لتكون الشخصية النسائية الوحيدة فى واقع الأحداث التى ليست فى الكتاب الأحمر الذى كتبته الأرواح وقد أكدت ريناد لمنير ذلك وأخبرته أنها تريد أن تتخلص من شاهين لأنه قتل ابيها وأمها ..

وقد نجت من الحريق مثله لأنها كانت عند جدتها ..

ويتوالى سرد الرواية مع قراءة منير للمذكرات فنرى على سبيل المثال الشيطان الذي يعشق الفتاة ويسجنها فى منزل يطل على البحر ويعشقها الصحفي الذي كان يسكن بالعمارة وعندما يكتشف ذلك تنتحر الفتاة لأن الشيطان قد اخذها لنفسه ويعود الصحفي ويحترق ايضا ثم نرى قصة الراقصة التى عشقها الجني ويظن زوجها أنها تخونه وتنتهي قصتها بالانتحار والحريق ..

وقصة تمارا التى يعشقها الجن حتى تنتهي بالانتحار من الفنار ..ثم قصة أنستازيا والشيخ المغربي الذى سكن فى البدروم

وحول حياة سكان العمارة لجحيم لاستخدامه السحر مع سكان العمارة

وتصل الأحداث للذروة حتى يظن منير أنه أحب ريناد التى تطلعه على سر شاهين وتقول له أنه يقتل كل من يأت للعمارة ليشتري أو يؤجر شقة بسم الكلاب الاستركلين القاتل ويضعه فى الشاي الذي يقدمه لهم ويدفن ضحاياه التى وصلت إلى أربعة عشر جثة مدفونة فى البدروم..

وما يؤكد ذلك النوتة الصغيرة التى كتبها شاهين بخط يده وأخذها منير دون أن يعلم شاهين عنها شيئا ..

لكن منير يكتشف حقيقة ريناد

وحقيقة شاهين وحقيقة كل الأحداث حوله وحقيقة الرجلين اللذان كانا يراقبانه ويظهرا مع شاهين ثم يظهر أيضا العم الذى القى بمنير فى المصحة العقلية بألمانيا ...

وتنتهى الرواية بمفاجآت كثيرة

تجعلني أتوقف عن سردها حتى يتشوق المتلقى والقارئ إليها ويكتشف بنفسه النهايات الغير متوقعة والتى تم رسمها بمهارة سيناريست أديبة لتكون المشهد النهائي وتضع كلمة " النهاية "

ونعرف هل كتبت الأرواح الكتاب الأحمر أم لا ؟

ونعرف أن الجميع مذنبون وأنهم

جميعا نزلاء وسجناء فى جهنم

وليس نزيلا أو سجينا واحدا.؟!

********

التحفظات :

مما سبق ورأينا تفكيكا للقصة ولمجموعة القصص بالرواية

يتضح لنا من عناصر الرواية رسم الكاتبة لشخصياتها بدقة شديدة ووصفها لهم من الخارج وتشريحها النفسي لهم وقد جاء السرد بلغة عربية بسيطة أجدها أقرب للعامية فلم تشعرنا الكاتبة أننا أمام لغة عربية فصيحة ولكننا أمام لغة مصرية عربية وقد ظهر ذلك ايضا فى الحوار الذى جاء بالعامية

اتسمت بالدقة فى اختيار الألفاظ.. ..وبالنسبة للمكان والزمان فلا أدرى لماذا اختارت أ/ شاهيناز تلك الفترة الزمنية التى كانت ما قبل وبعد الحرب العالمية الثانية فربما لم نجد ما يبرر ذلك فالحبكة والقصة تقبل الحدوث فى أي زمن وربما كان ذلك تحفظا شخصيا منى ليس أكثر قد يكون خطئا وقد يكون صوابا ؟

ولي تحفظ آخر ربما يكون سهوا

أو نسيانا أو ربما يكون قد تم تصحيحه فى النسخة الورقية .. عندما قال منير أن ريناد لم تترك له أي رقم لهواتفها ؟

المعنى الذى يقفز لعقل المتلقى ان اللفظ بلغة العصر حيث الهواتف النقالة وأيضا ريناد معدمة لا تملك ان يكون عندها هاتف حتى لو كانت الهواتف الأرضية قد دخلت فى تلك الحقبة الزمنية الى المناطق الفقيرة التى كانت بإسكندرية ومنها التى كانت تسكن بها ريناد..

التحفظ الأخير على العمل والذى قد يكون فى صالح النص عند البعض أو ضده عند البعض الآخر ..

هو المشهدية والسينمائية العالية التى قد تكون على حساب الشق أو الجانب الأدبي وفى صالح الشق السينمائي .. فإننا نرى كل مشهد عبارة عن مجموعة لقطات او قصص قصيرة فى كل فصل ومجموعة المشاهد كونت الحبكة وكونت العمل ورسمته ببراعة سيناريست تنفيذي يملك أدواته .. وكان من ابرز تلك التقنية رواية الأحداث واستخدام طريقة الراوي المتكلم وضمير المتكلم بلسان بطل النص منير او بلسان أبطال قصصه وكذلك طريقة الفلاش باك السينمائية

فى التنقل بين الماضى والعودة إلى الحاضر بين منير وشاهين أو بين منير وريناد وهكذا حتى تم وضع كلمة



النهاية.

******

وبالنسبة لعنواين أو عنونة كل فصل بحكمة أو قول مأثور ربما أيضا يتحفظ عليه البعض وأرى من وجهة نظري أنه كلما كانت تلك الأقوال لصاحب العمل والمؤلف كان أفضل كثيرا من أن استعير كلمات كتاب حتى لو كانوا عالميين بقامة ماركيز وباولو كويلو وشكسبير ؟!

وأري ان ذلك كان فى متناول الأستاذة شاهيناز جدا وكان قريبا منها عندما استخدمت نظرية الاحتمالات التى كانت تستخدمها عندما كان يقع منير فى حيرة من أمره ويكون مضطرا لاختيار حل سريع فيضع ثلاثة احتمالات ...

يختار أفضلها من حيث المنطق والعقل وقد كان ذلك من أبرز المواقف التى تقول أن ذلك الرجل الذى قضى عشرين عاما فى مصحة عقلية يفكر بالمنطق ويتصرف بحكمة ويختار بالعقل ؟!

وأخيرا أقول أن الرواية تستحق الغوص داخل أعماق أحداثها بتأني شديد حتى نفهم المضمون والحكمة وحتى لا نقع فى فخ أننا نقرأ رواية رعب..

لأن الرعب والمشاهد المرعبة كانت وسيلة لا غاية وليس أكثر.

*********

وليس أخرا ..

نستطيع أن نهنىء الأستاذة شاهيناز على هذا العمل الذى رغم تكثيفه واختزاله إلا أنه غني بالأحداث

والذي لم يأت ذلك عن فراغ

فهي كاتبة قصة قصيرة وكاتبة سيناريو

وقد وظفت ذلك بالفعل وأخرجت رواية

مذكرات نزيل جهنم.

مبروك أستاذة شاهيناز وكل التمنيات

الطيبة بدوام التوفيق والتألق والإبداع

والنجاح.

صابر الجنزوري

صباح الثلاثاء ١٣ / ٦ / ٢٣

****





نظمت مكتبة مصر العامة بسيوة ، تزامنا مع الاحتفالات باليوم العالمى للبيئة ، ندوة حول أهمية الحفاظ على البيئه وترشيد الاستهلاك خاصة في مجال المياه والطاقة ، والتوسع في المشروعات الخضراء وتقليل الملوثات ، وتدوير المخلفات . وصرح محمد عمران جيري مدير المكتبه بأنه تم تنظيم زيارة لزيارة مركز زوار المحمية و إلقاء الضوء عن محمية سيوة الطبيعية بكل مكوناتها من العصور الجيولوجية ، والنباتات الطبية والعطرية، والبيئات المختلفة، والطيور والحيوانات بالمحمية ، وجانب من تاريخ الواحة . كما تم تعرف رواد المكتبة على أهمية المحميات ودورها في الحفاظ على البيئة.

 







****









في إحدى القرى المجاورة كانت تعيش امرأة وابنتها ذات السبع سنوات وكانت هي الابنة الوحيدة لأمٍّ،وأبٍ لم تعد تراه منذ صغرها،بل يتراءى لها كلّ يوم في صحوها ونومها .لقد اختفى عن البيت منذ فترة طويلة وكانت متعلّقة بوالدها شديد التعلّق وقد شهدتْ حادثة اختفائه ومنذ تلك الحادثة أصبحت تشعرُ بأشياءٍ غريبةٍ في البيت وكأنّ صوتاً ما يُنادي عليها.لم تنسَ تلك الليلة المدلهمة الحالكة السواد عندما اقتحمَ الدارَ أُناسٌ بوجوهٍ فولاذية مُصفّحةٍ صبّوا نظراتهم على جسدها الخائف المرتعش،وقد التصقت بأمّها وعيناها مُسمّرتان على والدها الذي انهالتْ عليه الصفعات والركلات بأحذيتهم الثقيلة،فسالتْ دماؤه وعلا بكاء طفلته (وعد)،وسقطتْ الأُمُّ أرضاً بعد أنْ اقتادوه معصوبَ العينين إلى ساحةٍ مُقفرةٍ خارج الدار ،وعلّقوه على جزع شجرةٍ هرمة وانهالوا عليه ضرباً.

حشدتْ الطفلة قواها وجرتْ نحو الشجرة لم ترَ أباها ،ولم ترَ هؤلاء المجرمين لأنهم لاذوا بالفرار .وأصبحتْ منذ ذلك الوقت تبحث عن والدها بينَ البيوت المتهالكة والتي تحتضنْ بعضها كي لاتتهاوى وهي غارقةٌ في صمتٍ حزين لاختفاء والدها الرجل الطيّب،الحنون ذو السمعة العطرة…كانت الطفلة وعد كلّ يومٍ تخرجُ من البيت دون مرأى أمّها عسى أنْ تلتقي بوالدها وتعود برفقته إلى البيت لكن هيهات…وتوالتْ الأيام وهي على تلك الحالة وازداد شعو رها بأشياءٍ غريبة تُلاحقها في نومها ويقظتها فأصبحتْ تنظرُ للأشياء من حولها نظرةشديدة التحديق وعندما تنظرُ بالمرآة كانتْ تشعر كأنّ أحدهم يُشاورُ لها ليأخذَها إلى حيثُ مكان أبيها… وكأنّها تسمعُ صوتاً يُناديها:(تعالي يا وعد مازلتُ أنتظرُكِ يا صغيرتي)

والغريب أنّ تلك الصغيرة رغم فزعها الشديد من ذلك لم تخبر أُمّها.

كانوا يسكنون بقريةٍ بعيدةٍ عن المدينة كادتْ تكونُ مهجورةً لقلةِ الأشخاص الذين يسكنون بها.وكانتْ والدتُها تخرجُ من البيت لتأتيَ لها باللبن من أحد الماعز في مزرعتهم المجاورة،وتترك ابنتها جالسةً تُداعبُ لعبتها الدّمية التي كانت تُحدّثُها:(مازلتُ أنتظرُكِ يا صغيرتي)

ولكن كيفَ لدميةٍ أنْ تتحدث؟وبدأَ الوضعُ يزدادُ سوءاً وبدأ التوتر والخوف يظهر على وجهها الشّاحب،وجسدها الهزيل،حيثُ توقفتْ عن تناول طعامها.لاحظتْ والدتها هذا التغيير الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم فأسرعتْ بها إلى الطبيب النفسي في المدينة المجاورة وبدأ الطبيب يسألها:

مع مَنْ تعيشون ؟ وأينَ والدُكِ؟فعندما أوشكتْ أنْ تخبره عنْ اختفاء والدها سقطتْمن جيبها صورة والدها على الأرض نظرَ الطبيب إلى الصورة بدهشة،وحيرة لكنه لم ينفس ببنت شفة بل التقطها بسرعة ووضعها على مكتبه( ووعد)تنظر إليه بعصبية شديدة وعيناها تلاحقان مكان الصورة.

تابع الطبيب أسئلته بشكل طبيعي موجهاً كلامه للطفلة(وعد)كيف اختفى؟ومتى ؟

غيّر نبرة صوته موجهاً أسئلته للأم:وهل شهدتْ ابنتكِ حادثة اختفائه ؟أجابتْ الأم:نعم فقد كانت حادثة مُريعةجداً وأخذتْ الأم تقصّ للطبيب عن تلك الحادثة ،أجابها الطبيب ابنتكِ تُعاني من اضطرابات ٍ نفسيّة مابعد الصدمة فبداتْ تدخل في حالة من الاكتئاب ،وتهلوسُ بأشياء،فصورة والدها محفورة في أعماقها ،وروح والدها تُناديها:مازلتُ أنتظركِ.

وبينما هما يتجاذبان أطراف الحديث وبشكلٍ سريعٍ كالمح البصر التقطتْ(وعد)صورةَ والدها المركونة على مكتب الطبيب وأخذتْ تجري وتجري إلى أنْ وصلتْ إلى تلك الشجرة حيثُ والدها ينتظرها هناك.وجرتْ الأم وراء ابنتها كالصاعقةوما إنْ وصلت إليها وجدتها تجهشُ بالبكاء وهي تحتضنُ صورةَ والدها وتتمتم:انتظرتكَ طويلاً يا أبي ضمني بقوة إليكَ ولاتتركني أبداً

سمر الديك - سورية / فرنسا

****

 









ذات صباح خرج من بيته على غير هدى؛ كانت تتجاذبه مجموعة من الأفكار المختلفة ، هل يتجه نحو السوق أم يذهب الى الغابة أو البحر ؟ في النهاية قرر أن يتجه إلى السوق ، بدأ يتحرك بخطى متثاقلة وهو يمر بأزقة ضيقة تفوح فيها رائحة المجاري النتنة .. جدران المنازل حوله أرهقتها عوامل التعرية وتصدعت فاصبح النظر إليها يجلب الحزن للنفس ويعكر المزاج. رغم وجود كل هذه الصور الكئيبة حوله كان الناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي ، تلمح الرضا في وجوههم الطيبة التي لايظهر عليها أي أثر للانزعاج أو الإمتعاض ، إلا أنه لم يستطع استشعار مااوصلهم لتلك الدرجة من الرضا التي يراها في نظره زائفة وغير منطقية هكذا كان احساسه. فاق فجأة من صدمة الأفكار السالبة التي كانت تلازمه طوال الطريق فهاهي أصوات الباعة في السوق قد بدأت تطرق أذنيه .. إنه الآن على مشارف الوصول ، المحلات التجارية لاحت له من بعيد ، رائحة الطعام المنبعثة من المطاعم الشعبية داعبت ذائقته الشَرِهة وحركت الجوع في بطنه فتراءت امامه أطباق الكبدة ولحم رأس الخروف المشوي وأطباق السلطة والمقبلات ، أدخل يده في جيبه الذي لم يكن فيه غير بضع جنيهات لاتكفي لشراء كيس خبز واحد !! استجمع افكاره واسقط ما لايلزمه منها في تلك اللحظة. ساقته خطاه نحو البنك عله يجد من يتكرم عليه ببعض المال ليشتري ما تشتهيه نفسه. وقف أمام البنك تحدوه جملة من الآمال العراض. سال لعابه وهو يراقب الموظف الذي انهمك في حساب مجموعة من الأوراق المالية خيل إليه أنها من فئة المائة دولار ، لم يفكر في الدخول خشية أن يتعرض لمساءلة ما . ظل خارج البنك يسترق النظر خلسة عبر واجهته الزجاجية الملونة الانيقة ، بين الفينة والأخرى كانت نظراته تنفذ عبر الزجاج بشراهة لا متناهية فيمعن النظر جيدا ليتفحص أروقة ذاك الصرح العملاق الذي حشدت فيه ارقى تقليعات فن العمارة ، كان قد كتب في مذكرة الأماني بمخيلته أنه يريد أن يشتري فيلا جميلة على الكورنيش تحفها حديقة غناء وتحتوي على حوض سباحة كبير يمارس فيه هوايته المفضله ويتزوج فتاة أحلامه تلك التي رسم لها صورة افتراضية في خياله فهو يريدها ممشوقة القوام بيضاء وشعرها أسود ولاتعنيه بقية التفاصيل .. قتلت تلك الأحلام في المهد بعد أن طلب منه رجل الأمن مغادرة المكان في الحال؛ كان يقف مباشرة تحت لوحة تحذيرية كتب عليها ( يرجى عدم الوقوف في واجهة البنك ) .

 

****







 










 













 

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...