****
مذ وعيت على نفسي، لا أكاد أتذكر حدثا عشته دون أن أتعرض للسخرية من منظري، في البيت والشارع والمدرسة، قالت أمي إن مجيئي بينهم كان عقابا إلهيا لتقاعسهم عن استدرار بركات شريف البلدة، وتظنه استجمع كل دعواته واسقط عليها غضبه، وتردف مقسمة بأغلظ الأيمان إنه رماها بسهم ناري، أحست باختراقه بطنها ذات ليلة قمرية. فمن عادات حوامل بلدتنا التزلف للشريف بالمنن والعطايا، ليرزقهن الذرية السليمة الصالحة، حين وحمت بي، لم تفعل لضيق ذات يدها، ووعدت أن تنفحه بتيس أسود حين تتحسن أمورنا. ولما حان وقت مخاضها، كان والدي بعيدا، ولم تف بوعدها، فولدتني مشوها بدون أذن. وحتى بعد رحيلنا عن البلدة وساكنيها، تبعتنا دعوات الشريف، ونبوءته اللعينة، مات أبي أولا بسقوطه المفاجئ من أعلى ورشة بناء، لم تقو أمي على فراقه والتحقت به. تكفل بي رب عمل أبي، للتكفير عن ذنبه ربما أو شفقة علي. وبعد أن صرت ابنا له، خفت حدة التنمر، ولم يعد أحد يتساءل عن سر اعتماري للطاقية السوداء صيفا وشتاء. بعد وفاته أصبحت ما أنا عليه الآن، ذا جاه وثراء وأطيان وعمارات. عشت عيشة رغيدة، لكن مشكلة أذني بقيت حسكة سمك في حلقي، مللت زرع أعضاء ليست لي، ترفضني، تستغلني فتجعل مني خادما مطيعا لرغباتها وشهواتها وحمقها وهذيانها. قال الأطباء إن أذنا من السليكون تفي بالغرض، وأنها بالمثالية والجمال، بحيث يصعب التفريق بينها وبين الحقيقية. لكنني رفضت الأمر، أريدها بشرية. لذلك مافتئت أوزع الأموال لتفادي طابور الانتظار، وكلما توصل بنك الأعضاء بواحدة جديدة، إلا وكانت من نصيبي. لكن يبدو أن نبوءة الشريف لا يمكن ردها، فبعد كل عملية يحدث تغيّر كلي بشخصيتي، يقول طبيبي إنها توهمات بعد العملية. المرة الأولى ومباشرة بعد نجاح عملية الزرع، بدأت أسمع أصواتاً صاخبة ودوي انفجارات تقض مضجعي، أسمع آهات وتوسلات جنود بالمعركة، أصبحت كثير الانفعال، أرغي وأزبد وأنفذ تعليمات كادت تودي بي لما لا تحمد عقباه. سئمت سماع الرصاص والخوف المنتشر في حياتي، استبدلتها بأخرى وبأخريات، تقلبت بين شخصيات عديدة؛ حب سلطة وكسل وتواكل وغرابة أطوار، الأخيرة كانت شخصية كريمة رومانسية... أم أولادي بعدما لاحظت التغيير، وكيف أصبحت وسيما أجيد الكلام وأبذر المال هنا وهناك، اتهمتني بأنني أخونها، ووصفتي بزير النساء، وأني إن لم أزح هذه الأذن ستتركني وتعود لبيتهم وتحرمني من أولادي، أعرف أنها لم تقبل الارتباط بي إلا هربا من العوز وطمعا في الثراء. لكن عندما أصبحت شاعرا أستلهم قصائدي من المعلقات القديمة، وأقول فيها شعرا تعلقت بي، فلماذا تلح علي الآن بنزع هذه الأذن ؟ استأت من تصرفاتها، فهذه الأذن بالذات أعجبتني وراقت للجميع، ولا سبيل للخروج من هذه المعضلة إلا بكسر النبوءة. الكل يعشق شخصيتي الجديدة الكريمة التي توزع الهدايا والإكراميات، وتمدح البعيد والقريب، حتى أنني أصبحت شاعرا مرموقا على مواقع التواصل الاجتماعي. ولست مستعدا للتخلي عن كل هذه الشهرة. قررت يومها السفر إلى البلدة، وإغداق العطايا والمنن على ضريح الشريف ومُريديه فلولا لعنته ما أصبحت شخصية العام . وصلت إليها مساء يوم مطير، تغيرت ملامح قرية طفولتي ولم أعد أعرفها، سألت أحد المارة عن مكان الضريح: - لو سمحت سيدي منذ مدة لم أزر البلدة، هلا دللتني على ضريح الشريف "سيدي بوذينة"؟ وتقبل مني هذه النقود. - شكرا، شكرا، يا كريم! لكن يبدو أنك أطلت غيابك عن البلدة، فلم يعد بقريتنا ضريح، سويت الأرض التي كان يتواجد بها وعبدت الطريق ! ولأنني كريم ورومانسي، اشتريت كل الأراضي المجاورة لمكانه وبنيت عليها متحفا للآلات الموسيقية والآذان الصناعية.
****
رجل غريب حل بالقرية ذات مساء ، وكانت ترافقه إمرأة ، قيل أنه هارب بزوجته بعد أن تزوجا رغما عن أهلها ، وقيل أن ثأرا كان يطارده ، ولأن الرجل كان يبدو طيبا ، فلم تجد القرية غضاضة من الترحيب بهما ، ولم يكترث أحد بماضيهما .
لم يكن للرجل عمل محدد ، فقد كان يتكسب رزقه من تنظيف أحواش المنازل ، أو من قص صوف الغنم ، أو السمسرة في الأسواق . ولا أدرى متى ولا كيف مات ، فقد حدث ذلك قبل مولدى بسنوات ، كما لا أدرى لماذا سميت هي بأم حسان ، فقد مات زوجها ولم تنجب ، فهل كانت تكنى باسم أبيها ؟ أم كان حسان هذا إسما ادخره الزوج لأول الأبناء ولكن خذله الموت؟ لا أدرى ، ولم يخطر ببالي أن أسأل .
رأيتها أكثر من مرة وأنا دون السابعة، أي في تلك السنوات التى كنت أتبع فيها أمي أينما ذهبت ، وكان ذلك في أعراس النسوة ، ولا زلت أذكر تفاصيل ملامحها كأنني رأيتها بالأمس : قد ممشوق ، وجه مستدير يطالع الدنيا بعيون الظباء ، خصلات الشعر الناعمة تنسدل فوق الجبين الناصع ، والجدائل السوداء تنساب فوق الظهر لتتوسد الارداف .
كانت تضفى على العرس مرحا برقصها وأغانيها الجميلة ، التى لم تعهد قريتنا مثلها، وكانت النسوة يحطن بها في شبه دائرة ، يصفقن ويستثرنها لمزيد من الرقص والغناء . ولم يكن ترددها على الإعراس ترويحا عن النفس ، بل كان بابا وجدته مفتوحا فولجته بعد أن طرقت كل الأبواب ، وعرضت أن تعمل فى تنظيف البيوت ، أو غسل الثياب ، أو أن ترث زوجها في قص صوف الأغنام ، ولكن نقمة جمالها كانت لها بالمرصاد ، فحالت بينها وبين كل هذا ، ولم تعترف بها النسوة إلا راقصة في الأعراس .
كان العرس عندها يعنى العشاء الشهي ، والنقود التي تدسها فى يدها أم العروس ، والهدية التى تتفاوت بين قطعة القماش أو زجاجة العطر ، ولم تكن تمانع فى سبيل هذا أن ترضى أصحاب العرس ، بأن تلبي طلبات النسوة بالرقص مرات ومرات ، وأن تطلق تلك الإيحاءات التى يتضاحكن لها ، ثم يتهامسن : أنظروا ما تصنع أم حسان!
وتزعم النسوة أن أم حسان كانت إمرأة غريبة الأطوار ، وأن الدمع كان يطفر من عينيها أحيانا دونما سبب ظاهر ، ورغم ذلك فلم تبذل النسوة جهدا لمعرفة السبب ، إذ أن صلتهن بها كانت تنفصم تماما بعد العرس ، لا يزورها أحد ، ولا تزور أحدا ، وكأن النسوة كن يخشين على أزواجهن من الفتنة ، فليس أدعى لفتنة الرجال من أرملة جميلة وحيدة .
ويبدو أن أم حسان أدركت بغريزتها هواجس النساء ، ففرضت على نفسها عزلة إختيارية ، لا تبرح بيتها إلا إذا دعيت لعرس ، وإن اضطرت للخروج فهى تتستر بما تتستر به النسوة ، ليصبح التمييز بينهن ضربا من المحال ، الثوب الأسود الفضفاض ، غطاء الرأس ، ونقاب الوجه الذي يحجبه عن الفضوليين .
وعندما توقفت عن إحياء الإعراس ، لم يكن قرارها اختياريا ، بل اضطرت لذلك ، بعد أن أصيبت بمرض عضال ، حال بينها وبين الرقص ، ثم أودى بها فيما بعد . ولا أدرى كيف عاشت أيامها الأخيرة ، وبما استعانت على الحياة ، ففي بادئ الأمر هرع الخيرون لمساعدتها ، ولكن عطفهم عليها أخذ يتضاءل ويتضاءل حتى تلاشى تماما ، ولم يعد يذكرها أحد .
ولكن رجلا واحدا لم ينقطع عطاؤه ، وهو الحاج بركات ، الذي دأب على إيفاد إبنته إليها وهي تحمل الطعام ، وكان يردد في كل مناسبة أنه لم ينس أن أم حسان أحيت ذات يوم عرسا لكبرى بناته.
ماتت أم حسان ، ولم تترك ما يذكر الناس بها سوى أغانيها الجميلة ، أما بيتها فلم تمض على وفاتها بضعة أيام حتى كانت المعاول تطيح به ، وقيل أنها باعته قبل أن تموت ، وأن بيتا جديدا سيقام على أنقاضه ، وكان المشترى هو الحاج بركات ، الذي يؤكد الجيران أنه اشترى البيت بثمن بخس .
****
جدِّي أسطورةٌ من زمنٍ مضى، لكنّه يرتسم في الوجدان، يموج في الخيالِ، في عصرٍ يندر فيه الفرسان، بشاربه الأبيض وجبهته اللَّامعة وعينيه الزَّرقاوين، وشعره الأشيب المغطَّى بعقالٍ وكوفيةٍ بيضاء، وشبح ابتسامةٍ لا يفارقُ شفتيه وهمسات مداعبةٍ لجيشٍ من الأحفاد. جدِّي طيف يجوب في الآفاق، تارةً محارب يدافع عن ترابِ قريته الصَّامدة أمام جحافل الغزاة، يصون شرف النِّساء في مواجهة الذِّئاب الهمجيّة الشّاردة في بداياتِ قرن الحروب الَّذي مضى حيث لا حقّ سوى للسيف والنَّار، وتارةً نراه فلَّاحاً مجدَّاً يكدُّ في حقله، يربت فوق غصن الكرمة كأنّها ابنته الّتي لم ينجبها أبدأ أو يرنو بنظرةِ حبٍّ إلى شجرةِ التِّين الوارفة عربون شكرٍ وامتنان. فما زالت في الذَّاكرة والأذهان صورة الأحفاد وهم يستقبلون الجدّ والجدّة القادمين من تلك البلدة في زيارة للابن والأحفاد، محمَّلين بسلال قصبٍ ضخمةٍ مملوءةٍ بعناقيدِ العنبِ الشَّهيّة، وثمار التّين الطَّازجة بلونيها الأخضر والأسود ومغطّاة بأوراق العريشة الخضراء. يتنهد الاثنان من تعبِ المشوارِ وسفر ساعتين من الزَّمن، ثمّ يحتضنان كومةً من الأحفادِ في عناقٍ حميم ومداعبات حنونةٍ تذهب عنهما تعب وعناء السّفر٠ وعندما يرخي الظَّلام سدوله، تطيب أمسيات السَّهر في عصور ما قبل التّلفاز، فجدُّنا العزيز ملك الأقاصيص وسيّد الحكاية وخير رواتها وأفضل من يتقن حبكتها، ولهذا يسارع الجميع لإتمام مشاغلهم على عجلٍ، في محاولةٍ لكسب المكان الأقرب إلى الجدِّ مشكِّلين حلقةً واسعةً من حوله، مؤلِّفة من مجموع أفراد الأسرة وبعض الضّيوف من أقارب وأصدقاء كباراً وصغاراً.
يلتفُّون حوله وأمامهم أكواب الشَّاي السَّاخن، يرتشفون بضع رشفاتٍ منه ثمَّ ينصتون صامتين، وفي منتصفِ الحلقة يتربّع الجدّ العزيز حنّا، يتنحنح عدّة مراتٍ يبتلع ريقه يداعب رفيقة دربه والّتي يندر أن تفارق يديه، سبّحة الكهرمان البرتقاليّة اللَّون والمحبَّبة إليه وهي تصدر طقطقات رتيبة حين يتوالى تدفُّق حبَّاتها بين أصابع يده المرتعشة، يتمعَّن في الوجوه الصَّامتة الَّتي تمعن النَّظر في عينيه في انتظارٍ ولهفةٍ.
يشرد لبضع لحظات، متأمِّلاً وهو يستجمع تفاصيل الحكاية، وحالما يتحقَّق له ذلك يبتسم بعذوبةٍ ويبادرُ بسردِ خيوط القصَّة بأسلوبِهِ المشوَّق الأخَّاذ مفتتحاً إيَّاها بعباراته المعتادة قبل أن يدخل إلى عنوان الحكاية المختارة لتلك الأمسية الجميلة، تتعلَّق العيون به وهو يجمع أطرافها ببراعة وينسجها بساطاً مديداً جميلاً منقوشاً ومزيّناً بأحلى التَّعابير، تتلون حكاياته عن ملوكٍ عظام وأمراء أغنياء وفرسان ميامين، عن ابنة السّلطان، والشجاع الفقير، عن بطولات الرِّجال وحسن النِّساء... عن قيم الإنسان وصراع البشر الَّذي لا يعرف النِّهايات، وهو يروي وأذهان الجميع تتخيَّل الشّخوص وتزور الأمكنة وتتوه مع أحداث الحكاية لتجعلها أجساداً من لحمٍ ومن دمٍ، وهكذا رويداً رويداً تصل الحكاية إلى أحداث الختام وبأسلوب محترف ينهي حكايته بحكمةٍ بليغةٍ أو بدرسٍ مفيدٍ يلحقه بالتَّعابير المعروفة لإسدال ستارة الانتهاء قائلاً: وجئنا من هناك ولم يعطونا شيئاً. يقصد أن ما حصل في الحكاية قد ترتَّبت نتائجه على شخوصها فحسب، أما نحن فليس لنا سوى الحكمة والعبرة٠ وعندما يتنبه الجميع إلى عبارات الختام تتحرَّك العيون باتجاهاتٍ مختلفةٍ بعدما كانت مثبَّتة على وجه الجدِّ الصَّبوح وهو يقصُّ حكايته، ثمَّ ينظر البعض إلى البعض الآخر لاستكشاف الأثر الَّذي خلَّفته تلك الحكاية في نفوس الآخرين، فيما ترتفع بعض الاحتجاجات إذا ما كانت الحكاية قصيرةً نسبيَّاً، لم تشفِ غليلهم من متعة الإصغاء وتعلو أصوات مطالبة بحكايةٍ جديدةٍ، والأمر يتوقَّف على مدى تمكُّن سلطان النّعاس من عيون جدِّنا الحبيب٠
وتطيب زيارة بيت الجدِّ والجدّة في بلدته الوادعة في عرينه ديريك الّتي شهدت معظم سنوات عمره، وآنذاك تشرق الفرحة في أعماقه ويفيض نبع الحنان في عينيه. ويحلو لنا اللَّهو في جنبات بيت جدِّي البسيط، تارةً نتقافز كالقرود فوق تلك الأريكة الخشبية العتيقة وهي تصدر أنّات احتجاجٍ تحت وطأة أقدامنا الماكرة وتارةً نتسلَّق أعمدة السَّرير النّحاسي المرتفع، وإذا ما أنهكنا اللّعب نهبط فوق حصيرة القصب لنلاعب قطّة البيت الأليفة فتستكين المسكينة لأناملنا وهي تداعب فروتها فتغمض عينيها تارةً وتارةً تفتحهما فينساب عبرهما ضوء مصباح الزَّيت المعلّق قرب الباب فتشعُّ عيون القطة ببريقٍ يخطفُ الأنظار٠
وتمرُّ السُّنون وتحلّ ليلة شتاءٍ كئيبةٍ، يرحل فيها جدِّي فتتيتَّم الحكايا وتغيب عذوبة البسمة في الأعماق، ويبقى بعده سيفٌ عتيق ٌوعقالٌ وكوفيةٌ ومسبحة كهرمان برتقاليّة لامعة أسيرة صندوق خشبي عتيق تفتقد أنامل جدِّي ولمسات أصابعه الدَّافئة. جدِّي شجرة سنديان وارفة من عبقِ الأرضِ الخصبة، من حقول الكرمة، من وجع الأرض العطشى وسحر الماضي المرتسم في الوجدان. ذاكرة حيّة، جدِّي سيف وفأس وظلال حبٍّ تملأ الكون وتشغل الدُّنيا. جدِّي صوت الصَّدى المعجون بتراب الأرض الَّذي لا يفنى. جدِّي أنشودة فخرٍ لا يعنيها زمن الموت، ولا تعرف للنهايات هويّة٠
"كان جدي" إحدى قصص المجموعة القصصية
( عبق الماضي )
****
خلاصة الخبر في هذه القصّة القصيرة رجل أحبّ إمرأة ، وبدت كأنّها أحبّته . رتّلا أيّامًا معدودات حافلة بالغبطة. مملوءة بحبّ الحياة والوعد ببناء عشّ دافئ جامع . إلا أنّ تلك المرأة قد اختفت فجأة في صمت رھیب، غریب. بحث عنها طويلا دون جدوى، حتی إذا يئس و ما نسي التزم الصمت يمضغ مرارة الخيبة ، واكتفى بشغله ينقله من مدينة إلى أخرى. حتّى حطّ الرّحال ، في آخر أيام التّرحال، في مدينة الكاتب ...
هذا هو الخبر الذي أدّبه عبد الكريم جماعي. لقد بدأ عملية التأديب منذ العنوان الذي استوقفني، فساءلته، فحدّثني عن سيرة رجل بخالص قليل من خالص كثير (شذرات) أو هكذا وعد ، وأخبرني أن هذا الرجل لا يعرفكم فعلمت أنه لا يعرفنا لأنه مرتاب، مغترب. وبدا لي أنّه لا يريد أن يعرفنا، فكأنّه يحمّلنا مسؤولية ما حدث.
أمّا حبيبته فكفاها التّصدير الذي أخذه الكاتب عن الشاعر رحيم جماعي أنّها "لم تكن إمرأة ، بل كانت زلّة قلب" : جملتان بحساب النّحو.
وجملة شعرية بحساب التّجويد، وجملة قصصية باحتساب ثنائية الإبتداء و الإنتهاء. وإنّه لتصدير عجيب، قرأتُه الأقصوصةَ مكرو فيزيائيا . فمن النّفي إلى الإثبات، ومن وَهْم الوجود إلى حقيقة العدم تكامل معنى تلك المرأة أنها اللامعنى.
أمّا الكاتب فأمره لا يقلّ عجبا، فاحذروه، لقد خلع جبّة الرّاوي التّقليديّ قبل أن يلبسها ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين أجّج نار الفتنة بين عبد الكريم جماعي والكاتب. وأمّا الصّراع فحول أيّهما يكون الفاعل في هذا النص.
إنه الصّراع داخل الذّات، بين أنا الإتّباع وأنا الإبتداع حول صناعة الخطاب . أ أكتب مثلما كتب النّاس من أهل الذِّكر ؟ أم ابتكر بعض الأسلوب . حتى أكون من بعض أهل الذكر الحقّ ؟ المُهم أن يكون صوتي مسموعا يستوقف القارئ ، فأنا صاحب الإنشاء لا أحبّ أن أكون مجرّد مُنشّط يوزّع الأدوار على الفواعل دون أن يكون فاعلاً.
يعلو صوت الكاتب عبد الكريم جماعي في القسم الأوّل من النّصّ . ولكنّه لا يحتفل بالنّصر لأنّه يعلم أن الإنتصار في معركة لا يكسب حربا مفتوحة سِجالاً، وما ذلك إلاّ صوت العقل يواجه معضلة القلب الذي ستبدو منه شراسة كبيرة ، وقد يشعر ذلك العقل انّه يتقدم على الطريق المسدود...
إنّها مسيرة فيها عناء شديد يحملها نصّ وجيز، وقد أقامها الكاتب على نظام مقطعيّ اختار المراوحة بين السّرد والحوار (سرد فحوار، فسرد، فحوار ) وسترون أن السّرد مخصوص، وكذلك الحوار، وأنّ الوصف يتخلّلهما قسمةََ تكاد أن تكون عادلة.
يبدأ المقطع الأوّل باستفهام إنكاريّ" هل يستطيع الكائن البشري أن يعيش وحيدا ؟ " فالكاتب يعلم الجواب، والأمر محسوم منذ ابن طُفيْل، وابن خَلدون من بعده ، ومن بعده لوسيان مالصون ، وغير هؤلاء كثير ... ولكن المسألة تعود إلى ضرب من المفارقه واللاّمعقول وتتأكّد بسلسلة من الأحوال (وحيدا ... منطويا ... حاملا ... راضيا ... مستغنيا ... هاربا...) و تتأكّد بجواب الكاتب: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكنّ صاحبنا... "
كانت المفارقة قد ابتدأت من إمرأة ليست إمرأة إذِ المرأة تختفي وتلوح، تُبدي وتصدّ ، تصمت و تحاور و تناور .. أمّا تلك فزلّة قلب ... إنّهُ تساؤل العقل الحائر يستوي أمامه اللامعقول واقعا، جلادا، يخبره عن فشله وهزيمته في استقطاب القلب وترويضه وعقلنته، فإذا هو يسترسل في السّرد كالملهوف كأنّه يدعونا إلى مشاطرته أنْ ثمّ من يعيش بالخبز وحده ، ويشحذنا أن نصدّق ما لا يُصدَّق .. بل كأنّه يشحذ ذاته ، وهو العقل، أن يصدّق ما لا يصدّق العقلُ.
فإذا أعياه عقيم الحِجاج استنجد بصاحبه البطل التراجيديّ الذي لم يذكر له إسما كأنّما أراد أن يخرجه من دائرة الإنسان. أو لعلّه يستدرجنا إلى تمثّل ذلك الصراع الذي أشرنا إليه منذ قليل أنّ القضية إنّما تُدرَك بتلك العلاقة بين القلب والعقل، وأن المأساة في قرار الإنسان، يحملها وهنا على وهن، على ما يظهر من الإعتداد والغرور، فَلَكَمْ سمعناه يتعشّق عقله، ويُعقلن وجدانه.
يبدأ الإستنجاد ببداية المقطع الثاني : "هل مازلت ترغب في رؤيتها بعد كلّ هذه السّنين؟»
عندما نتأمل هذا السؤال ندرك رغبة العقل في الإجابة بالنّفي ( بعد كل هذه السنين) ، وكادت الرّغبة أن تتحقّق لولا تلك الآهة الطويلة التي ذهبت بما تبقّى من الأمل. أمّا ما جاء بعدها من نفي، وردّ الرغبة إلى الجواب عن "لماذا" فإضافة إلى القلب وسلب للعقل، وغير ذلك من الإسترسال في الهديان، وذكر الأيقونة والأميرة... و إحالة ذلك كله إلى الماضي إنّما هو تأكيد لسلطان الذكرى وأوجاع الحاضر.
وأمّا المقطع الثالث ، فقد جاء سردا على لسان الراوي، وإن شئتم الكاتب، وحتّی ، إذا شئتم ، عبد الكريم جماعي . وقد جاء بعد عجز صاحبنا عن الإستمرار في الحكي إذ كان في أسوإ حال، "كان مطرقا ، مهموما ، يتنفّس بصعوبة ..." وكان "يغلي كالبركان، غاب في زحام النّاس، ولم يرجع إلا بعد أيام". بحساب زمن القصّ، وإن شئتم زمن الأحداث، إذْ لا فرق في هذا السّياق . فقد تجانسا بفعل فاعل أنّ الكاتب أعطى لصاحبنا مهملة عسى أن يراجع فيه تهافت القلب يستحيل مبيد الكيان والعقل في آن.
ولكن ملامح اليأس، أو ما يشبه اليأس بدت على السؤال يروم آخر الحلول أنْ يعود صاحبنا إلى أهله فعسى أن يجد فيهم ما قد ينسى به ، أو على الأقل يستعيد بعض الإنسان . "لِمَ لا تعود إلى ديارك وأهلك في العاصمة ، وترتاح من حياة الوحدة هذه ؟ .
و يأتي الجواب مخيّبا أملَ العقل:" ليس لي أهل ألجأ إليهم...." ويبطل التّرحال من الحبيبة إلى العائلة كبطلان رحلة العدول عن الحبيبة، ويفشل الكاتبُ العقلُ في استقطاب صاحبه القلبِ رغم رفعة الأسلوب و وعيه، والقدرة على الإنصات. مقطعان من أربعة قائمان على الحوار ( الثاني والرابع) يكتفي الكاتب في كلّ مقطع بسؤال، ثم ينصت دون مقاطعة . إنّه ذلك المحقّق المختصّ البارع، أو هو ذلك الطّبيب المتخصّص في علم النفس التّحليليّ يأتي طريقة التّداعي الحرّ عسى أن يعترف المريض بكلِّ شيء دون رقيب...
لقد تمّ الإعتراف، ولكن صاحبنا لم يُشف، ويبدو أنّ مرضه قد مضى عليه حين من الدّهرِ طويل، فاستفحل و استعصى، ويبدو أنّ الكاتب على تشاؤم كبير، فهذا القلب الشّرقيّ مازال ذا سلطان مُبيد ... مازالت الأهواء والميول والحبّ والكره والإنفعال والإفتعال والحرب في غير موقعها ... مازال ذلك كلّه وغيره ممّا إليه يقوم جلادا للمعنى ، للعقل، لمفهوم الإنسان في هذا الشّرق اللاّمعقول...
سعيد الساري
****
سمعت يوما عن العشق الممنوع وظللت أسأل نفسى ما هو ؟فأنا رجل بيتى لا أعرف سوى زوجتى الجميلة واولادى حياتى ..وأعيش أيامى كرجل عادى ولكن أشعر أنه ينقصنى شيئ لا أعرف ما هو ولكنى أشعر به..وعشت فى دوامة أيامى الثقال اتناسى ما أحس به إلى أن رأيت عينيها اللامعتان يخترقان قلبى بسهم من نار أشعل جدران شراينى بما لا أعرف ..نظرت إليها وكأنى لم أرى نساء قبل الآن ..هذه الجميلة التى لا يعرف الجمال وجهها ولا جسدها ..فهى لا تقف حتى على باب جمال زوجتى ولا تمتلك شيئ من إغراء ..ولكنها رائعة الروح ..وكأنها وردة بنفسجية اللون وسط صخور بيضاء ..هذه النقية النظرات ..عذبة الكلمات ..طيبة النفس..هى من طرقت أوصال قلبى بهواها . وهى من سكنت فؤادى بعشقها..هى من تضحك الدنيا كلها فى عيناى عندما تضحك هى من ملكت الروح بنظرة فى مجرد لحظات وهى من جذبتنى الى حنان لم اعرف وصفه ..وهى لم تفعل شيئ غير انها نظرت الى ثم طأطأت رأسها خجلا وحياء منى..لم أستطع فى تلك اللحظات ان أفعل شيئ سوى الذهاب إلى مكان دافئ فكيانى يرتجف ولا أدرى ما هذا الذى أنا فيه ..من تلك المرأة التى تقاسم نساء العالم أجمع فى أنوثتها الطاغية ..واكرر لا جمال يباهى أى جمال ولا جسد يقارن بأى جسد ..فهى الفقيرة ظاهريا ولكنها فى قمة الاناقة.. والرقى ..خلابة جذابة ..حتى اننى رأيت من يأكلها بعينيه وهى تسير ..هذا وان كتبت كلمات تملأ أوراق المحبين فلن أوفيها حقها..وسألت نفسى حينها ماذا ستفعل أيها الضال الذى وجد ضالته بعد انقضاء عمر تائه بين دروب الحياة .. تعقل أيها الكبير الذى ظهر الشيب فى رأسه ..تعقل أيها العارف لكتاب الله ..! وكان الرد ..هيا من ينقصنى .هى ضالتى هى من ستشعل أركان حياتى بالمشاعر الفياضة والأحاسيس الملتهبة ..هى من جاءت فى وقت اعيش فيه برود الايام وصقيع الليالى ..وبحثت عنها كثيرا وراقبتها كثبرا إلى أن تحادثنا فوجدتها إمرأة ضائعة ضاعت فى برود زوج لم يشعر بقيمتها وجدتها محطمة المشاعر تعيش الألم وتعيش الهم ..كلمتها يوما بعد يوم وانا أشعر كأن حبل ملفوف على رقبتها ..سألتها لما هذا الشعور فقالت انا من تبحث عنها وانت من جدد دماء حياتى ولكن يملأنى الخوف .حاولت أن اقترب منها كثيرا وبكل الطرق .. إلى ان نجحت فكان نقطة ضعفها هى اهتمامى بها .وتقاربنا لا أعرف كيف ولكننا تقاربنا فيومى لا يمر بسلام من غير أن أحادثها ..وأوقاتى تظل فارغة ان لم أسمع صوتها ..وتقابلنا وتعاهدنا ولكنها لم تكن راضية ..لم أكن أعرف أنها تخاف الدنيا وخالقها ولم يعد فى وسعى حيلة حتى أجعلها تظل معى فقد قالت لى انت عشقى المحرم ..أنت ذنبى وخطيئتى ..فأنا لست بأنا عندما أفكر فيك..وانت لست لى ..فصرخت بصوت عال أحبك أحبك أحبك ..أتمناك ولو يوم ثم أموت ..ولكنها قالت لى. انت عشقى الممنوع ...لست لك لست للراحة ..لست للهناء ..سأذهب ولكن سيبقى قلبك فى فؤادى يؤنس وحشته ..سأذهب وسأبكى على حالى مهما حييت ..وذهبت وتركتنى وحيدا فلم تتحمل الخيانة وظلت تبكى على ما أسمته وهما وأنا بكيت على ما أسميته عشقا. ورفعت يديا إلى خالقى..يااااارب إنى أحبها فلا تحرمنى منها ..ولكن لم يكن لقلبى نصيبا من القبول ..ورويدا رويدا تاهت حبيبتى ..وشيئا فشيئا ضاعت من كانت لى شبعا بعد جوع وغنا بعد فقر وإكتمالا بعد نقصان ..كيف يمر يومى بعد أن كان يملأه الشوق والحنين واللهفة وبسمة القبول وضحكة اللمسات ؟كيف أعيش حياتى وقد رحلت من كان تؤنس وحشة ليالى المظلمة الطويلة ..وسرعان ما ذاب كل هذا وقمت مسرعا لأبحث عن حبى .. ولكنى لم أعرف أين أبحث ولا كيف ..فأخطأت وعشت الوهم لأننى بحثت عن جسد لا عن قلب ...تغيرت حياتى بأكملها عشت السقم وعانيت الأنين وذقت مرارة الشوق ..وأنا الأن أبحث عن قلبها بين قلوب النساء ..أبحث عن جسدها بين كل من أراهم ..أبكى على ما أفعل ولكنى لم أعرف كيف الهروب فقد وقعت فى فخ الشياطين ..وأترك قلبى لمن تملأه بكذبها وخديعتها لى بأنها حبيبتى.. .وأنتظر مع كل هذا أن أراها ولو مرة فى طريق ما ..ولكنها ذابت مع دوامة الدنيا ..أشعر بها الآن تنقم أفعالى ..أحس بها وهيا تتمتم بكلمات قاسية عليا ..أتخيلها وكأنى قابلتها ونظرت إلى لا بعيون لامعة دامعة ولكن بعيون ساخطة ..وأنا أنكس ..رأسى ولا أدرى ...ماذا أقول . وها أنا الآن انهى كل هذا البؤس لأعود إلى حياتى الهادئة وكأنها دعوة من حبيبة عمرى لى بالهداية ..ولكنها ستظل تعيش فى أعماق قلبى ..تشعل نار لهفتى عليها..حتى تقتلنى .وهكذا انتهت أجمل قصة عشتها وأحق عشق ممنوع رسم على جدران نفسى ..وإلى الإن لا أعرف ماذا أقول..فأنا حقا لا أدرى هل هذا هو هوى الهوان والضعف ؟هل هو حب حقيقى أعيشه ؟..هل هذا عشق لا يحل لى ؟هل هو العشق الممنوع ؟حقا لا أدرى ماذا أقول؟
الجميع كانوا يطلقون علي اسم (منسي)، بلى هذا اسمي الذي ولدتني أمي به، ولكنه يحمل في طياته العديد من الآلام والآمال، (منسي) هو اسمي الذي أشعر بالحرَج منه، فقد ولدت في أسرة فقيرة في زمان يكون فيه الفقر والحال الميسور وقوت اليوم يعمّه البركة والخير والهوء النقي بين نسمات الأشجار وحسيس الأعشاب والكوخ المصنوع من طمي النيل بجوار الترعة في أطراف القرية، كان لدي ثلاث من الأخوة وكنا نعيش الحياة بحلوها ومرها قانعين بما يحضره أبانا من طعام أو دمى لنلهو بها، وكان أخوتي على الأخص الأخت الكبرى (هدى) تدعوني (نِسيناك يا منسي) ويتعمدون السخرية من اسمي على سبيل الدعابة فهم أخوتي ولا ضغينة بيننا، وكانت أمي ربة منزل تساعد غيرها من الأمهات بالقرية في اعداد الخبز والكعك وأيضا في الحياة الزراعية من تسميد للأراضي ويصنعون الجسور بالأراضي من تقاوي الحبوب وزراعة الأرز والغلة والبرسيم والبطاطا والبطاطس، فكان قوتنا من خير الأرض التي نحيا عليها جميعا، كان الكتاب ودراسة علوم القرآن وتعلم القراءة والكتابة هو دأبنا الذي نسعى نحوه، كيف لا نكون من أصحاب البزات السوداء والطربوش ورابطات العنق – كان هذا حلم معظمنا من أخوتي وأنا على الأخص كنت أسمع الكثير عن الجامعه والتعليم المدرسي أو التمدرس وأيضاً من يتحدثون بلغات أجنبية أخرى غير لغتنا، فهل سأظل منسيّا دوماً؟ ، كانت أمي تدرك ذلك الأمل الذي يتأجج في صدري ويترعرع كلما كبرت ، وكانت تردد لي (يارب تنول اللي فبالك يا منسي؟) على حد تعبيرها (تدعو الله أن أحصل ما آمل ويجبر خاطري)، كان طموح شباب القرية حينها أن يصبحون من الشيخ (عِتمان) شيخ القرية، لا أحد قد يتصور أن (منسي) سيصنع الفارق ويصبح مختلفا، لا اعتقد أن أحداً آخر بالقرية يدعى بهذا الاسم. ولمّا بلغت عامي الثاني عشر واشتد عودي وخط شاربي، أحسست حينها بكينونتي كشخص فاعل في المجتمع تماماً مثلما كنت أقرأ لروايات العقاد ونجيب محفوظ وغيرهم من أدباء شقوا ظلام وعتمة العقول إلى نور الأمل والعلم، فأخبرت أمي وأبي برغبتي في التمدرس وانهاء المرحلة الالزامية حتى اللحاق بالجامعه، وكان شيخي بالكتاب (عاصم) هو من شجعني على القيام بذلك، وأيضا نصح والداي بالأمر، لكن أبي كان يعترض على فكرة التعلم ويسر على (الفلاحة) أو رعاية الأرض التي نعيش عليها ومن خيرها، وأيضا أمي كان جُل همها أن أتزوج قريباً وترى أحفاده وأخوتي وبهذا تكون قد أدت رسالتها في الحياة، أما أنا فكنت معارضاً لتلك المفاهيم والعادات التي ستجعلني حقاً (منسي) اسماً على مُسمى، اعتقد أنني عشت ذلك الاسم في الطفوله من الأحلام والخيلاء والطموحات التي كنت ارسمها في خالي حينما ارتدي الطربوش وقطعة من القماش كرابطة العنق وأقلد شيخ البلد وأنادي على رفاقي وأخوتي باللغة العربية الفصحى وبعض من كلمات بالانجليزية قد سمعتها في ذلك الصندوق الأسود المسمى بالتلفاز – ياله من اختراع خارق حيث كان أهالي القرية يجتمعون حوله ويسمونه المِسلاه لدى فناء شيخ البلد وعلى الأخص في شهر رمضان المبارك، كأني كنت أعيش شخصية قائد أو شخص مرموق في خيالي ولكنّ من حولي يسخرون ويقهقهون( يا منسي هتفضل منسي)، كنت أعتقد أمي هي من ستقف بجانبي وتدعمني ولكنا كانت تؤازر والدي في رأيه بعدم التمدرس واللحاق به في أعمال الأرض الزراعية. كان الوالدان يؤكدان لي أن التعليم شيمة أهل المدن لأنهم لا يملكون حرفة أو صنعة لكسب قوتهم أما نحن فلدينا الزراعة والرعي، كانا يجهلان تماماً أن العلم نور وتنوير للعقول، أتذكر مقولة والدي باللغة العامية واللكنة القروية(الشيء اللي ممِنوش فايدة ، تركهُ فيه ألف فايدة) ويعني( أن الشيء الذي لا جدوى منه أو نفعاً فعليك تركه ولا تعاني مشقة القيام به) ، هذا الطابع السائد في نظرهم للتعلم وقتها فلست أنا منسي بل كلهم هم المنسيّون، وفكرت مراراً وتكراراً عمّا أفعل، ووجدت الحل لمّا تراءى أمام عيني فتح مكتبة بالقرية أو كانت تسمى الكُتبخانة لصاحبها عم(جلال) الشيخ الجليل الذي قررت زواج ابنته التي تعمل في بيمارستان بالبلدة المجاورة كطبيبة تتلمذت في احدى معاهد الصحة بالعاصمة آنذاك وكان لدى والدها جميع الكتب لأدباء وعلماء بارزين في تاريخ البشرية وهو الأمر الذي كان لديه الفضل في تثقيفي وتعليمي بلا تمَدرس، حقاَ- جاء النور لما ذهبت للمكتبة وعملت بها أميناً بجانب عملي بالفلاحة ، حتى سنحت الفرصة بظهور دعوة لشباب القرى من المثقفين باللحاق بمدرسة الحقوق بالعاصمة، فأخبرت والداي بالأمر ووافقا هذه المرة لرغبتي في تجهيز ذاتي لكي أتزوج في العاجل كما أقنعتهم أنني سأعمل هناك أيضا على كسب العيش – كما يعرفون ما يسمى (البندَر) او حياة الحضَر، كانت البداية لما التحقت بها وأثبتٌ جدارتي بها وتعينت بها أستاذا جامعياً على دراية تامة بالقانون الذي ساعدني في المطالبة بحقوق القرية من مباني خدمية للتعليم والصحة وتزوجت من الطبيبة ابنة عم جلال صاحب المكتبة، وكنت مصدراً لفخر أهل قريتي وترأست مجلسهم وكنت مسشارا لشيخ القرية ، وايضا والداي الآن أصبحت مصدر فخرهم وأدركوا قيمة العلم والنور الذي قد تجلى منه حتى أنني قمت بتجهيز (شُوَار العروس) مستلزمات أخوتي البنات اللائي تزوجن برجال ذوي حسب ونسب، وساعدت أهالي القرية في مرافقهم من ري وصرف وتعليم لأولادهم بفتح مدارس وتسليط الأضواء على تلك البقعه من العالم التي تحوي كنوزاً منسيّة أصبحت في طليعة الأمم بين عشية وضحاها بقوة العلم الذي يحمل في طياته كل الفوائد وليس كما ذكر والدي آنفاً، وتغنى باسمي (منسي) كل أهالي قريتي والقرى المجاورة: (( منسي ده راجِل كلّ هَمٌه ، ناسُه وأهلُه بِيجُروا في دمه ، بينوّرنا بعلمُه وأدبُه ، ولا عُمرُوش يبخَل ميِّة عَرَقُه ، دايماً يرعى فينا ربّه، غريِب وقريب ليِه سَندُه، منسي ده حلِم في يومُه وأمسُه ، يحمِيه ربّي ويجَازي تعَبُه.))
*****

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق