الخميس، 1 يونيو 2023

الخميس الموافق 12 من ذي القعدة 1444 هـ - 1 من يونيو 2023 م










للوهلة الأولى يمكن التوقع أن خصوصية المكان هي المانحة للنص سماته من التفرد، لكن سرعان ما يباغتك هذا الكم من الانثيالات اللغوية شديدة الدهشة والثراء، تلك التي تُحَمَّل عليها البنية السردية ل.. "تغريبة القافر" الرواية الرابعة للشاعر والروائي العُماني المولود في العام ١٩٧٤ "زهران القاسمي"، والتي جاءت عقب عدة دواوين شعرية ومجموعة قصصية واحدة.

عمد القاسمي إلى استخدام المفردات والتراكيب الموغلة في الخصوصية؛ فتدفقت بألفاظ ابنة بيئة الارتحال، حيث قحط الطبيعة ونوازع النفس الإنسانية، واقتيات الموروثات والتداوي بالوصفات والرُقى؛ مخافة الحسد والسحر والشقيقة "أم الصبيان"..

فيفتتح النص السردي قائلًا:

(ارتفع صوت الطارش في بلدة المسفاة وهو يطرق الأبواب ويصيح بالناس

" غريقة.. غريقة.. حد غرقان في طوي لخطم"..)

استخدم الروائي كلمة "الطارش" وهو اللفظ غير المُعجمي والخاص سماعيًا بأهل "نجد" وما حواليها من بلدان، وجمعه (طَرش) والمقصود به المسافر، كما دلل على لفظ البئر بقوله "طوي" ثم عاد ليفسرها عقب ذلك ببضعة سطور..

وتكررت مفردات اللهجة الخاصة في عدة مواضع؛ فحافظة القرآن تطلق "كاذية بنت غانم" عليها "البخشة"، كذلك استخدام حرف الشين في نهاية ضمير المخاطب (قلبش - قلبك، ولدش - ولدك) ليظل انثيال اللهجة بارز الوضوح، صريح الوجود في الجزء الأول من الرواية - تحديدا- وأثناء الحوارات القليلة بين شخوصها، وهي حيلة موفقة لجأ القاسمي إليها لاجتذاب القارىء إلى أرضه، فنجح في اقتناص الهدف الأول لصالحه؛ بلفت الأنظار وتحويلها عن تعمده العودة إلى استخدام أسلوب الرواي العليم، وهو راوٍ وفق "جان بويون" وغيره من النقاد، كلي الإدارك والمعرفة، يسمح بإيراد فكرة الحكي وفق سرده المباشر؛ والذي تناغم هنا وبساطة الفكرة الرئيسة، لنلمس في أسلوب السرد ما يشبه قص الحكواتي أو عازف الربابة، فيلجأ إلى التأويل، ويأخذ على عاتقه تمرير القناعة حتى مع غرابة الأحداث.

وتبدو الجمل الشارحة طويلة نسبيًا، تهتم بالبعد الإنساني وتدلل على قسمات الوجوه والصفات الجسدية بتشبيهات جمالية بسيطة من البيئة؛ فعنق "كاذية" يشبهه في بياضه كالقرطاس الذي لم يُمَس بخط.

بيد أن البساطة لا تتعارض بحال مع كون الروائي برع في نسج الخيوط حول المعادلة الكبرى، وهي غرق مريم في البئر وقيام عمتها كاذية بشق (بقر) بطنها واستخراج جنينها (سالم) ليتحول ابن الموت إلى ربيبٍ للماء؛ فتلتقط أذنه صوت خريرها في باطن الأرض؛ ويخافه الناس ويتناءون عنه، فيظل مشدودا إلى الماء، لتبدأ الأحداث في التصاعد حاملة المراوحة بين الوجود والعدم وغريزتي الفناء والبقاء، ويتضح مفترق الواقع الجديد لبطل العمل كقافر ينقب عن المياه ويمهد السبل لها، ويعيش حياة مختلفة عن أقرانه تنتهي نهاية مأساوية لا تقل بؤسا عن بدايتها:

( تداعت الصخرة أمامه وانفتح الخاتم على النفق الطويل فانطلق الماء بقوة وجرف معه كل شيء)

وسواء أكان البطل الغرائبي "جان باتيست غرونوي''، المولود في أحد الأسواق الباريسية بطل رواية "باتريك زُوسكيند" الأشهر "العطر "، والذي يجيد الاستنشاق الغريزي للروائح، أو "سالم" بطل التغريبة الذي عاش حياته وسط المياه وقاوم الموت، فيستطيع (أن يسمع دبيب النمل وهو يتسلق جذوع الشجر) وألزمه القدر طائره في عنقه، فعاش موتا مؤجلا؛ ليجرفه الماء مع كل شيء عند النهاية،

تظل مفارقة الوجود والعدم من الأفكار التي تحمل ثراءً شديدا وتحفز على التناول، وقد أجاد القاسمي في استخدامها منذ الوهلة الأولى وحتى نهاية الأحداث.. والتي لخصها على لسان كاذية (يخرج الحي من الميت).

كما يلاحظ الحس الشعري الرقيق في وصف الأحداث مع قسوتها وسوداويتها في مواضع عدة؛ لكنك تجد الروح الشعرية لدي القاسمي وقد تجلت وارتقت؛ فبدا العمل ناعمًا صافيًا رقراقًا، حتى مع وعورة الأحداث وجدب المكان، ويمكن التدليل بمثالين على الحس الشعري لديه:

- ففي مشهد غرق سالم وصراعه داخل الجب لأيام، يشرب الماء ويقتات على هوام الجدران من سحالي وعناكب، أمست الجُمل متلاحقة، قصيرة ولاهثة، ازداد استخدام حرف الهاء فيها بشكل واضح ( شهق شهقًا - الهواء - رئتيه - تأئهبا - حاصره- بطنه- جوعه- غمسها- هشًا- التهام...)

والهاء كما عرفها د. إبراهيم أنيس*: صوت رخو مهموس، عند النّطق به يظلّ المزمار منبسطا دون أن يتحرك الوتران الصّوتيان؛ ولكن اندفاع الهواء يحدث نوعا من الحفيف يسمع في أقصى الحلق أو داخل المزمار، وهنا دلل على الحال من معاناته الغرق، بتكرار أحد الحروف المناسبة سواء في الوعي القصدي أو اللاوعي الإبداعي لإنتاج النص.

- وبينما يعمد الروائي إلى الإيهام لإيصال الحدث، تجده استخدم مفارقة اللغة الشعرية لجمل تصلح في اصطفافها وصياغتها قصيدة نثرية:

(حفيف أوراق الشجر، مشي الفئران على حوافّ زور النخل، زحف أفعى في الجوار قبل أن تدخل جحرها، وهمهمات تأتي من خلف جدار...).

كما جاءت الأسماء منحوتة على أجساد الشخصيات، ف "حميد بوعيون" الذي بدأت الأحداث معه، الرجل الطاعن في السن ويدرك الحقائق ببصرٍ حاد أو بصيرة كاشفة، وإن كنا نتوقع مساحة أكبر لدوره تستمر على طول الخط السردي وهو ما لم يتحقق، كما نجد لفظ "الحمد" واشتقاقاته قد تكرر لأكثر من شخصية، مريم بنت حمد، والشيخ حامد بن علي، في دلالة على التسليم بحياة بسيطة أو ربما التشابه في الظروف، والاستسلام لغيبيات قد تعصف بحياة أصحابها كما حدث مع "صبيحة" التي استسلمت لهواجسها ونبذت ابنها سلام "الوعري" الذي اكتسب لقبه من حياته البرية التي عاشها،

أو الرجل حلو الحديث الذي يجيد صنعة الكلام؛ فاتخذ له أهل الحي اسم "الملاق"، والشيخ الكبير "عريق"...

وإجمالا يؤكد هذا العمل على أن تأصيل الهوية والسعي نحو تجذير الأصول مفتاح شفرة النجاح والتميز، والمساهمة في مد جسر التواصل العربي العربي عبر انفتاح النص على مناطق شديدة الخصوصية والثراء.

* چان بويون ناقد فرنسي من أهم من تناولوا الرؤية السردية ومن أهم أعماله الزمن والرواية عام ١٩٤٦.

*د. إبراهيم أنيس(١٩٠٦ - ١٩٧٧) من رواد الدراسات اللغوية العربية.

 *****












(كاتب جزائرى من ولاية الجلفة غاص بعمق في الأدب الثوري واثمر الغوص برواية رقصة السلو وأظهر وعيه بما يدور حوله كمواطن في كتاب الحراك،حلم بإصلاح ذات البين بين مثقفي ولايته عندما قبل منصب رئيس إتحاد الكتاب فرع ولاية الجلفة ،قال أن الإتحاد في وقت الحزب الواحد كان يحقق الهدف من وجوده وضاع في أيامنا هذه في إحتفاليات (الزردة )ولم يؤدي دوره الحقيقي في التعريف بالكاتب الجزائرى .

يعد المبدع عبد الباقي قربوعة من أصحاب الأقلام التي تتلون بألوان الأجناس الأدبية ونال تكريمات و نجده يرفض التكتل الثقافي ويحترم مقام الأديب، بدأ شاعرا فكتب في عدة مجلّات وجرائد وطنية وعربية، لكن تجربته في الشعر لم تدم طويلا لينتقل إلى عالم القصة القصيرة والرواية، اهتم أيضا بمجال النقد

-ماهي أسباب خصومة ضيفنا مع الإتحاد العام للكتاب الجزائريين ؟

-وكيف يفسر نبؤة الكاتب في كتابه الحراك ؟

وكيف حدثت القطيعة بين السينما والرواية الجزائرية؟

الإجابات نجدها في هذا الحوار

----

حاورته: تركية لوصيف

-------------------

المؤتمر العربي: نرحب بكم ضيفا على صفحتنا الثقافية ليومية المسار العربي على أهازيج رقصة، السلو ماذا تناولتم في هذا الإصدار؟

- عبد الباقي قربوعه:- أهلا وسهلا بكم وبجريدة المسار العربي، سعيد جدّا بالتفاتتكم الجميلة نحوي، وممنون كثيرا بترحيبكم الوهّاج.

- رواية السلو ضحكة تاريخية ساخرة حول فكرة الاحتلال الفرنسي للشعب الجزائري، فتصور الرواية المشهد كما لو أن الجيش الفرنسي من حكام وقيادات وجنرالات، هؤلاء كلهم جاؤوا ليخوضوا غمار خيانات أخلاقية مختلفة ضد بعضهم على أرض لا تصلح لمثل هذا الرقص، السلو رقصة هيجت الثوار في الجهة الأخرى وجعلتهم يرقصون بالبنادق والعصي، لأن هذه الرقصة الأجنبية أرادت أن تزيح الرقصة العربية المفعمة بالهمّة والشجاعة.

تعرض الرواية أيضا شطحات سياسية تميّز بها أولئك الذين تناولوا ملف الاستقلال في تسيير أحادي للبلاد، هذه الرقصة الخاطئة خلّفت بعد الاستقلال ثلاث فئات اجتماعية: فئة غنية بسبب عائدات ومنافع الْعَمالة الفرنسية، وفئة غنية بسبب عائدات البطولة الجهادية وأكثرها زائف، انزلاق أثّر سلبا وأساء إلى هذه المنظومة التاريخية الحساسة، لدرجة أن الشعب انصرف عن الخطابات التي تُمجّد الثورة وتشيد بها، خصوصا في نظر الشباب الذين وصلوا إلى مستويات متقدمة من العلم والثقافة. أما الفئة الأكثر مأساوية فهي فئة فقيرة لم تكن من أولئك ولا من هؤلاء، حيث بدأ هذا الصراع الطبقي الاجتماعي يتضخّم على ثلاث مناحي، التشبث بالحكم من جهة والعنف من الجهة الثانية.

تتضمن رقصة السلو شعبا يتخبّط في شبكة منظومات اجتماعية عشوائية فاسدة، فظل لوقت طويل يرقص بعيدا عن آلة الإنتاج الفكري والثقافي والسياسي والاقتصادي، أحيانا طواعية وأحيانا أخرى بسبب إرادة سياسية داخلية وخارجية. تتحدث الرواية عن الاحتلال البارد، والاختراق اللذيذ إلذى مارسه اليهود في الجزائر، وأقصد المستوطنين من عمّرت بهم فرنسا الأراضي الجزائرية على أنهم فرنسيون خوفا من أن يزاحموا الفرنسيين الأصليين في البلد الأم وهي فرنسا، تحت مقولة لا تزال سائدة حتى اليوم (فرنسا للفرنسيين)، وهذه المقولة هي التي استطاع أن يوظفها فيما بعد الرئيس ماكرون لمغازلة القوميين من الشعب الفرنسي، لتشير الرواية إلى أن الفكرة قديمة جدّا وأن فرنسا لا تزال تحرك زعانف شائكة ضد مستعمراتها القديمة. بالمختصر رقصة السلو وصايا لا يدري أحد كيف منحت فرنسا لنفسها حق ممارستها على إرادة الشعب الجزائري..

رقصة السلو تعرض واقع المجتمع الفرنسي الذي أراد الأرض الجزائرية أن تكون مكانا للنقاهة، يستغل فيها كل ثرواتها ما ظهر منها وما بطن عبثا بالأخلاق والذوق العام الذي اكتسبه الشعب من تعاليم الدين الإسلامي ومن حضارات سابقة، خصوصا نشاط الدعارة الذي غذّت به الدخل القومي الفرنسي، حيث اعتبرته مصدرا اقتصاديا هاما بتشييد بيوت الدعارة، لتجد الرواية نفسها مجبرة على الرحيل إلى مدينة من مدن الوسط حيث برزت هذه الثقافة بصورة فضيعة.

رقصة السلو جرس يرن بمخاطر جمّة تتهدد الشباب خصوصا بالضغوطات المزعومة التي تدفعهم إلى الهجرة الشرعية وغير الشرعية، لأن فرنسا أرصت دعائم هذه الرغبة ودوافعها منذ القديم، حيث أن رقصة السلو كانت مجرد تلهية لتتم أمور كثيرة في الجهة الأخرى كزرع ألغام بهذا الشكل تهدّدهم مستقبلا، قناعات غريبة تنحرف بالأمة إلى متاهة قد يصعب الرجوع عنها.

أحداث رقصة السلو تدور حواريا بين جنرالات ورجال أعمال وتجار عرب وغير عرب، بذخ وترف وعنف يدوس الفقراء ويملأ بهم سجون الحديد والنار، حيث تتضاعف المقاومة وتتفاقم رغبة النهوض والتحرر، فتنطلق شعلة الثورة من البيوت الفقيرة ومن الخيام المترامية في الجبال ومن داخل السجون المُغلقة.

رقصة السلو أحداث تناولتها بأسلوب ساخر، خصّصت فقرات طويلة منها التفاتا إلى جيل ولد في السبعينيات، ترعرع على وقع شعارات مفرغة من الواقعية، أدرك ذلك عندما تعلّم وحصل على شهادات عليا، وعندما نوى دخول الحياة العملية اصطدم بالمحسوبية والبيروقراطية والرشوة والـ(بن عمّيس)، وآخرون وجدوا آباءهم منغمسين في الخمر والرذيلة بسبب ما تركته فرنسا من مؤسسات لهو ومجون، الحالة التي أفرزت صحوة غير سوية تتوعد بالانتقام منهم وليس من فرنسا التي انتهجت هذا الأسلوب وأسّسته في الواقع، ثم تورّطت سيرا فيه أجيال كثيرة مما جعل فرنسا تغوص بجذورها في الأرض بشكل جعل جيش التحرير يصعب عليه اجتثاثها.

رقصة السلو اعتمدت فيها على متعة الحكي ابتعادا عن علمية التاريخ فأنا لست موظفا لدى أحد، لذلك نأيت بقلمي عن إرضاء جهات معينة، فكتبتها كفرد يتلقّى كغيره معلومات معتمدا على ثقافة شفوية بعيدة عن التنظير والمزايدة والكتابة مقابل أجر معيّن، لأن ذلك فيه ضغوط وأطروحات لا تخدم الحقيقة، فقد تعلو بأناس لا يستحقون العلياء وقد تنزل بآخرين هم أهلا لها وأجدر..

كل ذلك والرواية لا تزال تكتنز مما لم أذكر من تفاصيل.

المؤتمر العربي: الأدب الثوري هوية الأديب الجزائري في التظاهرات الثقافية العربية ومن بعدها توسعت دائرة الإدراك في إصدار الحراك هل هي نقلة نوعية في الأدب السياسي؟

- عبد الباقي قربوعه:أدب الثورة مرغمٌ الكاتب عليه وليس بطلا فيه، لأنه فعلا حالة ساخنة تستدعي الكتابة، وهو لصيق بتطورات سياسة الدولة، لأن الكاتب مصلح بدرجة تتقدم عن السياسي، والثورة التحريرية لا تزال محرومة من الكتابة فيها لأنه تستحق، ولأنه لا شيء يسير في رواقه السياسي السليم إلّا بالاستمرار في التصحيح الثوري والبحث في مجال تاريخ الثورة المجيدة، والحفر عن مرجعياته ومشاربها الفعّالة والطاقات التي تدعهما وتقويها، لأن الأجيال الآتية بحاجة مُلحة إلى إظهار هذه الأدوات التي تميّز بها الشهداء والمجاهدون، فالجزائر لا تزال في حرب ضروس ضد أعدائها على جميع الأصعدة، لذلك فالكتابة في هذا الشأن ليست موضة ولكنها واجب مقدس.

الثورة الجزائرية مثيرة إلى حد التفكير في توثيقها، خصوصا من كاتب وجد نفسه في كنف أسرة ثورية ليس في متناول حديثها سوى سيرة المعارك والشهداء والمجاهدين، وكذلك تفاصيل تجوب سلوك الخونة والعملاء، فكيف لا يستهويني الأدب الثوري وأنا بين أحضانه، إنها ظاهرة صحّية مقارنة بدوائر تخصص الكتابة في دول عربية مختلفة رغم أنها تعرضت لنفس البشاعة من الاحتلال، فنجد الكتابة عند الكثيرين هنا وهناك حبيسة المغامرات العاطفية.

لا شك أن التحولات السياسية تشد الكاتب المنتبه وتجرد من أواصره لتورطه في توثيق كل من المواقف العبثية والجادة على مسرح السياسة، فهو ليس رئيس حزب مثلا حتى يهتم بهندسة إستراتيجية يمكن أن يؤثر بها الناس، ولكنه يشعر حيال ذلك بمسئولية أكبر، لأنه يعلم أن التعلم من الماضي نظرية تعتمد عليها الدول العظمى، ويعلم أيضا أن الاستثمار في الأخطاء فكرة رائدة، بحيث نمنع المواقف من التكرار حتى لا يعيد علينا التاريخ نفسه بطريقة مملة، الكاتب يرصد كل ذلك ولكن النقاد يسمون ذلك كتابة ثورية، وهي ليست كذلك، إنما هي مشاعر تتوازى مع يحدث، الكاتب فيها أكثر حرصا على توثيقها والإشادة بالنافع منها، والتحذير من المغلوط والمنحرف فيها، لأن السياسي عادة ما يهمل ذلك بحجة غبن التسيير حينا، وحينا آخر تلعب الحاشية دورا سلبيا في حجب ما يحدث في الواقع، فيكتب الكاتب ليخبره بأنه لا شيء على ما يُرام.

نتحدث عن كاتب مهموم ومنشغل بالوطن بروح المجاهد الذي لا يتوقع عائدات عمّا يكتب، بالعكس قد تجعله هذه المهمة عرضة للسجن والمنفى وربما للإقامة الجبرية، أقل عقاب ذلك التهميش الكاسح المر الذي قد يدفعه إلى التخلي عن الكتابة تماما، مقارنة بكاتب يحوم بقلمه بحثا عن قوت يومه فيكون بذلك عرضة للمساومات والإغراءات والإملاءات التي تُثقل كاهل التاريخ بالزيف والتدليس.

هكذا أوردت رواية حراك، وهكذا حاولت إمتاع القارئ وكعادتي جعلت من السخرية بوابة للصعود بالمواقف الهزلية إلى مراتب الجدية، ونزلت أحيانا أخرى بالمواقف الجادة إلى مراتب الهزل كما تبتغي الروح المرحة للمواطن الجزائري. وانطلاقا من العنوان اتهمني بعض النقاد بالخوض في أدب المناسبة وكأنه عيب، مع أننا كنا نُعلّم أبناءنا في المدرسة أن السؤال حول مناسبة النص يأخذ علامة أكبر في الامتحان، وأجبت على ذلك في مقال مطول نشرته مجلة فكر التي تصدر بالرياض، ومن جملة ما قلت أن الكتابة التي لا ترافق الوطن شدائدَه ومحنَه، وتقف معه في مناسباته الأليمة والسعيدة هي كتابة لاهية عن قضايا الأمة.

أدب الثورة هي بالفعل نقلة نوعية في مسار الإبداع الإنساني إلى جانب الفن التشكيلية والفنون الغنائية والمسرح. حتى أولئك الذين لا يجيدون شيئا سوى الكتابة على الجدران كوسيلة للتعبير والتغيير، إنها تركيبة تتشكل اجتماعيا فجأة فلا يجب على الكتابة أن تكون معزولة أو متأخرة عنها، بهذا النمط رافقت رواية حراك الحراك وشاركت فيه إبداعيا، وليس ذلك من باب التقليد والجري وراءه كمشاهد، ولكنها كوثيقة قديمة فقد كانت نائمة في الأرشيف ثم توفّرت أسبابها ومعطياتها، بمعنى أن الرواية لم تكن بحاجة من وراء الأحداث كمشاهد، بل على أساس أنها مكتوبة من مقبل، فلم تكن بحاجة إلّا إلى المصطلح الذي استعملته الثورة وهو "حراك" الذي توسّمت به فيما بعد عنوانا.

* المؤتمر العربي: - نبوءة الأديب في مواضيع مصيرية هل تجسدت في إصدار الحراك؟

عبد الباقي قربوعة :ليس ذلك من باب التنبؤ ولكن لأنني أحسب نفسي من المهمومين بهذه الإنتفاضة بناء على كثير من التراكمات مثلي مثل باقي الأحرار الذين يريدون الرفعة والرقي للجزائر. أكيد ما ورد ليس علم غيب، بل لأن الروائي أكثر انتباها لِما حدث في الماضي ولِما يحدث في الحاضر، لذلك فهو يحوز في لاوعيه من المواقف ما أهمله الآخرون، هذا البنك من المواقف يساعده على توقع الآتي من الأحداث، لأن القراءة علمته أن الحياة مجموعة المتكررات، على غرار تشابه المشاكل السياسية والاجتماعية التي تعيد نفسها بسبب استمرار وجود فاعليها، الشعب طيب يمكن نسيانها بمرور الزمن لكن الروائي يحتفظ بها، ليس لأنه ليس طيبا ولكن لأنه يحتاج إليها توظيفا لذلك يظن الناس أن ذلك تنبؤ بما آت، فالروائي لا يسمح بتكرار المواقف التافهة إلّا من باب التسلية أو التماس الموعظة، ولا يسمح بمرور الحلول الفاشلة أو التي زادت الأمور تعقيدا في عقبة تاريخية ما.. فرواية حراك كانت تحتفظ بمجموعة من الكبسولات القابلة للتفجر في أي لحظة، وهو يعلم توقيت انفجارها بناء على الأخطاء وعلى الزمن الذي مرّ على وجوها ألغاما في حقل السياسة، ويعلم أيضا ما يتحكم فيها من عوامل طبيعية استنادا على الوقت الذي أخذته للتضخم أكثر. الروائي ليس مجرد مستهلكا للحياة بل هو منتبه فيها لدرجة أنه يستمتع بالمستهلكين ونمط استهلاكهم لها. ويضحك على ما تخلفه أنفسُهم من فضلات.، وقد يجدهم بعيدين عن لبها بما يجعل الحياة عذراء لم يمسسها أحد بعد، وهكذا أحسب الجزائر منذ أن اجتحها المحتل حتى الحراك الذي يُعد محاولة من الشعب للتزاوج مع الجزائر زواجا شرعيا مكتمل الأركان والشروط

* المؤتمر العربي:- تصنيف الأديب في الجزائر :ناشئ ,محترف ,هاوي , مشهور الخ

- من هؤلاء حسب رؤيتكم كناقد؟

* عبد الباقي قربوعه:وحتى أشعر بأني متقمّص لقب الأديب حتى أتحدث عن الشهرة، أردت القول بأني لا أعد نفسي أديبا وقوفا عند حجم المصطلح، وحياء من كُتاب كبار لا أزال أتلعثم بالكلام أمامهم، وتوقيرا لآخرين قضوا نحبهم في الكتابة، أنا كاتب ناشئ ولا يمنعني من قول ذلك تقدم العمر، لأن القيمة الإبداعية لا تثبتها شهادة الميلاد، وإنما يثبتها الحضور على مستويات عربية وعالمية، عملا بذلك فأنا فعلا كاتب ناشي أو هاوي كما تشائين، أما بخصوص الشهرة فأحيانا تطغى شهرة الكاتب على شهرة نصه وأحيانا العكس، وقلّما يتوفر التلازم بسبب وضع الإعلام العربي بناء على كثير من الخلفيات السياسية والدينية والعرقية، وهناك من صنع شهرته بكثير من التدخلات خارج النص، وهناك من شدّ بناصية نصه حتى صار مشهورا بفضل ما كتبه، وهناك كُتاب يعرفون من أين تؤكل كتف الجائزة فهو مشهورون وأغنياء بذلك، وهناك من تحق لهم الشهرة ولكنهم في هامش الحياة يتآكلون بفعل النسيان، تصفع وجوههم حيطان السجون والإقامات الجبرية، لأنهم كُتاب رأي وليسوا كُتاب جوائز أو كُتاب تمجيد الأنظمة، وهناك مشاهير بفعل آلة إعلامية معادية مغرضة تشجعهم على إيقاظ الفتنة في أوطانهم. والكاتب عموما إنسان مليء بالنزوات والانفعالات المنفصلة عن كونه كاتب.

الكاتب الذي يعتقد أنه يحمل رسالة فإن الشهرة بالنسبة إليه هي آخر ما يهتم به، بل غالبا ما تشكل له عارضا عندما يريد أن يعيش كبقية الناس، يخالط البسطاء والمساكين، ويطوف الأماكن البائسة التي لا يزورها المشاهير عادة، لأن هذه الأماكن قد تطيح بشموخهم حسب ما يعتقدون بخلاف الكاتب الغير مهتم بالشهرة، فهو يعتبرها غذاء لقلمه وطاقة لإبداعه حيث يتموطن الصدق والعفوية والمعانان والقهر والحرمان، وكذلك السعادة الحقيقية الراضية بالقليل التي لا رأس مال لديها سوى راحة البال، فالشهرة تتعارض مع هذا الوضع لذلك لا يحبها الكاتب الجاد، لأنها تجعل هؤلاء البسطاء يتكلّفون ويتحنّطون أمامه، وكثيرا ما يتحولون في خطة سريعة إلى وضع آخر ظنّا أنه سيضحك عليهم، حالة تُسعد المشاهير الذي خطّطوا لشهرتهم بشتى الوسائل والحيل، بينما تجعل الكاتب الطيب حزينا لأنه يشعر أمامها بالعزلة، وربما ببساطته وتواضعه يدفع اللّئام منهم إلى الضحك عليه.. ورغم ذلك فالكاتب الناجح هو الذي يقاوم دائما، لأن غرضه نصٌّ أكثر إبداعا وتأثيرا وما دون ذلك فهو زائل.

أظن أن الكتابة الآن أكثر ازدحاما مقارنة بما مضى، وما أظنه أيضا أنها كانت قديما أكثر وقارا سواء التي كانت خادمة للحزب الواحد أو المتنصلة منه مدعية ثقافة معارضة مختلفة، أو ربما ثائرة تطالب بما هو حاصل اليوم من تدفق جزافي للحريات.

الكُتاب منهم الكاتب المبتدئ المتواضع الذي يمنح أعماله وقتا طبيعيا للنضج، ومنهم المتهور الذي استعجل صفة الأديب الكبير، ومنهم المحترف الحسود الذي يبخل على الناشئين الإرشاد والنصح، ومنهم المشهور المتواضع الذي يتغذى المحرومون من تواجده بينهم، وفيهم المشهور المتكبر الممنوع من اللمس. هكذا هم الكتاب شأنهم شأن الفنانين والسياسيين. أما أنا فلا يمكنني تصنيف نفسي إلّا بأنني مُبتلى بالكتابة لا أدري كيف حدث ذلك ومتى، أكيد هي ورطة القراءة وورطة حضور الحياة حضورا تأمليا، وكذلك الإصرار على إضافة شيء يمكن أن يكون سببا في إسعاد الآخرين، وإلى الآن لا أدري هل أنا موفق في ذلك أم لا.

المؤتمرالعربي:- تجهرون بخصومتكم اتجاه الإتحاد العام للكُتاب الجزائريين في كل مرة.. ماذا حدث؟

عبد الباقي قربوعه:- المثقف يجهر بخصومته مع كل ما يمس القضايا الحسّاسة في الوطن خصوصا ما يعنيه من شؤون الكتابة والثقافة، أو يسيء إليها سواء بعلاقة مشبوهة مع من يعاديها أو بأداء سيء لا يعكس مستوى الكتابة في الجزائر أو في الوطن العربي، أو بتواجد رديء لا يتوافق مع طموحات الكُتاب في العالم، والكاتب كغيره لا بُد أن تكون له مبادرة في مشاركة المتغيّرات في الحياة، ويحرص أن تكون له بصمته الخاصة في تشكيل المستجدات، هذا الحس الذي يفرض على الكاتب اليوم أن يطرح سؤالا مهمّا: أين هو الاتحاد (الواعد) من الكُتّاب الذي تواجدوا عبر حقب تاريخية متفاوتة، ومن الكُتاب الذين يشكلون اليوم طابورا من الأجيال؟ حتى أولئك الذين توفّاهم الأجل في زوايا مظلمة لا يملك اتحاد الكُتاب القدرة على إضاءة ما تركوه من أثر، أظن أن هذا هو السؤال الأكثر إلحاحا، الرئيس الحالي كما لو أنه توعّد الكُتاب بالتشتّت والانشطار وليس بالاتحاد، وكما الدنيا قيل بأنها ستقوم على أراذل القوم كذلك الحال حدثت بالفعل لما يُسمى اتحاد الكتاب الجزائريين.

بهذا المعنى فإن اتحاد الكتاب لا يعدو كونه معركة تزاحم مادي على عائدات الانخراط، وتنافس حول تخطّف ما تمنحه الدولة في إطار دعم نشاطات الجمعيات المدنية لا أكثر، خصوصا الأسفار السياحية والأسابيع الثقافية المدفوعة الأجر بما في ذلك الإقامة والأكل والشرب والبذخ بأنواع على نفقة الدولة، أمام الكتابة فلا شؤون أخرى بعيدا عن هذه الكرنفالية الرّادمة للإبداع الحقيقي الخانقة للنص الجميل، وأشهد أن اتحاد الكتاب كان في زمن الحزب الواحد أكثر قيمة وأكثر حضورا من حيث الهالة المؤسّساتية، وتوازيه مع المستجدات السياسية والظروف التي يمر بها الوطن العربي. كثيرٌ من الكتاب شرفوا الجزائر بحصولهم على جوائز عربية وعالمية لا يعرفون أصلا اتحاد الكتاب هذا ولا يمتّون له بصلة، وليسوا - أصلا - منخرطين فيه، ووالله لو أنه نزح إليهم وتعرف عليهم لأفسد طبائعهم كما أفسد طباع من سبقهم من الكُتاب.

يوم انتخبني كُتاب ولاية الجلفة على رأس المكتب كان طموحي كبيرا، فجعلت من بين أوليات نشاط المكتب إصلاح ذات البين، رأيت أنه لا يمكن تقديم نشاطا احترافيا إلّا بعلاقات جيّدة بين الكُتاب، لكن (الرئيس) تماطل في تنصيبي لسبب لا أعرفه، لقد تعرضت لبيروقراطية كبيرة مارسها علي شخص يسعى حاليا لتكريس أبدية وجوده رئيسا على اتحاد الكتاب الجزائريين، مع الأسف مستغلا تفشي الرداءة وقد استثمر فيها كما تنبغي الحال بالضبط، لأن الكتاب الرديئين نصا وموقفا يخافون من رئيس جاد يمكن أن يلفظهم، ويبحث عن كتاب يوازون جديته في النهوض بالكُتاب إلى مستوى أفضل، لذلك التفّت حوله الرداء من كل صوب وآزرته بالتصويت وبالتزكية المكتوبة، ومع الأسف طغى حضورهم على الكُتاب المُميّزين الذين تشغلهم مشاريعهم الإبداعية أكثر من الانشغال بالزحف والتسلق نحو الانخراط، ومن ثمة مشاركة الرئيس الأبدي عير هذه المنظمة التي نزلت - مع الأسف - إلى مستوى جمعية مدنية مثلها مثل جمعية التكفل بنفايات الشوارع.

ولأن الرئيس الأبدي التمس اندفاعي الفلسفي في التعامل مع اتحاد الكتاب، عدَل بطريق غير قانونية عن جودي رئيسا لفرع ولاية الجلفة، وفي مناسبة من المناسبة عرفت لأول مرة بأدق ما يعنيه الفهم معنى المثل المصري القائل: (يا فرحة ما تمّت خذها الغراب وطار)، بدليل لوحة العشاء الأخير التي قرأت شفراتها على المباشر في عش ذلك الغراب مع شهود عيان، لكن شهود العيان أنفسهم أثبتوا أنه لم يطر ب

عيدا، فقد حوم ثم حطّ على ركام من القمامة كان يظنه نادر قمحٍ تلّي.

· المؤتمر العربي:- التكتلات في المجال

الثقافي فكرة مرفوضة بالنسبة للمثقف عبد

الباقي قربوعة.. نريد تصحيحا للرؤية الثقافية؟

عبد الباقي قربوعه:أظن أن المثقف الجديد ليس بحاجة إلى الاعتماد على ما يسمى تكتل حتى يشعر بكيان وجوده، سيان كان وجودا ثقافيا أو اقتصاديا أو غير ذلك، كما كان عليه سلوك الإنسان البدائي، أو سلوك الحزب الواحد في حقبة سابقة، فالآن لا منطق سوى للإنجازات على مستوى كل فرد على حدّة، أو مجموعة من الأفراد المرتبطين بمصير واحد، فالتكتل المرتكز على نمط سياسي معين، أو المنبثق من عواطف العرش أو القبيلة، أو الذي يستند على قناعات أخلاقية متشابهة، مثل هذه التكتلات يتآكل فيها مجهود الفرد الموهوب الذي يتمتع بقدرات متقدمة، لذلك يجب التنصل من هذه النمطية سريعا، والثقافة أولى بهذا التنصل وهذه البراءة والحيادية، لأن التكتل بتلك الجاهلية يطمسها ويجعلها تنظر بعين القبيلة أو الأيديولوجية أو العرش أو الشلّة، حينئذ تضيق رؤية الثقافة ويقتصر أثرها على مَن قزّموا دورها وجعلوها لا تنظر إلّا إليهم، فيُوَلّدون في أنفس الآخرين الرغبة في الثورة والتغيير، وبهذا نجعل الحياة دءوبة على تكرار نفسها، ولن تذوق الإنسانية بسبب ذلك طعم الراحة إلى أن تقوم الساعة.

هناك مجالات كثير غير الثقافة لا ينبغي لها أن تتكتل، لما لها من أدوار حساسة وأساسية في إثراء الحياة، فالمثقف - مثلا - مطالب برأي حيادي منبثق من دراسة واجتهاد شخصي حول ما يحدث في العالم، طالما أن مهمته جلل بهذه الصفة فإن التكتل قد يجعل منه أداة للقمع، أو لتكريس ما لا يجب أن يُكرّس من عادات وتقاليد، وقد يتخذ منه التكتل سوطا للظلم والبطش، أو مرتكزا للعبث بممتلكات الأمة ومقوماتها الحضارية، ولعل التكتلات الآن هي التي تدفع بالعالم إلى الانحراف، فالحقيقة لا تتطلب تكتلا على قدر ما تريد من الجميع وعيا بمصير الإنسان كقيمة مقدسة في الأرض، فتمنع عنه الظلم والاستغلال والعبودية. من هذا المنظور آن أن نحرّر الثقافة ونعتقها من التكتلات الحزبية والعشائرية ونتركها تحلق في الفضاء.

* المؤتمر العربي:- ليس كل رواية قابلة لتحويلها لسيناريو ومع هذا حدثت القطيعة بينها وبين السينما وبين زخم كُتاب الرواية في الجزائر!!

- عبد الباقي قربوعه:مع الأسف أن القائمين على صناعة السينما الجزائرية يكتفون بمطبوعات تُكتب لهم تحت الطلب، وأغلبها يُحرّرها أناس شبه موظفين في المقاهي طمعا في عير الحقوق، لذلك يبدو الإنتاج السينمائي في الجزائر ضعيفا وغير مواكب فنّيا لما يُنتج في العالم على سبيل المنافسة، على غرار احتفالية السينما المصرية بروايات كثيرة لعمالقة فن السرد، فإلى متى ستظل السينما الجزائرية تكتفي بمطبوعات غير رسمية، بينما تظل الروايات الموثقة بشكل رسمي تتراوح مكانها في المكتبات العمومية، مع أنها كلّفت الدولة مبالغ ضخمة لدعمها

* المؤتمرالعربي:- في ختام حوارنا ،لكم الكلمة الحرة

عبد الباقي قربوعة:ولأنه (لا يشكر الخالق من لا يشكر الخلق) أشكر جريدة المؤتمر العربي على إتاحتي هذه الفرصة كمتنفس للتعبير على كثير مما يشغلني. وأتمنى أن أكون قد أجبت على الأسئلة بما تصبو إليه تطلّعات الجريدة. ووافر الشكر لتركية التي أجرأت بجرأة هذا الحوار متمنيا لها نجاحا وتألقا أكثر.

*****




 

الآن - أكاد أراى نفسي جنيناً في غياهب رحم أمي بين الأكوان التي لايعلمها إلا الخالق سبحانه، خرجت من هناك لأشهق أول زفرة من أنفاس الحياة وأول صرخة في حضن أمي، تخطفني خطفا متناسيةًآلام المخاض، نعم أنا أداعب أناملها برقّه، كنت أول فرحتها، ماذا أرى... عويلٌ من أمي وصرخات تتصاعد إلى عنان السماء فيدلَهِّم سقف الحجره، ويزرف أبي زخات من الدموع من شدة الأسى الذي يعتصر قلبه فيتحشرج صوته قائلاً:(لا تأخذه... أتوكوه لي سأعتني به) كأني بصرت تلك الأيدي وأنا لا أزال غير قادر على الأبصار مُذ خرجت من الملكوت الإلهي، هذا أنا أصبحت في خضّانة بالبيمارستان الذي ولدت به.

صرّح الطبيب المعالج لوالداي كما يترائى لي أني أعاني قصورا في جدار القلب وضخ الدم بالشريان الابهر؛ الأمر الذي استدعى خطورة نقلي السريع حيث أجد انعاشا لابقائي على قيد الحياة.

يا إلهي.. لماذا جئت هاهنا في هذا العالم لابد أن والداي يشعران بانفطار القلب، استمرّ احتجازي هناك ما يناهز الشهر حتى تعود الأمور لطبيعتها وألِج في خضم الحياة بما تنتظره لي من آلام وآمال.

أرى نفسي الآن أحبو على الأرض جاثيا وأثوى متكئا على الاريكة بجوار أمي التي تركت عملها لتتفرغ لرعايتي؛ أجئت لهذي الدنيا لأكون عبئا عليهما، هل سيقدَرُ لي العيْش أعمارا مديده؟ كلها تراها وتساؤلات بدأت أستشفها لما بلغت العاشرة من العمر، أحسست من والداي اكتفائهما واحتفائهما بي طفلا يغنيهم عن أطفال العالم فهم يولونني العناية اللازمه.

كنتُ متفوقا في دراستي، نعم-أتذكر تلك القدره على الاستذكار وحب الآخرين، ولكني أكتشفت قدرة عجيبه (أنا لا أنام)

أكاد أُجن فيديْدم الحياة البشريه هو السعي بالنهار والسبات في أسحار الليل، حيث يكون الجسد كالموتى ولكن وظائفه الحيوية تعمل في تناغم رباني كالجسد الواحد الذي يحكم مايسترو يكمن بين أحشاء الضلوع يسمى القلب.

فإذا صحّ القلب صحت بقيّة أعضاء الجسم وانتعشت وارتوت بالدماء في تنسيق مع المخّ الذي يشكل مركز الجهاز العصبي ليتناغم مع الحركي وهكذا الأمور.

أما في حال وجود خلل بتلك المضغة التي أعاني من خطبٍ بها فلابد أن يحدث خللٌ ما في الديمومه النظامية الدوريه، لكني كنت على العكس تماماً.

أتمتّع بالحوية والنشاط الدائمين بوتيرة واحده على مدار اليوم، فلم أكن أشعر بالنوم.

أذكر الآن أن والداي شعرا بضرورة استشارة الطبيب في الحال لعلاج الأمر الذي قد يبدو بالغا في الخطوره، فأين راحة الجسد؟!

أذكر أني خضعت لعقاقير منومه sedation pills

كما يطلقون عليها. كرهتها حقا فقد كانت تقهرني حتى أنام ولكني يوجد شيء ما أكاد أشعر به يلهب نبضات القلب المتسارعه كعدوِ الخيْل، هي تلك التي أشعر بها الآن.

سأخبركم بعد بُرهة أين أنا؟

أذكر سن المراهقه وأنا لا أزال أنشد بعض الاهازيج التي أحبها وادندنها فيتراقص قلبي وأشعر بنغمها في صدري تلك الأغنيه التي كان مطلعها(متقولشي قلبي جراله ايه... قول هنحيا من غيرُه ليه... ) كأني الآن أغنيها، وبالطبع كنت أشعر بالسكينه بالأذكار والتلاوات الدينيه، هاقد أراني في كلية الآداب ومعي ثلة الرفاق، ولكنها هي... نعم هي، من أصابت قلبي الخارق في مقتل.

زميلتي بالقسم الذي أدرس به، كان همسها وكلمها وعطرها وشغفها وثورتها ووطأتها وعنفوانها ولينها، كلها - أحببتها كأنها قد أخضعتني لجلسات تنويم مغناطيسي ثم تتحكم في أوتار قلبي فتزيد تواتره ثم تخفضه كما يعمل العصبين؛ السمبثاوي والحائر.

أراني معها في السنة النهائيه للتخرج في الجامعه، أراني أقف أمامها أرمقها برشاقة النظرات وأرى حمرة الخجل على وجهها. ماذا عليّ ان افعل :هل أصارحها وأبوح لها بحبي؛ ماذا أنا بفاعل... أشعر بأن قلبي يكاد ينفلت من صدري؛ بالأحرى على حد التعبير - سينفجر.

لم أستطع قول كلمة (أُحبك.) هذا أنا في حالة الضعف والهذيان أتصبب عرقاً، لم أكد أقول لها تلك الكلمه حتى سقطت هاوياً على الأرض مغشيا علىّ، لقد فقدت الوعي الآن، أرى الرفاق تتزاحم ويقومون بعمل الإنعاش القلبي ويعقبه التنفسي PCRكما يطلقون

وكان أبواي يدركون كيفية الأمر، والَرفاق أراهم جيدين في العملية بالمثل.

1.2.3 آخذين في العد مشبكين الأصابع وتكاد الضلوع التي

تحوي القلب تتكسّر من الضغط لعملية الإنعاش، و زميلتي الحبيبة تبكي في ذهول واغرورقت عيناها بالدموع.

أنا بين الموت والحياة فاقد القوى نائمٌ بلا عوده! كأني عدت للحظة المجهول في رحم أمي ولا أدري أي أرض تسعُني.

حتى جاء الإسعاف وحملوني حيث أخبركم الآن قصتي منذ البدايات، مستلقياً على سرير الإنعاش القلبي انا الان في حالة مزريه بين الأهل والأصحاب ينظرون إليّ، أمّا هي فقد أصابها الجنون كأنها تدرك بأنني قاب قوسين او أدنى من الموت.

كأني أراهم بقلبي الغير عادي جميعهم، وهائنذا وصلت للحظة الفارق... هيا استفق... كأني أناجي نفسي.

ثم فتحت عيناي وسط ذهول وخشية الجميع من حولي، قائلا في ابتسامة عريضة :(لا يزال قلبي ينبض)


*****



لم أنكر يوما انني ابن منطقة تيسة ،والانتساب لها في عديد المواقف مفخرة واعتزاز لي ، لكن شريط حياتي يبدو وكانه نيكاتيف غير طبيعي ، فهو مليء باللقطات والاحداث التي لا استطيع تصويبها بالمونطاج او قص هاته الواقعة او تلك ، حياتي كانت صخبا ان لم نقل فوضى شبه منظمة ، لا استقرار ولا رتابة مند الصغر سواء في المكان او الزمان ،والان صار الاستقرار والروتين يقتلني وانا ابن الخمسين ، ولا أجد راحتي النفسية إلا في الحركة والتنقل ، وكل ما هو تابث وجامد يقتلني ، هدا الوضع او الاحساس الشاد نتيجة مسار حياة لا تشبه حياة الاخرين ،مليئة بالاحداث والحركية غير العادية ، بعيدة عن الثبات حتى انني اينما حللت أحس ان هدا المكان لا يحتويني ، وان مكانا آخر هو مكاني ، أي نمط هدا ؟ لا اجد فيه راحتى الا وانا خارج قيود المكان وما يفرضه من التزامات سواء عملية او شخصية ، لقد تبلورت شخصيتي التي تنزع رغما عني للتحرر المكاني بشكل متحرك ومتقلب غير ثابت ولا قار ، وقد جاء نتيجة مسار غير عادي فان تكون ابن السبع ربيعا تغادر اسرتك وبلدتك ولا تعود اليها الا خلال العطل البينية والصيفية المدرسية ، ولما اشتد عودك نسبيا تستغل هاته العطل في التجارة بالاسواق في الاقليم والأحواز، وبعدها في مرحلة الثانوي تنتقل الى مدينة أبعد لمتابعة الدراسة في شعبة التربية البدنية ،ولم تكن الجامعة في سنواتها الاربع رغم هالتها قادرة على ان تجلسك أرضا ،بل سيتسع الطموح التجاري ويجعل منك موزعا تجاريا بالجملة بعدد من مدن المملكة وتقيم في مدينة بالاطلس المتوسط ولم يعد يربطك بالجامعة سوى امتحانات اخر السنة ، وفور حصولك على الاجازة تنجح في امتحان بالوظيفة العمومية وتترك سلعتك وسيارتك وتتحول الى مدينة أبعد ، وبعدها خمس سنوات بافران ومثيلتها بفاس ثم بعدها تطوان فالقصر الكبير فبرشيد ثم مكناس ، محطات واحداث عرمرم ، جعلت داكرتي( carte mère ) مليئة وبكثافة غريبة بملفات ثقيلة ، كل هاته التحركات قتلت الاستقرار في نفسي ،قتلت في انانية الانتماء ، قتلت في الانضباط لحيز المكان ، وجعلت مني دلك الطائر الدي يكره القفص ، يكره الوصايه ،يكره الانبطاح ، يكره الاملاء ، يكره السيطرة ،لكن يحب الحياة ،يحب (الدرويش اي الغلابة ) ،يحب الحق ، كثير الصدام مع المخالف خاصة لما يكون دافعه النفاق والظلم والجهل والتسلط . ان دلك الطائر العاشق للحرية   مهما طار في الاجواء لم ينس يوما انه انطلق من دلك الدوار (قريةصغيرة) الدي لم تكن به المدرسة ولا الطريق المعبدة توصلك اليه ظروف قاهرة جعلته يهجر عشه كرها لكنه لا زال يعود الى عشه حيث رضع هويته التي لم تنجح اي هوية في تبديلها . المقال يلخص تأثير تنقلات بدافع التمدرس بعيدا عن الاسرة مند سبع سنين وكيف ادي الى هوس بالرقبة في التنقل الدائم وكراتين الاستقرار .

*****

 









 

 

 
























 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...