لك ان تتخيل أن هناك كتابا لم يكتبه بشر ولكن كتبته الأرواح المعذبة لسكان عمارة احترقوا ورحلوا إلى العالم الآخر وتركوا الكتاب لمن يحرر أرواحهم من المرحلة الانتقالية بين الدنيا والعالم الآخر ؟
الناقد يبدأ من حيث انتهى الكاتب فكل متلقي للنص الأدبي لا يستطيع أن يحكم عليه من البدايات ، لا بد أن تنتظر كلمة النهاية خاصة مع هذا العمل الأدبي الذي نصنفه روائيا من أدب روايات الرعب التى يمكن أن تتحول لعملا سينمائيا يمكن تصنيفه بأنه فيلما من أفلام الرعب ؟ ولكن هل الرواية بالفعل تنتمي لجنس الرعب أم سيتضح غير ذلك بعد كلمة النهاية ؟
هذا المدخل يعتبر مقدمة لفهم كيفية بناء هذا العمل الذي بين أيدينا حيث أن الكاتبة استخدمت طريقة سيمائية فى سرد الرواية وهذه الطريقة تسمى فى العمل السينمائي السيناريو التنفيذي أو الديكوباج ؟
الديكوباج معناه كما ذكرته
د.خيرية المنصور / بكتابها الرائع " شرنقة شاهين "
هو انتقال السيناريو المكتوب ورقيا إلى مرحلة التنفيذ
ثم يتم بعد ذلك التصوير فى لقطات ومجموع اللقطات
يكون مشهدا ومجموع المشاهد يكون فيلما.. وهذا ما نراه فى الرواية ..
لقطات كونت مشهدا ومجموعة مشاهد كونت الرواية يربط بين كل ذلك البطل والراوي بضمير المتكلم المشارك فيها والعالم بكل تفاصيلها ..
**********
الرواية تقع فى سبعين صفحة بصيغة pdf
أو مائة واربعين صفحة ورقيا كما عرفت بعد ذلك من الأستاذة شاهيناز والرواية مقسمة إلى واحد وعشرين مشهدا أو فصلا .. الرواية قد تبدو قصيرة فى عدد صفحاتها لكنها ثرية فى أحداثها لحد التشويق والإثارة وتتابع اللقطات والمشاهد تسلم بعضها بعضا كما لو كان القاريء والمتلقي يشاهد لا يقرأ فقط فيتخيل ما يحدث ويتطلع لمعرفة النهاية ..
تحدثنا عن التقنية الفنية واستخدام الديكوباج فى طريقة بناء الرواية
فهل هناك تقنية أدبية ؟
التقنية الأدبية التى استخدمت فى طريقة السرد هى طريقة سرد القصة القصيرة
من حيث البناء المكثف واختزال الأحداث اعتمادا على المشهدية
فنرى الراوي يسرد لنا فى كل مشهد أو فصل من الفصول او المشاهد قصة قصيرة مكثفة بلسان بطل او بطلة القصة أو لأحد الشخصيات المشاركة والمؤثرة فى الرواية ..
*********
ربما نكون قد أصبحنا بالفعل فى زمن الرواية القصيرة التى تعتمد على الكيف وليس على كم عدد الصفحات وأيضا تعتمد على روح القصة القصيرة من حيث التكثيف والتشويق والنهايات المباغتة والغير المتوقعة بالإضافة إلى عنصرا جديدا يضاف إلى فن الرواية مؤخرا وهو المشهدية والسينمائية التى تعتمد على بناء اللقطة والمشهد كما يحدث فى طريقة السيناريو وهذا لا يستطيع أن ينفذه إلا من يملك أدواته جيدا.
********
وبناء على ما تقدم فإننا لن نندهش إذا عرفنا أن الكاتبة قد درست وكتبت السيناريو وأيضا كتبت وأصدرت أكثر من مجموعة قصصية فجاء هذا العمل
فنيا وأدبيا وقد مزجت فيه بين طريقة فنية وأدبية او بين السيناريو والقصة القصيرة سواء كان عن قصد وتعمد أو عن غير قصد وأن العمل الأدبي والفكرة والأحداث جعلها تمشي وتكتب وتكون مخرجة لعملها بهذه الطريقة.
***********
التحليل السيكولوجي للنص فى هذه الرواية ربما نحتاج أن ننظر لبعد آخر فى تناولها وتحليلها ، ذلك البعد هو التحليل السيكولوجي للنص ودلالات ومدلولات الجمل والكلمات واستخدام علم النفس لتحليل الشخصيات والغوص فى اعماقها
فلكل شخصية هواجس نفسية تحكمت فى تصرفاتها وردود أفعالها بدء من بطل النص الذى قضى عشرين عاما فى مصحة " عقلية " بألمانيا وإن كنت أتحفظ على كلمة المصحة العقلية فقد تعمدت الكاتبة استخدامها فاستخدام المصحة النفسية كان أولى
فالشخصية الرئيسية تعرضت للصدمة النفسية فقد كان البطل فى عمر السادسة وتعرض للفصام عند رؤية الحريق وفقد أبيه وأمه وقضى بعد ذلك عشرين عاما فى المصحة بعيدا عن العالم وداخل أسوار مصحة نفسية .. وهنا ظهرت براعة الكاتبة فى اختزال الزمن فلم تسرد تفاصيلا كثيرة ولو فعلت لكان للرواية أبعادا أخرى تتماهى مع الزمان والمكان الذى حدثت فيه ..
فالتحليل النفسي والسيكولوجي لأبطال النص وتحليل انفعالاتهم وتصرفاتهم
يجعلنا نفهم النص ونحكم عليه بشكل منطقي بعيدا عن متعة وتشويق ولذة القراءة وعليه فإن موضوع النقد هنا بوجه خاص يكون وسيلة لتحليل حالات نفسية لدى فرد أو فى بيئة معينة .
وعليه فإن فهم التحليل النفسي للشخصيات يؤدى بنا لفهم التحليل الأدبي بل والتحليل الإجتماعي أيضا.
وهذا يأخذنا إلى القراءة الانطباعية للنص التى تعطى للنص لذة ومتعة القراءة التى تأتى من لذة الحواس وردود الأفعال أمام النص والمتلقي وذلك هو أساس الانطباعية...
***********
يقول أناتول فرانس : النقد أشبه شيء بالفلسفة والتاريخ ، فالعقول الواعية تسعى وراء المعرفة ولكل رواية إذا أحسن فهمها هى سيرة ذاتية.. والناقد الجيد هو الذي يروي مغامرات النفس وسط روائع المؤلفات .. والتحليل النفسي هنا للشخصية الرئيسية أو البطل " منير " تجعلنا ننظر للمرحلة الأساسية وهى الطفولة التى تخبرنا عن تكوين شخصيته تحت التأثير المزدوج للميول أو النزعات الغريزية وكذلك البنية الإجتماعية ووظائف الوعي والإدراك عنده بالتوازي مع الشعور بالذنب عند أبطال القصص التى جاءت بالكتاب الأحمر التى تحكى دوافع وغرائز الأرواح المسجونة ومالذى أدى بهم إلى الإنتحار أو القتل ؟!
وقبل أن ندخل إلى التحليل الأدبي للنص
نتوقف عند ما كتبه تودوروف الفيلسوف الفرنسي الذى قدم شعرية النثر وفى نظرية " الفانتستيك " تناول فيها بعيدا عن النوع الأدبي وإشكاليته فتناول معقولية الأحداث فى النص الأدبي ولا معقوليتها وحدد جوانب العمل الأدبي وتحليله مثل الجانب اللفظي اي خصائص التلفظ من ناحية الإبداع والتلقي ثم تناول الجانب التركيبي أي أنماط التتابع المنطقية والزمانية والمكانية داخل النص ثم الجانب الدلالي وهى تيمات العمل الأدبي وهى جوانب متبادلة ومعقدة ولا يمكن فصل أحدها عن الأخر.
********
ففى مذكرات نزيل جهنم لا بد أن نتوقف عند :
- معقولية الأحداث ولا معقوليتها
- جوانب الإبداع فى العمل مثل الجانب اللفظي وخصائص التلفظ فكل كلمة وجملة لها دلالة ولها مكانة فى النص.
- الجانب التركيبي وكيف تم بناء النص وأنماط التتابع المنطقية والزمانية والمكانية داخل النص.
- الجانب الدلالي للعمل ككل ..
مما تقدم نجد أن مذكرات نزيل جهنم
نصا أدبيا له عمق ودلالة ومعنى وليس مجرد رواية رعب نقرأها للتسلية.
هناك تساؤلات للكاتبة وهناك هدف
وراء ذلك التشويق الذى تعمدت الكاتبة تقديمه وطرحت من خلال السرد سؤالها الذى كان العمود الفقري للنص ؟!
******
التحليل الأدبي :
قبل ان نذهب إلى التحليل الأدبي
نتوقف عند دلالة العنوان الذى يقول:
مذكرات نزيل جهنم
رواية مستوحاة من أحداث واقعية.
الكاتبة هنا تجذب انتباه القاريء منذ اللحظة الأولى لأنها إما أن تقصد تنبيهه أو أن الأحداث حقيقية وإما أن تقصد تشويقه وهنا نتذكر معقولية أو لا معقولية الأحداث كما قال تودوروف.
ثم يأتى بعد ذلك الإهداء فتقول:
إلى المواقف التى علمتني أن الحياة
تفاجئنا أحيانا بما هو أشد رعبا
من قصص الجن والعفاريت ؟!
نجد من خلال هذه الكلمات القليلة
أن الكاتبة تعد وتمهد للقاريء ما سوف تحكيه عن العالم الغريب الذى سوف تقصه عليه.
ثم تقول قبل أن تبدأ فصلها الأول :
هل يعلم أحد عن الحرب وويلاتها
هل يعرف أحدنا أسماء القتلى في الحرب العالمية الأولى
و في الحرب العالمية الثانية
وضحايا حريق الشيطان والموتى في زلزال هايوان
وقنبلة هيروشيما، وغرقى السفينة تيتانك، هل يتذكرهم أحدا؟
بالطبع لا أحد يتذكر أسماءهم
أو يعرفها
كانت تضج نشرات الأخبار بصورهم
وذرفت الدموع وأضيئت الشموع من أجلهم،
ثم ماذا؟
لا شيء !!
لقد طواهم النسيان.
فى هذا التمهيد نرى السؤال الذى ربما
بنت عليه الكاتبة روايتها وربما أرقها
ولكنها لم تصل إلى شيء
فقد أجابت بالفعل وقالت :
لاشيء ، لقد طواهم النسيان؟!
لأنه لا أحد يعود من الموت ليخبرنا
ماذا حدث هناك ؟ وهذه فلسفة أخرى لمضمون الرواية فهى تحاول ان تذهب إلى طرح الأسئلة حول هذا العالم مثلها مثل الكثير من الكتاب والفلاسفة الذين اهتموا بالميتافيزيقا والماوراء.
ونربط هذه المقدمة بآخر سطور الرواية التى تقول :
يبدو
أن الموتى يتمتعون بذاكرة قوية قادرة على استجلاب الماضي السحيق بقدرة تفوق قدرة الأحياء، ربما
لأنهم لم يعد هناك ما يشغلهم سوى الماضي، أما الأحياء فتمتلئ ذاكرتهم بالماضي وينشغل عقلهم
بالحاضر وتهفو نفوسهم إلى المستقبل، الموتى لا مستقبل لهم يطمحون إليه، وحاضرهم تحول ماضي لأهلهم
وأحبائهم، الموتى لا يملكون سوى ماضيهم، وهو كل ما يعيشونه في سجنهم الأبدي.
*****
والأن ماذا عن شكل الرواية وأحداثها ؟
الرواية تقع فى سبعين صفحة وهى كما قلنا رواية قصيرة مكثفة جدا غلب عليها الطابع والمشهد والسيناريو السينمائي ..ورغم ذلك
تقع فى واحد وعشرين فصلا أو مشهدا
بلغة السينما وقد وضعت عنوانا لكل فصل بأقوال وحكم مأثورة لكبار الأدباء
العالميين فقد بدأت بشكسبير:
الجحيم فارغا وكل الشياطين هنا.
"وليام شكسبير"وانتهت بماركيز:
إن الإنسان لا يموت حين يريد
بل يموت
حين يستطيع.
جابرييل جارسيا ماركيز
وما بين شكسبير وماركيز
تبدأ الأحداث بمشهد عودة منير ذلك الرجل القصير البدين العائد من مصحة للأمراض العقلية بعد أن قضى فيها عشرين عاما ، عاد إلى أرض الوطن
وتوجه إلى العمارة التى بها شقة أبيه وأمه فى الإسكندرية فيجد أثار الحريق وأثار الزمن وقد تمكنت من العمارة
يحاول ان يفتح باب شقته لا يستطيع فيظهر الرجل الثانى والشخصية الرئيسية الثانية فى النص وهو عم شاهين الرجل الثانى فى الرواية
وتبدأ الأحداث المرعبة والمثيرة
وسط الظلام وأثار الحريق ورؤية أشياء وأشباح تتحرك وتحرك أشياء من اماكنها ورؤية أشياء فى الحلم والكوابيس والواقع حتى يصطدم منير بكتاب أحمر ذلك الكتاب الذي من خلاله تروى الكاتبة قصص سكان العمارة الذين احترقوا فى الحريق الكبير الذي حل بالعمارة ومنير كان فى ذلك الوقت فى السادسة من عمره
ويحترق كل سكان العمارة بما فيهم أبيه وأمه وكان قد نجا من الحريق لأنه كان
خارج العمارة فقد أرسلته أمه إلى الفرن لتسوية كعك العيد لكنه يعود ويصطدم بالمشهد الرهيب
ليأخذه عمه معه إلى ألمانيا ويضعه بمصحة الامراض العقلية ؟
يقنع العم شاهين " منير "
أن هذا الكتاب الأحمر
كتبته الأرواح الهائمة لأنها سجينة فى عالم ما بين الدنيا والبرزخ ولم تستقر
وهي تنتظره ليحررها من سجنها
بأن يكشف اللغز ويأخذ بثأرها
حتى تستقر فى عالمها ..
يصدق منير شاهين ..ويبدأ فى قراءة مذكرات الكتاب الأحمر التى تحكي قصص كل سكان العمارة وماذا حدث لهم وكيف تلبست كل منهم الشياطين والجن حتى انتهوا إلى الإنتحار أو الحريق ..فهناك قصة الجارة "يسرية"
غريبة الأطوار التى أخبر شاهين عنها وخدع منير أنها أخته ولكنها كانت زوجته ..ثم تظهر الفتاة ريناد الجميلة لتكون الشخصية النسائية الوحيدة فى واقع الأحداث التى ليست فى الكتاب الأحمر الذى كتبته الأرواح وقد أكدت ريناد لمنير ذلك وأخبرته أنها تريد أن تتخلص من شاهين لأنه قتل ابيها وأمها ..
وقد نجت من الحريق مثله لأنها كانت عند جدتها ..
ويتوالى سرد الرواية مع قراءة منير للمذكرات فنرى على سبيل المثال الشيطان الذي يعشق الفتاة ويسجنها فى منزل يطل على البحر ويعشقها الصحفي الذي كان يسكن بالعمارة وعندما يكتشف ذلك تنتحر الفتاة لأن الشيطان قد اخذها لنفسه ويعود الصحفي ويحترق ايضا ثم نرى قصة الراقصة التى عشقها الجني ويظن زوجها أنها تخونه وتنتهي قصتها بالانتحار والحريق ..
وقصة تمارا التى يعشقها الجن حتى تنتهي بالانتحار من الفنار ..ثم قصة أنستازيا والشيخ المغربي الذى سكن فى البدروم
وحول حياة سكان العمارة لجحيم لاستخدامه السحر مع سكان العمارة
وتصل الأحداث للذروة حتى يظن منير أنه أحب ريناد التى تطلعه على سر شاهين وتقول له أنه يقتل كل من يأت للعمارة ليشتري أو يؤجر شقة بسم الكلاب الاستركلين القاتل ويضعه فى الشاي الذي يقدمه لهم ويدفن ضحاياه التى وصلت إلى أربعة عشر جثة مدفونة فى البدروم..
وما يؤكد ذلك النوتة الصغيرة التى كتبها شاهين بخط يده وأخذها منير دون أن يعلم شاهين عنها شيئا ..
لكن منير يكتشف حقيقة ريناد
وحقيقة شاهين وحقيقة كل الأحداث حوله وحقيقة الرجلين اللذان كانا يراقبانه ويظهرا مع شاهين ثم يظهر أيضا العم الذى القى بمنير فى المصحة العقلية بألمانيا ...
وتنتهى الرواية بمفاجآت كثيرة
تجعلني أتوقف عن سردها حتى يتشوق المتلقى والقارئ إليها ويكتشف بنفسه النهايات الغير متوقعة والتى تم رسمها بمهارة سيناريست أديبة لتكون المشهد النهائي وتضع كلمة " النهاية "
ونعرف هل كتبت الأرواح الكتاب الأحمر أم لا ؟
ونعرف أن الجميع مذنبون وأنهم
جميعا نزلاء وسجناء فى جهنم
وليس نزيلا أو سجينا واحدا.؟!
********
التحفظات :
مما سبق ورأينا تفكيكا للقصة ولمجموعة القصص بالرواية
يتضح لنا من عناصر الرواية رسم الكاتبة لشخصياتها بدقة شديدة ووصفها لهم من الخارج وتشريحها النفسي لهم وقد جاء السرد بلغة عربية بسيطة أجدها أقرب للعامية فلم تشعرنا الكاتبة أننا أمام لغة عربية فصيحة ولكننا أمام لغة مصرية عربية وقد ظهر ذلك ايضا فى الحوار الذى جاء بالعامية
اتسمت بالدقة فى اختيار الألفاظ.. ..وبالنسبة للمكان والزمان فلا أدرى لماذا اختارت أ/ شاهيناز تلك الفترة الزمنية التى كانت ما قبل وبعد الحرب العالمية الثانية فربما لم نجد ما يبرر ذلك فالحبكة والقصة تقبل الحدوث فى أي زمن وربما كان ذلك تحفظا شخصيا منى ليس أكثر قد يكون خطئا وقد يكون صوابا ؟
ولي تحفظ آخر ربما يكون سهوا
أو نسيانا أو ربما يكون قد تم تصحيحه فى النسخة الورقية .. عندما قال منير أن ريناد لم تترك له أي رقم لهواتفها ؟
المعنى الذى يقفز لعقل المتلقى ان اللفظ بلغة العصر حيث الهواتف النقالة وأيضا ريناد معدمة لا تملك ان يكون عندها هاتف حتى لو كانت الهواتف الأرضية قد دخلت فى تلك الحقبة الزمنية الى المناطق الفقيرة التى كانت بإسكندرية ومنها التى كانت تسكن بها ريناد..
التحفظ الأخير على العمل والذى قد يكون فى صالح النص عند البعض أو ضده عند البعض الآخر ..
هو المشهدية والسينمائية العالية التى قد تكون على حساب الشق أو الجانب الأدبي وفى صالح الشق السينمائي .. فإننا نرى كل مشهد عبارة عن مجموعة لقطات او قصص قصيرة فى كل فصل ومجموعة المشاهد كونت الحبكة وكونت العمل ورسمته ببراعة سيناريست تنفيذي يملك أدواته .. وكان من ابرز تلك التقنية رواية الأحداث واستخدام طريقة الراوي المتكلم وضمير المتكلم بلسان بطل النص منير او بلسان أبطال قصصه وكذلك طريقة الفلاش باك السينمائية
فى التنقل بين الماضى والعودة إلى الحاضر بين منير وشاهين أو بين منير وريناد وهكذا حتى تم وضع كلمة
النهاية.
******
وبالنسبة لعنواين أو عنونة كل فصل بحكمة أو قول مأثور ربما أيضا يتحفظ عليه البعض وأرى من وجهة نظري أنه كلما كانت تلك الأقوال لصاحب العمل والمؤلف كان أفضل كثيرا من أن استعير كلمات كتاب حتى لو كانوا عالميين بقامة ماركيز وباولو كويلو وشكسبير ؟!
وأري ان ذلك كان فى متناول الأستاذة شاهيناز جدا وكان قريبا منها عندما استخدمت نظرية الاحتمالات التى كانت تستخدمها عندما كان يقع منير فى حيرة من أمره ويكون مضطرا لاختيار حل سريع فيضع ثلاثة احتمالات ...
يختار أفضلها من حيث المنطق والعقل وقد كان ذلك من أبرز المواقف التى تقول أن ذلك الرجل الذى قضى عشرين عاما فى مصحة عقلية يفكر بالمنطق ويتصرف بحكمة ويختار بالعقل ؟!
وأخيرا أقول أن الرواية تستحق الغوص داخل أعماق أحداثها بتأني شديد حتى نفهم المضمون والحكمة وحتى لا نقع فى فخ أننا نقرأ رواية رعب..
لأن الرعب والمشاهد المرعبة كانت وسيلة لا غاية وليس أكثر.
*********
وليس أخرا ..
نستطيع أن نهنىء الأستاذة شاهيناز على هذا العمل الذى رغم تكثيفه واختزاله إلا أنه غني بالأحداث
والذي لم يأت ذلك عن فراغ
فهي كاتبة قصة قصيرة وكاتبة سيناريو
وقد وظفت ذلك بالفعل وأخرجت رواية
مذكرات نزيل جهنم.
مبروك أستاذة شاهيناز وكل التمنيات
الطيبة بدوام التوفيق والتألق والإبداع
والنجاح.
صابر الجنزوري
صباح الثلاثاء ١٣ / ٦ / ٢٣
****
نظمت مكتبة مصر العامة بسيوة ، تزامنا مع الاحتفالات باليوم العالمى للبيئة ، ندوة حول أهمية الحفاظ على البيئه وترشيد الاستهلاك خاصة في مجال المياه والطاقة ، والتوسع في المشروعات الخضراء وتقليل الملوثات ، وتدوير المخلفات . وصرح محمد عمران جيري مدير المكتبه بأنه تم تنظيم زيارة لزيارة مركز زوار المحمية و إلقاء الضوء عن محمية سيوة الطبيعية بكل مكوناتها من العصور الجيولوجية ، والنباتات الطبية والعطرية، والبيئات المختلفة، والطيور والحيوانات بالمحمية ، وجانب من تاريخ الواحة . كما تم تعرف رواد المكتبة على أهمية المحميات ودورها في الحفاظ على البيئة.
****
في إحدى القرى المجاورة كانت تعيش امرأة وابنتها ذات السبع سنوات وكانت هي الابنة الوحيدة لأمٍّ،وأبٍ لم تعد تراه منذ صغرها،بل يتراءى لها كلّ يوم في صحوها ونومها .لقد اختفى عن البيت منذ فترة طويلة وكانت متعلّقة بوالدها شديد التعلّق وقد شهدتْ حادثة اختفائه ومنذ تلك الحادثة أصبحت تشعرُ بأشياءٍ غريبةٍ في البيت وكأنّ صوتاً ما يُنادي عليها.لم تنسَ تلك الليلة المدلهمة الحالكة السواد عندما اقتحمَ الدارَ أُناسٌ بوجوهٍ فولاذية مُصفّحةٍ صبّوا نظراتهم على جسدها الخائف المرتعش،وقد التصقت بأمّها وعيناها مُسمّرتان على والدها الذي انهالتْ عليه الصفعات والركلات بأحذيتهم الثقيلة،فسالتْ دماؤه وعلا بكاء طفلته (وعد)،وسقطتْ الأُمُّ أرضاً بعد أنْ اقتادوه معصوبَ العينين إلى ساحةٍ مُقفرةٍ خارج الدار ،وعلّقوه على جزع شجرةٍ هرمة وانهالوا عليه ضرباً.
حشدتْ الطفلة قواها وجرتْ نحو الشجرة لم ترَ أباها ،ولم ترَ هؤلاء المجرمين لأنهم لاذوا بالفرار .وأصبحتْ منذ ذلك الوقت تبحث عن والدها بينَ البيوت المتهالكة والتي تحتضنْ بعضها كي لاتتهاوى وهي غارقةٌ في صمتٍ حزين لاختفاء والدها الرجل الطيّب،الحنون ذو السمعة العطرة…كانت الطفلة وعد كلّ يومٍ تخرجُ من البيت دون مرأى أمّها عسى أنْ تلتقي بوالدها وتعود برفقته إلى البيت لكن هيهات…وتوالتْ الأيام وهي على تلك الحالة وازداد شعو رها بأشياءٍ غريبة تُلاحقها في نومها ويقظتها فأصبحتْ تنظرُ للأشياء من حولها نظرةشديدة التحديق وعندما تنظرُ بالمرآة كانتْ تشعر كأنّ أحدهم يُشاورُ لها ليأخذَها إلى حيثُ مكان أبيها… وكأنّها تسمعُ صوتاً يُناديها:(تعالي يا وعد مازلتُ أنتظرُكِ يا صغيرتي)
والغريب أنّ تلك الصغيرة رغم فزعها الشديد من ذلك لم تخبر أُمّها.
كانوا يسكنون بقريةٍ بعيدةٍ عن المدينة كادتْ تكونُ مهجورةً لقلةِ الأشخاص الذين يسكنون بها.وكانتْ والدتُها تخرجُ من البيت لتأتيَ لها باللبن من أحد الماعز في مزرعتهم المجاورة،وتترك ابنتها جالسةً تُداعبُ لعبتها الدّمية التي كانت تُحدّثُها:(مازلتُ أنتظرُكِ يا صغيرتي)
ولكن كيفَ لدميةٍ أنْ تتحدث؟وبدأَ الوضعُ يزدادُ سوءاً وبدأ التوتر والخوف يظهر على وجهها الشّاحب،وجسدها الهزيل،حيثُ توقفتْ عن تناول طعامها.لاحظتْ والدتها هذا التغيير الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم فأسرعتْ بها إلى الطبيب النفسي في المدينة المجاورة وبدأ الطبيب يسألها:
مع مَنْ تعيشون ؟ وأينَ والدُكِ؟فعندما أوشكتْ أنْ تخبره عنْ اختفاء والدها سقطتْمن جيبها صورة والدها على الأرض نظرَ الطبيب إلى الصورة بدهشة،وحيرة لكنه لم ينفس ببنت شفة بل التقطها بسرعة ووضعها على مكتبه( ووعد)تنظر إليه بعصبية شديدة وعيناها تلاحقان مكان الصورة.
تابع الطبيب أسئلته بشكل طبيعي موجهاً كلامه للطفلة(وعد)كيف اختفى؟ومتى ؟
غيّر نبرة صوته موجهاً أسئلته للأم:وهل شهدتْ ابنتكِ حادثة اختفائه ؟أجابتْ الأم:نعم فقد كانت حادثة مُريعةجداً وأخذتْ الأم تقصّ للطبيب عن تلك الحادثة ،أجابها الطبيب ابنتكِ تُعاني من اضطرابات ٍ نفسيّة مابعد الصدمة فبداتْ تدخل في حالة من الاكتئاب ،وتهلوسُ بأشياء،فصورة والدها محفورة في أعماقها ،وروح والدها تُناديها:مازلتُ أنتظركِ.
وبينما هما يتجاذبان أطراف الحديث وبشكلٍ سريعٍ كالمح البصر التقطتْ(وعد)صورةَ والدها المركونة على مكتب الطبيب وأخذتْ تجري وتجري إلى أنْ وصلتْ إلى تلك الشجرة حيثُ والدها ينتظرها هناك.وجرتْ الأم وراء ابنتها كالصاعقةوما إنْ وصلت إليها وجدتها تجهشُ بالبكاء وهي تحتضنُ صورةَ والدها وتتمتم:انتظرتكَ طويلاً يا أبي ضمني بقوة إليكَ ولاتتركني أبداً
سمر الديك - سورية / فرنسا
****
ذات صباح خرج من بيته على غير هدى؛ كانت تتجاذبه مجموعة من الأفكار المختلفة ، هل يتجه نحو السوق أم يذهب الى الغابة أو البحر ؟ في النهاية قرر أن يتجه إلى السوق ، بدأ يتحرك بخطى متثاقلة وهو يمر بأزقة ضيقة تفوح فيها رائحة المجاري النتنة .. جدران المنازل حوله أرهقتها عوامل التعرية وتصدعت فاصبح النظر إليها يجلب الحزن للنفس ويعكر المزاج. رغم وجود كل هذه الصور الكئيبة حوله كان الناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي ، تلمح الرضا في وجوههم الطيبة التي لايظهر عليها أي أثر للانزعاج أو الإمتعاض ، إلا أنه لم يستطع استشعار مااوصلهم لتلك الدرجة من الرضا التي يراها في نظره زائفة وغير منطقية هكذا كان احساسه. فاق فجأة من صدمة الأفكار السالبة التي كانت تلازمه طوال الطريق فهاهي أصوات الباعة في السوق قد بدأت تطرق أذنيه .. إنه الآن على مشارف الوصول ، المحلات التجارية لاحت له من بعيد ، رائحة الطعام المنبعثة من المطاعم الشعبية داعبت ذائقته الشَرِهة وحركت الجوع في بطنه فتراءت امامه أطباق الكبدة ولحم رأس الخروف المشوي وأطباق السلطة والمقبلات ، أدخل يده في جيبه الذي لم يكن فيه غير بضع جنيهات لاتكفي لشراء كيس خبز واحد !! استجمع افكاره واسقط ما لايلزمه منها في تلك اللحظة. ساقته خطاه نحو البنك عله يجد من يتكرم عليه ببعض المال ليشتري ما تشتهيه نفسه. وقف أمام البنك تحدوه جملة من الآمال العراض. سال لعابه وهو يراقب الموظف الذي انهمك في حساب مجموعة من الأوراق المالية خيل إليه أنها من فئة المائة دولار ، لم يفكر في الدخول خشية أن يتعرض لمساءلة ما . ظل خارج البنك يسترق النظر خلسة عبر واجهته الزجاجية الملونة الانيقة ، بين الفينة والأخرى كانت نظراته تنفذ عبر الزجاج بشراهة لا متناهية فيمعن النظر جيدا ليتفحص أروقة ذاك الصرح العملاق الذي حشدت فيه ارقى تقليعات فن العمارة ، كان قد كتب في مذكرة الأماني بمخيلته أنه يريد أن يشتري فيلا جميلة على الكورنيش تحفها حديقة غناء وتحتوي على حوض سباحة كبير يمارس فيه هوايته المفضله ويتزوج فتاة أحلامه تلك التي رسم لها صورة افتراضية في خياله فهو يريدها ممشوقة القوام بيضاء وشعرها أسود ولاتعنيه بقية التفاصيل .. قتلت تلك الأحلام في المهد بعد أن طلب منه رجل الأمن مغادرة المكان في الحال؛ كان يقف مباشرة تحت لوحة تحذيرية كتب عليها ( يرجى عدم الوقوف في واجهة البنك ) .
****

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق