لقّبها النقاد والجمهور بـ "فراشة الأدب الجزائري" التي أينما حلّت نثرت سحرها الإبداعي، وكلما حلقت أضاءت بحرفها سماء المشهد الثقافي، ..إنها ربيعة جلطي الشاعرة والروائية والأكاديمية والمترجمة التي عشقت وهران منذ صغرها، وكتبت عنها في جُل محطاتها الإبداعية ونصوصها المعطرة برائحة الأمكنة والزوايا،.. طوال رحلتها الفكرية لم تغب وهران عن أوراق ربيعة جلطي ولا عن أحلامها، فجعلت منها الفضاء الروائي لأبطال قصصها، ومسرح الوجود الذي تستحضر فيه الماضي والحاضر، وتروض عبره جوادها الأصيل وهي تركض نحو المستقبل، حاملة معها زادها الفكري وحسها الأنثوي وهمومها كامرأة مثقفة أسهمت في ايصال صوت الأدب الجزائري إلى العالم وترجمت قضايا وتطلعات بلدها بكثير من الحزم والثقة والشموخ،..دون أن تتخلى عن لغة الحب التي تكتب بها رواياتها، و لا الكلمات الرقيقة التي تحيك بها قصائدها، فربيعة كاتبة مسكونة بحب الوطن وبأبجديات لغة الضاد ، هذه اللغة التي اتكأت عليها في حروبها ضد مظاهر الجهل والنسيان، وجعلت منها فانوسا لإنارة دروب الفرح والمحبة والإحسان.
تفننت ربيعة جلطي في رسم الأشياء الجميلة وتقديمها على طبق مُنمق بالود والوفاء،كيف لا؟، وهي التي تكتب بحبر الروح الذي شقّ لها لجج العبور إلى قلوب القراء وعقولهم ،كشعلة من نور تضيء الشرفات المظلمة وتنعش الذاكرة الممزقة، نجحت في توظيف المهارات اللغوية والمكتسبات المعرفية التي تعلمتها على يد والدها واكتشفتها في مكتبتهم المؤثثة بالكتب التراثية العربية الحديثة، فربيعة تعرفت باكرا على "ابن عربي" و"التوحيدي"، و"الحلاج" و"رابعة العدوية"، ..كانت القراءة ملاذها الوحيد ومُتنفسها الذي ساعدها على رسم ملامح شخصيتها الأدبية، ومساحتها الإبداعية التي ميزتها عن غيرها من الأقلام الجزائرية والعربية، فهي التي قالت :" لا أراني أكتب عن موضوع محدد من الحياة، بل إنني أجعل الحياة موضوعا في كتاباتي. إنه اختياري، لأنني أتخيل قارئي ذكيا، نبيها، وعلى دراية بهذا الزمن الدرامي الذي نعيشه، ومستعدا أن يرافقني في رحلتنا الوحدانية، في مغامرة مجنونة وغير مسبوقة، فتبدو لي فكرة تبسيطيةً أن أنزع خزعة من جسد التاريخ الهامد، وأضعها في مختبري الروائي لتحليلها ودراستها وتفسيرها وتقديمها له ".
ربيعة جلطي الزرهوني من مواليد مدينة ندرومة بتلمسان، درست بجامعة وهران، نالت شهادة الدكتوراه في الأدب المغاربي الحديث، وهي حاليا أستاذة في جامعة الجزائر المركزية، تعد من بين الأقلام النسوية التي ظهرت خلال السبعينات ولا تزال إلى اليوم متواجدة بقوة في الساحة الأدبية، خاضت ربيعة جلطي رحلتها الإبداعية بنجاح كبير وإرادة قوية جعلتها تحتل مكانة مرموقة في المشهد الثقافي، حيث أنها أبدعت في كتابة القصيدة التي تعتبرها جزءا من كونها الشعري، وتألقت في عالم الرواية التي وظفت فيه مخيالها وصدقها ومشاعرها اتجاه مجتمعها وبلدها، كتبت عن الحب والجمال والحرية والوطن، وهي اليوم تملك في رصيدها العديد من الدواوين الشعرية والإصدارات الروائية الهامة،من بينها" الذروة" التي صدرت عام 2010، والتي اعتبرها النقاد منعطفا جديدا في مسيرتها الأدبية من حيث تجديد الأسلوب، "عرش مُعشق" 2014، "حنين بالنعناع" 2015، "عازب حي المرجان" 2016، "قوارير شارع جميلة بوحيرد" 2018، "قلب الملاك الآلي" 2019، "جلجامش والراقصة" 2021، "النبية تتجلى في وضح الليل" 2014، " ترتيب العدم " 2022، أما مؤلفها "سيرة شغف" الصادر عام 2017، فهو مجموع المقالات التي نُشرت في النادي الأدبي لجريدة الجمهورية تحت اسم "الربيعيات"، تتحدث فيه ربيعة جلطي عن شخصيات وهران ومُبدعيها وشوارعها، وعن المثقفين الذين زاروها على غرار نزار قباني ومحمود درويش وسعدي يوسف و"يوفتيشينكو" وغيرهم، دون أن تهمل بعض الأسماء التي عاشت معها في مرحلة معينة، وهم أناس عاديون جدا وبُسطاء لكنهم قدموا الكثير لوهران، وكل الحيثيات والتفاصيل التي قدمتها ربيعة في "سيرة شغف"حاكتها بناء على تجارب وتأملات شخصية، بما أن ربيعة كبرت وترعرعت في وهران .
.. ومؤخرا توجت ربيعة جلطي بجائزة فاطمة الفهرية بتونس، تقديرا لها على ما قدمته على مدى أزيد من 40 سنة من الكتابة المتميزة في الشعر والرواية والترجمة والاشتغال الإعلامي والبحث الأكاديمي.
(طوبى لهم أولئك الذين يعبرون فوق الخذلان بأصابع شمعية.....)
هكذا كنت أخبرها كلما بدت حزينة بوصفي طبيبتها، كثيرًا ما تغاضت عن جميع النصائح التي ترفض بأن تحمل رفيقة العمر هوية الطبيب المعالج، وربما تغاضيت عن ذلك أيضًا؛ لشعوري أن منمنات هذه الذكريات كانت لنا معًا طوال حياتنا، فلا يجب بحال أن نتقاسمها مع الغرباء.
تصارحني - في قلق- أن جميعهم يعلمون، وكعادتها تقابل نظراتهم بشيء من ريبة، كما أن رسائل التودد المقيت التي يلقيها المتدرب الجديد على مسامعها تؤرقها إلى حد جعلها تعاود زيارة مركز التجميل مرة أخرى للتأكد من سلامة عمليات الحَقْن التجميلي لوجهها والذي كنت أراه جميلًا على خلاف ما تظن، إطراء أحد المدعوين على رادئها كان كفيلًا بانتزاع لونها المفضل من خزانتها والاستغناء عنه إلى الأبد،
هي تعلم أنهم ينعتونها بغريبة الأطوار، يسخرون من إصرارها على غلق مقابض الغاز والمياه قبل مغادرتها العمل، تطمئن حين يجلس الجميع إلى مكاتبهم قبل ذهابها إلى دورة المياة.. في كل ذلك كنت معها لا أغادرها، بل أحرص على أن تحتفظ بهدوئها أمامهم أكثر.
نعم هم يتهامسون علينا منذ أعوام كثيرة، ولكنها الآن لم تعد تلتفت إليهم.. هكذا تطبق النصيحة الطبية التي حصلت عليها في جلستها الأخيرة،
في طريقها إلى موعدنا ستمضي الوقت في محاولة الإجابة على الأسئلة المحتملة، ستحاول تنميق إجابتها بقدر يكفل لها إخفاء الحقائق عني،
أعلم مراوغتها العنيدة وبأنها لن تخبرني عن فقدانها الثقة في جميع الأشخاص.. أشعر أنني على وشك الانضمام إلى قائمة لا حصر لها من أولئك المغضوب عليهم، وبأنها فقدت ثقتها في قدرتي على علاجها ساعة أن أخبرتها بعدم استشعاري رداءة الحال التي آلت إليها سجائر "روثمان" وبأنني مازلت أدخنها! أغضبها تعليقي العابر ونعتت ذائقتي بالمعتلة، هل فقدتُ ثقتها باسم سيجارة.. ربما، لكن وسط دوامات من تبغ محترق كانت صورتها تتضح أمامي شيئًا فشيئًا ...
نعم كانت رفيقتي ولم نفترق أبدًا، كنت لها بمثابة العقل الآمر والذي حثها على الالتحاق بكلية الطب كي لا نفترق، تماثلني نعم يجب عليها أن تماثلني، أخبرتها في حدة أن هوايتها الساذجة لن تصل بها إلى شيء. كنت شديدة اللوم والتوبيخ، أتذكر يوم أن رأيتها تخبىء مجموعة من الألوان الشمعية بأحد أدراج مكتبها، أنني غافلتها وألقيت بالألوان عبر النافذة، كنت وحدي من أملك حق إرغامها على استذكار دروسها، ألاطفها بين حين وآخر أو أستحثها باللين تارة وبالعنف تارة أخرى، لكنني كنت وحدي من أملك حق صياغتها، بفضلي أنا أمست من أشهر أطباء جيلها، ورغم ما تعانيه من اضطرابات الذائقة والوساوس وتلك الهلاوس البصرية والسمعية؛ غير أنني تمكنت من علاجها وخبأت نقائصها عن أعين الرقباء، ونجحنا في ذلك إلى حد بعيد.
لم أشأ أن أذكر ذلك كله، غير أنها دأبت على تعييري بذاكرة ذائقتي وفي تهكم بغيض أخبرتني باضطرابها الذي تعانيه وكيف أنني لم ألحظه، كما أنها سخرت من لفائف تبغي الذي كانت تنفثه في خوف عند رحيل أمي، والذي كانت تأبى تغييره في أوقات مرحنا الصيفي على شواطىء الإسكندرية، بل هو ذاته ذلك التبغ الذي انتزعت واحدة منه وهي تودع وليدها إلى قبره، لم عليها تعييري الآن؟
هل أخطأت حين منحتها ذلك القدر من الحرية، حتى أنها عاودت اللهو بالألوان أمامي في تحدٍ ساخر،
ربما منحتها الكثير من ثقة قبل التعافي، لكن على أية حال ستصل إلى هنا في غضون دقائق وربما كان لزامًا علي ألا أدعها تواجه الجميع وهي على حالتها تلك.
لم أسمع طرقات الباب منذ ساعات، كما أن المرآة الكبيرة بمدخل عيادتي باتت تروق لي، هي أيضًا تحب التطلع إليها كل مساء.
أشعلت لفافة من تبغي المفضل وجدته لا يحمل شيئًا مميزًا كما أنه لم يكن رديئًا، الآن علي مواجهتها لأعلم من منا ستنتصر لذائقة بقائها، فتحيا دون رفيقتها للمرة الأولى.
****
****
المصباح التالف
مجموعة قصصية
للكاتب المصري
د . إبراهيم النهر
****
اللي بني مصر..مسرحية رائعة_تعرض الآن وحتي يوم الاحد القادم مسرحية اللي بني مصر ..علي مسرح المركز الثقافي بالجيزة..تقدمها الفرقة القومية التابعة لأقليم القاهرة الكبري.
والنص المسرحي من تأليف الراحل د/ محسن مصيلحي والذي لقي مصرعة ومعه عشرات المبدعين في كارثة بني سويف عام ٢٠٠٥ رحمهم الله جميعا......
ومسرحية اللي بني مصر قدمت لأول مره علي مسرح وكالة الغوري عام ١٩٩٤ وأخرجها المخرج الكبير/ عصام السيد وكانت برؤية غنائية استعراضية بطولة علي الحجار وشرين وجدي ومحمود الجندي وفتحي عبد الوهاب ومنير مكرم وخليل مرسي وعدد من الشباب الواعد ....
وفي العام التالي ١٩٩٥ قدمت المسرحية بفرقة قصر ثقافة البراجيل وكتب الاشعار والاغاني د/مصطفي سليم أستاذ النقد والدراما بالمعهد ..رحمة الله ..
وفي المرة الثالثة قدم نفس النص من خلال البيت الفني وعرض علي خشبة مسرح فاطمة رشدي وأخرجها المبدع/اسلام إمام وكانت من بطولة نخبة من النجوم علي رأسهم ..الراحل/ محمود الجندي في دور طلعت حرب ..ومعة مدحت تيخة .والنجم احمد فتحي والنجم محمد ثروت وأخرين ........
والنص المسرحي تناولته أكثر من فرقة مسرحية علي مستوي الهواه والاحتراف ..لما له من أهمية قصوى وخصوصية ..فهو يتناول بشكل فنتازي .عودة الاقتصادي العظيم طلعت حرب الي الحياه المعاصرة هذا الذي أسس أقتصاد مصر في عهد الاحتلال الإنجليزي ...وقد عاد متحسرا ومتألما لما شاهده من هدم وضياع لكل الرواسخ الاقتصادية التي عانت كثيرا من أجل بناءها وتأسيسها .....
فقد قام ببناء الاقتصاد في مصر المحتلة ورغما عن إرادة المحتل الانجليزي .بينما هدم هذا الاقتصاد ودمر بأيدي أبناء مصر وسادتها .....من هنا كانت أهمية النص المسرحي وعبقرية الفكرة التي مازالت. لها أثرها الفاعل علي مصر والمصريين ....
(كنا فين وبقينا فين)
واليوم شاهدت العرض المسرحي اللي بني مصر علي مسرح المركز الثقافي بالجيزة .من خلال الفرقة القومية .من أخراج الشاب المبدع
محمد الطوبجي ..
فأمتعني الأداء التمثيلي وابهرتني الصورة وجمالها ......
ومن هنا كان السبب لتناول العرض بالتفسير والتحليل والنقد المتواضع علي مستوي الصورة ومستوي الصوت ... .
أولا مستوي الصوره
الديكور.. الملابس.. الإضاءة. الاستعراض.
ديكور..
قدم المخرج العرض المسرحي من خلال أربعة مناظر أساسية ..تغيرت بسرعة وتلقائية ودون أخطاء ..والحقيقة أبدع مهندس الديكور
أحمد شربي في تصميم المناظر بشكل مبهج ومعبر وواقعي حقق معها عنصري الإبهار والجمال ..ورغم ضعف الإمكانيات بالثقافة إلا أنني شعرت وكأني أشاهد عرضا بأمكانيات المسرح القومي أو القطاع الخاص .لما حققه مهندس الديكور وابدعة في تصميم المناظر وتنفيذها...الميدان..المكان المهجور..شركة الملابس..الأستديو..
فكان الديكور مميزا ومعبرا عن الحالة الدرامية والحدث بشكل جاذب ومريح ..واختيار الالوان كان مناسبا غير مبالغ فيه ..وايضا بعيد عن الكآبة..فأبتهجت العين بالرؤية والمشاهدة................
الملابس
كانت الملابس واقعية ومعاصرة ومتفقه مع الحدث
الدرامي ومكمله للصورة المسرحية وفق رؤية المخرج .......شابو....
المهندس.أحمد شربي والساده المنفذين أستاذ حمدي. أستاذ عصام.
الاضاءة
* واكتملت الصورة الجمالية بخطة أضاءة عبقرية موظفة بشكل رائع ومتميز دل عن وجود مخرج واعي ومدرك ومتمكن من أدواته .وظفها توظيفا دراميا صحيحا علي النحو الافضل..فجاءت الصورة مكتملة العناصر الجمالية بالديكور والملابس والإضاءة ..وهو أمر واضح في الصور المرفقة ....فقد أبدع المخرج في توزيع الإضاءة. علي خشبة المسرح واستغل كل الإضاءة المتاحة استغلالا فنيا واعيا لمخرج صاحب رؤية فبدا ممثلينه في ابهي صورة وابهجها ..أنه تصميم سينوغرافي عبقري واستغلال لكل الفضاء المسرحي بشكل عالمي بلا مجاملة ....
أما الميزانسين وحركة الممثلين .فجاءت مرسومة بحرفية وموزونة عالشعره فقد أبدع المخرج في تحريك الممثلين وتوزيع الكتل والتشكيلات توزيعا جميلا وكأنة يمسك بريشه لرسم لوحه تشكيلية..فقد استغل خشبة المسرح استغلالا جيدا ينم عن وعي ودراسته وتمكن من الأدوات..
تبقي الاستعراضات أو التعبير الحركي ..وهذه لي فيها بعض التحفظات .ومن وجهة نظري المتواضعة لم يوفق المخرج فيها سواء الاستعراض الثنائي للولد والبنت أو التشكيلات أو الحركات الجماعية للممثلين في النهاية ...الحقيقة لم أفهمها ولم تنال أعجابي ...............
* علي مستوي.
الصوت
****"""****""***
(١)الموسيقي..الغناء
"""""""""""""""""""""""
استخدم المخرج كوبلية غنائي.ولزمه موسيقية موحده في بعض المشاهد والفواصل..(وانا ماشي في الطريق)
تعبر عن رحلة طلعت حرب داخل المدينة وما يشاهده من عجائب العصر ..وهي موسيقي معبره ومتفقة مع الحدث الدرامي ...............
هذا بالإضافة إلي اغنية الاستعراض الثنائي الذي كان من الممكن أن يوظف أفضل من ذلك تعبيرا عن ما أل إليه المجتمع المصري في الوقت الراهن ..وذلك بزيادة عدد الراقصين لخلق حالة وصورة اكثر جمالا مع أغنية الدنيا مهزله ..........
موسيقي هايلة ولحن جميل وبسيط .الملحن وائل
عوض .........شابو
علي مستوي
التمثيل
******""""******
ابدأ بشخصية طلعت حرب والتي أداها الممثل الجميل محمد حسن ..حضور طاغي ومتمكن من مفاتيح الشخصية بداية من نبرة الصوت وحركات اليدين والجسم والمشي علي خشبة المسرح بثبات .. لاشك أنه ممثل يعرف جيدا ادواته وتمكن منها واستغلها استغلالا صحيحا وموفقا..ولما لا؟ وهو ممثل محترف وله تجارب عديده ومتنوعة علي مسارح الجامعات والقطاع العام والخاص ..استطاع الانتقال من حالة درامية الي حالة درامية أخري
****
قصة قصيرة
أحلام
للكاتبة المغربية
فاتن جبور
الضوء يتسلل، من بين اصابع مصراعي نافذة الغرفة، يوقظ حواسها بلمساته الحانية في ذلك الصباح الخريفي الجميل. تململت في سريرها، في محاولة منها لإيقاظ عقلها الذي كان لايزال غافيا كأنما يتجاهل لهفة قلبها.. غالبت ذرات النعاس المتشبثة بأهدابها وقامت بخطى متثاقلات إلى نافذة الغرفة، فتحتها وأشرفت منها على الحديقة الصغيرة التي تزين واجهة العمارة وتفصله عن الشارع العام. اطالت المكوث بالنافذة لعل تلك النسيمات التي تهب على وجهها وتداعب خصلات من شعرها ستساعدها على جعل عقلها يستفيق ويرمي عنه رداء النعاس. كانت حريصة على الإستيقاظ باكرا حتى تهيئ نفسها بكامل الأريحية وأتم الإستعداد، فهذه الفرصة تنتظرها بفارغ الصبر منذ ان حصلت على الدبلوم.. إذ تم استدعاؤها من قبل إحدى الشركات.. وهي التي أرسلت طلبات بعدد شعرات رأسها فلم تتلق جوابا إلا هذه المرة.. تناولت أحلام فطورا خفيفا جدا تحت إلحاح أمها التي استيقظت لصلاة الفجر ولم تعد للنوم، حتى تطمئن على ابنتها من غدر النعاس، ثم جلست لدقائق ترتب زينتها بالشكل المقبول في مثل هذه المناسبات. قامت بخفة لا تخلو من ارتباك فقلبها بدأ يدق بوتيرة أسرع وهي تستشعر قرب الموعد.. فتحت خزانة الملابس وانتقت فستانا ثم حقيبة يد، كانت حريصة على أن تكون أنيقة لكن في حدود ما يوفره لها مستواها المادي المتوسط والمناسبة أيضا لا تستدعي ذلك. غادرت البيت تحت وابل من دعوات منتقات بعناية من أمها و أبيها الذي اقنعته بصعوبة كي يعدل عن فكرة مرافقتها إلى الشركة. سارت تعد الخطوات بعناية فائقة وهي تقطع المسافة بين مكان نزولها من سيارة الأجرة ، و البوابة الرئيسية للشركة. توقفت لبضع ثوان تتأمل اللافتة التي تعلو البناية وقد كتب عليها إسم الشركة بخط عريض، فارتسمت على محياها ابتسامة خفيفة، كانت رد فعل لدقات خالجت قلبها وهب تتخيل لو أن الحظ يسعفها هذه المرة ويتم قبولها، لعلها تضع حدا لسوء الطالع الذي لازمها منذ أن تخرجت من الجامعة بعد أربع سنوات بسلك الإجازة وبميزات مشرفة خولت لها الالتحاق بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير و التخرج منها بعد سنتين من الدراسة المكثفة والتداريب، وبعد قضاء قرابة سنة في طرق الأبواب بحثا عن فرصة عمل يناسب تخصصها لعلها تخفف الحمل الثقيل عن ابيها.. دلفت بخفة لا تخلو من توجس نحو الحارس تستأذنه بالدخول، وبعد حوار قصير سمح لها بذلك بعدما أرشدها إلى حيث ينتظرها المسؤول عن المقابلة. صعدت الدرج إلى الطابق الأول وهي تغالب موجة من الإرتباك تزداد شدة كلما اقتربت أكثر، وجدت نفسها في ممر تصطف على جانبيه مكاتب مغلقة الأبواب عليها لافتات بأسماء وصفات أصحابها. تقدمت بضع خطوات ثم توقفت أمام أحدها حيث ينتظر قرابة ثلاثين مترشحا من حاملي نفس دبلومها .. مرت المقابلة على أحسن وأكمل وجه، او هكذا خيل لها.. على الأقل لم يبد محاورها أي اعتراض أو امتعاض من اجوبتها وافكارها وقناعاتها التي اعربت عنها في سياق الحوار. غادرت الشركة بروح طيبة مستبشرة ، بعدما حرصت على انتقاء عبارات الشكر والتقدير لمحاورها الذي أكد لها أنها ستتلقى رسالة قصيرة في غضون الأيام القليلة المقبلة، وأنه هو شخصيا مقتنع بقدراتها. لم تكد تغادر الدرجات الأخيرة وهي تخرج من باب الشركة، حتى أخرجت هاتفها المحمول واتصلت بوالدها : - الو.. بابا.. أنهيت لتوي المقابلة.. - لقد مر كل شيء على مايرام. - الحمد لله يا ابنتي ربنا يتمم لك بالخير ويفرحك يارب. - سأتأخر قليلا يا أبي قبل العودة للبيت. - صديقاتي ينتظرنني بمقهى الشاطئ. - لابأس حبيبتي خذي راحتك. أقفل عمر الهاتف، ونادى على زوجته ليبلغها رسالة ابنته وقد ارتسمت على محياه ملامح ابتسامة تنم عن تفاؤله بأن الله قد استجاب لدعائه وستتحقق أمنية ابنته في الحصول على وظيفة بعد طول انتظار. مر يومان من الترقب و الإنتظار، لم تترك فيهما لمياء هاتفها إلا للنوم، ولم تمل من مطالبة أمها و أبيها بالدعاء لها فينادون عليها لاستلام الوظيفة. يبدو أن الحظ قد ابتسم لها أخيرا ، وهاهي تعود للشركة كموظفة. اشتغلت لمياء ما يقارب تسعة أشهر، كانت من أجمل أيام حياتها، امتلأت حيوية ونشاطا وإقبالا على الحياة، سعدت وأسعدت والديها اللذين ازداد فخرهما بها وتغيرت أحوالهم المعيشية إلى الأفضل، بعد أن عانوا ماديا حين اضطر الأب للتقاعد النسبي على إثر إصابته بمرض صدري مزمن فتقلص راتبه الشهري بشكل أثر على مستواهم المعيشي. بعد تناول وجبة الغداء سويا، أخبرت أحلام أبويها أنها مدعوة لحضور حفل عيد ميلاد إحدى زميلاتها في الشركة بأحد الفنادق الكبيرة بالمدينة، لم يعارضا رغبتها خصوصا حين علما أن صديقتها كوثر وزوجها سيقلانها بسيارتهما ذهابا وإيابا. قامت أحلام إلى مرآتها وتزينت فازدادت جمالا على جمالها الطبيعي الذي حباها الله منه نصيبا وافرا وارتدت فستانا اقتنته من قبل لهذه المناسبة. غادرت البيت مع صديقتها كوثر وزوجها و أعين والديها لا تتركانها حتى أغلق الباب خلفها. قال الأب وهو يرفع يديه بالدعاء: - اللهم لا تحرمني من رؤيتها عروسا وانا في كامل صحتي.. فبادرت الأم قائلة : ً- عن قريب إن شاء الله.. لقد أخبرتني أن أحد زملائها في الشغل يود التقدم لخطبتها وهي تراه مناسبا جدا. استرسل الوالدان في حديثها وهما ينتشيان بأحلامهما عن ابنتهما ويداعبان فنجاني الشاي ويتابعان الأخبار على التلفاز. رن هاتف الأب فجأة.. - خير.. اللهم اجعله خيرا يارب. - ألو.. ألو.. كوثر؟.. ماذا؟ - ابنتي.. ابنتي.. ماتت أحلام.. نعم ماتت أحلام ومعها أحلام والديها.. قتلها الإرهاب الأعمى في تفجير الفندق.
هجرتني
هجرتني يا حبيبي
قلبي وليه ما تزرني
وإن ماقدرت دلني
وأنا أجيك..
ما أبي حياتي بدونك
بعيد عني
وما أبي حياتي دامه تقول ما أبيك..
تدري بظلم الناس فيني
وأنت ظلمني
وأكد كلام اللي يقولون ناسيك..
وشلون قلبك ياحبيبي تركني
وتدري خفوقي كم سنين هاويك..
وما تدري بعادك وصدك ذبحني
وما تدري عن دمع نثرته وأنا رجيك..
أسأل جميع الناس وش صار فيني
أسأل وش صار في حال مغليك..
كنت أقول قصدك بالحب ذلي
ذليتني من عقب ما مت أنا فيك..
هذي حقيقه بعض مامنك جتني
حالي لو تشوفه بعينيك يبكيك..
إن زاد هجرك الموت ياخذ الروح مني
بترك لك الدنيا وأنت الله يهنيك..
****
هوية الذات بين المكان كأصل والمكان كغواية في شعر أحمد فؤاد نجم
للكاتبة
والناقدة المصرية
د . رشا
الفوال










ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق