طه يكل
مصر
على منفذ توزيع التذاكر الطابور ممتد ، والقطار على وشك الوصول
،
الكل يستحث الصراف على سرعة صرف التذاكر ،
الوقت يمر ،
والخوف يسيطر على الجميع ،
تتعالى الأصوات ؛
فجأة رآها سعيد مقبلة نحو طابور النساء الذي يبدو أقل ازدحاما !
سعيد أحس بالاختناق من طول الوقوف ،
هو ذاهب لمناقشة رسالة الدكتوراه ولو تأخر ربما ضاعت الرسالة
ناداها بصوت خافت :
اتأخرت ليه يا نجوى ؟
خدي هاتي التذكرتين قبل القطار مايوصل
تناولت النقود مترددة وذهبت إلى الصراف استلمت التذكرتين سلمته
واحدة واحتفظت بالثانية وعلى ممر الوصول قالت له لست نجوى ؟
قال لها : والنقود ثمن تذكرة واحدة
وترافقا في السفر وتعارفا سريعا ووصلا إلى نهاية الرحلة
وتبادلا العناوين وأرقام الهواتف حدثت نفسها إنه هو !
خاالد !
ليس هو!
إنه يشبه زميلها خالد الذي كان يرافقها في سفرها إلى الجامعة
ليحميها في شدة الزحام ؛
طلبها بالهاتف ليحدد موعد الزيارة لخطبتها فاعتذرت بأدب إنها
باقية على ذكرى خالد ،
ووعدته ألا تكون لغيره يوما ؛
لكنه رحل في حادث وأحست برغبة في البكاء لكنها تذكرت خالد وهو
يربت على كتفيها مطمئنا إياها أنا بجانبك يانجوى ولن أتخلى عنك أبدا .
عندما بكت السماء
شتوح عثمان
الجزائر
-كانت
السماء مكفهرة، تلبدت الغيوم بلون رمادي قاتم، وراحت الرياح تهب بقوة وكأنها تهمس
بسر غامض لا يدركه أحد. في تلك الليلة، وقف "ياسين" أمام نافذته
الصغيرة، ينظر إلى السماء المتجهمة وكأنها مرآة تعكس مشاعره المكبوتة. فقد كان
قلبه مثقلاً بالحزن، وعيناه ترقبان الأفق البعيد بحثًا عن إجابة لم يجدها بعد.
-في
قريته الصغيرة التي تحيط بها الحقول الخضراء، كان ياسين معروفًا بهدوئه وصمته. لم
يكن شخصًا كثير الكلام، لكنه كان يحمل في داخله عالماً مليئًا بالمشاعر التي لا
يستطيع التعبير عنها. كان وحيدًا بعد أن فقد والديه في حادث مأساوي منذ سنوات، ولم
يكن له في الحياة سوى جدته العجوز، التي كانت تحاول أن تملأ الفراغ في حياته
بكلماتها الحنونة وحكاياتها القديمة.
-في
ذلك المساء، شعر بشيء مختلف، كأن شيئًا ما على وشك الحدوث. خرج إلى الشرفة، فهب نسيم
بارد جعله يضم معطفه إلى جسده النحيل. سمع صوت خطوات تقترب، فالتفت ليجد
"ليلى"، جارتهم التي لطالما كانت تواسيه كلما شعر بالوحدة. كانت تحمل
مظلة صغيرة فوق رأسها، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحها.
"ياسين،
هل أنت بخير؟ رأيتك تقف هنا منذ مدة."
-نظر
إليها بعينين حزينتين قبل أن يجيب بصوت خافت: "أنا فقط أفكر... في أشياء
كثيرة."
-اقتربت
منه وقالت برقة: "أحيانًا، يكون التفكير المفرط عبئًا علينا. تعال، لنتمشى
قليلًا، ربما يساعدك ذلك."
-ابتسم
ابتسامة خفيفة وأومأ برأسه موافقًا. خرجا معًا يسيران في الأزقة الضيقة، بينما
كانت الرياح تعصف حولهما، تحرك أغصان الأشجار وتبعثر الأوراق اليابسة في كل مكان.
كانت السماء توحي بأنها على وشك أن تبكي، لكن المطر لم يتساقط بعد.
-أخذ
ياسين نفسًا عميقًا وقال: "أتعلمين يا ليلى؟ أشعر أحيانًا أنني سجين الماضي.
كلما حاولت المضي قدمًا، أجد نفسي عالقًا في ذكرياتي، كأنها قيد لا أستطيع كسره."
-تأملته
ليلى للحظات ثم قالت بصوت دافئ: "لا بأس في تذكر الماضي، لكن لا تدع الذكريات
تحرمك من عيش الحاضر. لكل شخص حزنه، لكن علينا أن نجد سببًا للاستمرار."
-في
تلك اللحظة، بدأت أولى قطرات المطر تتساقط، خفيفة لكنها باردة، وكأن السماء
استجابت لحديثهما وبكت معه. رفع ياسين رأسه لينظر إلى السماء، فشعر وكأن هذه
القطرات تغسل روحه، وكأنها رسالة من القدر تخبره بأنه ليس وحيدًا في حزنه.
-قال
بصوت متأمل: "أحيانًا، أعتقد أن المطر يحمل أسرارنا ويبكيها عنا."
-ابتسمت
ليلى وقالت: "وربما يمنحنا بداية جديدة أيضًا."
-استمر
المطر في الهطول، ووقفا هناك تحت السماء الباكية، يدركان أن الحياة رغم قسوتها،
تمنح دومًا فرصًا جديدة للنهوض. وفي تلك الليلة، لم يكن ياسين وحده في حزنه، بل
كان هناك من يشاركه المطر والأمل.
الحب المعتق
أركان القيسي
العراق
لفت الشمس أدراجها وهي تهوي خلف الجبال والتلال، عدت بأغنامي
أتوسطها أمتطي صهوة حماري وأنا تغمرني الفرحة حيث أجراس الأغنام تشق طريقنا
الترابي وهي تقترب من القرية
تعلو أصواتها....
وبعد نهار طويل متعب تستقبلني العائلة مع قطيع أغنامي حيث
تربطني بهذه الحيوانات محبة لا أستطيع أن أرسمها للناس
أمي: أهلا ساعدك الله ادخل إلى الحمام واغتسل جيدا حتى يذهب
عنك العناء والتعب...
أبي: يا بكر، وبيده وهي ترتعش يحمل لي كأس الماء البارد اشرب
ليذهب عنك الظما ...
أنام صيفا على سطح بيتنا الطيني حيث السماء صافية والنجوم
تتلألأ، وأنا لمحبتي أكلم غنيماتي فلانة فلانة حبي لها منقطع النظير، حتى أبي
يمازحني تحبها أكثر من والديك يا فتى!!! يضحك الجميع...
كان ( نصور )كلبي الوفي وحماري ( وثيق ) من أعز أصدقائي
يساعدانني على خدمة الأغنام...
وفي سنة من السنوات عدت إلى ذلك النهر أجالسه والحزن اضناني
والهم يلبسني والقهر يأكل بصدري!!!
سمعت هاتفا يكلمني ما دهاك يا رجل؟! ما سبب هذا الانكسار؟!
رددت عليه وهو خلف شجرة الصبار، وقلت له لقد تعرضت قريتنا
لهجوم ليلا ...
خرج الناس بأرواحهم وتركوا البيوت والأموال يستغيثون
وبعد ثلاث سنوات رجعنا وقد أزيلت البيوت من وجه الأرض
وفقدنا حلالنا وأعز ما نملك، ذهبت الأغنام والحمار والكلب
الحب الذي كان يعسس في قلبي قتلته يد المنون!!!!
طيب حاول أن تجمع قواك وتبدأ من جديد في بناء حبك القديم
لا، من الصعوبة في مكان أن أجد تلك الوجوه، فقد كبرت وتوفت
والدتي وأبي الآن مقعد وخسرت إخوتي، فلا طعم للحياة بعد ذلك الحب الربيعي لغنيماتي
بوسط أهلي.....
طيب من أنت؟ عرفني عليك قبل أن ترحل فقد كلمتني كثيرا....
أنا حبك القديم صرت من أهل ذلك العالم الجديد سأنتظرك
سنلتقي في يوم ما....
جثا الرجل على ضفة النهر وهو منهار، لا شيء عنده يخسره قرر
بلحظة خاطفة، ثم هوى على رأسه في النهر.
رزازٌ يُبلِّل المطر!
مبارك إسماعيل حمد
السودان
كان المطر خفيفًا، يدافع عن قطراته من جحافل الرذاذ المتسلّل.
مساءٌ باهت، لا نكهة فيه سوى صمت النساء.
وقفتُ في وسط الساحة المهجورة، والكوب في يدي اليسرى لم
يفارقني، كأنني غائب عن وعيي... وعن العالم كلّه.
لا أظن أحدًا يعلم كم من الوقت مضى وأنا هنا، فاغرًا فم الكوب
كأنني أستقطر من السماء وعدًا نسي أن يسقط.
عيناي لا تبارحان وجه المطر، وأذناي لا تفارقان همسه، ذاك الذي
لا يسمعه سواي.
آه... إنه عبيرُ وعدٍ يسبق حضورها، موسيقى خفيفة كعزف مندولين،
تقترب بصوتها العذب وتسأل:
— أتبحث
عن ظلّ؟
حدّقتُ في وجهها الجميل، ولم أُجب.
فقالت بهدوء:
— الظلال
لا تُمسك، لكنها تراك... تتبعك إن كنتَ صادقًا.
نظرتُ حولي، عبثًا تنكسر ألوان الضوء على وجه الغدير بيننا.
صرختُ بمرارة:
— هل التمنّي
يمنح حديثها طمأنينة؟! كلما أردتُ ظلًّا، عاد طنينُ وعدٍ لا يُسكب في كوبٍ فارغ!
ضحكت، واقتربت. رائحة أنفاسها تدنو، كأنها تهمس في أذني بسرّ:
— الوعد
ليس شكلًا يا هذا... بل يُزرَع. وبين يديك كوب، ليس من تراب!
سكتُّ، ثوانٍ فقط، قبل أن تطفو دموعٌ قديمة في عينيّ، وهمستُ:
— أحقًا
كلما زادت أخطاؤنا، شربنا من كأسٍ نظنّه قربًا من الكمال؟ أم أننا نغرق، ونحسبها
سباحة؟
ناولتني ورقةً مطويّة، خبّأتها بين خطوط كفّها، وقالت:
— خذها.
لا تقرأها، فقط احملها... ودعها هي تقرأك.
أخذتُ الورقة... لتقرأني. وانهمر الرذاذ، يسابق قطرات المطر.
قبّلتُ ثغرها، فذقتُ طعم الفراولة ممزوجًا بهمسة:
— هل
سيظل السؤال مفتاح الغياهب؟
فاجأتني بابتسامة دافئة، وقالت:
— نعم،
طالما لا تزعم أنك تملك الإجابة.
بقيتُ أنا وظلّي وجهًا لوجه.
لم أعد أنتظر المطر، بل أفهم صمته.
الورقة ما زالت مطويّة، لكنني بدأتُ أتعلم كيف أُقرأ من خلالها.
والوعد... صار سطرًا لم يُكتَب بعد،
لكنني مستعدٌ أن أكتبه، بالحقيقة.
وجود مرتبك
اياد خضير
العراق
الموجة المليون تعبر جانبي الأيسر، تترصّد تحركي وهي وجلة،
وكنت وجلاً ألا أكون قد ضبطت العدَّ، فأحمل طبق الشموع، وأحتفل بالعيد .. الموجة
المليون كانت موجة كالأخريات، لكنها مهمّة، مهمّة جداً، أن يتذكر الإنسان مسافاته
عبر الزمن.. ويغمض الجفن وتنزل الأستار، وأراقب الشمس التي بدأت تنزل في جوف البحر
لتنظـَمَّ إليَّ... تتبدل الزرقة إلى قتامة، وينتشر الاحمرار أجنحة على جهتي
الغربية، ويعتلي قوس قزح منصته ليعلن إفلاسي من القضية، فتنتشر في القبّة بصمات
قضية لا تمحى حتى بعد أن أغمض جفوني على منافذ الضوء، وتحال أجنحة الخيال الوردية
إلى كواسر تنهش بالأظافر طريق الوصال، وطريق العودة..
وتخرجُ الجموع إلى الشوارع حاملين على الأكتاف صواري اللافتات،
وترتفع الأصوات، وترتفع.. أحاسيسي سألت ذات يوم ..
مَن أنت؟
قلت:ــ أصَم .
سألت:ــ ما اسمك؟
قلت:ــ لست ُ أنا .
سألت:ــ أين تسكن؟
قلت:ــ أعمى ...
قالت:ــ يا ويلتي إنك حبيبي، وحبيب أعمالي.. فاندمجنا بوصال..
فولدتني رجلاً داخل بحر متلاطم، وقبة تتغير في لحظة السرور إلى البكاء، وتتشنج
أعصابي، وتتغير الألوان، ويغزو الظلام عظامي.. وترتطم الموجات السود بأسناني،
وأعدُّ ما بعد المليون حتى نسيت العدّ، وبقيت أنتظر السكون، ليجهش بالبكاء، عسى
الألوان تتغير فأحصي وقتي السائل من جديد..
الشوارع تموج، والصرخات تعلو وتعلو على أصوات الرصاص ..
الدبابات تسحق العظام، ويسيح الدم ليملأ حُفـَر الشوارع، وترتفع ألسنة النيران،
وتتأجج الحمى، والجماهير تسير وتصرخ، وتصرخ... الألوان تتغير، أسود، وأحمر، ونجمات
فضية تعلو القبة، وتسير الرياح، وتتحرك الأمواج نحوي، وتتحطم على أسناني، لتعود من
جديد، تتكوّن، تتوالد، وتمضي مسرعة، تمضي وتختفي، والنجوم تعلو زاهية، والليل خيمة
للاشتياق، والصمت يبدأ بالكلام:
ـــ ما هذا اللغط؟
ـــ إنّه العنفوان، والتحدي .
- ما
هذه الحمى المُحرقة؟
- إنها
الصرخة الحبلى بالأشياء الكبيرة .
وما زالت القبّة خيمة، تنتظر الرحيل، وأنا مشعل، مثخن
بالاشتعال، من الداخل تتوالد الهزات، وتنمو الرموز، تتوثب أبداً، ترتطم بجدار
الداخل المطل على الخارج أبداَ .. تغزو المحيطات، وظلام القبة .
في ذلك الصيف الحارق، بدأت أصنع الدمى من الفخار، وأشويها تحت
الشمس الملتهبة، وكنت أضع التعابير في الوجوه والأطراف، أنحتُ بشراً، أستسيغ
معرفتهم.. أريدهم كما أحب، تملأ وجوههم الطيبة، والشدة، وتفوح من أرواحهم العزيمة
قبل كلّ شيء، بعد أن فقدت أملي في العثور على نماذج معدودة مما أريد.. وطوّقت
الجبال بالدمى، فأزلتُ غطرستها، ونمت ليلتها إلى الصباح قرير العين..
وفي تلك الهزيمة النكراء فقدتُ ساقي، وأنني أعرف بالتمام لماذا
فقدتها دون غيرها، أو أن هناك أشياء أهم، فقدتها دون إرادتي؟
كانت المحاورة ترهقني، وأنا أخوض غمار حمى كثيفة تسللت إلى
جسدي كما تتسلل المياه في أرض رخوة.. وبدأت أعيش مأساة، تبدأ من الكرامة المجروحة،
وتنتهي عند ساق ٍمصابة. . أصيبت جرّاء القصف..
الموجة الألف، بعد الألف، في الساعة الألف، والدقيقة الثانية..
والرابعة.. الى الخمسين، غادرت أسناني، وما زلنا بخير وملابسنا نظيفة، وأظافرنا
مقلمَة, وشعرنا ممشط على مرآة الماء الأزرق..
ونخرج إلى الزقاق، صبية بعمر الزهور، بلون الطيور، نظيفين،
أبرياء .. وتلفحنا الشمس، تحرق وجوهنا.. وينزل المطر، يبصق على ملابسنا، نفرح،
نهتز، نتشنج.. وقد بدأت أصارع الحياة.. أعدّ الموجات.. أعد الثواني.. وعندما سيصبح
عمري، خمساً وستين، ستحسرني المياه إلى جوفها، لتحصل الأسماك المتوحشة، على وجبة
جاهزة. نظيفة، سليمة الأسنان واللسان والأيام. ..
الموجة المليون بعد المليون بعد المليون، ورأسي يطفو على السطح
.. الجموع تتلاحم، الجموع تتصادم، تتباعد، تنفصل، تتلاحم من جديد، ورأسي يدور،
تصطدم به الموجات بعد الموجات من كلّ الجهات، موجة عالية تعبر رأسي، وموجة راسية
عند الأنف، وموجة هادئة تعبر دون ضجيج، تعقبها موجة هادرة، ورأسي يدور كل مرة إلى
جهة، وكأن الموجات تقابله أينما اتجه، والبر بعيد، في الأفق، لا أراه، وأنا أكاد
أغرق، والغريق كما قالوا، يبحث عن قشة، فأين هي القشة.. الرياح تزمجر أحياناً
وأحيان أخرى تهدأ .. مرة تضرب الرأس، ومرة تدغدغه، مرة تدفعه عن مكانه، ومرة تعيده
إلى غير مكانه، ومرة، ومرّة، وفي الأذن وشوشة، وفي العين غبش .. وضاع حساب الموجات
من جديد، ولم يبق إلا البحر الساطع يتموج إلى البعيد، إلى بعيد الزمن، والهواء
ينعش الجسد والرأس، ولا ينعش الضمير، وينزل المطر خيوطاً، وتشرق الشمس، فتهب
ألوانها جذابة.. يصحو الرأس سريعاً، ويتبلل الريق بعد اليبوسة، وتتكون الحلقات،
وتتلاشى في اليَم، ويتوقف المطر، ويعم الهدوء، وتسير الموجات، كل الموجات، بتظاهرة
في طريق واحد، قاصدة جهة معلومة في الأفق، تحتضن البرد وتعانقه.. وفتحت عيوني
مجدداً، أعدُ الموجات، موجة إثر موجة.. موجة.. إثر..م..و..ج..ة...
اللوحة
نداء القره غولي
العراق
مدخل (أقف هنا... لأنقب في جوف الذكريات المتعفنة ... بيت جدي
كل شيء فريد فيه) ...
تتأرجح أركانه بسنين حُبلى مُتعسرة ... جدرانه عُلقت عليها
إطارات سوداء لصور العائلة, تحمل إبتسامات بليدة مُتشابه ... إلا اطاراً واحداً
كان لونه شاحباً، غُلف بإبتسامة ميته يطامنها الإنكسار... لوحة (لبيت جدي) كانت
مُعلقة على حائط أصفر اللون, تقابلها ساعة ارقامها سوداء ذات حبر متيبس قديم ...
وعقارب مترهلة بالية ...كنت صغيراً اقف لساعات أتأمل تلك اللوحة ... كان جدي يجلس
وينظر إليها طويلاً ... أقف بجانبه أسمعه يهمهم ... سوف تُغرس شجرة اخرى مكانك ...
شجرة فاسدة لا ثمر فيها ... يطأطأ رأسه... تخرج من عينيه دموع متحجرة غادرت وطنها
منفية ... يقف ... يقترب من الصورة قائلاً:
لا تموتَ... هذه الذكرى... باقية لا تموت...
جدي الوحيد الذي يعرف بقسمات ذلك المكان , فغرفه متهالكة
صماء.. أبوابها مُقفلة, وجدرانها متصدعة تملئها الشروخ المحدبة ... يتدفق اليأس من
مساماتها... لونها كلون التراب... يشبه لون وجه جدي!!...
كان يحرص على جلوسنا بغرفة الصالون ... و تحت أرجلنا حصيرة
رمادية عتيقة... يراقب أبنائه بحذر يعرف نواياهم.. خاصة الشريرة منها...
دائما ما كان يحرص على استنطاق السكون... يُحرك الأشياء
الرابضة, عبر آهة خارقة للعادة قائلا:
- سوف
تبقى لك سمعة البقاء سوف أقاوم زوالك ...
يحاول أبي الاقتراب من (لوحة البيت)... ينتفض مرتعشاً:
- توقف...
أصابعك دبقة... لا تلمسها.
- أصابعي
نظيفة ....(لوحة البيت دبقة)!!!...
- ليست
كذلك ... يا لكَ من نطفة اثم عاهرة !!!...
- ماذا
تريد من بيتي؟!!
- أبي
أردت تنظيفها فحسب!!
- لا
تقترب منها.. حتى أكون ميتاً... فبيتي (مقدس) لا تندسه بأزاميل أفكارك المتعفنة..
يصرخ جدي مُنفعلاً: ماذا سيفعل بيبتي قاصر التكوين هذا؟؟؟!...
أصبح جدي مُضخماً بصراخات مُرعبة..
...استيقظت....
جموع من الناس تحتل البيت... بكاء كاذب لأبي ... ارتعشت أين جدي؟؟ ... خطوت نحوه
رأيته مُغمض العينين ... على خديه بقايا دموع مُتيبسة... بكيت بأسى مرير, كان
منحني الرأس كفروع شجرة دفلى هاجمتها رياح صفراء عاتية... جالسا قرب لوحة البيت
ضممت صدره ... هل رحل جدي ...تبدد صبري؟؟!! نظرت ...لازالت اللوحة تحتضر.. تقارع
إطار الصمت.. لازالت عقاربها لم تهضم سُحب الغبار المتراكمة ...
بعد مراسيم الدفن... رجع أبي إلى (بيت جدي) مع رجال اثنين..
كان أبي يضحك بصمت ...أدركت... ثمة أمور تجري بالخفاء!!
نطق أحد الرجال...
- تحقق
حلمك يا صالح متى تفتح خمارتك؟؟؟
- ابتسم
أبي .. قريبا ستشرب الذ أنواع الخمور...
استغربت حديثة ماذا كان يقصد؟!!! ...
استمر : سأجعل هذا البيت مقمرة يباع فيها العرق المخمر فقط
..فهو صنفي المفضل ... سأجلب الراقصات ... ستعلو الموسيقى ... أنهار من النبيذ المحرم
...سأطلق أفكار ذلك العجوز ... سيكون أول افتتاح غداً... ستكون دعوة عامة للهو
والعبث ... سأجعل تلك الساعة الصامتة تعمل... سأرقص على إيقاع دقاتها حتى الغمر...
في صباح اليوم الثاني الباب يطرق...
يفتح أبي الباب مسرعاً : تفضل... هناك أمر بأخلاء هذا البيت ...
صمت أبي ... ثم أردف صارخاً:
كيف؟؟! -من من أنتم ؟؟؟
-لقد
سجل أباك بيته في السجل العقاري كوقف ( لبناء مسجد ) باسم(مسجد أبو صالح) عليكم
الخروج اليوم فنحن في عجلة ...
...
أتممتُ الركعتين... خطوت نحو الساعة كانت تعمل بشكل جميل, وقد
زُين إطارها باللون الأبيض, وأرقامها استبدلت بحبر أزرق, يا له من جمال!!...
إنبثقتْ عيناي نحو لوحة البيت.. لازالت كما هي (فقد طلب جدي منهم أن لا يزيلوا
اللوحة والساعة عند بناء المسجد ) راودني طيف جدي.. يصلي في إحدى زوايا المسجد
مبتسماً ...
. ....
ذهبت...
أوراق مبعثرة
أحلام شحاتة أبو يونس
مصر
فتش بأوراقه القديمة عن شئ يذكره بها لم يجد سوى بقايا وردة
ذابلة كانت قد أهدته إياها سقطت من عينيه دمعة على الأوراق لملم أوراقه وضعها داخل
كرتونة متهالكة ركلها بقدمه تحت السرير لعن نفسه كبرياءه وسكب على رأسه ماءا باردا
رأى وجهه في المرآة وجها لم يره من قبل مليئ بالتجاعيد أشيب الرأس طويل الذقن باهت
النظرات جفف شعره والماء الساقط على كتفيه وصدره بخطوات مسرعة دخل المطبخ لم يجد
ما يأكله إرتدى باقي ثيابه هرع إلى المطعم المجاور لمنزله جلس ليأكل أمسك بجريدة
يتصفحها قتلا للوقت رأى صورتها أمعن النظر : هى بالتأكيد قرأ الكلمات المكتوبة
أسفل الصورة فز واقفا إصطدم بالجرسون وقع الشاى على صدره ساخنا ذهب يترنح تحجر
الدمع بعينيه إرتمى على الأرض فتناثرت من يده الجريدة طارت على وجهه ورقة مكتوب
بها (البقاء لله) وصورة لإمرأة .
موتيڤ
نبأ ميثم سلمان
العراق
الساعة الثانية عشر عند منتصف الليل.
أجلس على الأرض، تحيط بي الكتب من كل جانب، أتهيأ لاختبار يوم
غد.
في تلك اللحظة، انقطعت سلسلة أفكاري بسبب صوت الهاتف. بحثت عن
مصدر الصوت، فوجدت هاتفي ملقى أسفل السرير.
أخذت الهاتف، فظهر إشعار من تطبيق فيسبوك:
(تم
الإشارة إليك من قبل فرقة موتيڤ)!
لم أُعر الأمر أهمية، رميت الهاتف فوق الكتب وعدت إلى المذاكرة.
بعد نصف ساعة تقريبًا، شعرت بعطش شديد. خرجت من الغرفة لأشرب
الماء، وقررت أن أحمل معي قدحًا وأضعه في الغرفة.
لكن حين عدت، تفاجأت بأن الأضواء كانت مطفأة!
لا أذكر أنني أطفأتها عند خروجي.
أشعلت الضوء، وبدأت عيوني تتفحص المكان، فلم أجد شيئاً.
عدت إلى مكاني، وضعت كأس الماء إلى جانبي، وفي تلك اللحظة بدأ
الخوف يتسلل إليّ. ربما الإرهاق جعلني أنسى أنني أطفأت الضوء...
عدت للمذاكرة، وبعد عشر دقائق تقريبًا، تناولت الكأس لأشرب،
فرأيت الكأس ممتلئًا بالدم!
صرخت ورميت الكأس على الأرض بفزع!
تحطم الكأس، وانتشر الماء على الأرض. كان الماء صافيًا تمامًا،
لكن الكأس نفسه ملطخ باللون الأحمر!
نظرت إلى هاتفي، وعندما أخذته وجدت تحت الهاتف نفس اللون
الأحمر، لكن الهاتف نفسه نظيف، لا يحمل أي أثر لذلك اللون...
خرجت من الغرفة بفزع، وذهبت إلى غرفة أمي، كانت نائمة، وأبي في
رحلة عمل. نمت بجانبها وخلدت في نوم عميق...
لكن في نومي، شعرت بشيء يمسكني من رقبتي، يحاول خنقي!
أردت النهوض، لكن لم أستطع، كأنني مقيدة!
ثم شعرت بشيء يسحب قدمي من تحت السرير!
استيقظت بفزع!
كنت في فراش أمي.
نظرت إلى الساعة... كانت السادسة صباحًا.
ذهبت إلى غرفتي لأغير ملابسي، فلم أجد أي أثر لزجاج الكأس
المتكسر أو اللون الأحمر!
خطر في بالي: ربما أمي قامت بتنظيف الغرفة عندما استيقظت.
ذهبت إلى الجامعة، ولم أسأل أمي عن الأمر، لأن خوفي من
الامتحان طغى على كل شيء.
أنهيت الإختبار بسلام، وعدت إلى البيت بفرح.
حضنت أمي وأنا أغني، وبدأنا معًا بتحضير العشاء. سألتها عن قدح
الماء المكسور، فقالت:
ــ لم أرَ شيئًا!
هل يُعقل أنني كنت أتوهّم؟
ما الذي يحدث معي؟
ربما بسبب الإرهاق والسهر...؟
الأسئلة لا تزال تتوالى في ذهني...
ذهبت أمي للنوم، وتشجعت أنا للنوم في غرفتي.
وما إن أغمضت عيني حتى صدر إشعار آخر من الهاتف:
(تمت
الإشارة إليك من قبل فرقة موتيڤ)!
للمرة الثانية تشير لي هذه الفرقة...
بدأت أتصفح صفحتهم، وجدت أنها عبارة عن مجموعة من الأطفال
يؤدون رقصات جميلة.
لكن كانت هناك طفلة واحدة، من هيئتها تبدوا في العاشرة من
عمرها.
ذات شعر أسود قصير، وعيون سوداء واسعة.
ابتسمت عندما رأيتها تغني...
لكن في نهاية الأغنية، تحوّل اللحن اللطيف إلى لحن مرعب، وبدأت
الطفلة تدندن:
ــ "تك تاك... دمية جديدة للعب!"
ــ "تك تاك... دمية جديدة للعب!"
وفجأة، بدأ فم الطفلة ينزف دمًا، وهاتفي أصبح حارًا جدًا، حتى
شعرت بشيء يخرج من الهاتف ويتجه نحوي!
رميت الهاتف، ونظرت إلى المرآة...
رأيت بقع دم تملأ وجهي!
صرخت بفزع، وارتد صوتي إليّ!
لكن سرعان ما سمعت صرخات تأتي من خلفي!
التفتُّ ببطء، فرأيت نفس الطفلة التي كانت تغني خلفي!
بدأت أقدامي ترتجف، وعيوني تدمع من شدة الخوف!
نطقتُ بتردد:
ــ كيف أتيتِ إلى هنا؟
ــ تك تاك... أنتِ دميتي! أنا أريدك!
ــ ماذا؟
ــ سألعب بكِ كيفما أشاء... وفي النهاية، سأقتلك، ويكون الجحيم
مصيرك!
صرختُ بفزع:
ــ أمييييي! أمييييي! ساعديني!
ــ دميتي الصغيرة... الآن أنتِ ملكي!
وفجأة، طارت قدماي في الهواء، والتصقت بالحائط!
الطفلة كانت تدندن:
ــ "أنتِ دميتي..."
أخرجت من جيبها سكينًا صغيرًا، واقتربت مني وأنا ما زلت معلقة
على الحائط.
صرخت بصوتٍ عالٍ، جعل جسدي ينتفض:
ــ نحن فرقة موتيڤ... لا تتجاهلي رسائلنا!
ثم وضعت يدها أمامي وقطعت وريدها، لتتناثر قطرات الدم على وجهي!
شعرت أن دقات قلبي وشكت على التوقف!
صحتُ بأعلى صوتي:
ــ أمييييي! أين أنتِ؟!
فُتح باب الغرفة...
ومن شدة خوفي بدأت بالبكاء والضحك في آنٍ واحد عندما رأيت أمي!
لكن أمي اقتربت من الطفلة، فأمرتها بقتلي وأعطتها السكين!
جاءت أمي تركض نحوي، تريد طعني!
أغمضت عيني!
لكنني شعرت بشيء يسحب قدمي...
فتحت عيني...
كنت نائمة فوق الكتب، وكأس الماء بجانبي!
هل يُعقل أنه مجرد كابوس؟
لكن فجأة صدر إشعار من الهاتف:
(تمت الإشارة إليك من قبل فرقة موتيڤ)
النهر والغياب
محمد محمود غدية
مصر
رحبت بها الصخرة الكبيرة،
المحوطة بالطحالب الخضراء الملساء، فوق شاطيء النهر، الشاهدة
على قصة حبهما،
هنا تراقصت الامواج على موسيقاتهما وفرحهما والاغنيات،
- تسألها
الصخرة :
لماذا هى وحيدة ؟
فوجئت بدمعة تشكلت فى عينيها، دمعة لم تذرف بعد ! فقط تنتظر
بلوغ الممر،
بعد ان فشلت فى السيطرة عليها،
كل هذا النهر من حولها وفروعه فى كل الانحاء،
تشكل من دموع المحبين،
مدهوشة لغياب النوارس
التى غادرت سواحل شطآنها، ترى اين ذهبت ؟
هل يمكن للنوارس ان تكون عطشى مثلها لدفء المشاعر والحب، وهى
المفطورة على البساطة والطيبة والوداعة، صوتها الهامس يتحول لآلاف الفراشات
الملونة المحلقة،
تقبض على قلبها وتعتصره آلما وتعاتبه، لماذا كان فى حبه اسرع
من الطير فى تحليقه ؟
ثمة آشياء تشعر بها، لكنها عاجزة عن الافصاح عنها، تهرب قدرتها
على التعبير والكلام،
ولانها احبت الكتابة واخلصت لها، كتبت انها كانت تتصيد الفرح
من بساتين الحب العامرة، تجمدت اطرافها كلما حاولت الكتابة وكأنها تلامس الورق
للمرة الاولى وهى المحترفة، صاحبة عشرات الكتب، غيابه يعني اسدال ستائر داكنة
موحشة، اشبه ببيت غير مسكون متهدم، تمضغ احزانها وتلوك تعاستها،
الحياة مليئة بالمفاجآت السارة والمحبطة، تقبلت كل هذا بكل
الرضا ورحابة صدر، ارعدت السماء وامطرت، تحولت الى طفلة تحت
زخات المطر الذى يروى ارضا متشققة من الظمأ،
تمتد بطول قلبها وعرضه،
السماء زرقاء وصافية ومضيئة،
والاجواء دافئة موشاة بعبق الياسمين، ورغم ذلك تشعر بالاختناق،
ورحابة المكان حولها تضيق بها، لا تدرى سبب للغياب !
ضائعة كذرة غبار تذروها الرياح، تلملم شظايا القلب المكسور،
فوق صخرة النهر والغياب .
إستغاثة من العالم الاُخر
إحسان إبراهيم
مصر - الجيزة
- جلست
علي جانب من حياتي المظلم تعودت دائما احتسي فنجان قهوتي وقت الكتابة،
- مررت
علي جسر للأشواق عادتا مايكون كاحل الظلام.
- امسكت
بقلمي وبايدي فنجان قهوتي تعمدت اسرح قليلا وإذا بي إنتابني خوف من شيئ ما تعمقت
النظر وإذا بسيدة لون وجهها يميل للخضار ترتعش قدماى حين رأيتها
وكاد يتخبط فنجان قهوتي بيداى المرتعشة."
- حين
نظرت لتفاصيلها اجد لوحة من شخبطات علي وجهها تعابير كلها شجن.
- قربت
من السيدة وجدتها بشعر ابيض وخصلات حمراء لون النار، حين قربت اكثر،
- مسكت
بي ظهرت بشكل خطف كل ثباتي.
- شفت
منظر لم انساه وكأن علامات الساعة اقتربت وحينها جن جنوني لخوف تملكني مسكت بي
واوقعتني ارضا وتبادلت الصفعات علي وجهي وتركت لي رسالة واختفت مضمون الرسالة هو؟
قررت افتح الرسالة
قصــــــة حُلــــــــم/ إستغاثة من العالم الاّخر:
فبدأت احاور الشخصية بحروفي...
- جائتني
طيفاً .. لمست روحي بأحلامــــــــــــي
يازهرةً تزهرت.. اختالتني ما بين ناري وجنانى
انتِ من اخترقتِ روحي ، فزدتي خوفي واحزانــــــــــــــــى
حين حضرت وفتحت رسالتك استوقفني خوفي بمكاني ..
كنت اتمني اقرا برسالتك
شعرا ينسابُ كنهرٍ، واتغني لألحانــــــى...
كنت اتمني تكوني قمراً يزهو بخيلاءٍ .. فيضئ جميع
الأكــــــوانِ
كنت ارجوا اتقبل رسالتك ولكن من خوفي تبدلت كل الالوانِ
يامن تهيات كل سبل الإلهام بمهلٍ .. تحولتِ بقدرة قادر لزهرة
تتمايل علي أغصانِ
كتبت كقصة فانتِ يا قصة حُلمٍ ..جائتنى ، سببت أشجاني
يا حُلماً عالق بذاكرتي.. وسيبقى بذاكرتي ولم انساه طول ماتبقي
من اعوامِ
يا سيدة الكون دخلت عالمي .. فانتزعت منى اماني
حلما او خيال بالاّخر سببتي لي هذاياني
كنت اتمني افتح رسالتي اجدك
كطلة ضياء للقمر تنيري كل المكانِ
بدات اسرد لحني من حروفي لهمس القوافي يالحن بغنوة.اغار منك
حين تكتبٍ
يا قلباً صافٍ كالجدولِ .. ونقياً مثل وجداني
يا صوتاً يشدو ألحاناً .. كالبلبل فوق العنان
دوماً اخاف المس رسالتك دوماً اخاف ترميني بدل ترعانى
اغار منك حين تكتبٍ..
تضحكُ كملاكٍ ، . وتخطفي نسمات الطير بالسماء..
هاانا الاّن اعترف انِ امامك تنازلت لك عن سلطاني..
وحين صفحتك كنت اغار منكِ ياسبب إنهزامي.. واليوم اعترف امام
الدنيا
انك من هزمتيني امام البشر
وامام نفسي الشريرة .. وبنارك سر وجودي باحلامك
اتنازل عن وجودي لإنك من اثبتي حضورك رغم عني وعن اعواني..
اعترف انك سيدة الحرف الشجي رغما عن مايدعون اننا نتحداكِ
فكونٍ بامان من الله يحفظك ويرعاكِ
سلام علي الدنيا من حاقدين الجن والإنس لرسالة وإستغاثة من
العالم الاُخر /
بقلمي/ سفيرالسلام إحسان إبراهيم
المستحمات
عقيل هاشم
العراق
عبر بوابة الحمام التراثية نمر بشكل طوابير عائلية ليلة الخميس
. خلف كاونترصغير تتربع صاحبة الحمام. تدقق في القادمين وسحائب الغضب تتلبد بين
عينيها حينما ترى الأطفال مع عوائلهم! ما ان تراني تغضب ، اكون انا متخذا طريقاً
ملتويةً نحو الباب الداخلي كي اتجنبها وقد تناه إلى سمعي شتيمة مقذعة، تلفَّظت بها
همساً .
ومن فورنا صعدنا سلم بسيط وكاننا ندخل كهف الجن، واتخذنا
أماكننا المحددة على استراحة تبديل الملابس . هناك، ليس بعيداً عن نظرات النسوة المبتهجات.
لم أتمالك نفسي وأنا أراى هذا العالم الغرائبي ، عراة في طابور منتظم باتجاه أحواض
الماء الساخن. وصرت أدور بين ظلالهن، وسط ذهول البعض. الوذ بعبارات لاذعة لم افهم
مجملها ، وإن كانت سخرية فهي تفصح عن فحواها.
التفت إلى الخلف؛ فرأيت امرأة وطفلتها ، ترتديان ملابس داخلية
. وحين اقتربن أكثر لم أصدق ما تراه عيناي! للحظات ظننت أنني فقدت عقلي، فاكتفيت
بالتحديق إليهما بذهول عندها ارتسمت ابتسامة غريبة على وجه طفلتها نحوي تداري
ارتباكاً مشوباً الانبهار. لم أتمالك نفسي وصرت أدور ، وسط ذهول. واخيرا فهمت ما
ينبغي علي فعله بشأن غض النظر، وانضممت للاستحمام والطفلة تراقبني بحذر.
الحمام من الداخل مزين بنقوش على الطريقة الأندلسية،بأقواسه
المتناظرة التي تسندها أعمدة المرمر المُجزَّع، وراحته العطنة بالبخور والمسك،
وإضاءته الشحيحة بسبب بخار الماء الساخن .استشعرت الماء الساخن وهو يعيد النشاط
لي. ربما صم ضجيج الماء أذنيّ، إنما هو ضجيج منعش. طال جلوسي على المقعد الحجري
الخفيض. اغتسلت بسعادة.
لقد مرت عليّ تلك الأيام وكأنها دهر كامل، وما ذكرياتي الحمام
والطفلة سوى منام عابر من دون ملامح ولا تفاصيل.ما الذي يجعل الوقت سريعاً كأنه ومضة
حلم.
سرنا الهوينى مع جموع السائرين؛ والى اليوم لازالت ذاكرتي
تحثني على التذكر عن كل صغيرة وكبيرة وقعت لي في الحمام ،ويوم عدت للبلاد وجدته
خربة لمكب النفايات ، حاولت أن أستجمع شتات ذهني، وأن أرتب ما استطعت تذكره،
ترتيباً يعينني على فهم ما جرى منذ يوم وصولي إلى البلاد وحتى هذه اللحظة. في تلك
الأيام؛ بدا لي أن اليقين الوحيد في هذه الدنيا هو اللايقين.
الزمن التائه
أسماء عضلا
المغرب
ذات ليلة من ليالي شباط الحائرة استيقظت في غسق الليل على
بكاء،توضأت وصليت صلاة شكر،بعدها النوم أرَّقَ عيناي لا زلت في فراشي وعيناي
يُحَدقان في السقف لا أرى شيئا غير ضوء خافت منبعث من نافذة حجرتي الصغيرة.
بدأت الأفكار تراودني ،...تَركتُها تبحث عن تسجيل يُذكرني
بمواقف الفرح الضئيلة في حياتي ،...
منذ مدة طويلة فارقت الإبتسامة محياي ،وهاجرت السعادة قلبي
الصغير ،انزلقت كلماتي من أعلى قمة الجبل العتيد وضاعت قريحتي في الذاكرة المنسية
،...
لِتَسْتجد أمومة الحلم ،وليًقفَ فِعلُ العطاء من جديد.
أدركت أنه لا بُدَّ لليل أن يمضي ،وما بعد العتمة إلا نور
الشمس الوهاج،كذلك بالنسبة للإنسان ما بعد الضيق إلا ساعة الفرج القريب،بالصبر
ننول المطالب والأماني حتى وإن طال الأمد.
لنُطلقِ عنان الإبداع الخامد تحت عتبة الحَجر،...
سُرعان ما أعود أدراجي بالفِكر فأرى قساوة الظروف أشعر بالبرد
حقا ،لكن منبه الساعة الخامسة صباحا لا يرحم ،ويلزمني أن انهض من فراشي تنتظرني
طريق طويلة ،أقطع ستون كيلومتر في اليوم ،ثلاثون عند الذهاب وثلاثون في الإياب
،والجسد لا يشتكي لذة الجو"برد،شتاء،حر،رعد،رياح" زيادة على العمل الذي
ألعب فيه دور النحل الذي يطوف على براعم الزهور الجميلة لينسج الإبتسامة على وجه
البراءة ،بالصبر كل شيء يهون،...
أرى الزمن التائه ينخر أحلامي الطفولية بفعل عوامل العصر وتبلد
العقول الفارغة التي طغت عليها الغريزة الوحشية وفعل الاستحمار ،تقطعت الأرحام
،تجمدت المشاعر فمات الضمير الإنساني ببساطة هذا هو الزمن التائه.
بقلم الشاعرة الكاتبة أسماء عضلا
أبواب الخوف
حسن عبدالرحمن
مصر
تأخر اليوم عن موعد خروجه من العمل وقد أنهى من فوره مكالمة
هاتفية مع زوجته، أخبرها إنه سوف يتأخر قليلاََ ولكنها لم تهتم لتأخره، ولكنها
أكدت عليه بعض الطلبات التي سوف يأتي بها وهو عائد من العمل.. أغلق هاتفه ممتعضاََ
وهو ينظر إلى الأفق شارد الذهن..وقال في نفسه بصوت عالي داخلي.. تماااام تماااام..
ثم دس الهاتف في سترته.. بعد أن ارتداها على عجلة من أمره وخرج إلى الشارع باحثاََ
عن سيارة تقله إلى منزله..كان يرتدي حلته الفاخرة ويمسك بين يديه حقيبة جلدية
متوسطة الحجم..
اتجه إلى نهر الشارع مباشرة فكانت شركته في مكان موحش بعض الشئ
وقليل جداََ أن تمر سيارة واحدة من هذا المكان إلا نادراََ..نظر إليها وهي قابعة
في الظلام تخلو من الموظفين، فهو أخر موظف يخرج منها بسبب كثرة العمل.
لمح أنوار سيارة قادمة بتأني من جيب الظلام.. أشار بأصبعه
بطريقة الأتوستوب، فتوقف السائق على الفور وسرعان ما جلس بجانبه دون أن يتفوه
بكلمة واحدة..ولكنه لاحظ أن السائق يرتدي ملابسه الداخلية فقط بالرغم من الشتاء
القارص في الخارج..ويضع بين شفتاه سيجارة من أردئ الأنواع الذي يمكن أن تشتم
رائحتها على الإطلاق..ولكن تنبعث منها رائحة أخرى لا يعرف مصدرها..
طلب منه أن يزيد من سرعته قليلاََ فهو يطوي الطريق في تؤده
شديدة..ولكن السائق نظر إليه مطولاََ ونظر إلى بدلته وتفحص الحقيبة بعناية شديدة
ثم وجه له سؤال مباشر..
هل تعمل في الشركة التي على الطريق.. أهي شركة أم ماذا؟ أجابه
بسرعة نعم هي شركة.. أتقصد لأنها في مكان موحش وليس حولها أي بيت أو شركات أخرى..
أجابه بعد أن اخرج له علبة من العصير وناولها له والح عليه أن
يشرب منها وأكد له إنها منتج نظيف من إنتاج الشركة التي يعمل بها..نعم نعم أنا أمر
من أمامها كل يوم ولكنها تستوقفني كثيراََ وفضولي لا يمنعني من أن أعرف ما هو نشاط
هذه الشركة ولماذا هي في مكان منعزل هكذا، أسئلة كثيرة لم أجد لها إجابة غير
عندك.. ها ماذا تقول؟
نظر إليه بعد أن تناول أول رشفة من العصير.. وقال الهذا وقفت
لي على الفور عندما أشرت إليك ؟ وأنا كنت أحسبك تود إيصالي في طريقك مع وجود هذا
الظلام والشتاء القارص هذا.. رغم إنك تقريباََ لا تشعر به لأنك تقود السيارة
بملابسك الداخلية..
أجابه بعد أن نفث دُخَان سيجارته في وجهه ومع ابتسامة خفيفه
قال له لا تشغل رأسك بأسئلة قد تؤلمها فيمَا بعد وأنا أحتاج رأسك الجميل..
رأسي أنا..قالها وهو يضع كفاه فوق عنقه ثم تحسس رأسه وقال له
إما أن تزيد من سرعتك أو أنزل هنا في أي مكان..
ربت السائق على كتفه وقال له لا تخف سأزيد من سرعتي أين ستذهب
في هذا المكان الموحش الذي يشبه شركتك التي تعمل بها؟ ثم أخرج سيجارة أخرى ووضعها
في فمه ثم عزف بشفتيه لحن الموت..
لم يسرع بسيارته كما طلبت منه مراراََ.. ولكنه استمر في عزف
اللحن المزعج.. وينفث دُخَان سيجارته في وجهي.. انتهيت من شرب العصير ولم أثني على
صناعته ولكني قلت رأي مباشرة في وجهه دون مواراة، ولعنت صاحب المصنع لإن المنتج
فعلاََ ردئ جداََ.. بل قد يصيبك طعمه بالغثيان.. حتى اسمه سخيف.. وسألته من اختار
ذلك الاسم قال بلهجة صارمة، اختارته زوج صاحب المصنع على اسم والدتها، ولكني ضحكت
منه وقلت لماذا هل هو مولود جديد؟ حتى تسميه على اسم والدتها؟..
لم يفهم مزاحي معه ولكنه باغتني بغباوة وقال بلهجة جادة نعم هو
مولود جديد لمنتجات المصنع..
بعدها أخرجت رأسي من نافذة السيارة أتوق إلى تنفس هواءََ
نظيفاََ.. فالرائحة داخل السيارة تبعث على الغثيان حقاََ...
توقف بالسيارة فجأة، في مكان مظلم أسفل صخرة كبيرة وراح ينظر
يميناََ ويساراََ.. ثم شرع في قضاء حاجته..
انتهزت فرصتي الذهبية......
الفرصة التي كنت أفكر بها طوال الوقت منذ أن استقلَلْتُ معه
السيارة، ثم فتحت حقيبتي فجأة.. وأخرجت منها عدتي التي أعمل بها في تلك الأجواء،
وكانت عبارة عن مطرقة ضخمة.. ضربته بها على رأسه من الخلف، فوقع من فوره مغشياََ
عليه.. جذبته إلى صندوق سيارته النقل وأخفيته وَسَط صناديق العصير التابعة للمصنع..
توجهت مرة أخرى عائداََ إلى شركتي ومعي الصيد الجديد.. صيداََ
ثمين فالرجل بصحة جيدة ضخم الجثة.. بعد أن أنهيت وضعه داخل صندوق السيارة توجهت
إليه بنبرة المنتصر وقلت سأحقق لك فضولك الآن.. أظنك عرفت ما نشاط الشركة التي
اعمل بها.. أما عن رأسي الجميل الذي كان يعجبك.. فإن رأسك كان يعجبني أكثر منذ أن
ركبت معك سيارتك العرجاء ولكني لم أبح لك..
ثم استدار عائداََ بالسيارة إلى الشركة.
سفن النجاة
د . زيد سعد الدين
العراق
استفاق سكان الجزيرة على حريق هائل يلتهم منازلهم .
تعالت الاصوات من مكبرات الصوت أن توجهوا نحو الساحل .
هَمً الجميع بحمل امتعتهم والانطلاق نحو الساحل الذي ابحرت
نحوه ثلاثة مراكب لتستقر عند شواطئه.
أمعن سكان القرية النظر ليجدوا هذه العلامات
المركب الأول يرفع راية تحمل صورة للماس والذهب ، المركب
الثاني يرفع راية تحمل صورة لكرسي فخم والمركب الثالث يرفع راية تحمل صورة لقلب .
هَمً الناس بالصعود في المركب الأول ليتفاجأوا بأن القبطان
يمنع صعود كل من لا يحمل قدرا من الذهب والأموال ، تمكن عدد قليل من اغنياء
الجزيرة من الركوب هم وما يحملون من كنوز الذهب والاموال .
توجهوا للصعود بالمركب الثاني ، إذا بالقبطان يطالب كل من يهم
بالصعود إبراز ما يثبت شغله لمنصب مهم ، ليحمل المركب بضعة أشخاص فقط .
الوضع يزداد سوءا والنيران توشك أن تلتهم بألسنتها سكان القرية
وهم في حيرة من أمرهم ولم يتبق لهم سوى المركب الثالث والأخير حيث هموا بالصعود
ليستقبلهم القبطان بالترحاب ، اقترب أول الصاعدين للمركب من القبطان مستفسرا عن
شرط الركوب
القبطان مجيبا "ألا ترى ذلك القلب " مشيرا للراية
المحمولة في المركب ذاك هو الشرط الوحيد أن تكون كائنا حيا لك قلب ، صعد الناس في
المركب فرحين .
أبحرت المراكب الثلاثة صوب شاطئ النجاة لتصله بعد بضع ساعات
وقد توطدت العلاقة بين ركاب المركب الثالث وساد بينهم الألفة ، بينما ركاب المركب
الثاني قد نشبت بينهم الخلافات حول من يستحق شغل هذا الكرسي أو ذاك أما المركب
الاول فقد طمع القبطان بالأموال المحمولة معه فتخلص من اصحابها ليستحوذ عليها
بمفرده .
الــلّـــــقـــاء
ابتسام عبد الرّحمن الخميري
-انتظر
قليلا، أنا مشغولة الآن،
-رجاء،
افتحي الواتس أو الفايبر، أريد التحدّث معك قليلا، أحتاجك. إنّك أجمل صورة خاطها
لي القدر، دونك كنت وحيدا. شريدا. أبحث عنّي فلا أجدني، لا معنى لحياتي دونك.
-نعم
حبيبي، أنت من علّمني معنى الحب، لكنّني الآن على متن سيّارة أجرة.. لست مرتاحة
تصوّر الوضع.. أ تفهمني؟
-فعلا،
تصوّري أنّني أيضا في طريق العودة من اجتماع طارئ بالعاصمة.
-حقا؟
إذن إلى اللّقاء حتى نكون بالمنزل.
-لا
أرجوكِ، أحتاج الحديث معك الآن.
لكنّها أغلقت دونه نافذة التّواصل بل و أصبح هاتفها خارج
الخدمة أصلا.
أرسلت تنهيدة عميقة و هي تلمح الركّاب بجوارها.. غمغمت أغوارها
التّائهة على الدوام:
"من
المؤكّد أنّ كلّ فرد منهم ينعم بالسعادة و الهناء في حياته... كما يتمنى و يحبّ.."
تأمّلت لجوارها كان يجلس شيخ هرم يكسو شعره الشّيب و عمّرت
وجهه خطوط الزّمن..."تجارب الحياة.." همست.
و انزوت في الرّكن قرب النّافذة تلمح المناظر الطّبيعيّة و
التّي تعشقها حدّ الهوس... حتّى أنّها نسيت تماما وجود زوجها معها بالسيّارة و
الّذي كان يجلس في المقعد الأماميّ..
إنّه كالمعتاد منشغلا بهاتفه و ما حواه... لا يعبأ بها.
أسندت جسمها الممتلئ غربة و وحشة و تراجعت إلى الخلف، ودّت لو
تستند إلى كتف زوجها.. لكنّها عدلت عن الفكرة.." ما عاد الشّخص الّذي أتكئ
عليه.." أغمضت عينيها الخضراواتان و شرعت تحلم بذلك الصّديق الحبيب الّذي
تعرّفت عليه منذ فترة عبر الفايس بوك.. لقد غمرها بحبّه و حنانه و كلامه الجميل و
هي لشدّ ما تحتاج الكلام الجميل...
لقد داعب بهمساته أطراف جسدها الّذي بات مترهّلا ثقيلا. وهنا.
فحوّله همسه رشيقا.. كفراشة غدت ترفرف بين الأزهار العبقة..
-أووف،
تأفّف زوجها بصوت مرتفعا.. فتحت عينيها مترعة يأسا و قنوطا.
-ما
بك؟
-لا
شيء.
لقد أصبح منغمسا في الهاتف منذ أحيل على التّقاعد، أصبح نشطا
على الدّوام، يتعطّر كلّ صباح على غير عادته... أنيقا أكثر، دائم الغياب عن
البيت.. في توهّج دائم لكنّه هناك بعيدا عنها كالمعتاد... لقد التقى فتاته أخيرا.
هي من أحيت فيه الشّباب و الأمل...
كم يحتاج الشّباب؟؟
حقّا هو كذب عليها و لم يخبرها عن حقيقة عمره شيئا و لا عن
زواجه شيئا... كما أنّه لم يخبرها عن أمر ولديه شيئا... و أنّ أحدهما تخرّج من
الطبّ و الآخر أصبح مهندسا ميكانيكيّا... لكن لا ضيم، حين يلتقيان سيخبرها بكلّ
شيء.. غمغم بأغواره الحالمة:
"أكيد
حين تلقاني سترتمي بين أحضاني و عندها فقط سأصارحها بكلّ شيء.. حتى عمري فأنا أبدو
شابّا نشطا.. سأخبرها كيف جعلتني أحبّني أكثر لأنّني أحببتها و أحببت بهجة الحياة.
سأطلّق كلّ أيّامي الرّتيبة المملّة و أتجدّد بها و معها...
لكن لم لا تجيب؟؟ لمَ أغلقت الهاتف؟؟"
مرّ الوقت مملّا رتيبا على كليهما...
ها هي سيّارة الأجرة تطوي الأرض طيّا.. لكنّ الزّمن يتباطأُ.
مرّت ساعة و نصف كأنّها ساعات و عصور..
فجأة، خطرت ببالها فكرة: " لمَ لا ألتقي به؟؟ أكاد أصل،
فزوجي سيركض إلى المقهى كعادته. سأتوجّه لملاقاته ربّما سيفاجأُ فلست كما في
الصّورة، لكنّني أنا.. كما كنت منذ عشرين عاما... عندما كنت الفرح الدّائم... لم
أتغيّر كثيرا. هدّني الإعياء قليلا... ربّما لكنّه أحيَى وهج المشاعر لذلك سأرتمي
بين أحضانه كما لم أفعل من قبل طيلة حياتي.. سأوشوشه:
-أبعدني
عن هذا الأرق و الوحدة.. أنا الشّباب المتأجّج ما كنت أكذب بل كنت أضع بعض
المساحيق.. لقد أحبّ روحي المرحة و صَوْتي الطّفو لي.. كان يقول لي: "إنّ
صوتك جميلا أعشقه، كأنّني أعرفه." كذلك صوته مألوف عندي.. أعرفه. سمعته من
قبل.. لكن..؟"
عزمت أخيرا على ملاقاته. استقامت، فتحت عينيها لترى زوجها ما
يزال مبحرا في ملكوت الهاتف و قد ارتسم على محيّاه الحزن و الأسى. فتحت جهاز
هاتفها. فانهالت عليها الرّسائل منه: "أين أنت؟ أريد أن أراك، لا أقوى على
الصّبر، لو سمحت أريد أن نلتقي بعد نصف ساعة، في مقهى الأشواق بجانب البحر، رجاء
حبيبتي."
أنهت قراءة الرّسالة ثمّ نظرت وجه زوجها من المرآة العاكسة
للمرّة الأخيرة، كان مهموما.
ابتسمت و كتبت بيدين ترتجفان:
"نعم،
سنلتقي بعد نصف ساعة أكاد أصل المدينة."
بعد ذلك أغلقت الهاتف و عادت لتتّكئ على المقعد. لمحت وجهَ
زوجها لترى ملامحه قد تغيّرت. بات يشعّ بريقا غريبا. لم تسمح لضميرها أن يؤنّبها.
إنّها لا تخونه. فقط فسحة أمل لتواصل الحياة.. الأكيد أنّه يلتقي بأخريات..
ارتحلت مع الحلم الجديد و الّذي انتصب أمامها هنيهة، رائع.
مختلف تماما... ستبدأ من جديد.
جاءها صوتُ السّائق قويّا أيقظها معلنا:
-تفضّلوا
ها قد وصلنا.
نزل الرّكاب و كانت آخرهم... نزلت وحيدة حيث هرول زوجها دون أن
يلتفت إليها مجرّد التفاتة... سألها السّائق:
-هل
أساعدك سيّدتي؟
ابتسمت و أومأت برأسها أن "لا"
غزتها مسحة من الألم و الحزن: هي دوما وحيدة لكنّها مشت بخطى
ثابتة نحو مقهى الأشواق..
مرّ الوقت رتيبا... حين بلغته لم يكن بالمكان سوى زوجها.
ابتسما...
أمسك بيدها المرتعشة و وشوش: "اشتقت إليك."
خمس دقائق فقط
فوزية الخطاب
المغرب
شدني الحنين إلى صديقي البحر ورماله الذهنية ،أه ما أجمل صوت
أمواجه الزرقاء تتعالى وترتفع وكأنها ترحب بقدومي ،ربما اشتاقتني واشتاقت همساتي
،مشيت فوق رماله وفتحت ذراعي لاحتضان نسماته الجميلة ...كان منظرا ساحرا .في لحظة
ما وانا في قمة السعادة اصطدمت بأحد الأشخاص حتى سقطت أرضا ،قمت بسرعة ،نفضت
الرمال وقبل أن ينبس بكلمة اعتذرت منه بشدة وطلبت السماح ،بقي واقفا ينظر إلى
وكأنني شيء غريب ثم رسم ابتسامة عريضة جملت وجهه الصبوح ،خمس دقائق وعيناه متبتان
تلمعان ،استسمحته مرة أخرى وهممت بمتابعة جولتي ،لكنه استوقفني :
-هذه
صدفة جميلة ولن أضيعها،رأيتك في حلمي ،نفس الملامح والابتسامة ونبرة الصوت ...لن
ترحلي ،أنا أحمد وانت شيماء أليس هذا اسمك ؟!!توقفت وقلت دون تردد نعم هذا اسمي
.شدني من ذراعي ومشينا معا على رماله ،خمس دقائق فقط جعلتني أعيش قصة حب دامت خمس
سنوات لتنتهي برحيل البطل إلى دار البقاء بعد رحلة طويلة مع مرض السرطان. خمس
دقائق تركت لي جرحا وذكريات ستبقى في الذاكرة .
الخديعة
حسن عبدالمنعم رفاعي
مصر
كان شخص خجولا جدا. لا يعرف فن التعامل مع النساء. جلُّ متعته
في القراءة. ومتابعة الرياضة او التنزه مع اصدقائه. فجأة أصبح معظم اصدقاءه
يتحدثون الفيس بك والتوتير ومشتركين به. وكان لا يهتم به كثير .ولكن قرار ان يدخل
هذا العالم الجديد ويكتشفه و التعامل معه. دخله مبهورا ووجده يحتوي كل ما يريده من
أخبار معلومات أذكار أشعار. هجر الكتب. شيئا فشيئاً بدأ يتخلص مع بعض صرامته
وخجله. أصبح له كثير من الاصدقاء. . وفي يوم كان يتجول خلال الفيس جائه طلب صداقه
من صديقة لا يعرفها وكان مترددا في قبول لها او رفضها فهذه اول مره تأتيه من سيدة
.وبعد ارسال عدة طالبات منها والحاح قبل الصداقة. تعددت المحادثات بينهما أخبرته
انها تعيش محنة طلاقها بعد قصه حب فاشله . أخذ يُواسِيها ويشد من أذرها في مواجهه
تلك المحنة كان يكلمها كل ليله ساعات طويله. كانت تري فيه عطفا وحناناً وتشعر أنه
أخوها أو هكذا خُيل لها. تمت خطبتها وكانت تروي له كل شيء عن علاقتها بخطيبها
وتأخذ منه النصائح. بعد فتره اصبحت تتكلم عن خطيبها بشكلٍ سيء .و قالت أنها تعتزم
أن تنهي الخطبة. سألها عن السبب فرفضت ان تجيبه. لم يكن يدري انها ربما تعلقت به
واصبح الحديث معه إدمان .في يوم وفي أثناء حديثهما لمحت له إنها أحبته. قال لها
مستحيل. كيف وهي مرتبطة ولم تمضى على صدقتهم سوى شهريان ولم يتقابل في الحقيقة بها
والواقع اهم واوضح من الواقع الافتراضي . وانا ايضا هكذا في واقعي كما احادثك. في
لحظه ما يكلمها ويسترسلان في بعض كلمات الحب والغرام ثم فجاءه يتوقف ويصمت طويلا
ثم يعتذر عن الكلام. استمرا علي ذلك فتره من الزمن يزداد قوةً يوما بعد يوم. بينما
طلبت منه ان يتقابلا. رفض بشده لا نها مازالت مرتبطة. وكل مره تطلب منه اللقاء.
كان يرفض بشدة .وفى احد الايام اخبرته انها انهت خطبتها لاستحالة الوفق والتفاهم
بينهما. وطلبت ان تقابله فوافق أخيرا ان يقابلها. في يوم اللقاء شعر انه كان في
حلم وهي نيته رؤيتها والتعرف عليه عن قريب.
- وحين
راته تحتضنه ووضعة علي خده قبلة قالت:- أنت جميل جداً وذكي. احمر وجهه وابتسمت في
خجلاً .قضى سهرتهما في الحديث الضحك وقد عرفها جيدا وعرف ما ترمي اليه كانت تريد
ان يسلك معها في نفس طريقها و مآربها الأخرى. تركها ومضى في طريقه عائدا لمنزله. و
انزوي في ركن مظلم .أذا يتذكر كل الاحداث التي مرت بينهم. افاق من تفكيره وقال يا
إلهي. أيُعقل هذا ؟ كانت تخدعني طول الوقت .؟ !
تمت في 9/10/2024
حافية القدمين
سليمة مالكي
الجزائر
كل حياتي وأنا أرمي غضبِي ولوْمِي وسَخَطِي على القدر ،هو الذي
ورَطَنِي هذه الورطة هو المُلام ،والمسؤول عن تعاستي قضَيْتُ عُمْرًا وأنا
أُحَمِلَه فَشَلِي،ضعفي ،حزني وكل الخطَايا
قالت هذا الكلام وهي ترقد بسرير بمشفى الحي نقلوها على جناح
السرعة بعد فقدانها الوعي ، عائدة من شغلها بمعمل الخياطة حاملة أكياس التسوق
لتعود للبيت وتحضر الغذاء لزوجها ....
( علي ) رجل تقليدي جدًا لا يحب أكل الشوارع وله طقوسه الخاصة ،
فَرَضَ عليها مواعيد الوجبات وكان حازما بكل شيء يتدخل بالزيارات يأخدها لبيت
أهلها ساعتين وبعدها بالدقيقة يكون بالشارع ينتظرها ،لم يكن يسمح لها بالخروج
الاَّ معه ،لا صديقات ولا حضور مناسبات وأعراس وإذا توجب يرافقها ويعودان بعد وقت
قصير ولطالما كانت تعود باكية ....
الحياة معه كانت سجنًا اختنقت فيه لم تَكُنْ تَرْغَبُ به زوجًا
أحسَتْ تِجَاهَهُ بالكراهية ويشاء الله أن لا تُرْزَقَ بالأولاد معه فرفض العلاج
ومنعها من الكلام بهذا الموضوع نهائيًا ....
حقدت عليه وحَمَّلَتْه ذنب حرمانها من الأمومة وذنب تعاستها
وبؤسها لكنها كانت تعيش هذه التعاسة بصمت ،لم تواجهه يومًا فهي تحس تِجَاهَهُ
بِشَيْىء من الهيبة والخوف ،بالرغم مِنْ قسوته كان يعاملها كطفلة ولا يسمح لأحد أن
يمَّسَها بكلمة واحدة حتى عائلته لَمَّا لاحظ قسوتهم عليها دافع عنها ووقف ضدهم
والكل أصبح يعرف أنها بحمايته ولا أحد يتجرء أن يؤذيها بكلمة ، و مع هذا كانت تشعر
أنه يفعل ذلك لٱمتلاكها وعزلها عن الجميع ،كل تصرفاته فسرتْهَا على أنها كبْتُُ
لحريتها وكيانها ، عَمَلُهَا بالمعمل كان بعد حرب طويلة وتدخلات من العالم أجمع
لاقناعه
وبعد أن لاحظ ذبولها واكتئابها بالبيت وافق عن مضض وكان
يُسَبِبُ المشاكل ويتأفف كلما لاحظ تقصيرها أو تعبها...
بدأت تستيقظ وتستعيد وعْيَهَا بالمشفى لِتَتَدَكَر ما قالَه
لها الأطفال بالحي أنَّ زوجَها (علي ) تعرض لسكتة قلبية مفاجئة ومات لينهار عالمها
كامِلاً أحسَتْ بأَنَهَا فقدت أمَانَهَا بالحياة ،تدَكَرَتْ كل حياتها معه وكل ما
كانت تنزعج منه أصبح الآن مفهومًا وواضِحًا وكأن غشاوة الجهل وعدم الادراك ٱنمحت
لتفهم بالنهاية أنَّ ذلك لم يكن إلا حُبًا وحماية لها ، كانت طريقته التي يعرفُها
هي أن يحتويها ويحافظ عليها لطالمَا كانت طفْلَتَهُ المُدَلَلَة وتذكَرَتْ
طَيْشَهَا ودلالَها وتصرفاتها التي كانت تتعمد بها ايذاءه ومعاقبته ولم تكتشف
إلاَّ باللحظة التي فقدته فيها
أنها تَعَرَتْ وٱنكَشَف سِتْرُهَا وأحسَت برغبة برؤيته ولو
ميِتًا لتقول له كم كانت غَبِيَةً وأنَانِية وهي بعِزِ بُكَاءِهَا وٱنهِيَارِهَا
وهي تَهُمُ بِمُغَادَرَة المشفَى حَافِيَة القدمين مكشوفة الرأس لتصطدم بزَوْجِهَا
و علامات القلق بوجهه عليها ومعه أطفَالاً مِنَ الحي يشْرَحُون له ما وَقَعَ مع
زوجته وكيف سقطت لما سمعت خبر وفاته
لتَتَسَمَرَ مَكَانَهَا وانتابتها نوبة بكاء هستيري وقدماها ما
عادت تَحْمِلاَنِهَا
وما كادَتْ تَقَع حَتَى تَلَقَفَهَا بين يديه
كانت تكفِي صدمة كهذه لتجعلها تُدْرِكْ قيمة وجوده ومدى
تَعَلُقِهَا به
ولتَعِي أن الحب ليس كلاما معسولا
بل هو مواقف أتبث فيها على مَرِِّ سنوات أنه أمانها وهذا ما
كانت تبحثُ عَنْهُ ، كانت تكفي هفوة أطفال الحي وعدم سماعهم كلمة واحدة وهي والد
السيد (علي) توفي بسكتة قلبية لِتُدْرِكَ أن هذا القدر الذي إختاره الله لها أحسن
بكثير من خَطِيبِهَا السابق الذي رَفَضَهُ وَالِدُهَا لعدم اقتناعه بأخلاقه
رغم أنها كانت تميل له وترى فيه الخيار الأنسب كانت هفوة أطفال
الحي أكثر من كافية لتَعِي أنَّنَا لو عَلِّمْنَا أقْدَارَنَا لرَضِينَا بِهَا و
عرفنا أن اختياراتنا ليست دائما هي الصواب .
صندوق الدنيا
د ماجد عبد القادر
مصر
آه يا أرض الجراح، أعلنوا الهدنة وإتفقوا على وقف إطلاق النار
وتبادل الأسري، صوت يسأل عن من يزالون أحياء، لا ماء ولا كهرباء ،لا شبكات محمول
ولا إنترنت فكيف يتلهى الأطفال الجوعى أبناء الصدمات ؟ كفاهم حشو بطونهم بأوراق
الشجر حتى يغشيهم النوم ليكملوا عشائهم كوابيس تنتفض لها أجسادهم فيفزعون على
نوبات من الهلع ، واقعهم تجاوز كل الحكايات والأساطير فماذا نحكي لهم ؟ نحكي عن
أبو رجل مسلوخة، أمنا الغولة الذئب وذات الرداء الأحمر، الجميلة والوحش، النداهة ،
الساحرة الشريرة ، كل هذا لن يصنع لهم شيئا من الدهشة، نجرب الشاطر حسن ، بساط
الريح، أبوزيد الهلالي ، عنترة، الزير سالم، سيف بن زي يزن علاءالدين، الأميرة ذات
الهمة ، زرقاء اليمامة ، يسخرون منا وينصرفون ، لم يعد هناك ما يحكى أو يقال
والحياة أصبحت كلعبة فيديو جيم سادية تنتشى بتعذيبهم والعالم يشاهد طربا ويراهن
على ألمهم.
يهبط القبو، ما تبقى من الأستوديو القديم، يبحث بين الكراكيب
بعضها يتجاوز أضعاف عمره ، يعثر عليه، صندوق الفرجة الخشبي الذى كان يسرح به الجد
ويلف الحواري والأزقة. يعرض على عدساته المحدبة التى يحركها ويروي القصص التى
تتناسب معها
و الروايات الساذجة المبهرة التى يمتطي كل واحد أحصنة خياله
وهو يسمعها و يجعل من نفسه البطل لكل قصة فى أحلام يقظة لا حدود لها .
ينزل الجد الحامل من على كتفه ،يرفع عليه الصندوق ،يأخذ
العملات الصغيرة أولا قبل أن يبدأ العرض حتى لايهرب أحدهم بعد الفرجة، يبدأ العيال
بالدور يضعون رؤوسهم على العيون الجاحظة للصندوق ويشاهدون والذين لم يدفعوا يكون
نصيبهم السماع والخيال وربما يكونون بذلك هم الأوفر حظا.
فى الطريق يفكر أي صور يعرضها من الأفلام الأبيض والأسود؟ ما
الذى تبقى من الماضى؟ هل يعرض لهم شكوكو، عنتر ولبلب والسبعة أقلام، توم وجيري،
الفأر الخبيث المكير الذى دائما ما يكسب القط الكسول الغبي، يعرض ميكي ماوس الفالح
الوحيد وسط الأخرين الأدني منه فى مدينة البط، بندق الأحمق وبطوط الساذج، محظوظ
المغرور وعم ذهب البخيل، دنجل اللص وحتى عبقرينو المتوحد الفاشل إجتماعيا الخاضع
لسيطرة ميكي الذى دائما عنده الحلول لكل المشاكل ويعرف فى كل شيء، يعرض لهم البات
مان،السوبر مان ، السبيدر مان، الوندر ومان وباقي الأبطال الخارقين أصحاب العقد
النفسية فى مدينة جوثام الذين يرتدون ملابسهم الداخلية على هدومهم وكل مرة ينتصرون.
يضع الصندوق ،إختار الساحة الشرقية إلى بقايا جدار متهدم هو كل
ماتبقي واقفا من بيوت الشارع من أثر القذف ، وسط الحطام أعد المسرح لروايته وساعده
العيال ،العدسات فارغة لكنه بدأ يحكي والصور تجيء في أذهان العيال، فى البداية
بصعوبة لكنها سرعان ما أصبحت قوية وحادة، يرون لاعب الكرة إبن بلدهم يلعب فى نادي
القرن ويسمونه الفدائي وكلما سجل هدفا أشار بعلامة النصر وهو يحمل جنسية أجنبية،
المطرب الممثل رقم واحد الذى نادي بحمل السلاح يلبس صديرية نسائية تكشف عن صرته
،يهز وسطه فى بلاد الأحلام تحت تمثال الحرية ويقول أنها صممت خصيصا له لتعبر عن
جذوره وأصالته على شاكلة جده الفرعون، المخرجة التى نادت بالمساكنة و عرضت على
زميلها الذين يتهمونه بالشذوذ الزواج لتنقذ سمعته من القيل والقال. الولد صاحب
برامج المقالب الذى يفطرون عليه كل مغرب فى رمضان، فخرنا الذى جددوا له عقده فى
بلاد الفرنجة، صاحب برنامج التوك شو الذى دافع عن القضية ثم إخترع رقصة جديدة،
يرون أصنام الجاهلية وقد عملوا متحفا تراثيا لها، مواسم لا يغض فيها البصر لأن
الجواري لا يتشبهن بالحرائر ، يرون من يطلبون الهجرة إلى الأرض الواسعة و من
ينادون بالمقاطعة إلى يوم الدين ومن يقولون ولا شبر حتى آخر روح لكن بيوتنا عورة
فإذهب وربك إنا قاعدون.
يبدل الصورة عكس الإتجاه، يرون سيدنا علي يقلع باب خيبر وحده،
يدرك من يدير اللعبة أن هذا ليس بالأمر الحسن فيصدر أوامره بخرق الهدنة ، تحلق
الطائرات ويبدأ القصف دون صفارات الإنذار، لا مكان على الأرض يختبأ فيه الأطفال ،
يرتقون إلى السماء، يستعيدون القدرة على الرؤية بالألوان .
السيد المسؤول
هانم عطية الصيرفي
مصر
غدًا سيكون موعد زيارة السيد المسؤول لمدرستنا، إلى جانب عدد
من المساعدين الآخرين. كلفني الأستاذ شريف، ناظر المدرسة، بكتابة كلمة"
يلقيها بنفسه خلال الزيارة، نظرًا لكوني مدرسًا للغة العربية.
في المساء، بعد أن هيأت ذهني بفنجان شاي قوامه سكر معتدل وعدة
ورقات من النعناع الاخضر أضيفت إليه جلست أكتب كلمات الافتتاحية.
جلست على مكتبي وأخذت ورقة، وهي عادتي أن أكتب مباشرة دون
الحاجة إلى مسودة، ولكن عندما تناولت القلم، فوجئت بأنه يرفض الكتابة، استبدلته
بآخر، لكنه أيضًا لم يعمل. شعرت وكأن الأقلام قد تمردت ضدي. كانت الورقة تضحك،
وكأنها تسخر من عجزى عن السيطرة.
تدهور مزاجي، وبدأ العرق يتصبب من جبيني. ماذا أفعل؟ فجأة،
سمعت صوتًا داخليًا يسأل: "لمن تحضر تلك الافتتاحية؟" التي تكلفك
الكثير؟ هل يستحق هذا المسؤول كل هذا الجهد؟ فأومأت لنفسي لا.
هنا أدركت لماذا كان قلمي يرفض الانصياع لي، ولماذا كانت
الورقة تضحك ساخرة مني. لملمت كل شيء ووضعت كل شيء في مكانه، وقررت أن يكون
استقبال المسؤول ومن معه استقبالًا غير متوقع كما قال.الأستاذ شريف،
في الصباح الباكر، حضر الجميع دون تأخير، وكانت المدرسة في
أبهى حلة من النظافة. فقد تم غسل بلاط المدرسة بالماء والصابون، مما أضفى عليه رائحة
عطرة. كان الأستاذ شريف يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ويزين عنقه بربطة عنق حمراء تعكس
مشاعر حيوية، ولم ينسَ وضع أزرار عيرة لقميصة المزركش تحت البدلة.
في قاعة الاحتفالات، كان كل شيء مرتبًا بعناية، حيث كانت
الطاولات مكدسة بالتورتات والمياه الغازية، بالإضافة إلى بعض باقات الورد التي
تليق بالزائر ومساعدينه من كبار المزظفين، . كانت المدرسة تبدو في أبهى صورها،
مستعدة لاستقبال الضيوف.
بينما كنت أراقب هذا الاستعداد، شعرت بقلبي ينبض بشدة، وبدأت
أفكر في ما سأقوله للسيد المدير بشأن الخطاب الذي وعدته به. تملكني الخوف، فقررت
أن أطلب من أحد زملائي إبلاغه بأنني لم أكتب كلمة الافتتاح، عدت إلى منزلي، أتابع
الأخبار عبر التواصل مع زميلي، الذي كان يضحك من ضعف الأستاذ شريف بعد أن علم
بالخبر، وعلمت أنه كلف أحد زملائي الأفاضل بالتحدث نيابة عنه.
أما أنا، فقد قضيت ليلتي بين تأنيب الضمير تارة والدفاع عن
نفسي ومبادئي تارة آخري، ولم تمر الليلة إلا وأنا رهين السجن بعد بلاغ ضدي قدمه
الأستاذ شريف بأنني أحرض زملائي ضد النظام..
رحلة المجهول
عبدالباسط العقبي همام
مصر – الأقصر - أرمنت
تتهامس أشعة الشمس فيما بينها مخترقة ملايين السنوات الضوئية
للوصول لإسلام بطل قصتنا. فى الغابة الواسعة تتشابك الأغصان رافضة ضوء الشمس.
يحاول إسلام و الضباب يلف المكان صيد ظبية ببندقية قديمة معه، يصوب فوهة البندقية
نحوها و لكن في اللحظة الأخيرة يشفق عليها و يقرر أن يتركها، فهى مثله لا ذنب و لا
جريرة. يتجول في الغابة ليجمع بعض ثمار التوت البري و يأكل معظمها في أثناء جنيه
لها. تصطدم قدمه بشىء صلب و هو يحاول اجتياز الغابة عائدا لكوخه الذى صنعه بنفسه..
اسلام هو الناجى الوحيد من قومه بعد أن دمر الأعداء وطنه و قتلوا الجميع، حتى
الرضع لم يسلموا من الأذى ، نعم لقد قتل الأعداء الجميع... حياتي هى كل ما استطعت
أن أنجو به، يحاول اسلام الابتسام و لكنه لا يقوى عليه، اسلام محارب من طراز فريد.
رغم استشهاد قومه الذين كان معظمهم يشبهونه لحد كبير فى الملامح و الطيبة، و رغم
زعم الأعداء أنهم تخلصوا من الشر القابع فى قلب الأرض فإن الحرب ضروس بينهم، و
كوكب الأرض على حافة الهاوية.. يحاول اسلام معرفة كنه هذا الشيء المعدنى، تفتح
أبواب المركبة فجأة و تظهر تلك المخلوقة أمامه، يبدو أثر الاندهاش على وجهه، فما
تلبث ان تعود ملامحه لسابق عهدها، لا مبالاة، وصوت الخواء يملأ نفسه..لقد حملت
أشلاء أطفالى و لم يتحرك أحد ساكناً...يهز كتفيه.. لا شيء مستغرب.. تتحرك عواطف
منسيليا من الكوكب الوردى و تحس بانجذاب عجيب نحوه. تشغل نظام اللغة لتحدثه بلغته
العربية، و تنفعل مع كل كلمة خرجت من فمه. تتمتم ببعض الكلمات:ما كل هذه القسوة..
الرضع ! .. أشلاء أطفال! . تأخذه فى مركبتها الفضائية لموطنها الكوكب الوردي حيث
الأشجار ورديه اللون، و اللون الوردي بديل اللون الأخضر في كل شيء.. يعيش أهل
الكوكب الوردي في سلام دائم، لا يعرفون الأسلحة و لا الحروب، فكل الكوكب أمة
واحدة. يقابل اسلام زعيم الكوكب و ما أن يبدأ فى سرد قصته حتى يمتعض وجه الزعيم
ليعلن إنهاء المقابلة.ينبذ أهل الكوكب الوردى اسلام لأنه من كوكب الدماء المستباحة
كما يطلقون على كوكب الأرض. رغم محاولاته للانخراط فى مجتمعهم، فهو يشبههم من
الداخل إلا إنهم يرفضون ذلك الإرهابى القادم من اللامكان. ترى منسيليا فى اسلام ما
لم يفطن إليه غيرها.تصرح له بحبها و تطلب منه الهروب السريع لأن قومها يتآمرون على
سجنه.انهم لا يرون سوى المسخ الذي يهدد سلامهم و تحمل دمائه جينات الدمار. تعطى
منسيليا حبيبها مركبة الفضاء الخاصة بها و تطلب منه أن يأخذها معه لكوكب الأرض
ليبدءا سويا رحلة البحث عن الطيبين. يجيبها فى مرارة:لو تقابلنا فى ظروف أفضل لكنت
زوجتي و أم أولادى ، لكن الأنانية ليست من صفاتى ، تزوجى يا منسيليا أحد يحبك من
أبناء قومك..انجبى أطفال كثر ، و علميهم أن الحب يسود و أن الاختلاف هبة من الله
يعطيها للمتميزين. تنطلق المركبة الفضائية بإسلام فى رحلة المجهول حاملا معه خطة للسلام.
يؤذن للصلاة بينما يقترب من الأرض
تنتظره منسيليا مع كل شروق شمس.فكما الشمس آتية هو آت.
ذئب
سمية جمعة
سورية
حزمتُ أمري، ومضيتُ.
الريح تلفح وجهي، قدماي تتعثران بين هرولةٍ وخطى خائفة.
بعد أمتار، عدت أدراجي هرولة.
نسيت لحاف رأسي.
نسيت أن الخوف ما زال يطاردني منذ بدأت الحرب، كظل لا ينفكّ
يتربص بكل التفاتة.
كل شيء صار مرعبًا:
وجوه غريبة تتسلل كالظلال بين الأزقة، وحركة الشارع أصبحت
غريبة عني... وأنا غريبة عنها.
جمعت شتاتي، وشددت قبضتي على بقايا عزيمتي،
طرقت الباب بشدة، وكأن الموت يلاحقني.
فتحت بشيرة الباب.
شهقتُ.
كان المرض قد سرق منها ألقها.
دعتني للدخول، بالكاد سمعت صوتها يتلوى بين شفتيها.
جلست قرب فراشها.
رائحة الأدوية، صرير التنفس، الخفوت الكثيف للضوء... كل شيء في
الغرفة كان يئن.
نظرت إليها والدموع تحرقني من الداخل.
همست:
ـ بحق الله، هل ما سمعته صحيح؟ حدثيني...
تنهدت بشيرة، شهقةً ثقيلة بحجم العمر، وقالت:
ـ عندما نشبت الحرب، ترك الناس بيوتهم، لم تعد الحارات آمنة.
ذاك اليوم... جاء زوجي، ومعه امرأة وطفل.
أدخلها بيتنا.
رحبتُ بها، وابني ضحك فرحًا بالطفل الجديد.
ذهبتُ للمطبخ.
وحين عدت، كانت قد كشفت عن وجهها.
استغربتُ...
كيف تفعلها أمام رجل غريب؟
ابتسمت وقالت، كمن يسقط قنبلة:
ـ قبل أن تسألي... هذا زوجي أيضًا.
شعرت أن الأرض تدور بي.
بحثت في ذاكرتي عن غياب، عن خيانة صغيرة، عن صدعٍ خفي.
عبثًا...
لم أجد إلا صورة رجلٍ أحبني بكل تفاصيله.
رفعت رأسها بصعوبة وقالت:
ـ المصيبة أنني لم أشعر بأي تغيّر.
لا في حنانه... ولا في حبه.
حاولتُ أن أبتلع الخيانة كمرٍ ثقيل.
أن أقتنع أن الزمن القاسي قد غيّرنا جميعًا.
لكن...
كيف أتقاسم بيتي؟ حياتي؟
أطفالنا يلعبون...
لا يدركون أن ضحكاتهم تتساقط فوق جراح لا تندمل.
طلبت منها أن تكمل.
خذلها التعب.
ساعدتها على الاستلقاء، مدت يدها النحيلة، قبضت على أصابعي،
همست:
ـ ما عدتُ أجد ذلك الشغف... ولا ذلك الحب الذي جمعنا ذات يوم.
وما زلت أسمع أبي يردد:
(ذيب
يا ابنتي... لا يؤتمن جانبه).
تنفست بشيرة بعمق،
ثم غفت.
تركتها غارقة في صمتها.
خرجت من غرفتها وأنا أجر أقدامي جرا،
وروحي مثقلة بأسئلة لا إجابة لها.
تلاشت أضواء اليوم،
وغمرتني الذكريات:
ضحكة بشيرة، شعرها الذهبي، خطواتها الراقصة في طفولتنا...
كم كانت الحياة أبسط، وأصدق.
في تلك الليلة، حملني النوم الثقيل.
وحين زارني الحلم، رأيت شعرها يتساقط، ووجهها يذبل كزهرة غارقة
في الظل.
قرأت المعوذات... وعدت للنوم.
في الصباح،
فتح الفيسبوك جرحًا جديدًا:
نعوةٌ تتصدرها صورتها.
بشيرة...
رحلت.
أدوات البحث
عبدالوهاب علي الصبخه
السعودية
في زاوية من هذا العالم، حيث يتداخل الصمت مع الألوان الباهتة
للسماء، كان هناك رجل لا يزال يبحث عن شيء مفقود، شيئًا لم يكتشفه بعد رغم عمره
الذي أخذ يثقل عليه. كان يطوف في الشوارع، يحاول أن يجد في الوجوه ما يعكس الصورة
التي رسمها في ذهنه عن نفسه، لكنه لم يعثر على شيء سوى انعكاسات ضبابية تكاد أن
تختفي عندما يقترب منها.
لم يكن يخاف من الوحدة، بل كان يراها أحيانًا رفيقة له، وفي
أوقات أخرى كان يعتقد أنها فخ أوقعه فيه الزمن. كان يخرج كل صباح ليواجه العالم،
كل يوم يبحث عن الجواب الذي يهرب منه الجميع: ماذا يعني أن تكون حقًا حيًا؟ هل هو
مجرد مرور الوقت على الوجه الذي لا يتغير، أم هو في تفاصيل صغيرة تسكن النفس وتغذي
الروح؟
كان يمشي في طريقه نحو المقهى القديم حيث لا شيء يتغير. الزمان
يقف هنا، والمكان يرفض أن يتطور. “لقد اعتدت على هذا المكان، وعلى تلك الوجوه
المألوفة التي لا تدهشني بعد اليوم”، كان يردد في نفسه. لكن في ذلك اليوم، حدث شيء
غريب. بينما كان يعبر الشارع باتجاه المقهى، لمح في الزجاج العتيق لافتة قديمة:
عِشْ لحظةً واحدة، واستمتع بها كما لو كانت آخر لحظة.
توقف. لأول مرة في حياته، شعر بأن هذه الجملة قد لامست شيئًا
بداخله. إنها دعوة جديدة لعيش شيء مختلف. لكنه كان يعلم أن وراء كل دعوة، هناك
قرار يجب اتخاذه. هل يواصل السير في الطريق نفسه أم يختار العودة إلى ما كان يسميه
الفراغ، ذلك المكان الذي كان يهرب إليه كلما ضاقت عليه نفسه؟
دون أن يدرك، أخذ خطوة نحو المجهول، خطوة تجاه الأمل المفقود
الذي سعى له طويلاً. وفي تلك اللحظة، أدرك أن الحياة لا تكمن في التمسك بما نعرفه،
بل في الانفتاح على ما قد يغيرنا. قد تكون الإجابة في هذا الجواب البسيط: عِشْ.
ثم في لحظة من هذه الرحلة، شعر بشيء غريب. إذ كان يمر قرب مقهى
قديم، ووسط الزحام، لمح شخصًا مسنًا يقف هادئًا في الزاوية. كان يحمل كتابًا
قديمًا. لم يثر في ذهنه الفضول حول الكتاب، ولكن بدافع غير مفهوم اقترب منه، فلاحظ
انعكاس صورة وجهه في الزجاج المهدم للمقهى، وكأن الوجه الذي يراه هو مجرد نسخة
مشوشة عن نفسه. ففكر، لوهلة، أن هذا هو البحث الذي لا يراه، ولكنه يحاول اكتشافه
عبر كل خطوة وكل سؤال.
اقترب منه، وألقى نظرة سريعة على الكتاب الذي كان الشيخ يحمله.
ثم، أولاً، سأل بلهجة مليئة بالفضول:
-هل
تدرس هذا الكتاب؟
رفع الشيخ ببطء عينيه، كما لو كان قد شعر بالسؤال قبل أن
يُطرح، وقال:
-لا،
لا أدرسه. الكتاب ليس سوى أداة. السؤال الحقيقي هو كيف تقرأه.
سكت الرجل للحظة، وكأن الكلمات ألقيت في ذهنه ليتمعّن فيها. ثم
سأل، وفي صوته شيء من القلق:
-أبحث
عن شيء، ولكن لا أعرف ما هو.
ابتسم الشيخ وقال بهدوء:
-أنت
لم تأتِ لتبحث عن الكتاب. أنت هنا لتفهم ماذا يعني أن تفتح نفسك أولاً.
كانت الكلمات كالصاعقة. الرجل لم يكن يدرك أنه كان يخبئ نفسه
في هذا الكتاب، يظن أنه يحتاج فقط إلى نصيحة أو إجابة خارجية ليغلق بها تساؤلاته.
لكنه أدرك الآن أن الكتاب ليس هو الحل، بل هو الأداة. الأداة التي قد تساعده على
أن يتصالح مع ذاته، ليجد ما يبحث عنه في أعماقه.
ابتسم، وعاد ليكمل طريقه، لكن قلبه كان أخف. لقد تعلم أن
العثور على الإجابة ليس مرتبطًا بما نقرأه في الخارج، بل بما نكتشفه داخلنا.
أحلام تائهة
اميرة صارم
سوريا
لا أذكر من طفولتي أكثر مما أذكر معلمي الذي كان جارَنا في
طفولتي، حيث يأتي كل صباح ليحملني بين ذراعيه منادياً لي باسمٍ جديد (أريج).
لم أعلم معنى الإسم في ذلك الوقت؛ بعد أن أتى معلم الثاني عشت
عزلة ضنكا، في ظلِّ معلّم آخر شرس اعتاد على ضربنا دون رحمة لأنّه لم يُجِد
أسلوباً آخر؛ والآن وأنا بعمر الرابعة والخمسين ما زال ينتابني الشعور الطفولي لم
ينفك من مخيلتي شعور التعنيف وطعم الترهيب ، وصفعاته الظالمة لكفيَّ الصغيرتين..
كنت أحلم كباقي الأطفال برحلة مدرسية ألعب فيها مع رفاقي و
ارتع و أشعر بفرحٍ بينهم؛ لكنَّ كان عنقاء مغرب .
تلك الأزهار كانت رفاهيتي المفضلة حيث اعتدتُ أن أصلَها ببعض
بخيط رفيع صانعةً منها عقداً بعدة لفاتٍ كانت تطوق عنقي كأيقونة جميلة وكأنها
إكليلُ عروسٍ...
تلك الأزهار، الفراشاتُ وطفولتي خلف غابة كبيرة متربعةٍ فوق
البيادر حيث كانت أقصى أحلامنا أن نمسك تلك الفراشة الزاهية الألوان ونصرخ بفرح
فأحلامنا الكبرى باتت في يدنا...
لقد كبرنا ببطء، لكن أحلامنا بقيت طي ذكرى فقط لم تطل التدوين؛
حيث اغتالتها يد غادرة في ظلمة حالكة كما اغتالت تلك الأزهار التي كانت تحيط
أعناقنا الصغيرة.
وهكذا تشتتت الأفكار في سن المراهقة لأن الفقر كتب لوحة أخرى
من الشقاء؛ فالبرد نخر عظام قوتنا ونحن نتوق لنرتدي معطفا يغطي عظاما ضعيفة..
تبا لتلك الأيام التي غمرتنا بها كل معاناة أليمة وأصبحنا ذرة
ملح في رماد...
لقد قارعنا الطرقات بأرجل حافية من الأسفل مغطاة من الأعلى لم
يستطع أحد اكتشاف ذلك الفقر الأسود إلا تلك الأقدام؛ حيث نشرت الريح قصصا من
الأوراق المتعفنة بين ثنايا روح مهترئة، وذاك المدير القاسي الذي اعتاد أن يعامل
الطلاب بنفس السوية من الألفاظ الفظة.
لطالما كرهت الوقت الذي أقضيه في تلك المدرسة رغم وجود (حسن)
الشاب الوسيم الذي قد أحبني وحلم يوميا في ذلك الوقت أن أقبل منه تلك الرسالة،
لكني لم أستطع قبولها رغم توقي لمعرفة ما كتب لي على الرغم من أنّ معظم البنات
كانت تتمنى أن ينظر إليهن فكيف أن يرسل لهن برسالة؟!
أشهد كم كنت جبانه أخاف حتى ظلي...
تعاقبت السنون وخوفي ما انفكَّ يحرمني
من الكثير مما منّه الله علي، حيث وجدت بعد رحلة طويلة من الخذلان والخسارة أن
الخوف قتل الأحلام والحياة معاً..
استيقظت روحي من السُّبات متأخرة لكن تلك الصحوة جاءت متأخرة
ولم تكن ذات قيمة أو أهمية قط، لقد دفنت تلك الصبية الشقية المندفعة في الحياة بين
جدران حالكة الظلام مهما حاولت جاهدةً الخروج من النفق المظلم.
والليل إذا أبصر
أمل علي أحمد محمد الجرادي
اليمن
أدخنة متراكمة من على مقطورات أحد المنازل، طالب يركب موتوره
ويضغط على الهون مرارًا كنداء إلى صديقه بضرورة الإسراع في الذهاب سويًا إلى
المدرسة. أطفال صغار يبحثون عن لعبة اليوم الطويل الذي سيقضونه خارجًا، ويمامتان
فرشتا أجنحتهما على خيوط الشمس الأولى. الحياة هكذا ندية في البداية كوجه طفل سيظل
مبتسمًا إلى حين، والقرية ليست بهذه السذاجة التي تجعلها تصدق كل ما ترى..، فبعد
قليل ستبدأ الطاحونة بالضجيج، وسيغادر الناس أماكنهم الهادئة بحثًا عن لقمة حلال.
***
وأنت يا حاج صالح، ما حالك؟ كنت بالأمس شابًا وسيمًا ومرحًا،
واليوم ها أنت تتكئ على عصاك، تقول أنك بخير... بخير دائمًا. لازلت تضحك بعض
الأحيان ثم بلمحة بصر تنكفئ على ابتسامتك، لتقول إنك مت بعد موت زهرة، لم ترَ
للحياة سببًا إلا زهرة.
بالأمس كبر الأولاد، كبروا شيئًا فشيئًا وتركوك وحيدًا مع
ابنتك زهرة، تزوجوا وذهب كل أحد ينقب عن مستقبله، وتركوك إلا زهرة... حسنًا هم لم
يقصدوا ذلك يا حاج صالح، إنها الحياة.... ولطالما رددوا عليك "زهرة فيها كل
الخير"، تجلس معك، تهتم بك، وترعاك، وتضحك معك. زهرة لم تتزوج، وقلبك مشفق
عليها، على حياتها من بعدك. تريد أن تطمئن عليها قبل أن يأخذ الله أمانته، لكن
زهرة تقول ما يقول إخوانها الكبار: "راحتي من راحتك يا باه".
زهرة لا تريد الزواج حاليًا، تقول لك دائمًا أنها لا تفكر سوى
فيك. لكنها تبكي أحيانًا، وتسرح دائمًا. حتى وهي تكنس البيت تقول دائمًا أن الحياة
صعبة ...وأنت لا تدري ماذا تعني ...ولا ماذا ترد عليها. تضمك زهرة في حضنها، وتضحك
معك، حتى ودموعها خلف عينيها، تحتويك وترمي همها خلف ظهرها. حين تضع الصحون على
المائدة تناديك وهي مبتسمة، تفرش لك أصابعها الخمس لتقوم عليها. هي حنونة جدًا، تحبك
إلى أبعد الحدود، تمتهن رعايتك طوال السنين.
لكن زهرة هذه الفترة ليست على ما يرام، قلبها يخفق. يبدو أن
سمعك الضعيف لم يعد يصل إلى ضربات قلبها... أيها العجوز لقد كبرت وضعف بصرك لم تعد
تلاحظ احمرار عينيها الدائم. هذه الفترة أصبحت زهرة أكبر بأضعاف من ذي قبل، حتى
إنها باتت تخشاك... تخشى صوتك... تتردد في الدخول عليك إلى الغرفة تفكر مرارًا قبل
أن تدخل معك في حوار. تعال.. قُل لي متى آخر مرة وضعت زهرة عينيها في عينيك، متى
ضمتك كما اعتادت من قبل؟ متى نمت معها في بطانية واحدة... لأنك بارد وعجوز؟
***
منذ شهر تقريبًا، كان الليل يأتي... كانت ترقبه زهرة طوال
ساعات النوم... تسرع في ترتيب فراشك... وتهدهد على رأسك لتنام وتنام أنت... وتبقى
زهرة في النافذة. ولم تسأل نفسك لماذا لم تنم معك زهرة، ولماذا تفتح زهرة النافذة.
تهمس لها بحنان: "أغلقي النافذة يا زهرة". تقول لك أن ما وراء النافذة
أشياء جميلة، خيوط من الحرير الأبيض. لم تنتبه أن زهرة لم تعد تخشى الأشباح ولا
تخشى الليل، ولم تكن تزورها أكثر من ورقة عادية. هل لمحتها يومًا تقف على أعتاب
النافذة لتستلم ورقة، تضعها في كمها الطويل، ثم تذهب إلى غرفتها سريعًا وبلهفة
مفضوحة؟ هل لمحت عيناها بينما تحاول أن تفكك حروفًا في الورقة؟ زهرة لم تتعلم، ظلت
ترعاك وترعى ابنائك الصغار منذ وفاة أمها. وها هي تحاول أن تفكك ألغاز ورقة مكونة
من حروف، الحروف تفتح أبواب الكلمات، الكلمات مفاتيح غريبة، تفتح أشياء أخرى غير
النوافذ والأبواب.
وكانت زهرة تدسهم مفتاحًا مفتاحًا في عنقها، مثل مفاتيح غرف
البيت وحقائبك القديمة، فتحت قلبها صندوقًا صندوقًا. من هناك بدأت تغيب عنك، وتفتش
عن نفسها. تقول لك أن الحياة صعبة، وأن الوحدة صعبة، وأن الوحشة تعم البيت. ألم
تفهم؟ لا بأس عليك أنت أيضًا عجوز، ولا تفهم كثيرًا بهذه الأشياء.
***
حين كنت تحب زوجتك، كنت تحبها لأنها زوجتك، تخدمك، تغسل ثيابك
وتقدم لك الشراب والطعام. لم تكن تحنو عليك، ولم يشعل قلبك قلبها يومًا. لكنك كنت
تحبها لأنها زوجتك. وكانت تحبك أيضًا، لأنك لم تحرمها يومًا من شيء تحبه. لم يدخل
في مزاجك يومًا أمر إزعاجها. زهرة فعلت من أجلك كل هذا وأكثر، زهرة حنت عليك لأنها
كانت تحتاج من يحنو عليها، وضاحكتك لأنها تحتاج من يضحكها، وأشفقت عليك كثيرًا
لأنها تعلم أنها ستغيب. وكنت لا تريدها أن تغيب، وكنت تأكل كل يوم من نصيبها في
الحياة، وكانت صامتة، وكانت راضية. والليل كان يدري، وبعض النجوم تدري... أن زهرة
مستها الوحشة، واعتادت فتح الشبابيك. والضوء كان يدخل، والبيت المغلق بدأت زهرة
تواربه. وبدأت أقدامها تركض خلفه بشوق، فالنافذة قصيرة وضيقة، وقلبها كبير، وقصتها
جميلة. وملمسها ناعم، وابتسامتها مشرقة، وخديها متوهجين، والليل لثام، وله أشباح،
والزهرة ساذجة، وعطرها نفاذ، وكأس الشاي لم يعد باردًا، والربيع يقضمه الخريف،
والليل صقيع.
أكل فيه اللئام لثام زهرة، وأحداق زهرة، وجوانح زهرة، وحصد
الأشباح نور زهرة، وعادت إلى الفراش مبلولة. ألم تقل لك أن الحياة صعبة؟ تلاطمت
أمواج زهرة،
وتناقل الناس أخبار زهرة، ورجم الناس زهرة. وجاء إخوان زهرة،
واحتضنوك كالعادة، ولم يصافحوا زهرة، وأخذ أبنائك زهرة، ولم يرفقوا بها، وغابوا
مجددًا... وتركوك وحيدًا بدون زهرة.
جرادة مالحة
منير بهرى
المغرب
القبيلة بعيدة، لا يمكن الوصول إليها إلا بالحيلة، كانت الشقة
إليها تحلب الماء والدم من جوف قاصدها ،ينقضي النهار ويستسلم الليل والقبيلة لا
تكاد تبين، والعجب العجاب أن هذه القبيلة تبدل الطريق إليها تصلها وأنت ترسم معالم
طريقها في لوح ذاكرتك اليوم ، وغدا عندما تقفل راجعا ترجع من طريق أخرى مبهمة
جديدة ،والسبب في هذا هو تلاعب الساحرة المدعوة عسيقة، كانت مالكة العباد والبلاد
، تلقي بعصاها السحرية فتتلقف العقول وتخضعها لنزواتها الشريرة. وكانت في هذه
القبيلة أيضا امرأة صالحة فاتنة الجمال تدعى صالحة وهي جوادة تعطي بيدها ولسانها،
تملك بستانا جميلا مزدانا بالخيرات فتعطي من غلاته للمسكين واليتيم ،فكان الجميع
يدعونها بالصالحة وكانت عدوة لعسيقة الشريرة ،تضمر الشر لها ، وكانت تستنفر قواها
السحرية وحيلها الماكرة للإطاحة بها وإبعادها من بحبوحة السعادة وكل محاولاتها
تبوء بالفشل،
كان الله حاميها وحامي جنتها ،ومرت الأيام والحقد يكبر في قلب
الساحرة كما يكبر شجر اللبلاب ويسيح ويزحف ،حتى غلف كوى الخير ونور الشمس، وما زاد
عسيقة التياعا وسعارا هو عندما رزقت الصالحة ببنتين زهرتين فاتنتين تشبهان أمهما ،
وهما توأمان يطيران العقل ويجنحانه فلا يعرف الراحة من جمالهما، كانت عسيقة عقيما
كبئر مردومة حنطت شوكا ، حدث الولادة هذا جعلها تجمع شياطينها وتنادي عليهم أيكم
ياتني بعرشها وهما ابنتيها فيصبح من المقربين ، جمعت كيدها وحشدت الشر الذي ذرئ في
الأرض ،كانت ليلة سوداء تلفعت بها الساحرة وهي تصرخ في جندها :
_الليلة
أريد أن يكون الجنان رمادا، حتى لاتجد البهيمة العجفاء ما تاكله ولا البطن الجائعة
،أريد أن تكون الصالحة مذلولة منكسرة،نفدت الشمطاء مكيدتها فأحرقت البستان الذي
يطعم الإنسان والحيوان ، وخطفت بنتي صالحة ،وهربت تسير ثلاثة أيام فقصدت قبيلة
الصيادة والصالحة قد ابيضت عيناها حزنا فرفعت أكفها للسماء تشكو أمرها، وصلت عسيقة
قبيلة الصيادة فكانت نذير شؤم عليهم عند قدومها الواد الذي يجود بالسمك الوفير
تغير حاله ، السمك الذي يصطاده أهلها لايلبث أن تفوح منه رائحة نتنة وهو في أوج
طراوته فشكا الصيادة أمرهم لكبير القبيلة فأشار إليهم بأن هناك روح شريرة حلت
بالقبيلة فأخبره الصيادة بالعجوز الشمطاء التي نزلت منذ ثلاثة أيام وهو الوقت الذي
حصل فيه ما حصل، فطردوها فيممت قبيلة القاضي الصالح أبو مفتاح المعروف بعدله
وحكمته، فلما وصلت القبيلة اندلعت الكراهية بين الناس وحل وباء الخصومات بعدما
كانت القبيلة ترفل بالاستقرار يحكمها قاض عادل ، فكشف أمرها وجثت على ركبتيها
متضرعة وبأنها مسكينة ،فأذن لها أن تبيت ليلة وعند انجياب الصبح تغادر، فكان عند
القاضي طائر اسمه زرزور يملكه كما يملك سليمان الهدهد ، فأرسله يستقصي أخبارها ،
فجاء سيده بنبأ عظيم قصتها كاملة ، فخيرها أن يمسخها إما ذبابة أو ضفدعة أو جرادة
، فاختارت الجرادة ونفد عليها الحكم ، فطارت من الشرفة دون أثر فحشدت الجراد
للاستيلاء على بساتين قبيلة الصالحة ، وعند الإشراف على القبيلة بأعداد غفيرة انقض
الناس على الجراد يأكلونه ويستصيغونه انتشاء وطربا إلى أن بقيت الجرادة الممسوخة
عسيقة وكانت مالحة يلوكها الجميع ويرمونها لملوحتها .
قطتي جميلة
عبدالإله ماهل
المغرب
وعلى غير غرة، أطلت علينا تلك القطة من فتحة بأسفل العمارة بعد
طول غياب، يئسنا من خلاله معاودة رؤيتها.
وهذه المرة رفقة مولودين اثنين، وعلامات النشاط والحيوية بادية
على محياها، تسير الهويني منتصبة القامة، وكان الارض ﻻتسعها، وكلها اهبة على
استعداء من يعادي صغيريها، او لمست فيه نية العبث بهما٠
لا تبرحهما حتى تعود اليهما، تداعبهما بكلتا اطرافها، تسرح
شعرهما، وﻻتجد من حرج، في ضمهما الى صدرها لتستلم لمشيئتهما، وكأنهما اصبحا، جزءا
لا يتجزأ من كيانها٠
ومع توالي الايام، وظهور علامات النضج، اصبحا اكثر جرأة من ذي
قبل، وكان الوكر قد ضاق ذرعا بهما، او لربما حليب الام، اصبح ﻻ يفي بغرض اشباعهما٠
وذات يوم استفقنا، وقد خلا المكان من شوشرة القطيطات وهي
تتلاعب مجتمعة، اللهم من القطيطة ذي اللون الرمادي التي كانت تصغر اختها، والتي
آثرت البقاء ولم تجاري البقية في الرحيل، فاصبحت من ساعتها يتيمة وحيدة، ﻻسند
تتكيء عليه، تموء طول الوقت، وماتكاد تظهر حتى تختفي، وكان المسكينة تستغيث٠
ولوﻻ جود وكرم أم البنات كوثر، بين الفينة والاخرى، لنفقت من
فرط الجوع والعطش، مما دفعها الى الاستئناس بنا، دون الاقتراب منا، وكانها الفت
الحياة الخلوية٠
ورويدا رويدا، استاثرت بالمكان لوحدها دون سواها، فدادت عليه
في وجه الدخلاء وبكل ما اوتيت من قوة، ولم تسلم من بطشها، حتى امها واختها كلما
عاودهما الحنين اليه وحاوﻻ، مجرد المرور عليه مر الكرام،
وفي صبيحة ما، استفقنا على مواء لم نعهده من قبل، فاذا بقط
يافع يقتحم خلوتها، ويحاول جاهدا النيل منها٠
حز في نفسه ان يتحرش بها، وهي في هذا السن، فصحت عليه من اعلى
الشرفة وباعلى صوت، فلم يجد معه بدا سوى اﻻستسلام، فطاطا راسه وولى اﻻدبار٠
وهنا تنفست الصعداء ظنا مني اني فعلت الصواب، اني ارحتها منه،
غير انها وبمنتهى الوقاحة، خرجت علي من وكرها واخذت تموء، ذلك المواء الغريب،
فاستدار ذلك القط ناحيتها، وبكامل التحدي، رجع من حيث طرد. فرجعت من حيث اتيت، ولم
اشا ان احول دون سنة الطبيعة٠
وماهي الا أيام، حتى خرجت علينا بخمس قطيطات، ذي الوان مختلفة،
وشانها شأن باقي الأمهات، لازمت صغارها ليل نهار، لاتحيد عنهم، تحرص عليهم اشد
الحرص، تنظفهم ترضعهم، تداعبهم إلى ان بلغوا اشدهم، فرحلوا جميعا باستثناء صغيرة
فيهم، آثرت البقاء على الرحيل، فاستانست بنا، واستاثرت بالمكان، ودادت عليه بكل ما
أوتيت من قوة وصراخ حتى في وجه امها وأخواتها، فاستفردت به لوحدها دون سواها.
إنه قانون الغاب، وللأسف وفي كثير من الاحيان، يتساوى فيه
الانسان والحيوان،
وكأن التاريخ يعيد نفسه...
التائهة
سيد عباس جاد الكريم
(سيد غلاب)
مصر
- هل
يوجد أحد ناقص؟
- أنا.
ضج الباص بالضحك. لماذا يضحكون؟ ما المضحك في ذلك؟ استدركت
الأمر بسرعة، ورفعت صوتي:
- لا،
لستُ أنا! أنا لست ناقصة!
لكن الضحكات استمرت. يا لهم من حمقى! تداركت نفسي بسرعة:
- أقصد...
أخي.
الضحكات تصاعدت مجددًا، كأنني أقدم لهم عرضًا كوميديًا
مجانيًا. شددت أصابعي حول حقيبتي، شعرت أنني محاصرة.
قال السائق، محاولًا كتم ضحكته:
- وأين
هو أخوكِ هذا؟
- لا
أعلم.
- نعم!
- أقصد...
غفوتُ قليلًا، وحين استيقظت، لم أجده.
- اتصلي
به.
تحسست جيب حقيبتي وأخرجت هاتفي المحمول. ضغطتُ على زر الاتصال،
فظهر لي الرد الآلي كالصاعقة:
"عفوًا،
لقد نفد رصيدكم، برجاء إعادة الشحن وإعادة المحاولة."
شعرتُ بحرارة تتصاعد إلى وجهي. ماذا أقول الآن؟ الباص كله
ينتظر ردي. ازداد الطين بلّة، أعرف أنها رحلة منحوسة منذ بدايتها!
كنتُ قد أخبرته عشرات المرات أنني لا أشعر بالراحة تجاه هذه
الرحلة. قلبي كان مقبوضًا، عيني كانت ترفّ، لكن إبراهيم ضحك وقال إنها أوهام.
سامحك الله يا إبراهيم! شباب الصعيد يهربون إلى القاهرة كي يتزوجوا فتيات قاهريات،
وأنتَ تتركها لتعود إلى الصعيد بحثًا عن زوجة؟ ما هذا الجنون؟
• "يا
مدام، نريد أن نتحرك. هل ردّ عليك؟"
لم أجد ما أقوله، فتمتمتُ بخفوت:
- رصيدي
نفد.
ساد الصمت. وعلى عكس المتوقع، لم أسمع أي ضحكات. تطوع شاب
وأخرج هاتفه:
- أعطِني
الرقم، يا أستاذة.
تلعثمتُ وأنا أملي عليه الأرقام. ما أن ضغط الشاب زر الاتصال،
حتى انفجرت الأغنية من حقيبتي:
"قلبي
عليك خي... من حر قولة آي!"
تسمرتُ في مكاني. يا إلهي... معقول هذا. ارتفع همس الركاب،
تداخلت الضحكات وامتزجت بالدهشة، وكأن الهواء في الباص أصبح أثقل.
قال الشاب المتطوع بسخرية وهو يقترب مني، متتبعًا الصوت:
- الصوت
قادم من حقيبتك، يا أستاذة.
قهقه أحدهم:
- سيبك
منها، شكلها مصتبحة!
لكن السائق لم يجد الأمر مضحكًا. قال بحزم:
- أنا
ناقص اشتغالات؟ سأغلق الباب ونكمل الطريق.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصرخ، وأبكي، وأتوّسل إليه:
- لا!
إبراهيم كان هنا! كان يجلس بجواري! أنا لم أكن وحدي! أقسم لكم! إبراهيم أخي وابني
وأبي! لقد ربيته بيدي، ضحيتُ بكل شيء من أجله! لا أستطيع العودة بدونه!
رقّ الركاب لحالي. تجمعت النساء حولي، واحدة أعطتني منديلاً،
وأخرى زجاجة ماء. سمعت تمتمات متعاطفة: يا عيني... ، يا حرام.... الرجال يضربون
كفًا بكف. حتى السائق نفسه بدا مترددًا، ثم قال برفق:
- طيب،
يا جماعة... هل رأى أحد إبراهيم هذا طوال الطريق؟
نظرات مترددة. صمت ثقيل. لا أحد يتكلم.
أعاد السائق السؤال بصيغة أخرى:
- منذ
أن غادرنا القاهرة قبل خمس ساعات، هل لاحظ أحدكم أن هذه السيدة كانت تجلس بجوار
شخص آخر؟ أم كانت وحدها؟
تبادل الركاب النظرات. التوتر واضح في وجوههم. حاولتُ أن
أستعطفهم بنظراتي، أحفز ذاكرتهم، حتى نطق أحدهم أخيرًا:
- بصراحة،
الكل كان مشغولًا... اللي نايم، اللي على الموبايل، اللي بيتفرج على التلفزيون.
قال آخر، بنبرة واثقة:
- لا،
لقد كانت تجلس بمفردها. أنا متأكد. كانت وحدها طوال الرحلة.
تجمدتُ في مكاني. هل أنا... وحدي؟ لا، هذا غير ممكن! التفتُّ
إلى المقعد بجواري... كان فارغًا. كيف؟ كنتُ أشعر بحرارة جسده بجانبي، كنتُ أسمع
صوته!
أدار السائق المحرك. بدأ الباص بالتحرك.
تسارعت أنفاسي، التصقت بزاوية النافذة، حدّقتُ في الخارج،
بحثًا عنه. بدأ قلبي يخفق بقوة، كأن شيئًا عظيمًا على وشك الانهيار داخلي.
" خلي
بالك من خيك يا تهاني...حاضر يا أمه... عيني يا أبوي...
يا إبراهيم! فين رُحت بس؟ إبراهيم! أرجوك، ردّ عليّ!"
ما حدش شاف إبراهيم يا ولاد الحلال؟ شاب محترم، على وش زواج...
كنا رايحين نخطب له. إبراهيم ضاع... إبراهيم ضاع يا أمه... يا أبوي... يا مراري!"
شعرتُ ببرودة على وجهي، كأن المطر يتساقط عليَّ وحدي. يد باردة
تضرب برفق على خدي، وصوت مألوف يهمس برفق:
- فوقي
يا تهاني... أنا جنبكِ يا حبيبتي... فوقي.
فتح الركاب أعينهم بدهشة. بعضهم كان يبكي، بعضهم يضحك.
قال أحدهم وهو يحدق فيّ بذهول:
- ألم
أقل لكم؟ لم تكن وحدها.
أدار السائق المحرك، وانطلق الباص في طريقه.
خطيئة حرف
د.إبتهال الأمين الطيب
السودان
وحسبت أن المسافة من باب المدرسة حتى مكتب المديرة تساوي آلاف
الأمتار.
عقلي مشغول وقلبي يخفق بقوة اسمع صوته بأذني وأحس نبضه في
حلقي.أخبروني هاتفياً بضرورة الحضور بسرعة لأمر طاريء يخص صغيرتي.
حاولت استطلاع الأمر من محدثتي ولكنها تمنّعت حتى حضوري
للمدرسة.
كنت لم أبدأ تناول فطوري بعد عندما رن الهاتف ليخبرني بذلك
وأنا الحريصة على تناول هذه الوجبة بعد أخذ إبرة (الأنسولين).
لا أدري كيف سرت هذه الكيلومترات مشياً كالركض من أقصى الحي
بعد أن رفض محرك سيارتي أن يدور.
الكثير من (السيناريوهات) المخيفة دارت في رأسي وتمنيت لحظتها
فقط أن تكون صغيرتي بخير.
دخلت مكتب المديرة فوجدتها وحولها عدد من المعلمات يجلسن
ويغلقن الباب وكأنهن في اجتماع شديد السرية.
لم استطع ابتلاع ريقي من شدة قلقي فسلّمت عليهن وجلست على أقرب
كرسي بعد أن رفضت قدماي التقدم خطوة أخرى .
بادرتني المعلمة بالسؤال: هل أنت أم الطالبة(نايا) أحمد حسن؟.
فقلت لها في لهفة: لا ابنتي اسمها (تايا) أحمد حسن.
عدّلت المديرة منظارها ونظرت لأوراق أمامها وقالت: أسماء غريبة
ومتشابهة، عذراً، إذا نحن لا نقصد ابنتك فقد اختلط علينا الأمر)
كان ذلك آخر ما سمعته منها ورأسي يدور ، والظلام يلف عقلي وأنا
اسقط في هوة سحيقة ( لصدمة هبوط سكر في الدم)
هواء
أوسان العامري
اليمن
مضى على تخرجي سنوات لم أعد اذكرها، ومازلت أجوب شوارع
البطالة، وأقف على رصيف قلة الحيلة، اتسول القليل من الأمل وكثير من اليأس
أستيقظ مبكرا كطير تغدو خماصا، لكنني لست مثلها تعود بطانا
كل صباح أسابق الشمس، وهي تتثاءب وتشرق بكسل
أمتطي هذا الشارع الطويل الممتد وسط هذه البيوت التي أكل عليها
الدهر وشرب
عند ذهابي يغط الشارع في نوم عميق، لم يصل الباعة المتجولون
بعد
أركل بقدمي الحافيتين بعض بقايا ما تركوه ليلة البارحة من
خضار، وبعض الصناديق الورقية، وبعض القشور
وحين أيابي يكون مكتظا عن بكرة أبيه تتخالط الأصوات فيه
_الكيلوووو
الطماطم بالف ريال
_يااااابلاشاه
وآخر ينادي: المليح عندي المليح عندي، اشترٖ ما تخسر شيئا
وآخر يصيح برد ياعطشان واروي ظمأك
الكثير من الأصوات بعضها يسابق الاخر
أصوات مسجلة يعلقها البائع على عربيته للتروج وجذب الزبائن
أحاذيهم عند عودتي؛ أحب ذلك الضجيج الذي يبعث في نفسي الراحة
أود أن ابيع هنا خيباتي والكثير من الخذلان
واشتري منهم كل يوم جرعات من التفاؤل لأعيش يوما آخر
وأنا أجر قدمي لمحت بائعا أمامه الكثير من الأكياس المملوة
بالهواء يلوح بها وينادي: هواء نقي بالمجان
اقتربت منه أسماله بالية وريحته تعانق أنفك عن بعد
يإخذ الأطفال منه الأكياس ثم يفرفعونها ويصيحون:
مجنون، مجنون
اقتربت منه تأملته تبسمت له ثم أدرت ظهري ومشيت
سمعته يتمتم:: سيأتي يوما ساضحك وتبكون
بعد بحث مضني عن عمل يناسبني قررت مغادرة الوطن
لعلي أجد في الغربة وطنا
سمعت أن فلان عاد بمالا وفير وآخر بنى بيتنا جميل
وابن جارتنا عاد بوجه آخر نبت له لحم وعاد بدينا
نظرت بالمراة بعد أن لبست القميص سمعت قهقهة أخي
_كأنك
فزاعة وضعت على ضفاف الحقل
اغتصبت ابتسامة ثم ودعته دون أن ألتفت
بعد مرور سنوات جمعت الكثير من المال لقد بعت مرات عدة كرامتي
وبعضا من ماء وجهي
عدت ورممت ما تبقي مني لملمت بقاياي واستقريت في بيت استأجرته
ليكون سكني وسكن عائلتي الصغيرة
تزوجت وبعد عام رزقت بتوأمين طلقت الغربة وعدت إلى التسكع
والبحث عن لقمة العيش هنا وهناك
_خذ
هذا واشتري به عربية وبعض الخضروات وأطلب الله
قالت ذلك: وهي تمد لي خاتم زواجنا
_لا
لا سادبر أمري لا عليك
_هل
الناس مثلي؟. أم أنا الوحيد المنبوذ في هذه الأرض التعيسة؟!
قلت ذلك وأنا أضع يدي في جيوب اليأس
خطر ببالي أن أذهب إلى سوق الباعة المتجولين
_نعم،
سأعمل هناك، سأبيع بعض قنيتات الماء البارد
تلفت يمنية ويسرى لقد تغير كل شيء فركت عيني بأصابعي
سور عال، بوابة واسعة ، نقاط تفتيش
لم اقترب عدت أدراجي وأنا اتساءل:
_ترى
أين ذهب الباعة وضجيجهم؟!
في اليوم الثاني عزمت أن أذهب وأسأل
وجدت طوابير من الناس تتزاحم على مدخل البوابة، حرس وسيارة
فارهة ترجل منها رجل طويل القامة عريض المنكبين يرتدي بذلة ورابطة عنق حمراء تسابق
الحراس لفتح باب السيارة والالتفاف حوله
ضجيج الناس خرق طبلة أذني
_نريد
هواء نقي ... نريد هواء
كان كل شخص يدفع كل ما لدبه من المال ويحصل على كيس هواء
يتنفسه مرة واحدة ويمضي
انفض الناس واحدا تلو الاخر وبقيت أبحث عن وجه البائع
_ أ
يعقل أن يكون هو !
قطع حبل أفكري صوت أحد الجنود
_أنت...
لماذا لا تنصرف؟
كان يعدل ربطة عنقه وينفض كتفيه بزهو
وقعت عيني في عينيه كشر عن أنيابه بابتسامة خبيثة
فغرت فاهي وشدهت مما رأيت:
_أنه
هو !
دفعني الحارس خارج البوبة نهضت وأنا أزيح عني غبار الذل وعدت
إلى منزلي
_ادركني
أنني أختنق.. استقبلتني زوجتي وهي تمسك بعنقها وتتنفس بصعوبة
_أولادك
كذلك سيموتون
تصلبت أطرافي وسمعت نبضات قلبي تتسارع، عدت أسابق خطواتي
_ساشتري
ثلاثة أكياس وإن كلفني الامر حياتي
جثوت على ركبتي أتوسل إليهم أن يبعوني ولو كياس واحد
ركلني أحدهم بكل قوته ثم قال بصوت جلف:
_تريد
هواء دون أن تدفع ريالا واحدا
_أرجوك
زوجتني تختنق، ولداي سيموتان
سأعمل معك دون مقابل أريد أن تعيش عائلتي فقط
ضحك بملء شدقيه ومسح على شاربه الطويل
وهو ينظر إلي، فتح له باب السيارة
وقبل أن يصعد التفت إلي ثم قال:
قد نحتاج صوتك الجميل المبحوح للتروج لبضاعتنا
صك الباب وانطلق، وأوصدت البوابة
وبقيت وحدي
أمسكت عنقي بكلا يدي صار نفسي متقطع زفيرا لا يتبعه شهيق
ثوب جديد ومقاس قديم
د. إبراهيم مصري النهر
مصر
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا عندما دخلت
"هيام" إلى المنزل تحمل كيسًا بلاستيكيًّا أنيقًا، تتدلى من جوانبه
أشرطة حريرية صغيرة بلون خمري. أغلقت الباب خلفها برفق، واتجهت مباشرة نحو غرفة
النوم، حيث تنتظرها مرآتها الكبيرة المُحاطة بأضواء خافتة، كأنها تستعد لعرض مسرحي
لا يعرف عنه أحد.
فتحت الكيس بلهفة، وأخرجت الثوب بعناية كأنها تخرج قلبها من
بين ضلوعها. كانت قد اشترته من أحد المحال الجديدة في السوق، ثوبٌ حريري أسود،
تلتف خيوطه حول الجسد بنعومة، لكنه بمقاس لم تعد تقترن به منذ سنوات. قالت للبائعة
حينها بشيء من المكابرة:
ــ "أريد هذا المقاس، وسأنقص وزني من أجله."
لكنها حين وصلت إلى البيت، لم تنتظر حتى تنقص جرامًا واحدًا،
بل هرعت لتجرِّبه كما هو.
أغلقت باب الغرفة، وأطفأت الهاتف، ووقفت أمام المرآة متأملةً
نفسها بجرأةٍ نسائية تعرف تمامًا ما تريد أن تراه، لا ما هو عليه. بدأت ترتدي
الثوب شيئًا فشيئًا، تسحب القماش على جسدها كمن يحاول تسلق جبل من الحرير، تتنفس
ببطء، تشد خصرها، ترفع كتفيها، تحبس بطنها... حتى استقر الثوب عليها أخيرًا، ولكن
بتكلفة باهظة من الأنين والكتمة.
نظرت في المرآة، وابتسمت.
ــ "جميلة... نعم جميلة"، همست لنفسها، تتجاهل حقيقة
أن التنفس صار تمرينًا شاقًا، وأن كتفيها في حرب باردة مع الأكمام.
دخل زوجها، أحمد، من الباب الخارجي في تلك اللحظة. خلع حذاءه
عند العتبة كعادته، وتنهد وهو يضع مفاتيحه على الطاولة، ثم قال بصوت عالٍ:
ــ "هيام! فينك؟"
لم ترد. فتحت الباب ببطء، ووقفت في ممر الغرفة كأنها ممثلة في
لقطة درامية حاسمة. قال وهو يراها:
ــ "ما شاء الله... جديد؟"
رفعت ذقنها بثقة مصطنعة، وقالت بابتسامة أقرب إلى التحدي:
ــ "رأيك؟"
نظر إليها طويلًا. كانت ملامح وجهه تترنح بين الإعجاب الحقيقي،
والدهشة، وشيء من الارتباك، قبل أن يرد:
ــ "جميل... بس صراحة، أنا في حيرة. مش عارف إذا كنتِ
جوّاه بتحاولي تطلعي، ولا برّاه بتحاولي تدخلي!"
ساد صمت ثقيل، حتى الهواء تردد في المرور بينهما. رمشت بعينيها
مرتين، ثم فتحت فمها لتقول شيئًا، لكنها سكتت. لم تكن الكلمة مؤذية بقدر ما
كانت... حقيقية.
أدارت وجهها، وعادت إلى الغرفة بخطى متصلبة، ليس بسبب الغضب،
بل لأن الثوب لم يسمح لها بالحركة الطبيعية. جلست على طرف السرير، بصعوبة، وخلعت
الثوب كمن ينزع جلده. نظرت إليه وقد صار مثل تعويذة فاشلة لا تنجح إلا في العرض.
دخل أحمد خلفها، وجلس بجانبها على السرير. وضع يده على يدها،
وقال:
ــ "هيام، ما قصدتش أزعلك. بس... ليه تلبسي فستان يخنقك؟
أنتِ حلوة، حتى في بيجامتك القديمة."
ضحكت رغمًا عنها، لكن دمعة صغيرة سالت على خدها، لا تدري إن
كانت من الضحك أو الحزن أو المزيج الغريب بينهما.
ــ "كنت حابة أحس إني لسه أقدر ألبس فستان زي دا. إني ما
كبرتِش... ولا تغير جسمي."
هزّ رأسه وقال:
ــ "التغيير مش عيب. العيب لما نحاول نلبس المقاسات
القديمة على حياتنا الجديدة. الثوب مش ضيق... إحنا اللي اتغيرنا، وده طبيعي."
أدارت وجهها إليه، ونظرت في عينيه. لم يكن يقول ذلك ليُرضيها،
بل لأنه يعرفها. يعرف أنها أكثر من جسد وثوب. إنها المرأة التي أضحكته في أشد
لحظاته حزنًا، والتي صنعت من بيت صغير عالمًا من الحنان.
قال وهو ينهض:
ــ "تعالي نطلع نتمشى. نجيب لك عصير، ونمر نشتري ثوب
يناسبك، مش اللي يناسب خيال حد تاني."
سألته وهي تمسح دمعتها:
ــ "مش هتضحك عليّ لو قلت للبائعة إني عايزة مقاس أكبر؟"
رد وهو يمد يده لها:
ــ "أنا؟ لا. لكن ممكن أقولها تختار لك ثوبًا يليق بملكة،
مش خيال عارضة أزياء من مجلة عمرها عشرين سنة!"
ضحكت هذه المرة من القلب، وقامت معه. نظرت للثوب الملقى على
السرير، ثم طوته بعناية ووضعته في الكيس.
ــ "يمكن ألبسه يومًا... ويمكن لا. بس مش راح ألبسه عشان
أرجع لزمن فات، أو أهرب من جسمي.
راح ألبسه لو حسّيت إني حابة أكون فيه... زي ما أنا اليوم."
غادرا معًا، يضحكان. لم يكن الثوب سوى قطعة قماش، لكن الموقف كله
كشف شيئًا أعمق: عن قبول الذات، عن الحب الذي يفهم ويحتوي، وعن رحلة الحياة التي
تستمر مهما تغيرت المقاسات.
سفّاح النفوس
إدريس أبورزق
المغرب
كانت "هالة" تمشي في الشارع شبه غائبة عن الوعي، تجر
قدميها فوق الأرصفة كأنها تجر عمرها المتعب.
لم تكن تنظر إلى شيء، ولم تكن تسمع غير صدى صوتٍ خافت ينبعث من
أعماقها:
"لماذا
حدث هذا بي؟ لماذا أنا؟"
في زحمة البشر، كانت وحدها.
أصدقاؤها خذلوها، وأحلامها نزفت حتى الموت على عتبات الخيبات.
منذ أن كانت صغيرة، كانت تبني لنفسها عالمًا شفافًا.
عالمًا تصدق فيه الكلمات، وتؤمن بالوعود، وتظن أن الطيبة وحدها
درع ضد الألم.
لكن الواقع كان سفّاحًا، يتقن الطعنات في وضح الابتسامات.
في المساء، جلست على حافة سريرها القديم، تحت مصباح خافت
تتراقص حوله الذكريات كالعثّ، تحترق عند اقترابها من الضوء.
مدّت يدها نحو دفترٍ مهترئ، فتحته بيدين مرتجفتين، فتناثرت من
بين الصفحات صورٌ لوجوهٍ كانت تظنها خالدة.
ضحكت بمرارة.
"كل
شيء يموت، حتى من كنا نحسبهم وطناً..."
كانت الصور تخون ذاكرتها، كانت الأصوات في رأسها تصرخ:
"أنتِ
لستِ كما كنتِ، لقد قتلوكِ حيّة."
في زاوية الغرفة، وقف شبحه.
ذاك الذي سلمته مفاتيح قلبها، ليغلق عليها أبواب الحياة واحدة
تلو الأخرى.
لم يكن يحبها كما زعم، كان يعشق فقط صوت خضوعها، دموع
انكسارها، تضرعها الصامت في الليالي التي كانت تستجدي فيها قليلًا من الرحمة.
كان يغرس خناجره في صدرها بابتسامة دافئة، ويوهمها أن الألم هو
الحب.
لم يكن سفاح النفوس مجرد قاتل، بل كان فنانًا في انتزاع
الأرواح دون أن يريق دمًا.
يعرف كيف يسرق النبض من القلوب، كيف يطفئ النور من العيون، كيف
يترك الإنسان حيًّا بجسد ميت ونفس خاوية.
في تلك الليلة، جلست هالة تحدق في نفسها داخل مرآة متشققة.
رأت امرأة لم تعرفها من قبل:
عينان غارقتان في بحر من الخذلان، وشفتان ترتجفان دون صوت.
وهمست كمن ينطق بالحقيقة لأول مرة:
"أنا
لست بخير... أنا أموت منذ سنوات ولا أحد يلاحظ."
ثم انفجرت بالبكاء، ليس ذلك البكاء الذي يخفف الألم.
بل ذاك البكاء الصامت الثقيل، الذي يسحب القلب إلى قاع الحزن
بلا رجعة.
على الطرف الآخر من المدينة، كان سفاح النفوس يحتفل بانتصار
جديد، يضيف روحها المنهكة إلى مجموعته المخفية من الأرواح التي سرقها بلا سكين،
بلا دماء، فقط بكلمات منمقة ووعود ملوثة.
كان يعلم أن لا أحد سيحاكمه، لأن جريمته لا تُرى.
لا تُسمع.
بل فقط تُحسّ، تُنزف في صمتِ الضحايا الذين يواصلون العيش
كالأطلال.
وفي تلك اللحظة، أيقنت هالة الحقيقة:
بعض السفاحين لا يسكنون السجون.
بل يسكنون الذاكرة، يسكنون القلب، يسكنون الأماكن التي كانت
يومًا ملاذًا، فيحولوها إلى قبور مفتوحة.
أسدلت الستائر، أطفأت النور، وأقسمت أنها ستتعلم كيف تحيا من
جديد.
أو تموت كاملةً، دون أن تسمح لهم بقتل ما تبقى منها بالتقسيط.
في صباح رمادي، دقّت هالة باب الماضي الذي حاولت مرارًا أن
تهرب منه.
كان الباب نصف مفتوح، كأنه كان ينتظر عودتها.
وكأن الجراح لا تُشفى، بل تتربص بمن يحاول نسيانها.
دخلت الغرفة، وهو جالس على الكرسي ذاته، بملامحه الهادئة
الباردة، يحتسي قهوته كما لو أن شيئًا لم يكن.
رفعت عينيها نحوه، بقلبٍ يئن تحت ركام الخيبات، وقالت بصوت لم
تعرفه من قبل:
ــ لماذا؟
رفع رأسه ببطء، وابتسم تلك الابتسامة التي كانت يومًا تهز
كيانها حبًا، وتهزّه الآن اشمئزازًا.
لم يجب.
بل اكتفى بأن أشعل سيجارته، وكأن الألم الذي سببّه لم يكن
يستحق حتى تبريرًا.
تقدمت نحوه خطوات ثقيلة، كل خطوة كانت تسحب منها سنوات من الذل
والانكسار، حتى وقفت أمامه مباشرة، ترتعش كطفلة ضائعة.
رفعت يدها المرتجفة وألقت في حضنه دفتر ذكرياتهما. ذلك الدفتر
الذي ملأه بوعود لم تتحقق وكلمات كانت قنابل موقوتة.
همست بانكسار:
ــ هذا عمري الذي سرقته. خذه، أعده لي إن استطعت.
ضحك. ضحك ببرودٍ يحطم الجبال.
ــ كنتِ مجرد لحظة عبور، لا أكثر.
في تلك اللحظة، شعرت هالة أن الهواء نفسه قد توقف عن التنفس.
انفجرت الدموع من عينيها، كأنها لم تبكِ من قبل.
بكاءً عاريًا، موجعًا، صاخبًا، لا يشبه أي بكاء آخر.
كانت تبكي عن كل ليلة قضتها ترتق جراحها وحدها، عن كل صباح
استيقظت فيه بقلب مثقوب.
سقطت على ركبتيها، خارت قواها أمام القسوة المجرّدة من الرحمة.
كانت كأنها تتوسل للكون بأكمله أن يعيد لها ذاتها التي دُفنت
حية.
ــ لم أكنُ لحظة... كنت إنسانة... كنت أؤمن بك، صدقتك حين كذب
الجميع.
لكنه لم يتحرك. لم يمدّ يده. لم ينزل بصره.
كان ينظر إليها كمن يتأمل عملًا فنّيًا مات بين يديه.
في تلك اللحظة، نهضت هالة من بين دموعها، لملمت فتات كرامتها،
ومسحت دموعها بكم قميصها المهترئ، وقالت:
ــ أما أنا. فسأعود إنسانة. لن أكون ذكرى في سجل انتصاراتك.
خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة... لكنها خطوات امرأة ولدت من رحم
الألم.
خلفها كان الماضي يحترق. ولم تلتفت.
لم تعد بحاجة إلى تفسير، ولا إلى عدالة متأخرة.
وكانت تدرك، للمرة الأولى، أن حب الذات لا يحتاج إذنًا من أحد.
فأحيانًا. يكفي أن تعرف كم كنت غالية على نفسك، بعد أن عرفت كم
كنت رخيصةً عند غيرك.
في الطريق، كانت السماء تمطر بشدة...
لكنه كان مطرًا مختلفًا.
كان كأن السماء تبكي لها. تبكي عليها.
تبكي منها.
المسحورة
إبراهيم محمد قويدر
مصر- البحيرة
جليلة هذا هو اسمها بارعة الجمال يخطب ودها الكثيرون ،
تخطت حاجز الخامس والثلاثين من عمرها هذا العمر الذي
دائما ما يتوقف عنده الكثيرات من النساء ليطلقوا على كل
من تخطت هذا العمر بأن قطار الزواج قد فاتها وأنها ستظل
واقفة على المحطة تحمل لافتة مكتوب عليها ( عانس تنتظر
أرمل أو مطلق ) .
أمها أخذت تدور على كل من تمتهن مهنة الخاطبة وهي تحمل
صورها تعطي كل منهن صورة لابنتها مكتوب عليها الاسم والعنوان .
والغريب في الأمر أن جليلة كانت ترفض كل عريس يتقدم
لها حتى من قبل أن تلتقي به أحدهم لم يعجبها اسمه وآخر
لم يعجبها سنه لأنه تجاوز الخامس والأربعين وأخر وغيره
لم يعجبها شكله وغيره وغيره .
حتى صارت أمها تضرب كفا بكف وتندب حظها العاثر فكانت
تدعو لها عقب كل صلاة أن يفك الله عقدتها .
أشارت إحدى قريباتها على الأم أن تأخذ أطر ابنتها جليلة وتذهب
إلى الشيخ شربيني وهي تدعي أن سره باتع وسوف
يجلب لابنتها العريس المنتظر ويفك عقدتها المستعصية .
لم تكذب الأم المكلومة الخبر وأخذت معها خصلة من شعر
جليلة قصتها خلسة منها وهي نائمة وأخذت معها إيشارب
من دولابها ودبرت المبلغ المطلوب.
وعندما وصلت إلى المكان الذى يأوي فيه الشيخ شربيني
قابلتها امرأة تجلس على كرسي طلبت منها الانتظار حتى
ينتهي الشيخ من صلاته وأخذت تتحدث معها .
وفجأة رن جرس وسمعت صوتا يدعوها للدخول وناداها
باسمها ادخلي يا أم جليلة التعيسة المسحورة فطلبك مجاب
والحل موجود وعلى يدينا جلب الحبيب وقريبا الفرح في
منزلك .
أم جليلة أتعبها رائحة البخور ولم تعد ترى وجه الشيخ لأنه
كان يخاطبها من مكان آخر .
وبعد أن وضعت المطلوب كما أمرها طلب منها أن تخلع أسورة من
الذهب من يدها بحجة أن الجان يريد منها الذهب
وأرادت أن تتمنع ولكنه هددها بأن هذا الجن يريدها له وإلا..
عندما خرجت أعطاها تذكرة فيها مسحوق أبيض وطلب منها
أن تضع لابنتها منه في شرابها قبل النوم .
جليلة أدركت أن هذا ربما يضرها ولأنها لاتعرف ما هذا المسحوق
فكانت تغافل أمها كل يوم وتسكب الكوب في الحمام وتقول لأمها أن طعمه مر المذاق .
في صبيحة يوم شاهدت الأم من شباك غرفتها جلبه ورأت
رجال المباحث وهي تقبض على الشيخ شربيني وتزج به
في السجن .
ولم يمر سوى يومان حتى جاء العريس المنتظر وسافرت
جليلة معه إلى الخارج ليقضيا شهر العسل .
تم استدعاء أم جليلة من قبل الشرطة لتأخذ أسورة الذهب
حيث وجدوا في بيته صندوقا مملوء بمشغولات ذهبية مختلفة .
وهنا انفك عقدة الكثيرات من الفتيات وجاء العرسان أفواجا.
نصف شمعة
نجوى عبدالجواد
مصر
تنزل الأكياس بقدر ماتريح يديها وتعود لتحكم إمساكهم مرة أخرى،
في طريقها إلى البيت اشترت ما تحتاجه للزيارة، هو طريقها الذى تسلكه منذ سكنت هذا
الشارع، تعبره جيئة وذهابا من عملها للبيت، أو من السوق للبيت، كما تفعل اليوم.
تحب الدفء الذى يشع منه، سلامات من الجارات ومن اللاتي يقمن بالنظافة في الأبراج
المجاورة، ومن صاحبة البوتيك وصاحب المكتبة... أين ذهب هذا الدفء؟! قل الوقوف
والسؤال على الأولاد وحلت محله الإيماءة، انعدام السؤال عن الأستاذ بعد أن كانوا
يلهثون بمدحه وحرصه على مصلحة الشارع كله، لم تقلها ألسنتهم، قرأتها في أعينهم،
يبعدون على غير رغبتهم .!
ابتسامة حزينة، تضع الأكياس على الأرض، تستريح في ظل الشجرة
الكبيرة، تُذكِّرها بشجرتهم وكيف هجرتها العصافير. انشغلت عنكم بهمومي ، ولم يضع
لكم أحد الحبوب على سور البلكونة كما كان يفعل. تعود للإمساك، هذه المرة بالأكياس
وبطرف ثوبها، يبدو الضيق على وجهها وهي تعبر هذه البركة إلى بيتها، بيوت الجيران
لفظت مخلفاتها لتحملها المياة المتسخة مكونة هذا العائق ، تسخر منه؛ كان يقول :الشارع
ملكنا ونظافته من نظافتنا، يبدو أنه انفرد دون غيره من السكان بهذا الشعور. تعبر
بأكياسها بسلام، تدير المفتاح ، تفاجئها القطة منطلقة للخارج، ترتعد خوفا من
قفزتها، صارت تخاف من كل شيء، سكن قلبها هيهات أن يغادر. ارتمت على الأريكة تنشد
الراحة، فتحت حقيبتها وأحصت ماتبقى، تحدِّث نفسها :نسير بستر الله. انضمت نعمة
لأمها في المطبخ، تأخر الوقت ولمَّا تنتهيا بعد، تنظر صفاء إلى الساعة، الزمن
يجري، مر من العمر أعوام، كانت نعمة صغيرة والآن صارت أطول منها، تعاود النظر
للساعة تلقائيا، ماذا تحمل لنا أيها المستقبل؟هكذا تتطلع لما هو قادم بأمل تارة
وقلق أخرى. يغطي أذان الفجر على صوت أقدامهم التى تشق السكون، يتغلبون على خوفهم
بترديد الأذان خلف المؤذن،
تحمل صفاء حقيبة بها بعض الملابس ونعمة تمسك بكل قوتها بحقيبة
وضع فيها الطعام أما الصغير وليد فيمسك بحرص علبة من الورق تنبئ عن "تورتة
كبيرة" المسافة بين مكان وقوف السيارات والبوابة ثلاثة أضعاف تلك التي قطعوها
من منزلهم للسيارة التى ستقلهم. لا بأس، تقولها صفاء بابتسامة مشجعة لنعمة ووليد.
يخترقون بصعوبة، زحام كبير، متى جاء كل هؤلاء؟ يلتزمون الطابور، الشمس ساخنة منذ
الصباح، تشتد وتشتد مع أذان الظهر، تأفف من وليد، تشير الأم إلى بقعة نسيتها الشمس
ليقف فيها، يتساقط العرق من ظهر نعمة ومن وجه صفاء، هانت، تقول نعمة، اقترب دورنا
سينادون علينا.
أكره القادم يا أمي.
ترد صفاء :الصبر يا بنية.
بقلة حيلة تقول نعمة :وهل نملك غيره يا أمي؟!
تربت على كتفها ويتقدمان بعد سماع النداء. تعترض صفاء :كفى
امتهانا لأجسادنا!.
نظرات حادة وصوت آمر :من لا يعجبه لايأت، ولو تعصبت لجعلتك
تعودين بدون تحقيق هدفك.
تسحب نعمة أمها من ذراعها وسط سيل من الاعتذارات وتخرجان،
اهدئي أمي، ماذا حدث؟، ما الجديد؟
تعبت يا نعمة، تعبت.
لا تجد نعمة ما تجيب به إلا الصمت. ينضم إليهما وليد، الطرقة
طويلة وضيقة في نهايتها حجرة، كومة الملابس تعود إلى حقيبة صفاء ،مغرفة كبيرة
تتحرك في إناء الطعام،تتبعثر صينية المكرونة،تنظر صفاء ولا تعلق الدور على علبة
التورتة ، تعبت في صنعها، خرجت بهذا الجمال ولم تفلح الحرارة في إفسادها، دعها
وشأنها، ابتسامة ساخرة تتساقط لتزيد من النار المستعرة بداخلها، عيد ميلاد المحروس
أليس كذلك؟!
لاتعلق، فقط تتابع بعينين من عالم آخر أصابعه وهي تغوص فيها،
والشمعة التى تحمل الحرف الأول من اسمه وقد انكسرت، تنتبه على صوته وهو يقول طعمها
جميل فعلا!
إلى قاعة كبيرة تشبه السوق في الريف، عيونهم الذابلة تبحث عنه
وعيونه المشتاقة تلتقطهم، المساحة التي نالوها هي صدره الذى احتصنهم، وحيث أشار
زميله له اتجهوا، أفصحت العيون عما يدور في الصدور، مد وليد يده بالعلبة، أمسك بها
مبتسما :مازلتم تذكرون؟، أخفي غضبه من المنظر، التقط الشمعة المكسورة واستعار
سيجارة زميلة، غرس الشمعة في قطعة لم يطلها التشوه وبدأ يغني لنفسه :سنة حلوة يا
جميل، سنة حلوة يا جميل، الصوت صار أربعة، ستة، زاد العدد، تحلق جمع كبير حول نصف
الشمعة المضاءة، شجعت نظراته الأصابع لتمتد والأفواه لتتذوق وسط ضحكات خجلي، لم
ترها صفاء مقززة هذه المرة، مازالت الشمعة تبعث ضوءا خافتا، أجمعوا دون اتفاق على
الإبقاء عليها، الوقت انتهى، يتلكأون، يدفعونهم للخارج، تتحاشي النظر، تخشي سحابة
الشمعة السوداء، تمسك بيد ولديها، تقول لنعمة، ذكريني أن أضع حبوبا على السور من
يدري ربما تعود الطيور.
الأرض الجديدة..
د.أمير بازيد
مصر
تمرُّ أعوامُها جافَّةً بلا ربيع، وتغزوها
دقَّاتُ الوقتِ وزفراتُ الزمن غزوًا مُزعجًا ومُفجعًا.
يلفُّها هجيرٌ من صيفٍ حارق، ويمسُّها زمهريرٌ
من شتاءٍ غليظ. وربما يُخيفها بعضُ همسٍ من فحيحِ أوراقِ خريفٍ متساقطةٍ،
ويُهدِّدُها بين الفينة والأخرى. لكنَّ السكونَ هو أشدُّ ما يؤذيها، وقد أطبق
عليها وصَدَّرَ إليها كلَّ ذلك الفراغ والوعود الحثيثة الدؤوبة بالفناء والعدم.
رقيقةٌ هي وطاهرة، تنسدحُ على مكتبها الخشبيِّ
العتيق برشاقةٍ وبساطةٍ لا تخلو من وقارٍ وقوة. يفوحُ من أركانها عبيرُ رُقِيِّ
الفكرةِ والتاريخِ والتأريخ.
جسدُها منتظمٌ صافٍ يهفو لعناقِ حبيبٍ أبديٍّ.
بيضاءُ كالسحابِ المبارك، يلتمسُ إذنًا وصُحبةً من الريحِ الطيبة ليُغدقا على
العالم بزخَّاتِ المطر وبذورِ الحياة. تُزيِّن بشرتَها الغضَّة كالأطفال خطوطٌ
تحسبها السبيلَ إلى السماءِ والجنة.
الآن قد سكنها صمتٌ مظلمٌ وظالمٌ كالموت، ولولا
بضعُ نسيمٍ شاردٍ قد يأتيها على استحياء، لما اهتزَّت في مكانها، ولما كان لها في
الزمانِ من أثر.
يرافقها في عزلتها وعلى بُعد خطواتٍ منها ذلك
الفارسُ الأسمرُ النحيل، مرتديًا قبعته الوحيدة، ذلك الذي كان يومًا ما مُؤنسها
ورفيقها في الطريقِ والدرب.
اليوم تجفُّ دماؤه أمامها ببطءٍ مريبٍ ومؤلم،
وتخفت رغبته فيها، فيزيدها عزوفه عنها ألمًا ويأسًا.
لا ينفكُّ ذلك الفارسُ الأسمرُ ينظر إليها بين
الحينِ والآخر نظرةَ العاشقِ المحمومِ للوِصال، ومع ذلك تراه لا يبذل جهدًا قط
لاختصارِ المسافةِ القصيرة ومعانقةِ صفحاتها كالماضي القريب!
تتساءل: لماذا ما عاد فارسُها يشتهي غزوَ جسدها
المشدود، المُمهَّدِ له دومًا كما كان وما زال أبدًا حين يطلبها؟
لم تُنهرْه يومًا، إذ اعتاد التنقُّل بين أسطرها
ووَشمها بمداده الأسود، فزيَّنها كالعروس ليلةَ زفافها، وأعاد لها بثورتِه ومعركته
نضارةَ شبابها مراتٍ ومرات.
كانت له، وكان لها كيفما أرادا وأينما شاءا.
فلماذا هجرها الآن ولم يعُد يُلقي للهفتها بالًا، أو يُعير لرغبتها اهتمامًا؟
أهو الخوفُ من البداياتِ المُتعثِّرة؟ أم اليأسُ
من النهاياتِ المتكرِّرة؟ أم هما الزُّهدُ والعجزُ؟
ربما كان كلَّ ذلك جميعًا، لكنه من المؤكَّد
أنَّه، مثلها، تعيسٌ ومجبورٌ على السكونِ والصمتِ والغياب.
تعرف من نظراته أنَّه ربما لو واتته الفرصةُ
لرقصَ معها بلا ترددٍ رقصةَ الحبِّ والخصوبةِ والثمر، والتي لا تنتهي أبدًا إلا مع
انتهاء الحروفِ والكلماتِ والأفكار.
والأفكارُ لا تنتهي.
والكلماتُ لا تنقضي.
هي لا تلومه كثيرًا، لومها لسيدهما الذي ربما
آثَرَ الموتَ والسكون قبلهما منذ أمدٍ بعيد، هو الآخر.
لم يعد أحدٌ ينصتُ إليه أو يقرأ ما يثور به
عقلُه وما تخطه يداه، فأحسَّ أنَّه في هذه الحياة بلا وجود. لا جدوى إذًا لأنفاسِ
أحلامه، ولا قيمة مطلقًا لنبضاتِ مخيّلته.
فاعتزل الحياة واعتزلهما. فهو لم يُخلَق إلا
للفكرةِ والكلمة، أو هكذا كان يظن.
وعندما خذلته الأذهانُ والآذانُ، ولفظته
الألبابُ والقلوب، هجرتْه الأحرفُ والمعاني، وماتت فيه الرغبةُ، وانطفأ الشغفُ،
وغابت كلُّ الرؤى للغدِ والمستقبل، خلف ضربات التسارع، وتحت وطأة الصراعاتِ في
حلبات النزالِ الرخيصة.
غاضت أفكاره، ومفردات كلماته، وانتحرت الأمسياتُ
الحالمةُ والأمنيات داخل روحه.
فكان الهجر، حتى يبست أركانُ أوراقه، وذبلت
أطرافها، ومسَّها الكِبرُ واليأسُ، وكاد جيدُها أن يتشقَّق وحبرُ صديقها النحيلِ
القديم أن يجف.
فلا أحد يقرأ، ومن يقرأ لا يفهم، ومن يفهم لا
يستطيع أن يُحرِّك ساكنًا، لضعفٍ منه، أو تخاذلٍ، أو قلّةِ إيمانٍ بالفكرةِ
والثورة.
لكنها مع ذلك قررت ألا تبرح موضعها وسط الكون
والمنضدة ما استطاعت، لتعانق الكلامَ والأحلامَ وقت هطولها، وتنتظر العاشقَ
والفارسَ الجديدَ المتحمسَ، ليمتطي أسطرها، ويقفز فوق صحاري الجمودِ والمحاكاة إلى
سهول الحداثةِ والتحديث.
فهناك تنمو دائمًا براعمُ الجديد، وتزهر الآمالُ
والرغباتُ نحو الأفضل.
هناك أرضُ الميعاد، ومنبتُ الإنسانيةِ وغاياتها،
وبالطبع، بدايةُ الكونِ الجديدةُ المتكرِّرة دائمًا.
قبرٌ وفسيلة..
مجتبى الصادق عبد الرحيم
السودان
- وجدناهُ مع عدد كبير من القتلى، ودفنّاه في
مقبرة جماعية.
- مقبرة جماعية؟
قالت مندهِشةً ثمّ بدت كمن سافر في شرودٍ لا
نهائي، لم نعُد نعرف كيف نعيدُها إلينا لنُكمِلَ لها الحكاية، ولم يكن في وسعنا أن
ندرك إلى أين مضت، إلى ناحيةٍ في ذاكرتها القديمة تبحث عن معنى ما قلناهُ لها، أم
أنّها ذهبت تتفحّصُ سماواتها لتعرفَ من أي سقفٍ سوف تنفذ لوعاتها المتأهِّبة.
مقبرةٌ جماعيّة! مقبرة جماعية!
أخذت تكرِّرها بحذرٍ، كأنّها تتذوّقُ طعاماً
غريباً، ثم بطرف أصابعها ومن بينِ أكوامٍ من الأشياء أخرجت من تحت سريرها شنطةً
قماشيّة قديمة، فتحتها وبدأت تفرغ محتوياتها، أوراق بالية مطبّقة، حبات مسبحة
منفرطة، عدسة نظارة محدبة سميكة، صُرّة لبان بخور، إثمدٌ مع مرواده، ثم مجموعة من
الصور أمسكتها كمن ظفر بضالّته بعد لأي ٍ كبير، تحوّلت الرعشة المتوتِّرة في يديها
إلى حركة بطيئة، مسحت الغبار عن حزمة الصور بكفّينِ يقولان الكثير بلغة التجاعيد،
تأمّلتِ الصور واحدة تلو الأخرى، تبسّمت مرة، عبست مرة، ضحكت مرّة وتنهّدت تنهيدة
ساخنة مرّة، ثم توقّفت طويلاً وهي تنظر إلى الصورة الأخيرة، طويلاً حتى ظننّا أنّ
طائفاً من النسيان أو النعاس قد غشيَها، ثم انعتقت من لحظتها المتأمِّلة وقالت
:
- في مقبرة جماعية؟
- نعم يا والدة.
- كم عدد الجثامين في هذه المقبرة؟
- بالمئات.
- شكراً إذن.
- ألا تريديننا أن ندلّك على قبره؟
- لا ، سأحاول أن أعرفه بنفسي.
- القبور كثيرة.
- إذن فقد وجدتُ طريقةً جديدة أحبُّه بها، وجدتُ
أمراً يستحق أن أُنفِقَ ما تبقّى من عمري لأشتريه.
وعندما زرناها بعد مدّة ولم نجدْها مضينا إلى
قبره نزوره ونتلو في حضرته صلاة الشوق.
وجدنا فوق قبره فسيلةً مغروسةً بعناية في محل
الشاهد، بدت لنا جافّة، غير أنني حينما أمعنتُ النظر وجدتُ لها قلباً أخضراً،
ورأيتُ تلك الصورة ترقدُ بين السعف والشوك والجريد.
حين يجلدك الضمير _ ويصافحك
الصفح
زهراء شاكر الركابي
العراق
قصة قصيرة مستلهمة من روايتي ( آمنة الحاج علي)
في زوايا القلب، حيث يسكن الصمت وتنبض الحقيقة،
كانت سياط الضمير تنهال على حسين بلا رحمة. فقد أفاق فجأة على وخزة مؤلمة:
"كيف تخليت أنا وأخي عن حميد، ابن أختنا، وهو يتلوى في فراش المرض ويصارع
وحده براثن الزمن؟"
لم يطق صبراً، فمضى بخطوات غاضبة نحو منزل أخيه
حسن، يطرق الباب كما يطرق الندم باب الذاكرة. وما إن فتح حسن حتى انطلقت الكلمات
من فم حسين كالرصاص:
ـ "ألهذا الحدّ جفّ قلبك؟! كيف تطرد ابن
أختك من دارك، وهو في أحوج لحظات حياته إليك؟! تركته يصارع المرض، والعوز، وكأنك
لا تعرفه... غداً، حين يدور بك الزمان دورته، ستتوسل الكتف الذي أسندك ولن تجده،
وسيتخلى عنك أقرب الأقربين!"
كلمات حسين كانت كالسياط، جلَدَت حسن حتى اشتعل
غضباً. نهض واقفاً، ارتجف وجهه، واحمرّت عيناه كمن يُستفز من تحت جلده:
ـ "أنا لست ملزماً أن أحتوي رجلاً مريضاً
في منزلي! لدي عائلة، مسؤوليات، وأعباء... لا أريد أن أضيف فوق ظهري ما لا طاقة لي
به! وإن لم تخرج الآن، فسأمطر عليك بوابل غضبي!"
ابتسم حسين بسخرية، ورفع حاجبيه بلا مبالاة:
ـ "لا حاجة لي ببيتٍ لا يعرف معنى الأخوّة.
قد أغناني الله، وما عُدت أرى فيك إلا أنانيةً تمشي على قدمين."
استدار منصرفاً، غير أن كلماته كانت كخنجر مسموم
استقر في قلب حسن، فبقي واقفاً في مكانه، يعتصر قبضته كمن يريد الإمساك بظل ضميره
الهارب.
وفي ظهيرة ذلك اليوم، رن الهاتف الأرضي في بيت
آمنة. رفعت السماعة، فسمعت صوتاً تعرفه جيداً:
ـ "أنا حسين... أخوكِ."
جاء صوتها بارداً، خالياً من العاطفة:
ـ "وماذا تريد؟"
كانت تلك الكلمة وحدها تحمل في طياتها جبالاً من
العتاب.
قال حسين بصوت نادم، كأنه يجر خلفه أذيال الخجل:
ـ "والله يا آمنة، ما نسيتك ولا نسيت
ابنكِ... لكن حسن كان قاسياً معي، كما كان قاسياً معه."
ثم أردف بصوت يختلط فيه الحزن بالرجاء:
ـ "واعلمي... إن تخلى عنكما الجميع، فبابي
لا يُغلق. ستجديني دائمًا... ولو أُغلقت أبواب الأرض."
قالت آمنة، وقد لمعت في عينيها دمعة خفيّة رغم
نبرة الكبرياء:
ـ "نحن بخير، يا حسين. أغنانا الله بعد
سنين عجاف."
فأجابها بهدوء:
ـ "أنا الآن في سوق الرفاعي... جئت آخذ
حميد معي إلى بيتنا، سنهتم به ونمنحه الحياة التي حُرم منها."
لحظات صمت طويلة مرّت، ثم قالت آمنة بلطفٍ نادر:
ـ "مرحباً بك... يا أخي."
وفي تلك اللحظة، عاد لحسين مكانه في قلبها،
وارتفع في ميزانها أكثر من حسن.
في مساء دافئ، جلس حسين إلى مائدة العشاء في بيت
آمنة. كان الجميع مجتمعين، وشيء من السلام يرفرف فوقهم. قال كاظم محسن، زوج آمنة،
وهو يمدّ يده نحو طبق الأرز:
ـ "أنرت الناصرية بقدومك يا صهري."
ابتسم حسين وقال بتواضع:
ـ "ممتن لك، جئت لأصحّح خطأً لم أكن طرفاً
فيه... وأخذ حميد معي إلى المسيّب، ليفتح صفحة جديدة."
نظر إلى حميد، فوجده يبتسم، وعيناه تشي
بالموافقة. أما كاظم فقال بدعاء خاشع:
ـ "الله يهدي من خلق... ويجمع الشمل بعد
الشتات."
لكن آمنة، التي كان شوقها لولدها كغيمٍ مثقل
بالحنين، قالت بصوتٍ يخنقه التوسل:
ـ "يا ولدي... دعني أملأ عيني منك. لا ترحل
عني مجددًا."
تنهد حميد وقال برقة حائرة:
ـ "أمي... اعتدت المسيب، هناك أبدأ من
جديد. ولكنك في القلب دائماً."
وفي صباح اليوم التالي، عند محطة قطار الرفاعي،
وقف حسين ممسكاً بتذكرتين. حميد بجانبه، وحقيبة الأمل في يده. من خلف نافذة
القطار، كانت آمنة وكاظم يلوّحان مودّعين، وقلوبهما تعاند الدموع.
ربت حسين على كتف حميد، وقال:
ـ "أحياناً، تكون العودة بداية... لا نهاية."
وانطلق القطار، يقطع المسافات، حاملاً في
مقصوراته قصة صفحٍ... وحلم غفران.
خمس دقائق فقط
فوزية الخطاب
المغرب
شدني
الحنين إلى صديقي البحر، رماله، الذهنية، آه ما أجمل صوت أمواجه الزرقاء
المتلاحقة، وهي تتعالى، ترتفع وكأنها ترحب بقدومي، ربما اشتاقت لي، واشتاقت
همساتي، وخربشاتي على وجه رماله، مشيت... فوق شاطئه الرحب... فتحت ذراعي لاحتضان
نسماته الجميلة... كان منظراً ساحراً للغاية... في لحظة وأنا في قمة السعادة،
هرولت فرحة، اصطدمت بأحد الأشخاص حتى أنني سقطت أرضا...قمت بسرعة، لملمت نفسي نفضت
عني الرمال، وقبل أن ينبس بكلمة، اعتذرت منه بكل احترام، بقي واقفاً ينظر إلي
مستغرباً، كأنه يرى شيئاً غريباً، ثم رسم على شدقيه ابتسامة عريضة جملت وجهه
الصبوح البدري، بضع دقائق وعينيه ثابتتان تنظران لي تلمعان، استسمحته مرة أخرى
وهممت بمتابعة جولتي، لكنه استوقفني قائلاً:
-
صدفة جميلة... ولن أضيعها، رأيتك في حلمي
بالأمس بنفس الملامح وهذه الابتسامة ونبرة الصوت... امر في منتهى التطابق الحلم
والحقيقة، أنا أحمد وانت شيماء أليس هذا اسمك ؟!!
توقفت
وقلت دون تردد:
-
نعم هذا اسمي. كيف عرفت؟
-
لا عليك...
ابتسم
وطلب مني أن نواصل المشي معاً على رمال الشاطئ الجميل... خمس دقائق فقط جعلتني
أعيش قصة حب دامت خمس سنوات لتنتهي برحيل البطل إلى دار البقاء بعد رحلة طويلة مع
مرض السرطان، خمس دقائق تركت لي جرحاً، وذكريات ستبقى في الذاكرة.
دجاج في مكتبة
نجية حمود بلال
الجزائر
دخلت
المكتبة كعادتي، فوجدتُها مليئة بالدجاج، غريب أن يكون للدجاج مكتبة بهذا الحجم
وبهذا الاتّساع، نظرْتُ من كلّ اتّجاه فلم أجد مكانًا أجلس فيه، وكان صوت الضوضاء
يملأ المكان. نظرتُ إلى أجهزة الحاسوب لعلّني أجد واحدًا كي أقوم بالبحث عن كتاب
لطالما أردت الحصول عليه: (فقه اللغة) للثعالبي، فلم أجد سوى الفوضى الصوتيّة التي
أزعجت هدوئي الداخلي، وتسرّبْتُ إلى باقي الأمكنة التي يفترض أن يكون فيها الصمت.
أصبحت
المكتبة تعجُّ بالدجاج، مثلها مثل الأماكن العامّة، وصارت الكتب تخجل من هذا
الوضع، ويتسلّل همسها المختنق إليّ، إنّها حزينة ومتعبة تنام على الرفوف
والطاولات، تموت سعادتها كالفراشات، فأيّ عقول ستستوعب رحيق الصفحات في وسط هذا
العنف الفكريّ؟ من يسمعك؟
أريد
أن أصرخ، أصرخ في وسط هذا الصوت المنبعث من هذا وذاك وتلك والكلّ. الكلّ يتكلّم في
وقت واحد، ذبذبة
الأصوات
الآن في احتفال خانق لا أستوعب شيئًا، تخيّل هذا الكمّ الهائل يصدرون أصواتًا في
آن واحد، والكارثة بصوت مرتفع، من يفهمك، حتّى الجدران صارت صمّاء بكماء، لكن في
طياتها وتجاعيد طِلائها تحتفظ بالكثير من الذكريات عبر سنين من عمرها وهي تحنّ
للزمن العابر، وتلك الوجوه التي كانت هنا وهناك، وهي تقلّب الكتب والدفاتر بشغف
وفضول. إنّها تحتفظ بذلك الصوت الجميل الذي كان ينبعث من الأوراق، نعم وتلك
الملامح التي ينبعث منها الحبّ، نعم حبّ الكتاب وليس العبث به وإهانته في وسط
بقبقة الدجاج.
اقتربْتُ
من إحدى الدجاجات، وهي تحاول أن تنزع الحبّة من النبتة، هي تظنّ أنّ كلّ النباتات
بأنواعها ما هي إلّا سنبلة قمح فتحت الكتاب وأخرجَت جوّالها، وجهّزت آلة التصوير
كي تلتقط صورة لهذه الصفحة، ثمّ صورةً أخرى لصفحةٍ ثانية... أنا بدوري أخرجتُ
جوّالي، والتقطتُ لها من خلفها صورًا وهي تصطاد الأشياء التي تظنُّ أنّها الحبّةَ
التي تفيدها... حركاتها غريبة، فهي ما تكاد تنظر إلى كلمة واحدة في الصفحة حتّى
تنقرها بعدستها، وكأنّ هذه الكلمة هي الغذاء الذي سيغنيها ويسمنها من جوع.
وفي
فسحة من العمل تحدّثْتُ إلى مَنْ سبقوني عمّا رأيتُ، فضحكوا
وقال
لي أكبرهم سنًّا:
-هذه
تلتقط الحَبَّ بعدستها، وقبل أن يكون للناس عدسات كانوا يمزّقون الكتاب ويسرقون
الصفحات التي تعجبهم بكلّ هدوء، بمبضعٍ كأنّه مبضعُ جرّاح محترف، كان هذا قبل ربع
قرن من الزمان وأكثر. احمدي الله على نعمة الجوّال.
أردتُ
أن أحاورَ إحداهنّ، وقد رأيتُها ذات هدوء أكثر من غيرها:
-
ما الفائدة من التصوير؟
-
أكتب بحثاً.
-حسناً،
وماذا ستفيدكِ الصورة في كتابة البحث؟
-
أقتبسُ منها وأضع جزءاً من النصّ الوارد فيها
في بحثي.
-ثمّ
تطلقين الأحكام والاستنتاجات.
-نعم.
-هل
يمكن أن أسألكِ سؤال؟
-
تفضلي.
-ما
اسم مؤلّف هذا الكتاب؟
-لقد
دوّنتُ الاسم على الصورة كي لا أتوه.
-أنا
لم أسألكِ ماذا دوّنتِ، بل أسأل عن اسم المؤلّف.
-هو
عندي، كما ذكرتُ لكِ.
-يعني
لا تحفظينه الآن؟
-
لا، ولكن سأحفظه.
ورأيتُ
فرخًا من فراخ الدجاج يقلّب مجلّدًا ضخمًا، ويصوّر منه أيضا:
-هل
يمكنني أن أسألك ماذا تفعل؟
-
هل تسمحين لي أن أجيب بصراحة؟
-طبعا.
-أرجو
أن لا تلوميني.
-
لن ألومك.
-عندي
صفحة ثقافيّة على الفيسبوك، وأريد أن أضع فيها بعض الحِكم والأمثال.
-ممتاز.
ولمن تنسبها؟
-
لا ضرورة لأن أنسبها لأحد.
-كيف؟
-يكفي
أن أدوّنها على صفحتي.
-ولكن
هذا الكتاب فيه أسماء القائلين للكلمات الخالدة، ويا حبّذا أن تذكر أسماءهم.
-
أنا لا أريد أن أُشْهِرَ أحدا، هم مسؤولون عن
كلماتهم وهم يروّجونها مع أسمائهم.
ضحكتُ
حتّى قهقهتُ، وقلتُ له:
-هل
تعلم أنّ بعضهم متوفّى منذ أكثر من ألف عام، وبعضهم ربّما قد سبقنا بألفَي عام؟
-أنا
لا أهتمّ بهذه الأمور. فليهتمّ بها أهل الاختصاص... المهمّ أنّ المقولة أعجبتني.
عدتُ
إلى الدجاج، وعرفتُ لماذا قالوا في قديم الزمان: (بعضهم يتلقّف الكلام كما تتلقّف
الدجاجة الحبّةَ وعينها على حبّة أخرى تريد أن تضيفها إلى حوصلتها، لأنّها لا تريد
من هذه الدنيا سوى ملء الحوصلة حَبًّا، فتهضم حوصلتها ما هو قابل للهضم، وتتجاوز
عما لا يُهْضَم.
على عتبة الرصيف
محمد أرزيقات
فلسطين
الساعة
السابعة صباحا يقف بالقرب من الحاجز الحديدي الحاج نعمان غير مكترث بأعباء العمر
حيث تجاوز الخمسين عاما.
يتمتع
بشخصية قوية ذات خصال جميلة ، يقابلك بوجهه البشوش ، يقطع مسافة طويلة مشيا على
الأقدام باتجاه بسطة يبيع عليها المشروبات الساخنة فوق عتبة الرصيف ، فجأة يرتفع
بوق إحدى السيارات.
من
الخلف يركض باتجاهه شخص ينادي :
-
حاسب حاسب يا حاج السيارة. السيارة
يتقدم
نحوه ممسكا يده: أنت بخير يا رجل؟ كادت السيارة تصطدم بك.
-
الحمد لله يا بني ، بخير لن يصيبنا إلا ما كتب
الله لنا.
يشيح
بوجهه عنه ، يتابع السير نحو الطرف الآخر بعيدا عن شلال السيارات المتدفق بكلا
الاتجاهين إلى أن يصل
إلى
عتبة الرصيف الذي يخيم فيه لعمل القهوة والشاي ، ينادي بصوت مرتفع لكى يقبل عليه
الزبائن ، يتخلله بعض الأهازيج الشعبية القديمة الخاصة بوسط ازدحام الناس ، تندفع
صبية في العشرين ربيعا ، تردد بابتسامة نفس الأغنية التي يصدح بها، يستغرب الحاج
نعمان لأمرها. يرفع يده إليها بأن تقترب منه...
-
مااسمك يا بنتي
-
زينب ياعمي الحاج نعمان،
أخذ
يصفن قليلا ثم يسألها:
-
عجيب،عجيب كيف عرفت اسمى،وتغني نفس الأغنية
الغارقة
منذ القدم؟! تكلمي...
-
أنا بنت عبد الله جابر ياعمي.
لمع
الاسم في ذاكرة الحاج نعمان مثل البرق يسترجع الذكريات قبل ثلاثين سنة ، عبد الله
جابر ذلك الصديق العزيز كان يبيع الخضار بجانبه، توفي بحادث السيارة يخرج الحاج
نعمان تنهيدة من أعماق القلب ، يهز رأسه
-
آه يا عبد الله جابر ، كم أفتقدك يا صاحبي ،
كنا نطوى الأيام بعزيمة ، نتقاسم الفرح والحزن. نضمد جراحنا بالآمال والأحلام،
بالغد المشرق ، يدنو الحاج نعمان من زينب يمسح رأسها، يتبادلان الحديث قرابة نصف
الساعة ثم تسلم عليه :
-
أراك بخير يا عمي
-
مع السلامة يا بنتي ..
يعاود
النداء ثانية ، الحاج نعمان مسرور ، كأن العيد حط ركابه ، يستعيد شبابه من عبق
الذكريات مع صديق عمره القديم ، لم يدم هذا الشعور الجميل طويلا ، تتوقف سيارة
فارهة بالقرب منه ينزل شاب وسيم يضع نظارة شمسية يرتدي بدلة عصرية ، يباغته
بالكلام :
-
لماذا انت عنيد يهديك ربي لو تجلس في البيت ،
وكل ما تطلب مجاب لك ،إني أخشى عليك المرض والتعب .
يرد
الحاج :
-
يا بني إن العمل عبادة وقد ورثت عن جدك هذه
المهنة ليس الغنى يمنع العمل ولا الجلوس يريح النفس.
فقام
الشاب بعرض شراء محل لوالده بدلا من البيع على عتبة الرصيف؛ لكن الحاج نعمان رفض
العرض وقال له:
هذه
العتبة هي سعادتي ، ذكرياتي...عمري كيف اتخلى عنها
وأتركها
ببساطة؟! فأخذ الشاب يقبل رأس والده مغادرا ، يركب سيارته قائلا له :
-
أنت لاتتغير كالعادة يا أبي على عتبة الرصيف
نحن معك
فاطمة مندي
مصر
عندما
رن جرس التلفون ردت
_زوجة
عمي: الو .
-
أين الاستاذ؟
_
خير ماذا تريد؟
-نريدة
غداً لأمر هام أعطيه هذا الرقم للتواصل معانا ضروري .
حضر
عمي من الخارج تواصل مع من هاتفه،
قال
لي:
-غداً
سنذهب الي التلفزوين، يسجلون برنامج مع من مات والده .
ويرسلون
لك بعض الملابس.
في
الصباح الباكر ذهبنا أنا وعمي الي التلفزيون ، كان في
انتظارنا
ذلك المذيع الشهير، استقبلنا بحفاوة، وقدم لنا ما أردنا من مشروبات .
وأمام
الكاميرات تحدث إلينا موجة حديثه لي
-
قص علينا حكايتك بالكامل، ولا تخجل، ولا تخف من
عمك، نحن معك
.
تلعثمت
كثيراً، وارتبكت أكثر، وسألته في بساطة
-
هل أنت تعرفني؟!
هل
تعرف قصتي؟!
تبسم
ثغره في دهشة
وقال
-
نعم أعرفك وأعرف قصتك، حدثني معلمك عن حياتك
باستفاضة لأنه جاري .
بكيت
بشدة بل وانتحبت كثيراً بين شهيق وزفير ، لا أصدق عيني ولا أذني، محدثًا نفسي
-
أخيرًا وجدت من ينصت لي .
قال
لي
-
تحدث ولا تخشى شيئًا نحن معك .
شهقت
طويلاً ثم زفرت شهيقي دفعة واحدة
-
أنا كنت أحيا حياة مطرفة بصحبة أبي، كان أبي
الوالد والصاحب والحبيب والشقيق،
كان
يأخذني معة في كل مكان ، كنا نذهب سويًا للصلاة في المسجد، كل فرض بفرضه، كان
يعطيني الصدقة اعطيها لذويها، وأنا في سن الرابعة،
نخرج
للتنزه، نذهب في أي وقت نشتري ما أريد،
لم
يمل يوم من تدللي عليه، لم ينهرن قط، لم يؤخر لي طلب مهما عظم أو عز طلبي .
كان
يعتز ببنوتي ، ويفتخر بي وعندما وصلت للمرحلة الإبتدائية، وفي كل مرة أحصل فيها
علي درجات نهائية كان يكافئني، وينعتني بالطبيب ، كم كنت أعتز بهذا اللقب .
ولكن؟!
وبكيت
بشجن لم اتمالك نفسي ، لم استطع السيطرة علي نحيبي .
هدئني
المذيع وقال لي
-لا
تحزن نحن معك أكمل قصتك .
مسحت
دموعي بكفوفي اعطاني المذيع علبة مناديل ورقية،
أكملت
-
لقد طعنني القدر بسهامه المسمومة، عندما أخذ
مني أبي فجاءة، هو القدر أنا أعلم، تركني أبي للهوان يسلخ حواسي وطفولتي وأدميتي ،
تركني في يد أمي التي تخلت عني من أجل زوج آخر.
أخذني
عمي وهو عامل بسيط وسط أبنائه ، هو رجل حنون لا أنكر هذا؛ ولكنه تركني بيد زوجته
التي يضعف أمامها، ساقتني أمامها كالبهيمة .
نظر
لي عمي نظرات معاتبة.
ولم
أبال،
أكملت
: كنت أصحو من نومي في الفجر كي أنهي
كل
ما هو من مهامها كنت أقوم به، ولو يوم نسيت شيء، أو لم يسعفن الوقت، كانت توسعني
ضربًا بخرطوم المياة، وكان عقابها يمتد لحرماني من الذهاب الي متنفسي المدرسة.
كنت
أذهب الي المدرسة منهك القوى ولكني كنت أعب من المناهج كما الجوعان، كما كنت استغل
وقت الفسحة كي أنهي واجباتي ؛ لأن البيت للعمل فقط.
فكرت
كثيرًا في أن أتخلص من حياتي في كل مرة ينفذ فيها صبرى على الهوان، كان أبي يقوم
بزيارتي في أحلامي، ليذكرني بوعدي له وهو علي فراش المرض أن أصبح طبيبًا.
تحدث
لي المذيع
-
لماذ لم تذهب الي والدتك؟!
بكيت
كثيراً وانتحبت أكثر، هدئني وتركني أكمل.
-لقد
ذهبت إليها مرارًا وتكرارًا وفي كل مرة تسمعني مفردات سيئة، تجعلني أرجع ادراجي
الي بيت عمي وأنا منكس الرأس خائب الرجاء.
في
يوم من أيام رمضان ذهبت أسرة عمي للأفطار خارج المنزل، ورفضوا ذهابي معهم،
وارسلوني الي والدتي للأفطار معها، اخرصتني دموعي وخنقت الكلام في حلقي.
قام
المذيع وربت علي كتفي قائلاً
-
أكمل .
مسحت
عيني وأكملت
-
هل تتخيل أن أقف على باب والدتي وأنا صائم أدق
بابها ولم تستجيب لرجائي .
-
قالت لي أرجع مكانك، وأذهب ولا تعد هنا مجددًا،
وإلا سارسلك الى ملجأ الأيتام.
رجوتها
كثيرًا، كما أخبرتها أنهم ليسوا في المنزل ولم تبال.
نزلت
من أمام شقتها تسحقني الحصرة.
رزقني
الله بفاعلي الخير في الشوارع وهم يوزعون الوجبات علي موائد الرحمن وعلي المساجد،
وحصلت علي وجبة أفطاري في المسجد .
تقدم
مني المذيع الدكتور وطبع قبلة حانية علي رأسي وسألني
-
ماذا تريد وطلبك مجاب؟
-مسحت
دموعي وأخبرته أنني أريد أن أعيش عيشة آدمية، وأن أكون إنسان، لي حقوق وعلي
واجبات، ولا أريد العودة مع عمي؛ بالرغم أنه حنون، ومع حنانه ضعفه أمام زوجته.
تحدث
المذيع مع أسرة سوف تستضيفني كإبن ولن أعود لأهلي مجدادًا، إلى أن صرت طبيبًا)١
ونلت مبتغاي.
تصدع
صلاح نبيل
مصر
أمر
عليها في طريق ذهابي للعمل صباحا في قرية تبعد عن مدينتي عدة كيلومترات، فتاة ذات
بياض ناصع كالثلج، بدا طيب الأصل والخجل ينازعا طلبها للإحسان؛ ينتصر الخوف،
ونبرات اللسان المتحشرجة في الحلق فتنطلق لتباغت الكرماء فيتعاطفوا مع هيئتها
فيمدوا يد العون، سوقها رائجة وفي تقدم، أشعر أن مد يد العون لها من المارين حرصا
عليها من تاجر للأطفال أو باطش قد يفتك بها إذا أهملت مهمتها أو انخفض دخلها
اليومي، تبدل موقعها كل صباح عدة أمتار كأنها تنأى عن دربي، ثارت هواجسي لسؤالها
عن نفسها، نعم تشبه تلميذة لدي في فصلي الدراسي، هن اثنتين توأمتين ملامحهن
تتطابق، تنتظم إحداهن في الصف الدراسي وتعتذر لغياب أختها لشدة مرضها، طار بي الشك
أيهن هذه؟ لا أدري فربما تتبدل الأدوار بينهن هنا وهناك، اقتربت منها أكثر وسألتها
عن إحساسي، رغم تعديل بعض التفاصيل في المظهر فإني متيقن من ظني، أشارت إلى شجرة
كثيفة الأوراق يراقبها من خلفها شخص يرتدي نظارة مقعرة، هرعت إليه، مدير مدرستنا
ومعلم الأجيال أتى بابنتيه لجمع المال بعدما ساءت أحواله عند بلوغه سن التقاعد.
مكتب عقاري
هيام جابر عبدو
سورية
كثُرت
الخلافات والتباين بيني وبين زوجي.
أصوات
مشاجرتنا بلغت عنان السماء وعنان الجيران.
في
إحدى الأمسيات المتعبة، قلت له :
-
علينا البحث عن بيت أكبر.. الاولاد يكبرون،
ويحتاجون إلى غرف خاصّة بهم تشعرهم بالاستقلال في النوم والدراسة..
حقيقة
الأمر كنت أريد أن أغيّر العتبة، حتى هذه اللحظة، بعد مرور أعوام عدّة، لا أدري
كيف وافق الزوج العنيد على المضي معي لمكتب عقاري في شارع قريب لسكننا..
دخلنا
المكتب، وبعد السلام، سأل شابّ يجلس وراء مكتب ضخم كأنّه مدير شركة كهرباء أو مياه:
-
تفضّلوا، ما طلبكم؟
-
قال زوجي: نريد شقّة لا تقلّ مساحتها عن مئة
متر..
كان
السؤال الصادم..
-
كم مصرياتك؟
تململت
في مكاني حيث أجلس مقابل زوجي، ماذا لو عرف أنّنا لا نملك قرشًا واحدًا في جيوبنا،
يا للسذاجة، أين جئت؟! وأين جاء معي هذا الزوج الذي عملت له أكثر من مسرحية ليقوم
بما يفعله الآن!
لمحات
سريعة مرّت بخاطري حال تلقّينا سؤال مدير المكتب المحترم.
-
لا أعرف كيف أسعفني عقلي الباطن الذي استفزّه
السؤال، وحرّك لساني لأقول..
-
سنبيع ونشتري أخرى أستاذ..
قلت
له (أستاذ)، وأنا أعلم أنّه لا يملك شهادة ابتدائية، ولكن كي أغطّي على الحرج الذي
شعرته، زوجي الذي لم يدرِ ما يجيب تهلّلت عيناه بردّي، وفرد جناحيه،
عدّل
من جلسته، وضع ساقه اليمني على اليسرى، أخرج سيكارة كان قد لفّها في البيت، وضعها
في علبة فارغة لنوع أجنبي فاخر، بدأ الدخان يتصاعد...
من
خلال الضباب، رأيت وجه الأستاذ صاحب المكتب قد أخذ الموضوع جدّيًا، ففي حساباته
أنّه سيعرض شقّتنا للبيع، وله نسبة، وسيشتري لنا، وله نسبة أيضًا، إذن نحن زبائن
"دسمين".
لم
نكن نعلم بحسابات الرجل شيئًا، لكنّ اهتمامه الجلي بنا، والتبجيل الذي أبداه بعد
إدلائنا بأقوالنا جلعنا ندرك أهمّيتنا..
قام
الرجل من مكانه، أحضر ركوة سوداء ليصنع بها القهوة، عندما انتهى، ذهب إلى مشبك
وراء ستارة جرداء متّسخة، أحضر فنجانين فارغين، لكلّ فنجان لون مختلف عن الآخر،
واحد بإذن مكسورة أعلاه قليلًا، والآخر بلا أذن، صبّ القهوة، ولأنّنا أمضينا وقتًا
لم نتوقّعه عنده، صار لا بدّ من شرب القهوة، خاصّة أنّه كان قد أجرى عدّة اتّصالات
تتعلّق بالمواصفات التي طلبناها.
أنهينا
القهوة، وقد حضر مالك إحدى الشقق، قال صاحب المكتب:
-
تفضّلوا..
أشار
بيده خارجًا، طبعًا سرت أنا وزوجي كالعميان، لا نعرف ماذا يتوجّب علينا أن نقول،
لم نتوقّع أنّ الأمور ستسير في هذا الاتّجاه الجّدي، كلّ ما نعرفه أنّ مشوارنا لا
يتعدّى مسألة: سؤال جواب.
بدأ
مالك البيت يشرح لنا مزاياه، وصاحب المكتب يرشّ الفلفل، وهكذا حتى وجدنا أنفسنا
ندخل بغرفة لنخرج لأخرى، كنت أتحاشى النظر بعينَي زوجي، وأظنّه كذلك، لأنّنا حتمًا
سننفجر ضاحكين برغم التوتّر العالي الذي كنّاه قبل مجيئنا.
كيف
لنا أن نصل إلى هذه المرحلة، ونحن لم نكن إلّا في طور فكرة متبرعمة حديثًا في
أذهاننا.
يا
للأسف حيال هذا الرجل الذي أتى مسرعًا ليرينا بيته، كم من الآمال قد عقد على بيعةٍ
ربّما ينتظرها بفارغ الصبر، لكنّ الأمر خرج من أيدينا.. لم نستطع التراجع، اصطنعنا
الجدّية لنجاري الرجلين، وأخيرًا خرجنا كأنّنا بسجن ننشد الحرّية، لكنّ الأمر
سرعان ما راق لنا، فكرّرناه بعد أن لمسنا تغيّرًا واختلافًا في حياتنا، برحلة
البحث عن شقّة لا نريدها بالفعل، فكنّا نضع شروطًا تعجيزية نخترعها كي نكسب مزيدًا
من الوقت، ومزيدًا من الأحلام في رحاب شقق جميلة.
الشجرة
محمد على عاشور
مصر
عندما
وجد شجرة السنط تلك ملقاة على الطريق ذابلة ، يكاد يتسرب إليها الشلل ، أخذها وهو
يقلبها في يديه لا يعرف ما هي ، توهم أنها شجرة فاكهة ، فأخذها ليزرعها قرب
المقابر التي يقيم فيها وحده بين الأموات الذين وجد عندهم المأوى والمأكل ، فقد
كان يأكل غالباً مما تخرجه النساء " رحمة ونور " على أمواتهن وكان لبسه
دائماً من النذر .
عندما
قدم القرية هائما على وجهه وكان عمره وقتها لا يتجاوز العشر سنوات ، ولم يعرف أحد
له نسباً أو مكاناً ، ولم يهتم أحد بذلك فقد كان أبلها ، أو كما يطلقون عليه في
القرية " بالله " وينعته الأطفال " بالعبيط " كان يسير في كل
وقت لا تضايقه حرارة شمس ولا وحل مطر ، يمشي حافياً دائماً وقد اكتسبت قدمه
الخشونة .
كان
شباب القرية عندما لا يجدون شيئاً يتسلون به فينادونه، ويسمعون منه النوادر
ويرغبونه فيهم بسيجارة او قطعة حلوى .
عندما
زرع شجرة السنط ظل يرعاها كما ترعى الأم وليدها ، يحاجي عليها من الهواء ، وإذا
مالت يقومها بأحد الأعواد من الجانب المائلة نحوه وقد طال انتظاره وهو يرقب
إثمارها .
نمت
الشجرة وشب معها ، أصبحت ملء ذراعيه يحتضنها كأنها زوجته ، وهو يغني في أصوات غير
مفهومة لكنه كان سعيداً.
عندما
أصبح رجلا كان الأطفال يأتون عنده ليلعبوا معه رغم تحذيرات أمهاتهم ، وكانوا
يجلسون معه في " عشته " التي أقامها أسفل الشجرة ، ويأكلون من الفاكهة
التي تعطيها له النساء، فقد كان كريما مع كل الأطفال ، يأخذون من فاكهته ، وأحيانا
يحضرون إليه بعض الطعام خلسة فيأكله سعيداً ، وإن لم يجد فمن الخبز الجاف عنده أو
من الفاكهة التي قلت مع الزمن .
تضخمت
الشجرة وأصبحت مكانا للعب الأطفال وأصابته الشيخوخة وظل الشاب ينادونه ليسامرهم
وقد ازداد حديثه تشويقا بعد ما أصبح يروي لهم عن حكايته مع الجن فيخيفهم ويضحك ،
وإذ ضايقه أحدهم يهرول وراءه بسيفه الخشبي فيفر منه وهو يضحك ، ثم لا يلبث إن يعود
ويصالحه ببعض السجائر .
ضاق
المكان بالمقابر، وقرر أهل البلدة قطع الشجرة لبناء مقابرهم لكنهم يخشون "
العبيط
".
تجمع
أهل البلدة في الصباح الباكر ومعهم عدتهم وانطلق الرجال وتبعهم الأطفال يجرون، وفي
أثرهم بعض النساء .
رآهم
قادمين فوقف يستقبلهم متهلل الوجه ، ورأى الآلات في أيديهم ، اقترب منه طفل صغير
كان يأخذ من فاكهته وقال وهو مرعوب .. سيقطعون الشجرة ، ولكنه لم يفهم وظل واقفاً
فاغراه فاه
.
احتشد
الناس والتفوا حوله والشجرة ، وقال أحدهم : سنقطع الشجرة ،ثار عليهم وقذفهم بالطوب
فلم يبتعدوا ، وجاء بسيفه الخشبي ملوحاً به في الهواء . فتدافعوا جميعا هاربين في
كل مكان .
وقف
مزهوا بسيفه وقد علت ضحكاته ، ثم احتضن الشجرة وأخذ يقبلها ويربت عليها .
في
اليوم الثاني رآهم قادمين ، شهر سيفه في الهواء وأخذ يلوح به والناس يقتربون في
حذر ، ثم تناول بعض الحجارة وأخذ يقذفهم فتفرقوا ، ولكن سرعان ما عادوا إليه أكثر
إصرارا.
اقترب
شابان وثالث يتبعهما وهم يضحكون ، طعن أقربهم بالسيف فانكسر مع أول طعنة ، صرخ
صرخة عالية ، وضحك الجميع ، رجع إلى الخلف مرعوبا واحتضن الشجرة ، تمكن منه
الثلاثة وأبعدوه عنها ، وسمع كلمة اقطعوا.
صرخ
وعلا صراخه ، ومع صوت القطع وكثرة الهمهمات ضاع صراخه ولم يسمعه الكثير .
مع
صراخه وكثرة تملصه تمزقت ملابسه ، وظهرت عورته ، وضحك الرجال ، ووارت النساء
عيونهن وهن يتغامزن ، وقد حال الجمع بينه وبين أن يرى الشجرة .
وقف
بعض الأطفال الذين كانوا يأكلون من فاكهته وقد ظهر عليهم البكاء الصامت .
سُمع
شخص يقول : أفسحوا للشجرة ، فر الجميع من أماكنهم تاركينه يشاهدها تسقط وهي تطقطق
محدثة دويا عاليا وغبارا كثيفا. ووقفت الطيور التي كانت تسكنها في الهواء وهي تحلق
محدثة أصواتاً كأنها الصراخ، وقد تركت أفراخها في الأعشاش ، وانتشرت في المكان بعض
حبات الفاكهة الجافة وكثير من الريش .
وقف
يصرخ وقد تمزقت ملابسه ، انطلق ناحية الشجرة وهو يبكي، وقد سال مخاطه واختلط
بدموعه ولعابه، ووقف ينظر إلى جسدها المبتور ثم احتضنها وهي نائمة تلفظ أخر أنفاسها .
وقفوا
ضاحكين وهو مستمر في البكاء ، وشيئاً فشيئاً أخذ يهدأ بكاؤه حتى انتهى، ولم يحرك
ساكنا ، تقدم أحدهم في حذر ليعينه على النهوض لكنه سقط ، لقد مات بجوار الشجرة ،
وكان أول من دفن مكانها ، وجاء بعض الأطفال بالفاكهة ليضعوها على قبره .
أحلام منتهية الصلاحية
محمد صادق عبدالعال
مصر – دمياط
كثيرًا
ما آثرَ السفر أصيلًا، ومستقره أيُّ مقعد يلي نافذة الحافلة؛ لكيلا يفوته ذلك
المشهد الجنائزي المهيب لنجم الشمس إذا هوى ببحر الغروب، والسحائب الأرجوانية من
حولها كأنها صهاريج من نار ودخان يبتئسان ويبكيان عقيقًا في مراسم التشييع، فضلًا
عن الأشجار الشرقية التي تمر عن يمينه إذا هو قادم، وعن شماله حين يؤوب، كم وارت
عن عينيه ألسنة لهب حارقة لتلك المليكة ذودًا عن وجهه الغض، وأرخت عليه من سدول
الظل ستائر من سندس خضر! ولطالما شاطرته أيام أتراح وأفراح فأسر لها ببعض من
أحلامه وشجونه التي انزلقت في قواديس الحياة، وطواحين الزمن القاهر فوق رقاب الخلق.
في
تلك المرة كان سلطان النوم أدعى أن يُجاب؛ لِما له من غلبة على جسد أضناه العمل
فانصاع غير متأهب لعراك معه، وظنًّا منه أن المشهد سوف يعاد قريبًا إن قدر الله له
حياة، وما إن أدلى برأسه المثقلة حتى كانت أحلامه القديمة التي أسرها في
"منديل" صبرِهِ قد خرجت عن بكرة أبيها خروجًا غير معتاد، وقد انتثرت
بسماء عمره الغاربة كغروب تلك التي آثر النوم عليها، فانبهر بها انبهارَ مَن ما
زال يتطلع أو يتقلع في وهج الصبا، وراح يصفها صفًّا ويرتبها صعودًا زمنيًّا منذ
كان في ثانويته يتوق لمجموع يؤهله لمزاولة رسالة الطب، وقد تصاعد به الحلم ليرى
ذلك الطبيب الألمعي البارع والمشار إليه بالبنان، وأن سعيه ورقيه سوف يُرَى في
حياة أبيه وهو يتفاخر به بين الناس؛ يضحك ساخرًا من انتهاء صلاحية ذلك الحلم
الكبير والذي ترتب على فقده انهيار أمنيات كبرى.
وأخريات
كانت في تطلعاته وتوقعاته لمنصب سياسي أو اجتماعي يجعلانه في مقدمة المقاعد
الرسمية في أي محفل أو منتدى، أو ليقضي حوائج من لا يجدون بين الناس نصيرًا، وآخر
ذلك الذي تحسر لأجله طويلًا بفقدان أمه؛ إذ حلم يومًا بأن يهديها حجةً أو عمرةً
لبيت الله الحرام، لكن القضاء بالرحيل كان أسبق إليها وأسرع، فضلًا عن ذلك أحلام
ذهبت وبهتت بالتقادم والتراكم، فصارت كعملات معدنية قديمة ممنوعة من الصرف، لكن
لها بريق الأصالة، وما عاد لأكثرها من انتظار أو توقعات وقوع فقد أمسك بعنق
الخمسين، وقد زال عن وجهه ريق الشباب فرقَّ جلده ونما لشعر رأسه المشيب يقارب
الاشتهاب، فيشرع في البكاء، لكن صوتًا مزعجًا يصدر عن الحافلة ليرهب الركاب
جميعًا، فسارع لجمعها بشكل عشوائي بعدما كانت مرتبة ترتيبًا زمنيًّا، وأعادها
لكنفه المطبق عليها، ثم آب ليبصر ذلك الجار في المقعد الموازي له، فإذا هو شيخ
كبير يبتسم في هدوء ويضرب على ركبتيه: -
-
قدر الله وما شاء فعل!
بعض
الدهشة تنتابه: هل كان هذا الجار بمعية أحلامي، أو أنه كان بثًّا مباشرًا لركاب
الحافلة؟!
يمدد
بعينيه ناظرًا للسماء التي كانت بعهد تشييع لموكب الغروب الدامي، فإذا هي بحلتها
السوداء الليلية انتظارًا لانبثاق النجوم عن مواقعها.
يتمتم:
سبحان من له الدوام.
الجار:
سبحانه، سبحانه.
دونك المس جفاف الأشياء
محمد محمود غدية
مصر
إبتسامتها
تسقي جفاف الروح، سكرها زيادة يتحاشاها مرضى السكر، الصبح يستمد من وجهها الإشراق
والضياء ، غمرت كل من حولها بالحنان ،
وغرست
الزهور فى أرض لا ينفع فيها الزرع فأينعت وأزهرت، لها قدرة مدهشة على إمتصاص التعب
والقلق، والربت بحنو بالغ على المشاعر، يغالب دمعة حبيسة أصرت على السقوط، فى
غيابها زحفت الظلمة وتمددت وإكتسحت الروح، يشعر بتعاسة لاحد لها، لم يعد يرى فى
عينيها بحارا من اللؤلؤ، وشموسا من الدفء، يتلفت حوله يلمس جفاف الأشياء بجانبه.
هو
أكبر الأبناء والأكثر إلتصاقا بحضنها، كان حين يبلله المطر، يلجأ إلى الإختفاء تحت
معطفها، تربت عليه تهدهده بين إرتعاش الشفاه وإصطكاك الأسنان، لايخلد إلى النوم
إلا اذا مدته بالدفء، ما الذي يجعل الحزن عاجزا عن الرحيل، لاشيء هنا سوى بضع آيات
يحفظها عن ظهر قلب، تهدئ من روع الغياب، عطرها الممزوج بالزعتر والمسك يخترق كل ما
يلقاه ويصرعه، مشوق للدفء من كفيها، وللضياء من عينيها،كيف تقنع روح بالعودة بعد
رحيلها ؟
مارست
الموت وحدها، دون أن تشرك أحدا معها، عام كامل وبضعة شهور وهي تتوجع وتتألم وتنتحب
فى صمت، قالت للأولاد : أنها وجدت عملا يتناسب مع خبرتها فى الترجمة لشغل الفراغ
الذى تعيشه بعد رحيل زوجها، تستقبل الحياة بروح طيبة مرحة، تحرص كل الحرص ألا تدمع
عيناها، حتي لايراها الأبناء فى إنكسارها، وهى التي منحتهم الأجنحة القوية المعينة
على التحليق، يموت منها جزء كل يوم، كل شيء من حولها باهت تحيط به هالة من ضباب
مصغر منذ أن تسلل إليها ذلك المرض البغيض الذى لاشفاء منه. إخترعت العمل الذي
لاوجود له، حتي لايسأل الأولاد أين تذهب كل صباح..؟
تتمدد
علي سرير الوجع فى المستشفي، تأخذ جرعة الكيميائي الذى يمنحها بعض حياة، سقط منها
الشعر الذي أخفته خلف باروكة الشعر المستعار، والتى لاتعوض أبدا الفقد،
لم
تمتد يدها لنقود الأولاد التى تركها الزوج بعد رحيله وصانت الأمانة، باعت الخاتم
وأساور الذهب والعقد هدية عيد زواجها، وإستبدلتهم بذهب صيني رخيص، حتى لايستشعر
الأبناء غياب الذهب، تضع علي وجهها كمية من المساحيق ، لتخفى شحوب الوجه يخذلها
الموت، ولايأتى سريعا كما توقعت، هى أشياء لايدركها المرء
تفرد
أجنحتها، تأخذ الأبناء والأحفاد في حضنها، ترتاح لدفء مشاعرهم تكبح دموعها كيف
لروح نابضة أن تمارس الموت ؟
لديها
طاقة من الصبر والتجلد لايقدر عليها أحد
سنوات
عمرها يسقطها المرض كأوراق خريف ذابل، رائحة ضفائرها موغلة بذاكرة الأبناء، لم
تقدر الجدران الصماء وصرير أبوابها الموصدة حجب تقاسيم وجهها مضيئة وباهرة نبيلة
وأصيلة حتي وهى تموت،
تركت
أرقام الهاتف ووصية أودعتها أمانات المستشفى، تعتذر فيها عما أصابها من مرض،
وإختراعها عمل لا وجود له، لتجد مبررا للذهاب كل يوم إلى المستشفى، ثروة والدهم
مودعة بالكامل بأحد البنوك، ميراثا شرعيا عندما يجرح أصبع في اليد يصرخ المتألم
قائلا : أخ
!
وهى
تعني النجدة بالأخ، الترابط والحب هو الأصلح في تقوية العلاقات،
فاتورة
المستشفى سددت بالكامل من مدخراتها وذهبها، تعتذر لأنها لم تتمكن من إبقائها لهم،
كابدت
الآلام وحدها، لم تجهد الأبناء فى رحلة مرضها الذى أخفته طويلا عنهم، يرتشفون الهم
كل يوم وهم يغلقون الباب دونها،
فى
غيابها غابت الشمس وحجبتها غيوم ثقيلة، لايدرون بآى اللغات يبكونها،
وموتها
بدد كل اللغات
.
ذكريات مرة
لالة خديجة العسري
المغرب
أسعدت
مساءا سأخلد للنوم باكرا اليوم.
لفظ
زوجها جملته هاته وغاب وراء الجدران،لم تخفي إستياءها فدندنت بكلمات غير مفهومة
ساكبة المزيد من الشاي لعله يبدد غصة في حلقها ،فمنذ أن تزوجت و هي إبنة الخامسة
عشرة عاما لم يكن لها أقرباء سوى منصور إبن عمها و أمه.....شكلا حياتها بالكامل
فهي لا تحسن العيش سوى في سواحله المتقلبة المزاج و العميقة الأسرار...أحست بأنها
خفيفة كالريشة في مهب الريح لولا أياد صغيرة تتحرك بعبث ماسكة أطراف أكمامها معلقة
بعينيها محدقة بفضول و كأن إمتدادها في محيى سعد الصغير ،أخذت نفسا عميقا كمن
تحتضن مولودها الأول من جديد و همسات الجارات في أذنها :إنه يشبهك كثيرا أكيد.
سعدت
بقدومه أخيرا بعد سنوات عجاف و حرقة من أتعبته الفرقة و أخذت أقرباءه وجذوره ،سعدت
بالحضن الدافئ الصغير الذي خط طريقا لإمتدادها ،هذه أنا ما أزال أتربع على عرش
حسناوات القرية وأوشامي عربون محبتي من جدتي "أم البنين"
كتبت
بخطوط على الجبين و الأيادي و أسفل الذقن،رسومات من إرث قديم،أحست بخدوش تحفر
الجلد و تدمي المعصمين ،لم تتكلم ،لم تعترض،لم تزل الضمادات لثلاثة
أيام.....فستأخذين إرث جداتك الحسناوات ....جمال و حضور و رقة....وثراء،بقدر
الحقول الممتدة ملئ البصر ،لم تكن تعلم أن حقول الياسمين و الأقحوان لن تحصد منها
سوى الأشواك ،فالأعلام لا تعطى سوى ذي لحية أو كف فارس ...تلاشت الخيم و العزائم و
انطفأت المجامر الموقودة للعطشى و الجوعى و عابري السبيل،أضحت سليلة الفخر و الوشم
يتيمة ترتجي لمسة حنان صبيحة كل عيد ....ولم يكن لها من حقل البنفسج سوى
"منصور"يحمي الديار .
أخمدت
نار ذكرياتها لتمسي رمادا بلون الليل الذي أسدل ستاره ،يجتر تباريح الماضي و يرمم
بقايا أوشامها الخضراء ،ماسحا دمعة أريقت بين تجاعيد الزمن الغادرة ...هذه أنا
،مازلت احيا بفضل نفس سعد ،همست لروحها المنكسرة و أطفأت الأنوار.
الهوان
ميادة أبوزهرة
مصر - دمياط
"
لا تلقِ بي في الجحيم يا أبي !! "
كانت
كلماتها تدوي في غرفة البيت المتواضع
قالت
باكية " لا أريده .. يفوقني عمرًا سأذبل إلى جواره .. أتوسل لكِ يا أمي
فلتنقذيني وخزة قلبي لا تبشرني بالخير
أيا
أخي أنت صديقي وإلى عقلي أقرب ،، فلتخلصني من هذا الأسر "
لم
يرها أحد ! ولم يسمعها سوى باب الغرفة الخشبي الموصد المسال عليه دموعها !! والذي
لو كان إنسان لنطق بما سمع ورآي ! لم تستطع الهرب واستسلمت لقهرهم وتزوجت
صدق
حدسها وأصبحت خادمة لرجل بخيل دائم الشك يثيره الهواء الذي تتنفسه .. حاولت لتنجو
،، لكنها كُبلت بثلاث أطفال لاذنب لهم
مات
أبوها ،، سافر أخوها و مرضت أمها ولم تبالي !!
لعنتهم
جميعًا ومازالت وحدها في الجحيم ..
الأرض الجديدة
د.أمير بازيد
مصر
تمرُّ أعوامُها جافَّةً بلا
ربيع، وتغزوها دقَّاتُ الوقتِ وزفراتُ الزمن غزوًا مُزعجًا ومُفجعًا.
يلفُّها هجيرٌ من صيفٍ
حارق، ويمسُّها زمهريرٌ من شتاءٍ غليظ. وربما يُخيفها بعضُ همسٍ من فحيحِ أوراقِ
خريفٍ متساقطةٍ، ويُهدِّدُها بين الفينة والأخرى. لكنَّ السكونَ هو أشدُّ ما
يؤذيها، وقد أطبق عليها وصَدَّرَ إليها كلَّ ذلك الفراغ والوعود الحثيثة الدؤوبة
بالفناء والعدم.
رقيقةٌ هي وطاهرة، تنسدحُ
على مكتبها الخشبيِّ العتيق برشاقةٍ وبساطةٍ لا تخلو من وقارٍ وقوة. يفوحُ من
أركانها عبيرُ رُقِيِّ الفكرةِ والتاريخِ والتأريخ.
جسدُها منتظمٌ صافٍ يهفو
لعناقِ حبيبٍ أبديٍّ. بيضاءُ كالسحابِ المبارك، يلتمسُ إذنًا وصُحبةً من الريحِ الطيبة
ليُغدقا على العالم بزخَّاتِ المطر وبذورِ الحياة. تُزيِّن بشرتَها الغضَّة
كالأطفال خطوطٌ تحسبها السبيلَ إلى السماءِ والجنة.
الآن قد سكنها صمتٌ مظلمٌ
وظالمٌ كالموت، ولولا بضعُ نسيمٍ شاردٍ قد يأتيها على استحياء، لما اهتزَّت في
مكانها، ولما كان لها في الزمانِ من أثر.
يرافقها في عزلتها وعلى
بُعد خطواتٍ منها ذلك الفارسُ الأسمرُ النحيل، مرتديًا قبعته الوحيدة، ذلك الذي
كان يومًا ما مُؤنسها ورفيقها في الطريقِ والدرب.
اليوم تجفُّ دماؤه أمامها
ببطءٍ مريبٍ ومؤلم، وتخفت رغبته فيها، فيزيدها عزوفه عنها ألمًا ويأسًا.
لا ينفكُّ ذلك الفارسُ
الأسمرُ ينظر إليها بين الحينِ والآخر نظرةَ العاشقِ المحمومِ للوِصال، ومع ذلك
تراه لا يبذل جهدًا قط لاختصارِ المسافةِ القصيرة ومعانقةِ صفحاتها كالماضي القريب!
تتساءل: لماذا ما عاد
فارسُها يشتهي غزوَ جسدها المشدود، المُمهَّدِ له دومًا كما كان وما زال أبدًا حين
يطلبها؟
لم تُنهرْه يومًا، إذ اعتاد
التنقُّل بين أسطرها ووَشمها بمداده الأسود، فزيَّنها كالعروس ليلةَ زفافها، وأعاد
لها بثورتِه ومعركته نضارةَ شبابها مراتٍ ومرات.
كانت له، وكان لها كيفما
أرادا وأينما شاءا. فلماذا هجرها الآن ولم يعُد يُلقي للهفتها بالًا، أو يُعير
لرغبتها اهتمامًا؟
أهو الخوفُ من البداياتِ
المُتعثِّرة؟ أم اليأسُ من النهاياتِ المتكرِّرة؟ أم هما الزُّهدُ والعجزُ؟
ربما كان كلَّ ذلك جميعًا،
لكنه من المؤكَّد أنَّه، مثلها، تعيسٌ ومجبورٌ على السكونِ والصمتِ والغياب.
تعرف من نظراته أنَّه ربما
لو واتته الفرصةُ لرقصَ معها بلا ترددٍ رقصةَ الحبِّ والخصوبةِ والثمر، والتي لا
تنتهي أبدًا إلا مع انتهاء الحروفِ والكلماتِ والأفكار.
والأفكارُ لا تنتهي.
والكلماتُ لا تنقضي.
هي لا تلومه كثيرًا، لومها
لسيدهما الذي ربما آثَرَ الموتَ والسكون قبلهما منذ أمدٍ بعيد، هو الآخر.
لم يعد أحدٌ ينصتُ إليه أو
يقرأ ما يثور به عقلُه وما تخطه يداه، فأحسَّ أنَّه في هذه الحياة بلا وجود. لا
جدوى إذًا لأنفاسِ أحلامه، ولا قيمة مطلقًا لنبضاتِ مخيّلته.
فاعتزل الحياة واعتزلهما.
فهو لم يُخلَق إلا للفكرةِ والكلمة، أو هكذا كان يظن.
وعندما خذلته الأذهانُ
والآذانُ، ولفظته الألبابُ والقلوب، هجرتْه الأحرفُ والمعاني، وماتت فيه الرغبةُ،
وانطفأ الشغفُ، وغابت كلُّ الرؤى للغدِ والمستقبل، خلف ضربات التسارع، وتحت وطأة
الصراعاتِ في حلبات النزالِ الرخيصة.
غاضت أفكاره، ومفردات
كلماته، وانتحرت الأمسياتُ الحالمةُ والأمنيات داخل روحه.
فكان الهجر، حتى يبست
أركانُ أوراقه، وذبلت أطرافها، ومسَّها الكِبرُ واليأسُ، وكاد جيدُها أن يتشقَّق
وحبرُ صديقها النحيلِ القديم أن يجف.
فلا أحد يقرأ، ومن يقرأ لا
يفهم، ومن يفهم لا يستطيع أن يُحرِّك ساكنًا، لضعفٍ منه، أو تخاذلٍ، أو قلّةِ
إيمانٍ بالفكرةِ والثورة.
لكنها مع ذلك قررت ألا تبرح
موضعها وسط الكون والمنضدة ما استطاعت، لتعانق الكلامَ والأحلامَ وقت هطولها،
وتنتظر العاشقَ والفارسَ الجديدَ المتحمسَ، ليمتطي أسطرها، ويقفز فوق صحاري
الجمودِ والمحاكاة إلى سهول الحداثةِ والتحديث.
فهناك تنمو دائمًا براعمُ
الجديد، وتزهر الآمالُ والرغباتُ نحو الأفضل.
هناك أرضُ الميعاد، ومنبتُ
الإنسانيةِ وغاياتها، وبالطبع، بدايةُ الكونِ الجديدةُ المتكرِّرة دائمًا.
الموت إعلى الحق
موش إعلى اوساده
توفیق بنی جمیل
الأهوازي
إيران
عبثت والدتي بشعرها وصرخت
بصراخ يحرق القلب "يمه" يمه اوليدي. وكانت أخواتي يضربن على صدورهن
أيضًا ويصرخن بأهازيج شعبية أهوازية:
الموت إعلى الحق موش إعلى اوسادة
كما مزق والدي العجوز
دشداشته وصرخ " بوية حرامات بوية" وكان بيتنا مليئا بالضجيج، وفي كل
دقيقة تأتي سيارة من أقاربنا وتدخل نسائهم إلى المنزل وهن يصرخن و يلطمن على
الصدور. وكان رجالهن يبكون في أحضان رجالنا ويقولون:
- حرامات.. والله وسفه
كانت المدينة مزدحمة وكان
هناك أصوات طلقات نارية بشكل أو بآخر. لقد خرجت للبحث عن أخي. بصراحة، كنت قلق
عليه أكثر من نفسي. كان البذر الأخير و الولد المدلل لدينا ولكن لم أتمكن من
العثور عليه. نظرت هنا وهناك بقلق. كان يجلس في زاوية من البيت ويبكي. كنت سعيدا
لرؤيته. كانوا جميعا. والدي أخواتي وإخوتي الآخرين. وفجأة، عندما رفع والدي وإخوتي
صورتي و صرخوا و بكوا، أدركت أنني أنا الميت.
نهايةقصة قصيرة للمسابقة
الموت إعلى الحق موش إعلى
اوسادة
عبثت والدتي بشعرها وصرخت
بصراخ يحرق القلب "يمه" يمه اوليدي. وكانت أخواتي يضربن على صدورهن أيضًا
ويصرخن بأهازيج شعبية أهوازية:
الموت إعلى الحق موش إعلى
اوسادة
كما مزق والدي العجوز
دشداشته وصرخ " بويه حرامات بوية"، وكان بيتنا مليئا بالضجيج، وفي كل
دقيقة تأتي سيارة من أقاربنا وتدخل نسائهم إلى المنزل وهن يصرخن و يلطمن على
الصدور. وكان رجالهن يبكون في أحضان رجالنا ويقولون:
- حريمة إتطمة الگاع.. والله وسفه
كانت المدينة مزدحمة وكان
هناك أصوات طلقات نارية بشكل أو بآخر. لقد خرجت للبحث عن أخي. بصراحة، كنت قلق
عليه أكثر من نفسي. كان البذر الأخير و الولد المدلل لدينا ولكن لم أتمكن من
العثور عليه. نظرت هنا وهناك بقلق. كان يجلس في زاوية من البيت ويبكي. كنت سعيدا
لرؤيته. كانوا جميعا. والدي أخواتي وإخوتي الآخرين. وفجأة و عندما رفع والدي
وإخوتي صورتي و صرخوا و بكوا، أدركت أنني أنا الميت.
" المرأة التي وُلدت من حجر "
هديل كشرود
في زمنٍ بعيد، حيث كانت الأرض تكتنفها الغابات الكثيفة والجبال
الشاهقة، عاشت قبيلة قديمة على ضفاف نهر عميق يمر عبر الأراضي المجهولة. كانت هذه
القبيلة مشهورة بحكمتها القديمة ومعرفتها بالعوالم الخفية التي لا يراها إلا
القليلون. ومن بين هؤلاء الناس، كانت هناك أسطورة تناقلتها الأجيال، أسطورة عن
امرأة وُلدت من حجر.
كانت تلك المرأة تُسمى
أورا، وقد وُلدت في لحظة غريبة، في مكانٍ بعيد جدًا عن قريتها، داخل غار مظلم في
أعماق الجبال. تقول الأسطورة إنه في ليلةٍ مظلمة، في الوقت الذي كان القمر يختبئ
وراء سحابة داكنة، وبينما كانت الرياح تعصف بالأشجار، كانت هناك صخرة قديمة تتوسط
الغار. كانت الصخرة كبيرة جدًا، وأسطورية الشكل، وكأنها شاهدٌ على الزمن الذي مضى.
في تلك الليلة، اجتمع
الشيوخ في قريتهم حول نارٍ مشتعلة، يتلون الأدعية القديمة ويسبحون في حكمتهم.
أحدهم، الذي كان يُدعى "زانوس"، كان يتأمل في السماء وكأنما كان يشعر
بشيء ما يقترب. فقد شعر منذ زمن طويل أن القدر يُحَضر شيئًا عظيمًا لهذه القبيلة،
وأنه كان عليه أن يترقب اللحظة التي سيتغير فيها مسار الزمن.
بينما هم يتحدثون، تحطمت
الصخرة في الجبال بطريقة غريبة. لم تكن مجرد صخرة تنكسر، بل انفجرت إلى شظايا
صغيرة لتكشف عن امرأة في قلبها، امرأة لا تشبه أي شخص رأوه من قبل. كانت أورا، تلك
التي وُلدت من الحجر. لم تكن بشرًا تمامًا، لكن كان فيها شيئًا من البشر، وشيئًا
آخر لا يمكن تفسيره. شعر الجميع بالفزع والدهشة، حيث كانت عيون أورا تلمع باللون
الأزرق الداكن، وشعرها كان يشبه خيوط الذهب التي تتلألأ في ضوء القمر.
كان من المعروف أن أورا
وُلدت بطريقة غير طبيعية، وأن حَجَرَها كان يحمل طاقة عجيبة، قوة قديمة سكنتها
الأرض منذ العصور الغابرة. كانت تحيط بها هالة غريبة، وكأنها جزء من الأرض نفسها.
في البداية، لم يفهم أحد من هذه القبيلة ما الذي كان يحدث، وما كان عليها أن
تقدمه. لكن، كما هو الحال مع أي أمر غريب، بدأ الجميع يلتفت إليها، يسعى لفهمها
وتفسير هذه الظاهرة.
كبرت أورا بين أهلها،
ولكنها كانت دائمًا مختلفة. كانت تتمتع بقوى غير طبيعية. لم تكن تعرف لماذا كانت
تستطيع إيقاف الزمن لحظات، أو لماذا كانت قادرة على سماع الأصوات القادمة من أعماق
الأرض، أو لماذا كانت قادرة على التواصل مع الأشجار والحيوانات وكأنها لغة مشتركة
بينها وبين الطبيعة. كانت تتأمل كثيرًا في السماء، تتسائل عن مصيرها وتفكر في سبب
ولادتها.
عندما بلغت أورا سن
العشرين، بدأت تظهر القوى الحقيقية التي كانت مخفية في داخلها. ففي أحد الأيام،
هاجم قبيلتهم وحش ضخم كان قد خرج من أعماق الجبال. كان الوحش أشبه بتنين عملاق،
لونه بني مائل للسواد، وله أجنحة كبيرة تتسع لتغطي السماء. كان هذا الوحش يهاجم
القرى المجاورة، يقتل كل من يراه، ويترك وراءه خرابًا عظيمًا.
كان الجميع في القرية في
حالة رعب شديد، ولم يعرفوا كيف يمكنهم مواجهة هذا الكائن الضخم. كان الشيوخ قد
استخدموا كل حكمتهم، وكل معرفتهم بالمخلوقات القديمة، ولكن لم يتمكنوا من هزيمة
الوحش. كان الوحش يقترب من قريتهم بسرعة، وكانت قلوب الناس مليئة بالخوف.
في تلك اللحظة، وقفت أورا
في وسط الساحة. نظرت إلى السماء، وأغمضت عينيها، وعندما فتحت عينيها، تغير كل شيء.
شعر الجميع بالقوة التي تملأ الهواء حولهم، وكأن الأرض نفسها كانت تهتز. كانت أورا
قد أطلقت قوتها الكامنة، القوة التي ولدت معها، القوة التي كانت جزءًا من الحجر
الذي خرجت منه.
تحولت أورا إلى روح الأرض
نفسها. بدأ شعرها يتلألأ كأنما ينبت من الجبال والأشجار، وأصبحت عيونها تتوهج بلون
الحجر الذي ولدت منه. رفعت يديها إلى السماء، وأطلقت موجة من الطاقة الكونية
الهائلة. عندما اصطدمت هذه الموجة بالجبل حيث كان الوحش، تجمد الوحش في مكانه،
وأصبح جثة متحجرة، كما لو كان قد تحول إلى تمثال من صخر.
بعد تلك المعركة، أصبحت
أورا تُعرف في القبيلة بأنها "حامية الأرض" و"حاملة قوى
الحجر". لكنها كانت تعلم أنها لا تنتمي إلى هذا العالم كما كان الآخرون
يفعلون. كانت تشعر بأن حياتها ليست مجرد حياة عادية، بل كانت مأساة ومباركة في
الوقت نفسه. شعرت بالوحدة العميقة، وكان قلبها يبحث عن إجابات.
بدأت أورا في رحلة إلى
أعماق الجبال، حيث كانت تشعر أن هناك شيئًا ما ينتظرها. استمرت في سعيها لفهم
نفسها، بينما كانت تقابل مخلوقات غريبة وكيانات أسطورية. وفي كل مرحلة من هذه
الرحلة، كانت تكشف عن سرٍ جديد من أسرار الأرض، وتكتشف شيئًا عميقًا في جوهرها.
في نهاية المطاف، وصلت أورا
إلى مكانٍ يُسمى "كهف الزمان"، الذي كان يُقال إنه يحمل سر خلق الأرض
والمخلوقات. هناك، واجهت الروح القديمة التي كانت قد أسست هذا الكون. وكان السؤال
الذي طرحته الروح على أورا هو: "لماذا كنتِ تُدافعين عن هذا العالم؟ ماذا لو
كان هذا العالم ليس ما تعتقدين أنه عليه؟"
لم تستطع أورا الإجابة،
لكنها شعرت بأن شيئا عميقا في قلبها أخبرها أن حياتها كانت أكثر من مجرد معركة.
كانت هي نفسها جزءًا من الزمن، كانت قد وُلدت من حجر يحمل في طياته أسرار الحياة
والموت، وكانت هي نفسها تمثل الرابط بين العوالم.
حبال
قاني مختار
الجزائر
التفّ حوله إخوته في ساحة
الفناء تتعالى ضحكاتهم و هم يرون سقوط صغيرهم ذي العامين و هو يحاول القفز على
الحبل..في تلك الأثناء عاد أبوهم من المستشفى حاملا بين يديه دفتره العائلي و بين
جنبيه قهرا .. اختلفت خطواته و كلماته، لكن عبراته كانت تكتب على صفحة وجهه الشاحب
ما يود أن ينطق به لسانه .
سقط الحبل من يد الصغير حين
رأى أباه، و انطلق نحوه فاتحا ذراعيه يسابق إخوته الذين هرعوا إليه كذلك يتجاذبون
أطراف ملابسه، يقبلونه و هم يتفحصون مابين يديه و ينتظرون ردا على وابل أسئلتهم
أين أمي.. لماذا لم تعد
معك!؟
هل ولدت لنا ولدا أم بنتا ؟
مابك يا أبي!؟
فقاطعهم بكلمات مرتجفة
أسدلت الستار على الأفراح : لن تعود أمكم أبدا..
حدث ذلك منذ سبع و ثلاثين
سنة قبيل أيام من عيد الفطر ، لكن أبي يعيد تلك الحكاية كلما جلست معه في ذلك
الفناء ..و يعيشها بنفس الإحساس كأنها كانت بالأمس القريب..فيجرفنا سيل الدموع
سويا
.
....
و قبل أربع سنوات من اليوم
، التاريخ الهجري .. يوم عرفة ، بعد أن شحذت السكاكين صرت أدور في أرجاء البيت و
أقلب بين زواياه علّني أجد الحبل .. كان ابني و أخته يشدانه من طرفيه فيجرّان
بعضهما بعضا.. و يجران قلبي
إلى ذكريات مؤلمة .
صحتُ فيهما عاليا ، انتهت
اللعبة يا أولاد .. تعالى هنا يا بنيّ ..غدا عيد الأضحى ، أنظر جيدا ، سأعلمك كيف
تعلق الحبل تماما كما علّمني أبي..قاطعتني رنة الهاتف في تلك الأثناء ، كان أخي
على الخط.. ألو.. أهلا ، صباح الخير .. كيف الحال.. الحمد لله بخير...سكتَ لحظة ثم
قال.. مات أبي.. فسقط الحبل من يدي، لأن القدر كان يشد طرفه الآخر و كان أقوى.
صبيحة ذلك العيد اجتمعتُ و
إخوتي في نفس الفناء لنعلق حبلا واحدا نرفع به الأضحية بعدما كان كل واحد منا يفعل
ذلك منفردا... وَارَينا أبي الثرى ثم تقاسمنا الحزن و افترقنا .
تمرّ الأيام ، لكن منظر
الحبل لا يزال إلى اليوم يجرني و يجر إخوتي، و أبنائي إلى ذكريات مؤلمة نحاول دون
جدوى أن نشيح بأوجهنا عنها لنرى كيف تكون فرحة العيدين .
صائدة اليمام
ولاء نبيل
مصر
أتت ذات الرداء الملائكي
لفتت أنظار الحضور..
الكل يلهث وراءها..
..أطارت عقولهم..
بزينتها وحُليّها..
تسابق الجميع..
من ياتُري سيفوزُ بها..؟
.قدموا القرابين..
تحت أقدامها..
نظرت إليهم ..أشارت إلي
أحدهم
أنت ..وهذا..وذاك لها..
تهللت أساريرهم والكل يحدث
نفسه متكبراً نعم أنا الذي
أستحقها..
باغتتهم بالاختفاء والنزول
من عرشِها..
صُدم الجميع..تفانوا جميعاً
في الوصول لها..
قال أحدهم..سأفديها بروحي
وأُقتلُ من أجلها..
قال الآخرُ..سأبذُلُ
مالديَّ من نفيسٍ وغالٍ..في
سبيلها..
جَروْا هنا وهناك يبحثون
علّهم يجدونها..
أصابهم الإعياء
الشديد..فقدوا الكثير لأجلها..
رآهم الرجلُ الحكيم
فاستوقفهم قائلاً عن ماذا تبحثون؟
قالوا عن تلك الجميلة
ألم تراها مرت من هنا!
قال لا..
لم أر سوي فتاةً دميمة
..فحاربتها..
أهذه التي تقصدون؟!..ضحكوا
ساخرين..قالوا ماهذه ومن تلك..!!
نحدثك عن فاتنةٍ
غراء..وتحدثنا عن قبيحةٍ حمقاء..!!
قال لهم: أفيقوا إنها ليست
كما ترون..
ستهلككم كما فعلت بالسابقين..
غضبوا لحديثه وقالوا دعنا
وشأننا..
حتي لمحها أحدهم من
بعيد..تسابقوا مسرعين للحاق بها،
أوقعتهم أسري، قالوا :
ياذات الرداء الملائكي من منا تختارين..
بذلنا الكثير
والكثيرلأجلك..ولأجل الفوز بك..ياحبذا علينا لو تتكرمين..
فإذا بها تخلع ردائها وتكشف
عن وجهها..حتي جثوا علي أقدامهم مصعوقين..كيف لك أيتها الدميمة أن تخدعينا بثوبك
الردئ..ضحكت والغل يملؤ فاهها..ألم ينبأكم خبري ذاك الرجل الحكيم..؟
أنا **دنياكم**
أُرّكعُ كل من يطلبني ويبذل
لي
مابقي له من خلقٍ ودين..
..لن ينجوا من مكائدي إلا من أذلني..
وتركني ألهث لايعيرني أي
بذلٍ له يدين..
هاأنا ذا..أرغمت أنوفكم..
نكّسّت رؤوسكم..
أرهقت قلوبكم..بلارحمةٍ
ولالين..
فواتير
جعفر صادق الحسني
العراق.
شدَّ انتباهه وهو يراقب ما
يجري على الكاميرات، تردد أحد الزبائن في شراء الخبز، متحيراً بين خمسة أرغفة أو
ستة، كان يأخذ الرغيف السادس، فيعود ليخرجه من السلة، كررَّها أكثر من مرة... خلص
آخر الأمر إلى تركه واكتفي بخمسة أرغفة فقط، حمل سلته التي خلت من كل شيء إلا من الأرغفة الخمسة، لأنه لم يشترِ غيرها... أكمل
طريقه لدفع ثمنها، لكنه مرَّ وهو ينظر بحرمانٍ إلى رفوف البضائع المتنوعة واللذيذة
التي حرم منها هو وأسرته، توقف عند نوع من الشوكولا، لمسها بإصبعه... لعقه، تصنع
مذاق حلاوتها متلذذاً بطعمها، ازفر بعدها تنهيدة مصحوبة بابتسامة فقيرة بطعم
الحسرة، نظر إلى تلك الرفوف المليئة بأصناف الحلويات والمعجنات، حرك يده مسلماً
عليها، فهو يعرف امكانيته، وأن شراءها أمر بعيد المنال، واصل طريقه لدفع ثمن
الخبز، ما إن أعطى السلة إلى صاحب المتجر، حتى أخفاها تحت الطاولة، وانفجر بالهتاف
مرحباً به، وسط دهشة الجميع.
- أهلا وسهلاً بك أيها الزبون الرابح الذي يحمل الرقم (100) لهذا
اليوم، لقد فزت معنا بالجائزة الكبرى.
- ماذا؟!... أي جائزة؟
- نعم... لقد فزت معنا كونك المتسوق بتسلسل يحمل الرقم (100).
- أشكرك... ولكن... هل هنالك من مزحة؟
توجه صاحب المتجر صوب
الحضور قائلاً:
- أيها السادة، تنص المسابقة، بأن يحصل الفائز على حق التسوق لمدة
عام كامل مجاناً، بقيمة ما تسوقه اليوم، فنبارك للرابح معنا لهذا العام، وكل عام
وأنتم بخير.
تعالت الأصوات تبارك له
الفوز.
- أشكركم جميعاً.
أشار إلى أحد العاملين على
جلب سلة أعدت مسبقاً على اعتبار أنها سلة الزبون.
- والأن سأعلن لكم عن مفردات تسوق زبوننا الفائز، والتي سنعتمدها
كقيمة ثابتة للتسوق اليومي لعام كامل:
* عشرة أرغفة
* علبة زيتون
* علبة زبدة
* علبة جنبة
* 2 علبة لحم
* علبة شوكولا بالبندق وأخرى بالجوز.
تفضل صاحب الحظ السعيد، هذه
سلتك لهذا اليوم مدفوعة الثمن، والتي ستستمر معك لعام كامل، إن شاء الله، فتهانينا
بهذا الفوز.
- أشكركم... جميعاً.
تعالى التصفيق، استلم
المواد، غير مدرك لما يجري حوله.
فرحة ممزوجة بالتعجب
والانبهار... دنا منه صاحب المتجر وهمس بإذنه مبادراً:
- أعرف إنها ليست سلة التسوق خاصتك.
- أنت رجل طيب، أشكرك على كل ما قدمته لي.
- لقد ولدت فقيراً، وعشت فقيراً حد البؤس، وفي يوم ما عمل معي أحدهم،
كما عملت معك اليوم، وطلب مني أيضاً أن أعمل معه، وبذلك أنقذني من فقري، تعافيت
بعدها ووقفت على قدمي، وها أنا الآن أمامك، فهل تحب أن تعمل معي؟
- نعم.... بكل سرور.
- أتعرف... الشخص الذي أنقذني من الفقر، صاحب الموقف النبيل، كان
والدك رحمه الله.
حِكايَةُ خَريفٍ
شُهرةُ بُو ذيبَة
الجَزائر
عادَ الغَائبُ.. وَ عَادتْ
أيَّامٌ لمْ تَزلْ طَريحَةَ النَّدمِ..
أَ يَــا 'عِشْتارُ '
أبعدِي عَنِّي رَهابَ التَّقدُّمِ في حِوارِ الخَجَلِ كَي تَشيعَ حِكاياتٌ في
ذِمَّةِ الصَّمتِ المُريبِ!
عِشْتارُ..
كَيفَ صِرْتِ الغَريبَةَ،
وَ أبلَيتِ بِشَوقِ
التَّكيُّفَ؟
بِعينَينِ شاخصتَينَ جَالَ
بِنَظرِهِ نَحوهَــا.. غائِبٌ حِجَّتُهُ مَعَـهُ!
وَقفَ عَلـىٰ عُشبٍ كَعَصفٍ
مَهزُومٍ بِريــحِ التَّرقُّبِ، يُفتِّشُ عنْ ذَريعَــةٍ يَتحاورُ بِهَــا مِنْ
طَرفٍ وَاحدٍ!
ــ " أَيَّتُهَــا
المَسافاتُ تَواضِعي، وَ يَا صَمتُ كُفْ عَنْ زيادَةِ التَّعقيدِ!"
لاحَظَتْ سُكُوتَ صَنمٍ
تَلَبَّسَهُ،
بَــادِئَ ذِي بِـدْءٍ..
بَـادرَتْ بِحِــــوارِ اللَّاجَدوَىٰ، مُمسِكةً بِجذعِ الكَلامِ:
ــ " انْهَزمَ
اللَّيلُ بِوجُودِ بِقعَةِ ضَوءٍ، كَشفَتْ بِـهَــــا المَواقفُ عنْ سَــاقِ
الغُمُوضِ دُونَ أنْ نَشعُرَ.. !"
لَـهَــا طَريقتُهَا في
نَزفِ الألَمِ، لاحَظَ أنَّهَا تَئِنُّ مِنْ جُرحٍ، بَاغتَهَـا:
ــ " هَلْ أرضِي
صَالحةٌ لِلإعمارِ ثَانيَةً؟"
بَينمَا هيَ مَا انْفَكَّتْ
تُحافِظُ عَلـىٰ إبْنِ الصَّلابَةِ بِداخلِهَـا دُونَ أنْ تَكتَرِثَ لِسُؤالِهِ.
هٰكذَا بِلا تَرتيبٍ وَاضحٍ
عادَ بِهَا المَاضي، إلـىٰ مُكالمَةٍ أنهَتْ مَوعدًا،
تَحَشرَجتِ الكَلماتُ
بِنَغمَةِ هَاتفِهِ.. إتِّصالٌ مِنْ فَتاةٍ!
لَنْ تُمحَىٰ تَعابيرُ
وَجهِهِ منْ بَالِهَــا يَومًا مَا، وَ هو يَردُّ بِعَجلٍ..
مُوسيقَىٰ هادِئةٌ يَخفُقُ
لَهَـا القَلبُ لِــ (خوليو غلاسيال" j'ai besoin de toi").
لَمَّـا سَألتْهُ؛ تَظاهرَ
بِوضعِ هاتفِهِ في مِعْطَفِهِ بِأنفاسٍ مُتسارِعَةٍ، مُتحاشٍ
النَّظرَ إليهَـــا..
ــ "مَاضٍ لمْ يَعُدْ
لهُ مَعنًىٰ..!"
حَتَّىٰ أنَّهُ أطلقَ اسمَ
حَبيبَتِهِ عَلـىٰ الصَّبيَّةِ الَّتي رُزِقَتْ بهَــا أُختُهُ.
ذَكرَتْ ذٰلكَ أُختُهُ
حِينمَــا جَلبتْ لَنَـا (طَبقَ الطِّمينَةِ) فَالَ النَّفَـــاسِ، وَ سَألتُهَـا
بِبَراءَةٍ مَعهُودةٍ لِتَرُدَّ:
ــ " أَخِي مَنْ
سَمَّاهَــا!"
لمْ أقصدْ مُحاسَبتَهُ،
لٰكنَّهُ مُخوَّلًا شَرحَ مَــا حَدثَ، كَمَنْ يَرمِي بِنَفسـهِ مِن شَاهِقٍ،
وَكُلَّ الدَّلائِلِ تُشيـرُ عَلـىٰ خِيانَةٍ معَ سَبقِ الإصرارِ وَ التَّرصُّدِ!
هٰذَا مَا وَثَّقَهُ
لُقاءَنَــا الأخيرَ..
كانَ يَومٌ عَصيبٌ..
كُلَّ شَيءٍ يُشيرُ لِوداعٍ
مَـا أُسْتُجْمَعَتْ لَهُ مَناديلُ التَّجاوزِ..
ــ" بِتُّ أكرَهُ
اِستعادةَ التَّفاصيلِ..
إعادَتُهَـا لِلوَاقِعِ.."!
لَمَسْتُ يَديهِ وَ هو ماضٍ
لِحَتفهِ، وَ همَسَ لِــي:
ــ " المَنفَىٰ.. هوَ
عَاري بِدُونكِ!
حَاولْتُ.. مَرَّاتٍ
جَمَّـةٍ، وَ نَصِيبي الفَشلُ، فَأتراجَعُ..
دَيدَني دَائمًا اِحْتضَانُ
صُورَتَكِ..
صَباحَ مَساءَ..
أغلِقُ نَوافِذَ الخُطوَةِ
الأُولَـىٰ، المُربِكةِ
عَـنْ رَسَائلي
المُعلَّقَةِ لَديكِ.. "
قَاطعْتُهُ:
ــ " أَوَلمْ تَسألُني
عَنْ سعادَتي..
فِيــمَ أنْفقتُهَـا وَ
شَبابي فِيمَ أَفنَيتُهُ؟"
بَيْدَ أنَّهَـا عَضَّتْ
عَلـىٰ شِفاهِ الحَقيقَةِ، لِكَي لا تُطْلقُ ذِئَـابَ وَيلٍ طَالَ سِجنُهَــا...
تَلعثَمَ وَ غَيَّرَ
حَديثَهُ عَنْ بَقاءِ الحَيِّ كَـما هوَ، الوُجُوهُ ذَاتُهَــا..
لمْ يَتوقَــعْ أن يَرَىٰ
شَجرةً لَطالَمَــا إخْتَلَيَـا تَحتهَا عِندَمَا يَتفرَّقُ النَّاسُ،
لِيَجمِعانِ أشواقًا مُتناثرَةً عِندَهَـــا، لِتَبقَـىٰ كُلَّ هٰذَا الوَقْــتِ
وَفيَّــةً، لا تَتَغيَّرُ!
حَــاولَ كَثيرًا..
التَّصدِّي لِسيلِ طِينٍ أغرَقَ أعذارَهُ، وَ لمْ يُسْمَعْ لَهَا صَدًىٰ!
دَمْدَمَ معَ نَفسِهِ:
ــ " كَمْ يَصعُبُ
صِياغَةُ مَا نَشعرُ بِهِ".
أحسَّ بِخَوفِهَـا وَ
ارتِباكِهَا، وَ لا يَريدُ إحراجَهَـا..
ــ "مَا أقسَىٰ أنْ
تَبحثَ عَنْ حَديثٍ دَافٍىءٍ حَدَّ اللّامُبالاة!".
كلماتُهُ يَنتقيهَـا
بِعنايَةٍ، وَ هي تَسترِقُ السَّمعَ؛ كَلماتٌ لا تُعوُّضُ فاقِدًا، وَ لا تُصلِحُ
مَا أفسدَهُ الخِذلانُ..
تَهَيَّأَتْ لِلذِهابِ،
اِقْتَرَبَ منهَــا مُتأبَّطًا ذِراعَ حاجَةٍ ماسَّةٍ..
ــ " أَنَــا لَستُ
رَجُلَ الأمسِ..
أَ لَا تَسمَعينَ نِداءَ
قَلبي؟
هُنَا وَجَعُ إنسانٍ
يُنازِعُ نَفسَهُ!"
وَيْـكَأنَّهَــا غَرزَتْ
أنيَابَ الدَّهـرِ وَ سَطوَةَ التَّملُّكِ، هَالَهُ ذٰلكَ كَثيرًا، ضيَّعَهُ،
فَأخفَىٰ تَردِّدُهُ داخلَ إطـارِ الحِواراتِ الهادِئةِ..
تَنَحْنَحَتْ بِصوتٍ
أَجَشٍّ:
ــ" أنْ أصيرَ هَشَّةً
عَلـىٰ ضِفافِ الألَمِ بِحجَّةِ خُطُواتٍ حذرَةٍ، وَ لا بَدائلَ لَديَّ.. كَأنَها
حَديثٌ في ماضٍ سَابقِ أَوانَـهُ..!"
سَافرَتْ في اللَّاوعيٍ.
كَلَّفَــهُ كَثيرًا أنْ
يَبقَىٰ في مَوضِعِ الدِّفاعِ عَنِ النَّفسِ.
قَـــالَتْ بِتُؤَدَةٍ:
ــ " السُّفُنُ لا
تَغرَقُ بِسبَبِ المَاءِ المُحيطِ بِهَا، بَلْ بِمَا يَتسرَّبُ مِنهَـا!"
ثُمَّ أكمَلَتْ بِصَوتٍ
وَاثقٍ:
ــ "... وَ مَــا
أخْطَأَ قَلبي يَومًــا..
فَلا تُعلِّقُ أخطَاؤُكَ
عَلـىٰ مِشْجَبٍ وَهِنِ الحِجَجِ!"
تَرَكَا كِلاهُمَــا
الكَلامَ لِصَخْبِ العَاطِفَةِ
وَ لِمِعطَفٍ لا يُدَفِّىءُ
نَفْسٍ تَحمِلُ رَعشَــةَ المَســاءَاتِ المُبَلَّلةِ بِرَهبَةِ الإنتِظَــارِ..
تَبادَلَا النَّظَرَاتِ
شَزْرًا
ــ ... ...
...
" تُحَالُ القَضيَّةُ لِمَحكَمَةِ القَلْبِ!"
مخاض
صلاح عويسات
فلسطين.
عدت إلى الشمال أجرجر قدمي
المنتفختين من طول المسافة ورداءة الشبشب الذي كنت ألبسه،ممنوع عليك أن تركب وسائل
النقل وإلا سيقصفك طيران العدو ،لم أكن وحيدا كان معي زوجتي وطفلاي ،كثيرون هم
مثلي،ينزفون عرقا،ويتوجسون خيغة من غدر اﻷعداء،وطائراتهم التي تملأ السماء ضجيجا، لا أحد ينبس بكلمة،فكل
منا يكلم نفسه،يتجادل معها أحيانا،ويمنيها بالفرج ويتوسل إليها لأن تتحلى بالصبر
أحايين أخرى،وسط ذهول مما حدث،فالواحد منا قد خسر كل مايملك ،ولم يعد يملك رغيف
خبز أو جرعة ماء يرطب بها حلقه المتيبس من طول المسير في حرارة الصيف
اللاهبة...على أعتاب بلدتنا مررنا بمعدات العدو الثقيلة التي يقيدها عن بث الدمار
اتفاق مؤقت لتبادل اﻷسرى، أسرعنا الخطا يدفعنا الفضول لعلنا نجد أملا ونورا في ذلك
النفق المظلم، حين أشرفنا على بيوتنا ارتفعت في الجو أصوات التكبير والتهليل
والحوقلة ،فقد أصبحت كل بيوتنا تلالا من اﻷسمنت المتراكم،قد برز منها حديد التسليح،وتطايرت
النوافذ وقطع اﻷثاث،وأصبح أعلى بيوتنا أسفلها،وانكفأت خزانات المياه فشربتها
الرمال،وجلسنا على ركام بيوتنا،بلا حول لنا ولا قوة،بينما أصوات المدافع وأزيز
الطائرات تملأ اﻷجواء..
قبل الحرب بأيام كانت زوجتي
تلح علي في إعداد أنفسنا لنوائب الدهر قائلة:نحن في بلد غير آمن فلا بد من اﻷخذ
بأسباب السلامة قدر اﻹستطاعة.
استمعت لرأيها و خاصة أننا
عائلة ذات أطفال،فإن صبرنا نحن فهم لا يصبرون على الجوع والعطش والبرد،فجهزت البيت
بالمعلبات وعبوات المياه، وحشوت فريزر الثلاجة بالخبز،وأحضرت الحرامات ولم أبق
شيئا في استطاعتي إلا فعلته
تهلل وجه زوجتي وأثنت على
صنيعي...اﻵن ذهب كل شيء،وأصبحنا في العراء،نفترش الأرض ونلتحف السماء، اﻷطفال
برتجغون من البرد والخوف ، لم تجد كل تلك التحضيرات نفعا..
الشمس تغيب في اﻷفق،والليل
يخيم بسواد تمزقه أنوار القذائف،بدأت الريح تزمجر،منذرة بليلة ماطرة،هرولنا لنحتمي
في أحد المستشفيات،في الطريق جمعت بعض قطع الكرتون ﻷجعلها فراشا ﻷطفالي... فجأة
وقبل وصولنا للمشفى بخطوات، لمع ضوء قوي جدا ،صحبة صوت هادر،خسف اﻷرض تحت
أقدامنا،تطايرت اﻷشلاء في السماء،وسمعت أصوات إستغاثات وأنين،وأخذ ماتطاير إلى
السماء بالعودة إلى اﻷرض ببطء وسط دخان وغبار أسود،نظرت حولي أحاول البحث عن زوجتي
وأطفالي وسط ذلك الظلام،حاولت الحركة لكنني لم أقوى على ذلك،كانت رجلاي تحت
الركام،وبدأ اﻷلم الشديد يهاجمني بقوة،غبت عن الوعي هكذا أخبرني ذلك الشاب-
الملتحي ذو الوجه المبتسم دائما- الذي حملني على كتفيه راكضا بي إلى بقايا ذلك
المستشفى،أسمع حولي صيحات اﻹستغاثة، وأنين الجرحى، وبكاء اﻷمهات وصراخ
اﻷطفال،وأصوات الطائرات التي لا تهدأ ليلا ولا نهارا،وفي رأسي دوي ألف سؤال أخشى
من إجابتها، استنتجت أجوبتها من وجوه من حولي،ومواساتهم ونصيحتهم لي بالصبر
واﻹحتساب.
لعبة الأيام
محمد قريش
المغرب
كان " أحمد"
الإبن البكر لأسرته المحافظة،قضى حياته يتلقى تعليمه الأولي "بالمسيد"
،وأنهى مشواره الدراسي بوصوله إلى المرحلة الثانوية....فجأة يدق ناقوس الخطر يعلن
وفاة والده الحنون.أربك الخبر الحزين سمعه،بدأ العويل والصياح،هرج المعزين ومرجهم،مجموعة تغاذر الحداد لتحل محلها مجموعة أخرى...-عظم الله
أجركم ياولدي في مصابكم الجلل،وألهمكم الصبر والسلوان يقول أحد المعزين...أبعد
الله عنكم البأس سيدي،جازاكم الله على خطواتكم.إنفجر الخبر الحزين محدثا فرقعة دوت
في الآفاق فاهتزلها البيت وارتجت أركانه،أحلام "أحمد" التي كانت تطفو
على السطح تطايرت مع الريح وهوت بها في مكان سحيق،وأمانيه المتراصة على كرسي ذهنه
تبددت،شعر كأن أحدا صوب نحوه فوهة مسدس فأردته قتيل زمن صعب لايرحم،بدأ يسرح
بخياله في متاهات لا حصر لها وكأنه عصفور جريح،يستنجد بمن حوله لكن دون جدوى،كلما
عجز عن تمالك نفسه أجهش بالبكاء.يستيقظ باكرا،يرتشف كأس شاي أوكوب قهوة منسمة
بالتوابل ليشرع في "كرونولوجيا" يومه الشاق،ثم يطلق ساقيه للريح رفقة
والدته بلباس حدادها "الأبيض". يصطف أمام شبابيك المكاتب الإدارية لتسوية
ملف أسرته المطلبي ،يعود منهمكا إلى غرفته،ثم ينام على طوفان كوابيسه المزعجة التي
ترمي به في مكان مجهول.لقد أسدل الستار عن أحلامه المنتظرة بعد أن نظر عبر
عدسة" المنظار"للأفق فوجده بعيدا،الزمن ذر في عيونه رماد جمر إحترق
بقراءة الشواهد،العقود،والإلتزامات.ركب مطار الحزن بهدف الوصول إلى محطات آمنة
يلتقي فيها بأحباء جدد.تباطأت خطواته التي كانت تمشي على إيقاع سريع وكلما إستشاظ
غيظا يهرول مسرعا يبحث عن مقهى يحتضن خيبة أمله...يقتعد مقعداخارجيا،يدس يده
اليمنى في جيب معطفه ،يخرج ولاعته،يشعل لفافة تبغ إشتراها بالتقسيط،يشعلها،يلاحق
خيوط دخانها المتراقص رقصة ألمه الدفين غير مكثرت بهمهمة الزبناء..--سيدي النادل
من فضلك إبريق شاي مصحوبا بشريحة خبز وصحن أسماك!!! حاضر سيدي أمرا وطاعة وماأن
ينتهي من وجبته حتى ينتصب واقفا،يغاذر المكان في اتجاه المنزل حيث الخلود إلى
النوم العميق جراء التعب.....إستمر يرمم الجراح،ويغفر لأيامه السالفة صفعاتها
المؤلمة على خذه إلى أن خرج من رحم المعاناة سالما معافى ،طوى صفحة كتابه
القديم،ليبدأ القراءة في كتاب كل صفحاته إثارة وتشويق،تألق وتفوق داخل مقاولته
الصغيرة،استبشر خيرا بعمله،تفتحت أساريره،وعاد لابتسامته المعهودة قبل الحادث
الأليم.إستنتج أن القضاء والقدر كان أقوى من إختياره،أدرك حينها أن الإنسان مسير
لا مخير في رسم معالم طريقه.
قصة من الواقع المعاش .
الحـبُّ الأول
هيثم محسن الجاسم
العراق
في ليالي البرد القارصة،
أحكم غلق الابواب والنوافذ وكل الفتحات الخارجية ، هذا الإغلاق التام يبعث السرور
في نفسي و الانزعاج لقطتي المدللة ، يجعلها تموء وهي تبحث عن مخرج عندما ترشح الابواب
والشبابيك صوت مواء القطط القادم من الخارج.
بعد منتصف الليل ، فزعت من
النوم على صوت طرق حاد ، اصغيت بدقة لتحديد مصدره واتجهت نحوه ، كان الطرق على لوح
زجاج النافذة مصحوبا بخربشة مخلبية لحيوان مجهول ، سحبت الستارة القطيفة المسدلة
على الشباك .. رأيت قطا كبيرا يغازل قطتي البيضاء المدللة من وراء الزجاج ، تكرر
اللقاء لعدة ليال ، مرة عبر النافذة ومرات كثيرة أفاجئ القطة تتلوى بانتشاء خلف
الباب الرئيس ت تقاطع أنفاسها الحرى مع انفاس القط القابع في الظلام البارد من
الجهة الاخرى . واظنه مستلقيا على البلاط البارد يهمس باخر ما يعتلج في اعماقه .
قلت معللا تلك اللقاءات
الليلية : لابد ان تنتهي يوما شئت ام أبيت ، اما بزاوج أو هجران .
في يوم عطلتي الاسبوعية ،
الجمعة ، قررت مراقبة تحركات القط المريبة لمعرفة نواياه ، ثم اقرر اما اطرده شر
طردة ، أو يجعلني لا اقف في طريق تزواجهما .
كانت ظهيرة يوم الجمعة
رائعة والشمس تبعث الدفء في كل المخلوقات بلذة متناهية ، رتبت منضدة وكرسي من جريد
النخيل في مساحة الثيل المقطوعة بدقة ، حملت الطعام والشراب ورتبتها على المنضدة
تركت القطة حائمة حولي لاعبة ، راقبت بحذر تحركات القط خلف الاشجار ، الذي وزع
نظراته بيني وبين القطة بحذر تام ، أحسست ان وجودي يسبب له انزعاجا شديدا .
قلت بعناد : سأبقى ايها
اللص ، تريد ان تأخذ قطتي ايها المأفون . اذا كنت صادقا ، حاول ان تثبت لي انك
تحبها اكثر مني ، ساكون مسرورا لو ابديت فعلا ما ، يجعلني اصدق ان لهفتك صادقة
وليس مخادعة .
لم ينبس القط بصوت ابدا ,
لم يحاول ان يلفت انتباه القطة اللاهية في اللعب بل أنسحب مختفيا عبر فتحة في
السياج
.
تناولت طعام الغداء , أطعمت
قطتي العاشقة . جلست اتناول الشاي واقرأ كتاب استعرته حديثا ، بينما استلقت القطة
على الثيل مستمتعة بدفء الشمس .
عبر نفس الفتحة التي اختفى
عندها القط ، عاد يقود سربا من القطط بين الاشجار ، كانت قطتي نائمة ، والنظرات
القلقة صوبها نحوي تنم عن تساؤلات مبهمة .
قلت : ماذا يبيت هذا القط
لنا ؟ ربما أحضر آل كابوني عائلته للاقتصاص مني وسلب قطتي عنوة .
هذه الفكرة أزعجتني في
الحال ! ، انتظرت ردود الفعل ، ماءت القطة بغنج وارتياح ثم مطت رقبتها فوقع نظرها
على سرب القطط الواقف باستعداد تام . انتفضت واقفة معلقة آذانها في الهواء ، تنظر
بإلحاح تعيد الكرة المرة بعد الاخرى ، تقدم القط العاشق بلا تردد نحو قطتي مخلفا
المجموعة المتربصة وراءه ، دار حول القطة مدغدغا رقبتها وبطنها بذيله المتحرك مثل
ثعبان اسود ثم شمها بقوة وربما همس في إذنها لانها ردت عليه بمواء طويل يشابه
الصوت الذي تصدره عندما أدغدغ بطنها مازحا . بعد ذلك ، سارت إلى جواره كانهما في
زفاف مهيب ، وبالقرب من الحشد المتجمع عند السياج علا مواء القطط ، وراحت قطة
كبيرة ، أثداؤها مترهلة ، تشمها وتغمزباقي القطط بعينها مستبشرة ، بينماوقف القط
العاشق إلى جوار قط مرقط ضخم الجثة ، قلب شفتيه ولحس يده ، وانشغل عن الجميع
بتمسيد شاربه .
ايقنت ان الامر انتهى بلقاء
العائلة مع العروس ، شعرت بسعادة قطتي لما ركضت نحوي ، ارتمت في حضني تداعب انفي
بذيلها الناعم المنتفض ، احتضنتها بكلتا يديّ ثم رفعتها إلى فمي ، لثمتها قبلة
الوداع ، انزلقت من يدي راكضة نحو القطط ، تتعقبها عيوني وقلبي ينبض بعنف .
تسلل الرهط عبر فتحة الجدار
ترافقهم قطتي الحبيبة ، شيعتها بنظرات مودعة في توسل وامتنان روحي دافق .
"صوت البطون الخاوية: حين يصبح الجوع ظلًا لا يفارقك"
بن عميرة صباح
الجزائر
في زقاقٍ ضيقٍ من أزقة
المدينة القديمة بالجزائر، حيث تتداخل أصوات الباعة مع عويل الرياح، وتتآكل الحجارة
تحت أقدامٍ عابرةٍ حملت آلاف الحكايات، كان "بيتٌ صغيرٌ" يُشبه علبةً من
الكرتون، بالكاد يحتمي ساكنوه من صقيع الشتاء ولهيب الصيف. فيه عاش "سامي" ذو الاثني
عشر ربيعًا، وأخته "ليلى" التي لم تُكمل الثامنة، مع أمهما التي أنهكها
السُّقْمُ وأثقل كاهلها.
كان سامي يُوقِظُه كل صباحٍ
صوتُ بطنه الخاوية قبل نداء أمه. عيناه الواسعتان، اللتان طَمَسَ الجوعُ بريقهما،
تلتقيان بصورة ليلى الهزيلة المُتدلية أضلاعها كأوتارٍ مَشدودة. كانت الأم تُهمسُ
له:
"اصبر يا نور عيني.. الفرج قريب."
لكنه كان يعرف أن الفرجَ
سرابٌ، وأن الجوعَ ظلُّه الذي لا يفارقه.
ذات يوم، بينما كانت ليلى
تُحرك دميةً قماشيةً صنعتها الأم من خِرَقٍ بالية، اقترب سامي منها:
"ليلى.. أشتكي الجوع؟"
أدارت وجهها نحوه، فشاهد
دمعةً تتدلى على خدها الأسمر:
"أحسُّه كحجرٍ يطحن بطني يا سامي."
احتضنها، محاولًا أن يُسكت
أنينها بحرارة جسده النحيل.
في السوق، كان سامي يتسلل
بنظراته إلى أرغفة الخبز الدافئة التي يحملها المارة، وإلى تفاحٍ أحمرَ يلمع في يد
طفلٍ يلهو. تذكر كلمات أمه:
"لا تحسد أحدًا.. الرزقُ قسمةٌ."
لكن قلبه الصغير كان يتمزق.
مساءً، جلست الأسرة حول
"مائدةٍ خاوية" إلا من رغيفٍ يابس وكأسين من الشاي المرّ. قالت ليلى
بصوتٍ أشبه بزفرات الريح:
"متى سنأكل مثلهم يا أمي؟"
أجابت الأمّ وقد اختبأت
دموعها خلف جفنيها:
"غدًا يا حبيبتي.. غدًا."
لكن سامي عرف أن
"الغد" كلمةٌ تختفي في فم الجوع.
مرت أسابيع، وبدأت ليلى
تذبل كزهرةٍ بلا ماء. لم تعد تركض خلف دميتها، بل صارت تُمسك بيدها بطنها وتئن:
"أمي.. رأسي يؤلمني."
ذات ليلة، همست الأم لسامي:
"يجب أن نجد طعامًا.. أو.."
لم تُكمل، لكن عينيها قالتا
كل شيء.
خرج سامي عند الفجر، يطرق
أبواب المحلات، يعرض حمل الصناديق أو كنس الأرضيات. قال له بائعٌ متبرم:
"العمل للكبار يا فتى!"
عاد خالي اليدين، فوجد أمه
تجثو على الأرض، وليلى جثةً هامدةً بجانبها. صرخ:
"ليلى! استيقظي!"
لكن الصغيرة لم تتحرك.
انهارت الأم تبكي، بينما جلس سامي يهزُّ جسد أخته البارد، يُكرر:
"سامحيني.. لم أحمِك."
بعد الجنازة، صار البيتُ أكثرَ
برودةً. سامي لم يعد يذهب للمدرسة؛ فقلبه معلقٌ بحديقةٍ صغيرةٍ خلف المنزل، بدأ
يزرع فيها خضرواتٍ من بذورٍ جمعها من السوق. ذات مساء، بينما كان يسقي الأرض، سمع
صوت ليلى في أذنه:
"لا تستسلم يا سامي."
في اليوم التالي، ذهب إلى
الجمعية الخيرية، وتطوع في توزيع الطعام. تعلم القراءة من الكتيبات، وأصر أن يروي
لكل محسنٍ قصة ليلى.
بعد سنوات، وقف
"سامي"شابًا يافعًا أمام جمعيةٍ أسسها باسم "صوت ليلى"، يُلقي
خطابًا بين أطفال الحيّ:
"الجوع ليس قدرًا.. بل جريمةٌ نصنعها بصمتنا!"
كان الأطفال يحملون الأرغفة
والكتب، بينما تبتسم الأم من نافذة البيت، تُمسك صورة ليلى، وتهمس:
"انظري.. أخوك صار ظلًّا يحميهم.".
قهوة بشندي
وفاء عبد الحفيظ
مصر
منصتاً حزيناً
داخل قفص الاتهام ،يجلسُ
مطأطيء الرأس والدموع تملأ مآقيه، امتشق سهم الرضا يطل بين حنايا القلب، حيث
أوراقه الثبوتية تدل على فقره،وأنه ليس لديه مايقتنيه سوى بضع قراريط يقوم
برعايتها أخوه " محمد " الذي لم يكمل تعليمه. كان لمثابرته ونبوغه أن
تخرّج في كلية العلوم، صار كيميائياً، ولتقديره الممتاز عمل في أحد المصانع الكبرى
للكيماويات، حرص على أن يبرهن لرب العمل جدارته وتميزه عن سائر الزملاء،حتى لفت
إليه نظره، مما جعله يمسك بزمام الأمور، لاتخرج مادة من المخزن إلا ممهورة باسمه،
استأجر شقة صغيرة قرب المصنع، هكذا صارت الأحوال، نال حظوة مرؤوسيه، وأخذ راتبه في
ازدياد، خطب ابنة الجيران، كان يراها مرتين في اليوم،تارة عند الذهاب وأخرى حين
العودة من العمل، استحوذت على تفكيره، بات منشغلا بها، جعله يلمح اعجابها به، دفعه
ذلك في طلب يدها، والدها سأل عنه؟أخبروه بسمعته الطيبة، حرصه على الزواج جعله يمكث
في العمل لوقت متأخر، حتى جاء موعد العرس، أعدّ نفسه لليوم الذي سيتوّج قلبه
بفاطمة التي ملأت عليه دنياه الفارغة إلامنها، أخبرهم في البلد بالتفاصيل، جاء عمه
لينوب عن والده المتوفىّ، قال: سأجهز وفق مقدرتي، قام بدعوة الزملاء كلهم، هنأوه متمنين
له حياة سعيدة، قبل الزفة بقليل، جاءت قوة من الشرطة، اقتحموا العرس واقتادوه إلى
المغفر، انهالوا عليه بالاسئلة مشدوهاً مندهشاً،بما يحدث له، اتهموه بتصنيع مواد
قاتلة، لترويجها للشباب كنوع من الإدمان، ذاع صيتها، بعض الشباب قد ماتوا بسببها،
واجهته النيابة بالتوقيعات، التي على أوراق تلك المواد المصنعة ، منها المادة
والتي لا تخرج، إلابإذنه، حيث أثبتت التحريات، أنها تجلب من المصنع وتروّج من
خلاله
تجدد الحبس على ذمة القضية،
أخذ يفكر في كلام الضابط وتلميحاته أنها مسحوق يدمرالخلايا العصبية بالمخ، يقع على
أثرها الشاب فريسة للضعف، وسرعان ما يموت، إنّ الشباب المستهتر جراء التدليل
الزائد من قبل الوالدين يفسدهم دون أن يدركوا مغبة ذلك، في تذليل المال حتى
لايحرمون من شيء العجيب أنه استشعر براءته وبخاصة من شهادة البعض عنه ومن الجيران
أنّ محمود أبو صلاح مشهود له بالتقوى ،أُحكمت ضده القرائن، فوجئ بزيارة أحد
الجيران(المحامي بالنقض والإبرام ) اندهش لأنه لم يوكل احدهم في قضيته وأن زوجته
وحماه يبحثان عن المحامي الذي يتولى الدفاع عنه، سلم عليه وكأنه يرحب به، تعجب
محمود من ذلك وبيأس قال: -
_طبعا حضرتك عارف أنّ القضية لبساني !
أجابه: -
_نعم، سأله لماذا إذن تدافع عن واحد مثل؟!
قال له:-
_لأني أعرفك من الحي، ومن الزملاء في المصنع، لأن زوج أختي يعمل به،
قاطعه:
-
_لكنك محامي شهير لماذا؟ !
_لأني أحب القضايا من هذا النوع.
محمود يائساً:-
_ يعلم ربنا أني برىء
ابتسم ناصف وقال:-
_ اطمئن.
جنّد ناصف زوج أخته"
زكي " ليجلب له أخبار المصنع وما يدور في أر وقته، بين العمال والملاحظين
وغيرهم،
لاحظ زكي أنّ كبيرالملاحظين
رجل ثري، يملك بيتًا فخمًا ،وأنه أحيانًا ،يطلب من بعض العمال دون غيرهم ، أن يجلس
معهم بعد الدوام !!فتقفى أثرهم، واحداً تلو الآخر ، علم بجلوسهم مع كبير الملاحظين
من حين لآخر على " قهوةبشندي " في منطقة متطرفة بالجيزة، أدرك أنها تحوي
مروجي الصنف وبعض المواد المخدرة الأخرى ، الشباب يأتون بسياراتهم، يقفون برهة،
يضيئون النور ثم يسرعون ، خلف القهوة وكأنّ السيارة عطلت، يفتحون(الكابوت) يأخذون
المواد المخدرة ، في سرعة ويفرون،
كان زكي يتنكر كثيراً ،
خشية أن يكتشفه أحد، يقوم ناصف بربط الخيوط، بعضها ببعض، حتى علم أنّ محمود أبو
صلاح ،عندما يُخرِج المواد الموزونة من المخزن، ويسلمها لأحدهم، يقوم بانتقاصها ثم
يضعها لديه ،دون أن يدرك المهندس ذلك، وهكذا في سائر المواد، لاحظ زكي أنّ الغفير
"مجاهد الصعيدي" يلازمه رجل بسيط في مقتبل العمر " مخيمر
بلدياته" تبدو عليه السذاجة ،جاءه يرتزق من خلاله، أخذه معه عَرِفهُ الجميع
بالشيال أو بالمشاويري الذي، يرسلونه إليها ، صار مشهورا، يعطونه اللي فيه القسمة،
كان يأخذ منهم أكياسًا كبيرةً مليئة بأكياس صغيرة، يضعها في إحدى سيارات المصنع،
لاحظ وجود عامل مدمن، يجلس بالقهوة ليعطوه، كانوا يركلونه، في النهاية بشندي يشغله
ثم يرمي إليه قطعة، إلى أن فصل من المصنع، استغل زكي الفرصة، عرض عليه المساعدة
لأنه من أهل الخير، ملأ بيته بالتموين من أجل زوجته وأولادة ،نصحه أن يراعي الله،
أقرّ بكل ما يعرفه، سمع كبير الملاحظين حين اشتبك مع أحدهم وقال:-
_ كلامًا خطيرًا ،لم يدرك أنّ أحدهم يجلس بينهم متخفيًا في زي عامل
بنزينة، بسترة مشحمة، عندما كان محمود ، يتأخر بالمصنع، يقومون بتجهيز تلك المادة،
تحت إشراف كبير الملاحظين، كأنهم يعملون عمل المصنع، لم يكن يشك في سلوك أحدهم
لجهله بكل مايحدث، يقوم مخيمر بتحميل الأ كياس والسائق متضامنًا معهم ، حين إنتهى
ناصف من تلاوة مرافعته الجسورة، طالب بالافراج عن محمود أبو صلاح وحبس كل من كبير
الملاحظين وخمسة من العمال والغفير والسائق وتبرأة موكله مما نسب إليه، خرج القاضي
قرأ الحكم خرّ محمود مغشيًا عليه.
امرأة بلا أصابع
خولة سعيدان
الجزائر
قابعة على حافة سريرها،
تُقلّب صفحات رواية "برهان العسل"، تلك الرواية التي ثار حولها الجدل
أكثر مما قُرئ عنها؛ لم تكن تعلم إن كانت تبحث عن نهاية مختلفة في الكتابٍ، أم
بداية جديدة لنفسها، وفجأة لفت انتباهها سطر:
"أكبر لذّة بعد الحب هو الحديث عنه."
توقفت. وضعت الكتاب في
حجرها، ونظرت إلى الفراغ بين أصابعها، كأنها تحاول القبض على ظلّ شعور ضاع منها
منذ زمن.
متمتمة ومُهمهِمة، متسائلة:
"الحديث عن الحب؟ لذّة؟ بعد ماذا؟ بعد موت الحلم؟
ومع ذلك، أدركت أنها كانت
محقّة؛ الكاتبة، السطر، الفكرة... كلّها أصابت وجعها. صدقت لأنها لم تعرف الحب كما
تصفه الروايات، ولم تعشه كما يتمناه الناس. لم يمسك يدها أحد في الطرقات تحت
المطر، ولم يهديها أحد وردة في صباح عادي. كانت تعرفه فقط حين تنزف على الورق.كل
ما تعرفه عن الحب، كان في لحظة الكتابة. وجُلّ ما شعرت به، جاء من الكلمات لا من
قلبها. في داخلها ظلمة لا يراها أحد، ووحدة تأقلمت معها حتى صارت نمطا لحياتها،
امرأة مهجورة، فاقدة للشغف، تكتب لا من نشوة، بل من وجع... تحاول طرد العجز
بالعبارات، وتنازع الحزن بالجُمل.
ذاك الشاعر الذي ظنّت أنها
أحبته، لم يكتب عنها إلا حين ارتوى منها؛ أما هي فكانت تكتب عنه من جرحٍ لم يندمل.
أحسّت بالغدر؛ فهي بالنسبة
له مادة خامة وملهمة،
لكنّه لم يرَ فيها سوى
وقودٍ لنصوصه، لا قلبًا أحبّه ولا روحًا منحته ذاتها، كتبت عنه بصدق، وكتب عنها
بدهاء، لا تذكر متى شعرت بالحب، لا قبله ولا بعده،فهو قد مسح كل شعور جميل، وكل
تصوّر وردي، وكل حلم بسيط. ربما لأنها لم تشعر به أبدًا، قلبها موصد منذ سنين،
تعيش خلف جدران من الألم، ترى ولا تُرى. امرأة تحمل في داخلها شخصين... أحدهما
يصرخ، والآخر يصمت. أحدهما يتوق للحب، والآخر يخافه كفخّ قاتل، وذات مساء، كتبت له:
"أحببتك كما لم يفعل أحد من قبل،
بوجهي المكسور،
بروحي التي عانت معك،
بكلماتي التي تنزف على
الورق،
كأنني امرأة بلا أصابع...
أكتب بدمي وحده.
نزيف عشق..."
لكنها لم تُرسلها.مزّقت
الورقة، وألقتها في سلّةٍ ممتلئة بقصائد كاسدة. نظرت إلى ساعتها المتيبسة فوق
معصمها، نهضت بهدوء، فتحت الدرج السفلي في خزانتها، وأخرجت صندوقًا بُنّيًا
صغيرًا، جلست على الكرسي المقابل لمكتبها المهترئ... وضعت يدها اليسرى، بسكين
جراحي،
بدأت تقطع أصابعها...
واحدًا تلو الآخر.
بلا صوت.
بلا دموع.
بلا ندم.
وحين انتهت، غمست ريشة
قديمة في الدم، تلك التي أهداها لها حين كانا يعيشان معًا في ذروة العشق والولع،
فجعلها كاتبة مثله، وكتبت بيدها اليسرى على حائط غرفتها:
"الآن فقط، أستحق أن أكون امرأة بلا أصابع...
لأنني، حتى لو استطعت أن
أكتب،
لن أكتب له بعد اليوم،حتى
وإن تطلّب مني الأمر التخلّص من أصابعي اليمنى."
ثم نظرت إلى يدها اليسرى
المرتجفة، النازفة...
واختارت أن تتركها شاهدةً
فقط، لا شريكة في الخيانة.
النكبة
حميد قاسو
المغرب
بخجلٍ... رفعتُ عني الغطاء،
ويدي تتحسس فراشي المبلل كالعادة، مع أنني توقفت عن شرب الماء قبل الغروب وأحلامي
وردية دائما ومع ذلك أصبح على هذا الحال كل يوم !
تناهى إلى مسمعي من خلف باب
غرفتي حديث ساره " حيزبون" الحي مع أمي، تلك البقباقة كثيرة اللغو حدَّ
الثرثرة، سأمكث كثيراً إلى أن تغادر. لحسن حظي اليوم عطلة، ولن أسرع وأنا على هذا
الحال، سأتكلف وحيداً بنشر فراشي بشرفة غرفتي هاته المرة.
- أتعلمين جارتي الطيبة أن مِن زعماء التاريخ من عانى أمراضاً لا
إرادية كما يعاني إبنك أشرف، فهتلر المجرم مثلا، كان "يتبول"لا إرادياً
إلى أن بلغ رشده، وهو من قادَ العالم بالنار والحديد لزمن طويل، وليس هو فحسب، بل
إنشتاين إيضاً كان على حد المعاناة مع هذا الابتلاء، وتعلمين من هو هذا الفذ !
والكثير الكثير من مثيري الفتن بعالمنا اليوم على نحو ابتلاءاتهم كانت لهم
الريادة، فلا تبتئسي لحاله، سيشفى وتعجبين لنجاحاته.
- أرجوكِ صديقتي... تحدثي بهس الكلام حتى لا ينتبه، فكم أشفق عليه.
تلقفتُ كلامهماً كاملاً،
تسللت ابتسامة فخر إلى محياي وأنا أتساءل: أأكون عظيماً زعيماً يوماً ما ؟!
بباحة الحي اجتمع الأصدقاء،
يغازلون ساخرين بنطالاً قصيراً جديداً بألوان زاهية ألبسه، لم أسلم حينها من تنمر
أحدهم.
-ستختلف ألوان بنطالك القصير بمجرد قضاء ليلتك الأولى به.
قهقه الحاضرون ثم انصرفوا.
طبطبتُ على كتفي
- لا عليك أشرف، أزمة تصيب العظماء في أول حياتهم، بعدها ستصبح ذا
شأن دون شك.
جلست أحملق بازدراء إلى صحن
غذائنا، بالكاد يكفي أحدنا فقط، فكيف يكون كافيا ونحن الأربعة، اقتسمته أمي دون شك
مع ساره، ويوم سبتِها تكون ساعات لغوِها مكلِّفة.
سأرتوي الليلة إلى أن تمتلئ
متانتي، ولن أكترث لمصير فراشي مادُمت كيِّساً بلا جدوى.
من خلف باب غرفتي وفي غياب
مستضعفينا، اجتمع قادة حروب الأمس ونظراؤهم اليوم من حكام وزعماء على فراش واحد
يعبثون بخرائط الأمم، تتقدمهم "حيزبون" بالنصح والتوجيه، من له الحق
أكثر من الآخر، نظرتْ إلي من ثقب الباب بوجه قبيح، تمطى عنقها من خلاله إلى حيث
أستلقي وهي تهمس في أذني
- انهض أيها الزعيم ... ففراشك يُستباح
هدأ روعي عندما تلمست
مستيقظاً جفاف مكاني لأول مرة.
الــــــــــــــــــــــــــــــــــمرآة
لحسن ملواني
المغرب
وحيدة تسير فاتحة عينيها
الواسعتين في الفراغ، ويْحها، تكاد أن تصير عمياء، لم تعد ترى سوى النزر القليل من
أشياء هذا الطريق الذي تمشي في قارعته، صارت في قلب ضبابة ممتدة، تجعل الطريق
أمواجا مظلمة محاطة بغيرها، ضباب محشو بضباب، ظلام متضاعف يطوق الرؤية
ويخنق الأنفاس، يوقد نار الاضطراب في قلبها ، ويشتد الضيق عليها، فتشعر بنهاية لا
شك في حصولها...خطوة فخطوة وهي تترنح كغزالة أصابتها رصاصة، ستسقط لا محالة، لكنها
لم تسقط، لم تختنق، ولم تلق المصير المرسوم الذي كانت تنتظره في أية لحظة...
مرآة تظهر فجأة أمامها،
ورغم صغر مساحتها فهي بوابة تبدو منفذا إلى النور، وبحيرة للعوْم، للمرح، بعيدا عن
سعير هذا الطريق الخانق للنبض والتفكير في النعيم.
المرآة ساحة أخرى، فسيحة،
خلفيتها سماء زرقاء بلا دخان ولا سحاب.. وحدها حمامة ناصعة البياض تنشر جناحيها
وتقبضهما ببطء شديد...تبدو مرتاحة فرحة ...الفتاة تتصدر خلفية المرآة
ومفرداتها...هي الآن داخل المرآة، حملتها إلى السماء حيث لا حجر ولا بشر، لا
متاريس، ولا كرابيج، ولا سجون، ولا شرطة، ولا اتهام، ولا إشاعة...هنا الزرقة
الصافية والحمامات الناصعة البياض، والأعشاب المتنوعة التي تنتهي رؤوسها بأزهار
تنتشر شذاها في الفضاء...هنا معنى الحرية التي تعجز المعاجم عن ترجمتها للقراء
كبارا وصغارا...
لم تدر قبل اليوم أن
المرايا تسافر بمن يحل بها إلى الأعالي، لم تدر أن لمَعانَ المرآة به سِرُّ فَكّ
العُقد ...وقفت في المرآة، جلست في المرآة، ابتسمت ضحكت ثم قهقهت ملء شدقيها في
رحاب المرآة...لم تشعر بعطش ولا جوع، لم تشعر بتعب ولا ألم...شعرت أنها تعيش
الحرية بكل معانيها بكل ألوانها...قطعت صلتها بالأرض، آه...ما أشقى أن تعيش على
الأرض: تخطو بحساب، تتكلم بحذر، تتزوج بشروط تخترق من قبل هذا أو تلك أو هؤلاء أو
أولئك...الآن فقط بإمكانها أن تمد رجليها جالسة أو واقفة بلا حدود، فلا تضاريس هنا
ليُسلَك بعضها على حساب بعض...يمكنها أن تطلق أنفاسها وضحكاتها لتملأ الفضاء، يمكن
أن تنشد للحياة أشعار الجمال والحرية...حدقت في جسدها واستمتعت بما عاد إليها من
سكينة وجمال...تمنت أن تدوم النعمة بعد زوال النقم المرهقة للأرواح...يحلو لها
المكوث هنا لتعيش وجودها الآخر، وجودها الذي لم تتصور أن تحياه يوما ما. لكن الخوف
يفتح أمامك باب التساؤل والاحتمال: ماذا لو انكسرت المرآة؟ إنها من زجاج... ماذا
لو زاحمها غيرها في ذات المرآة؟ ألن تكون هذه المرآة مصيدة للتائهات مثلها؟...صار
الاضطراب يسلك الطريق إلى فؤائدها شيئا فشيئا، تليه ذكريات الشؤم السابقة.
هاهي تفتح المجال للكآبة
تقترب منها، تذكرت عليّا وهِشاما حين هدداها بالقتل، قد يتسببان في كسر المرآة،
بدأت تحدث نفسها:"سأسقط بعدها على الأرض، وأواجه مصيري القديم...منكسرة
سأواجه أطراف الإشاعات الظالمة مرة أخرى..." تذكرت يوم قيدوها بحبل غليظ
والحصان يجرها فوق الشوك والقش والحجر، الواقفون حذو الطريق، يبصقون، يشتمون
ويلعنون الطاهرة...هي الطاهرة وهم الآثمون، هيهات أن يكونوا وحوشا، هم أقسى
وأقبح...يتصرفون بأنانيتهم البغيضة، أما الوحوش فقد خلقت لتكون وحوشا، ولم تخلف
ذلك يوما...
تحركت المرآة، تملكها
الرعب، قد يكون موعد سقوطها قد حان، قد يكون أحدهم جاء يزاحمها هنا...لكن لا شيء
من ذلك حصل...فقط، إنها المرآة سمعت ما دار في أعماقها فانطبقت عليها، ضمتها
وقبلتها، وهي تطمئنها : لا تخافي، أنت الآن في حمايتي إلى الأبد أيتها العفيفة
الطاهرة.
هي الآن في نعيم الحياة،
نسيت صورهم البغيضة وأقوالهم الجارحة الحارقة...إنها كالقافلة التي مرت، وتركت
نباحا لا يسمعه سوى النابحين.
رسمة بدون رسام
داليا عزت مليجي
مصر
في يوم من الايام وانا انظر
الي الحائط رأيت صورة لم تكن موجودة وكأنها رسمة رسمت بدون رسام اقتربت من الصورة
بذهول ولم أكن اعلم ماذا أفعل؟ ومن وضعها هنا وفجاءة رأيت الديكور يتغير وكأني
دخلت في هذه الصورة الغريبة التي لم تكن موجودة من قبل .
في هذا المكان وجدت كثير من
الصور مثلها، ولكن الصورة الخاصة بي هذه مختلفة؛ لأنها رسمت ذاتها وكأنه فيلم رعب
اقتربت من هذه الصور الغريبة في هذا المكان الغريب وامسكت بهذه الصور؛ لكي أفهم
ماذا يحدث؟ وفجاءة وجدت اشخاص غريبة يحاولون اخذ هذه الصور؛ لأنها ملكهم وفي
منزلهم أيضا مثلي ولكن الغريب في الأمر أن كل صورهم موجودة وصورتي محت وكأنها لم
تكن، وهؤلاء الأشخاص نظروا الي نظرة غريبة وتشير بالغرابة لاني لم تكن لدي صورة
الان ودخول هذا المكان بالصور المرسومة علي الحائط فقط .
كيف يصدقوني الان اني كان
لدي صورة من قبل
أخذت اهرول لكي أجد الصورة
التي كانت في يدي قبل ثانية ولكني لم جدها وهم يهرولون خلفي
ولكن الغريب في الأمر اني
فجاءة وجدت نفسي أمام منزلي وهم خلفي ، ولكن كيف وصلوا الي هنا وهذا عالم موازي
واخذوا يخاطبوني بلغة هذا العالم الغريب الخاص بالصور الذي هم جاءوا منه.
حاولت افتح باب منزلي،
ولكنه لم يفتح هل هو بشفرة معينة ولكن كيف وهو باب منزلي انا شردت مرة اخري وفجاءة
لم أجد هولاء الأشخاص الي أين ذهبوا ؟ومن اين جاءوا هولاء يا له من شيء غريب وفتح
الباب ودخلت ولكني وجدت العديد من الصور الخاصة بهولاء الأشخاص وكانت تقترب مني
يحاولون يأخذوا صورتي أو شخصيتي، وكانوا هولاء الأشخاص هم: اليأس والاستسلام
وفقدان الأمل ، وبالتفاؤل انتصرت صورتي علي هذه الصور أو بمعني اصح انتصرت علي
هولاء الأشخاص .
جراح الليل
موسى الابرش
سوريا
بضع طرقات عنيفة. دلفتْ الى
البيت .دقائق معدودات تفصل بين قدومها، وبركانه الهادر . من خلال العين الساحرة
رمقته يدور كالثور. تتدلى من يده مدية تقطر أمطار تشرين. تكورتْ في الزاوية.
قذفتها بمنشفة . دعكتْ بها شعرها، ووجهها. بدت كقطة منكسرة. فحيح أنفاسها موسيقا تراقص قلبي. حاول المارد خلع الباب الخشبي
المتهالك. لكنه مازال صامدًا
_ ركعتْ امامي. احرقت جمرات عينيها قدميّ. أرجوك اتوسل اليك لاتدعه
يقترب مني؛ أقسم الايمان سيذبحني على البلاعة، ويرمي كبدي للكلاب.
اخرجت مسدسي من مكمنه.
بحركة مباغتة سددت له ضربة بمؤخرة السلاح على رأسه. برقت السماء أضاءت جسدينا
أوشكت رأس سكينته الحادة تنغرس في كتفي. تتحرر طلقة من بيت النار. يختفي يبتلعه
الظلام. يالها من ملاك رحمة راحتا كفها كأثر فراشة تتقفى اطلال اصابة لحقت بي
.عبّرنا عن النصر بتبادل كأسي شاي ، ولفافتة تبغ ولهيب مدفأتي الذي يخبو
تارة،ويتمرد. أفرّ كسهم غادر قوسه.وسط الدائرة كلاهما يجذبني. شياطين الانوثة،
وصهيل الحصان الجامح،ومخملية الشفاه . على الضفة المقابلة قاموس النواهي المتمثلة
بالعفة، والدين والضمير المستنفر. انا الصائم دهرًا الذي لم يذق طعم فواكه الجنس
الاخر، وكأنه سلاح نووي بل كيماوي محرمٌ عليّ دوليا. تناولت الولاعة. ومن خلف ظهري
فاحت رائحة سبابتي همتْ في احتياز حقل الالغام _ لاتقتربي، وإلا...
. سار قطار الانين متثاقلا .تزامن صفيره مع عواء ذئب جائع مثلي حطّ
رحاله. سلمتْ مني، وسلمتُ منها . لفنجاني قهوتنا عشق ٱخر.
مذاق محلّى بملوحة الوداع.
الواشي
هيثم العوادي
العراق
-سوف ينزل لكم كبيرُ القومِ، أينَ تفرّونَ منهُ؟
طرقَ بيدِهِ بقوةٍ على
الطاولةِ، دوّى صوتٌ مُحبّبٌ إلى سمعِهم من تحتِ الحجرِ.
أجابهُ صاحبُهُ ويدُهُ تهوي
بحجرِ دومينو آخر:
-كلُّ المصائبِ من رأسِ الكبيرِ.
انتشرتْ ضحكاتُهم البريئةُ
داخلَ أروقةِ مقهى حجي صاحب، واخترقتْ دخانَ السجائرِ، كالضوءِ حينَ يخترقُ
الضبابَ، تُداعبُ أصواتُ الملاعقِ التي تتناغمُ بإيقاعٍ واحدٍ داخلَ كاساتِ الشاي
كآلةِ قانونٍ
في مقامٍ عراقيٍّ، كلُّ
هذهِ الأصواتِ لم تمنعْ تياراتِ الهواءِ من نقلِ كلامِهم، إلى ذلكَ الوطواطِ الذي
يقعُ في تلكَ الزاويةِ المظلمةِ، يتصفّحُ الجريدةَ، ويضعُ نظارةً شمسيّةً،
و(سيگارتهُ) على الجانبِ الأيمنِ من فمِهِ، تركَ الجريدةَ وكتبَ ما طرقَ مسامعَهُ،
بعدَ أنْ أزاحَ نظارتَهُ وهو يُحدّقُ جيدًا في ذلكَ الشخصِ الذي قالَ الجملةَ
الأخيرةَ، خرجَ يتلوّى من المقهى، كأفعى تبحثُ عن مخرجٍ إلى جُحرٍ جديدٍ.
الوحيدونَ الذينَ كانوا
يلعبونَ لعبةَ الدومينو تلكَ الليلةَ هم أربعةُ أصدقاءَ من دائرةِ عملٍ واحدةٍ
أُحيلوا إلى التقاعدِ هذا اليومَ،هم: أبو عليٍّ، وأبو محمدٍ، وأبو حسنٍ، وسلطانُ
أبو غايبٍ، والأخيرُ هو من قالَ تلكَ الكلمات.
مرّتِ الأوقاتُ ولا زالوا
مُستمرينَ في احتفالِهم، وعندَ مُنتصفِ الليلِ، خرجَ الأصدقاءُ ونقلوا تلكَ
الضحكاتِ إلى الشارعِ، يمزحونَ وهم مُنتشينَ بفرحةِ التخلصِ من عبءِ الدوامِ
وسطوةِ المسؤولينَ، دوريةٌ بملابسَ وسيارةٍ مدنيةٍ في الشارعِ تتبعُهم ببطءٍ، على
بُعدِ خطواتٍ، انزلقَ حذاءُ أبي غايبٍ من رجلِهِ وأكملَ خطواتِهِ وهو لا يشعرُ
بها، حملَها أبو عليّ الذي كانَ يمشي خلفَهُ:
- سندريلا! لقد سقطَ حذاؤكَ الذهبيُّ ياعزيزتي.
- ههههه أيُّ أميرٍ أنتَ؟ لماذا لم تأخذهُ وتبحثْ عني في الصباحِ؟
قهقهَ الجميعُ حينَ أمسكَ
الحذاءَ وقالَ:
-سيطيرُ الزعيمُ في هذهِ الحذاءِ إلى ربِّ نعمتِهِ ويتركُنا نعيشُ
بسلامٍ. ولوح بها في الهواء وكأنها طائرة ركاب تجوب عباب الاجواء ، ثم أردفَ قائلاً:
-هذهِ الحذاءُ لها تاريخٌ حافلٌ، لو أخذتَها يا أميري العزيزِ
لدخلتَ التاريخَ، فلا حذاءُ الطمبوريِّ ولا حذاءُ سندريلا، عاشا مثلَ هذهِ
الحذاءِ، فعمرُها يناهزُ الخمسَ سنواتٍ، هل تعلمُ أنّها دخلتْ إلى الإسكافيِّ
أكثرَ من عشرينَ مرّةً؟ هل تعلمُ أنَّ هذهِ التي سقطتْ من رجلي أكبرُمن أختِها
برقمٍ واحدٍ؟ قياسُها 44 أحشوها بالورقِ كلَّ يومٍ، واليومَ سوفَ أُصدرُ ورقةَ
تقاعدِها وأُحرقُها في الموقدِ، وأعتذرُ لها عمّا سبّبتُهُ لها من ألمٍ."
تفرّقَ الأصدقاءُ، كلٌّ
ذهبَ إلى بيتِهِ، لكنَّ الدوريةَ ركزتْ على الأصلعِ صاحبِ القميصِ الأسودِ،
راقبوهُ من
بعيدٍ، ولجَ إلى بيتِهِ،
وجدَ زوجتَهُ نائمةً واضعةً يدَها على الأخرى، تمسكُ بباقةِ وردٍ حمراءَ ممدودةً
على صدرِها، أخذَ يضحكُ ويهزُّ بيدِهِ مُستهزئًا:
-تارةً أُوصفُ بساندرلا، والآنَ أجدُ الأميرةَ النائمةَ في بيتي!
تحتاجُ إلى قبلةٍ كي تصحو من سُباتِها
العميقِ، لا أدري لما
استحضرتْ أرواحُ الرسومِ المتحركةِ كلُّها اليومَ. قد يدخلُ علينا بعدَ قليلٍ
ساسوكي، أو يقتحمُ المكانَ سندبادُ وعلاءُ الدينِ.
ما إنْ أكملَ جملتَهُ، قفزَ
شخصانِ من السياجِ، مُدجّجانِ بالسلاحِ، فتحوا البابَ واقتحمَ المكانَ خلفَهم
خمسةُ أشخاصٍ، صاحتِ البطتانِ في الحديقةِ وتبَعثرتْ ورودُ زوجتِهِ لتُغطّي
الأرضيةَ ببتلاتِها، حدّثَ نفسَهُ قائلاً:
-يا إلهي! لقد توقعتُ سندبادَ ورفقاءَهُ يحضرونَ، لا أدري كيفَ حضرَ
كريندايزرُ ووحوشُ فيغا برُمّتِهم! ضحكَ معَ أنَّ الموقفَ مُخيفٌ ومفاصلُهُ
تُطقطقُ، وأسنانُهُ تصطكُّ، وأصبحَ لها صوتٌ مُزعجٌ.
دخلَ كبيرُهم،وأظنُّهُ
الضابطَ المسؤولَ، وقالَ:
- هل أنتَ أبو غايبٍ؟ حرّكَ رأسَهُ مُوافقًا.
اقتادوا أبا غايب نحو
السيارةِ، وفكرُهُ مشغولٌ يُقلّبُ جميعَ المواقفِ والأقوالِ والأفعالِ، فلم يجدْ بينَها
شيئًا
ليتذكرَهُ:
-_كلُّ شيءٍ قلتُهُ أمامَ أصدقائي، هل من المعقولِ؟ لا، غيرُ معقولٍ،
بمنْ أشكُّ وكلُّهم إخوتي؟
مرَّ يومانِ وهو كلَّ ليلةٍ
يسهرُ معَ شياطينَ سُكارى في حفلةِ تعذيبٍ مُؤلمةٍ، لكنَّ فكرَهُ وعقلَهُ، يأخذُهُ
إلى حساباتٍ أخرى، إلى شيءٍ أهمَّ وهي الصداقةُ، وتدورُ في بالِهِ مواقفُ
أصدقائِهِ، وكلَّ مرّةٍ تنتقلُ التهمةُ من شخصٍ إلى آخرَ ويلبسُهُ التهمةَ،
وبعدَها تتلاشى كلُّ تلكَ الأفكارِ حينَ تعودُ بهِ ذاكرةُ الودِّ إلى المواقفِ
الجميلةِ.
ذاتَ يومٍ في استراحةٍ من
التعذيبِ، سمعَ اعترافاتٍ في الغرفةِ المجاورةِ وصرخةَ مُتهمٍ تحومُ في فضاءِ
زنزانتِهِ:
- أنا واحدٌ منكم، لماذا تعذبوني؟ قبلَ يومينِ كتبتُ عن شخصٍ سبَّ
السيدَ الرئيسَ في مقهى حجي صاحب... أنا صديقٌ لكم، لا تضربوني أرجوكَم.
- لماذا بصقت بوجه السيدَ الرئيسَ حينَ كانَ يخطبُ في التلفازِ؟
- لم ابصق على الشاشة لقد بصقت على ولدي.
-ابنُكَ اعترفَ بأنّكَ بصقتَ على وجهِه السيدَ الرئيسَ، واردت ان
تضربه بالحذاءُ الذي كان بيدِكَ أيضًا.
ضحكَ أبو غايبٍ بصوتٍ عالٍ
وقال:
- ابنُ الواشي فتّانٌ!
وأحسَّ براحةٍ كبيرةٍ، حينَ
علمَ ببراءةِ أصدقائِهِ، وتمنّى الموتَ مرتاحَ البالِ، فألمُ الخيانةِ أكثرُ وجعًا
من ألمِ السياطِ.
أحب عطرك
امتثال محمد
سوريا
وقف فجأة ،
شعر أن الجلوس غير ممكناً ،
و الكلام غير مجديّاً ، و
كل النقاشات عبثية الآن .
بعد أن قرر آدم أن يسرق من
التقويم ، آخر يوم من كل عام ،
يضعه في إحدى جيوبه الفارغة
، يهرب به من أعباء تستنّفذ طاقاته ، (العمل ، الواجبات ، الواقع ، المجتمع و
تبعات الحرب) ،
و من أوجاع مزمنة تنهك روحه .
يوم خاص يسرفه كما يشاء ،
بعد أن يرمي وراءه أثقال
العالم
.
ازدياد الأعباء و الضغوطات
، دفعته للهروب من المواجهة ، بعد شعوره بالعجز عن التغيير .
و قبل أن يرتشف قهوته ، لبس
ثياب الخروج ، سألته زوجته عن سر أناقته ، و إلى أين ، إنها تكرر نفس النغمات و
تحمله مسؤولية الفقر و العوز .
أعطته ورقة مدون عليها
الحاجيات الضرورية ، لم يرد ، سألته ابنته عن مبالغ تفوق إمكانياته ، طلب ابنه
مصاريف الدروس الخصوصية ، طفلته الصغيرة تحتاج دواء و غذاء خاص ،
و القائمة تطول .
ينظر إلى المرآة بكامل
أناقته ، يرى وجها يشبه وجهه ، يرش عطره المفضل ، آخر لمسة سحرية توقظ في قلبه
نبضة خامدة ، تضيف شيئاً لايفسر ، تعيد زمناً ، وجوهاً بعيدة ، وتوقظ أصواتاً في
الذاكرة
.
صوت يرن في أذنه ( أحب عطرك
) هناك كلمات تربطنا بالحياة ، تجعلنا نحب أنفسنا ، تفجر فينا طاقات ،
نقيم منها مدناً ، بحاراً ،
شطآناً
و سماءً ،
تفتح شرايين ضاقت من تراكم
الأحزان
.
تمد جسوّراً بين الماضي و
الحاضر ،
و تعيد النسّغ للعروق .
كلمة ترممنا وتمنحنا القدرة
على الاستمرار .
لم تعد الحياة سهلة كما
كانت في ريعان الشباب...لم يعد لها ذاك البريق و الألّق ..
" نسينا أنفسنا و نسينا الفرح و الأعياد "
هكذا يكلم نفسه بصمت .
لم يبق غير القليل من
الأنفاس ،
القليل من العطر ،
وقبل أن تنفذ قارورة العمر
، يسرق يومه الخاص يبعثره كما يشتهي , يبدده ، يرميه في البحر !
كم هو بحاجة أن يمارس
إنسانيته بعيداً عن صخب العالم و فوضاه .
يرتشف قهوته بهدوء على
الشاطئ ،
يعيد حساباته ، يتأمل
أعماقه ،
يجمع و يطرح ، يضرب كفّاً
بكف مذهولاً ،
يتساءل كيف مضى العمر
سريعاً ، دون أن يجد السعادة و الطمأنينة ، دون أن يحقق أحلامه
و يمتلك بيتاً يحفظ فيه
أسراره ، ذكرياته ،
و أشيائّه الغالية على قلبه
، بيتاً و حديقة صغيرة تتسع لثلاثة عصافير
و شجرة ،
و بعض النباتات الجميلة ،
حديقة تتسع لفصول حياته ،
تحتوي أفكاره الصامتة و
هدوءه الصاخب ،
بيتاً يتحرر فيه من قيوده ،
و يختبئ فيه
من زوابع الزمن ، من قسوة
العالم و ظلم الأقدار .
يشعر بالاختناق ، يسير
باتجاه البحر ، تتبعه الأصوات ، تجري خلفه ، تطارده ، لا يلتفت ، يكاد رأسه ينفجر
، يحث الخطى ، يحاور نفسه ، يصارع الوقت ، يصل منهكا ، ينتبه إلى الموج كيف يعانق
الصخور ،و تارة يراه يتكسر ويذوب ، مثله تماماً حين تسحقه الهموم و يقترب منه
الموت
.
يجري و يجري ، يرتمي بأحضان
البحر ،
يصرخ ليصدق نفسه : "
هذا اليوم لي" ، يرن الصوت في أذنه ( أحبُّ عِطّركَ ) تذكر وجهها ، الذي أحبه
بصدق و لكن كان للقدر كلمته و أصابعه الواضحة ، في كتابة تغريبة حياته و رسم دروبه
، وجهاً يصعب على الزمن أن يبهتّ ملامحه الخالدة مهما تعاقبت السنين .
يعوم عميقاً في الماء ،
ربما ينسى ، ربما يخفف من
إحساسه بالظلم و التعب ، و يغسل روحه لتبقى نقية طاهرة .
يغمرّه الأسى و هو يحاور
ذاته
:
" الفقر اللعين ، نال من قلبي و سرق نبضي و حلمي و ها هو يكاد يجهز
على ما تبقى مني ، لكن ما ذنب أسرتي
و هذا الحرمان الذي تتحمله
إلى جانبي"؟
أسئلة تؤلمه في الصميم ، من
يتحمل المسؤولية سواه ؟
الصوت يتردد في رأسه "
أحب عطرك
"
" كلمة تعيدنا من الموت ، تنقذ ماتبقى من أشلاء " ، يرتعش قلبه
، يذوب كالملح . يتذكر شريط حياته ، عطر حبيبته التي سرقتها الظروف ،
حنان أمه و سحر وجودها الذي
كان يملأ كيانه .
يبكي و ينتحّّب كالطفل ،
يفتش عن كتف والده الذي غاب باكراً ، لا يجد غير صخرة مال عليها ، فأوجعتّه
نتواءاتّها ، شعر بالفقدّان ، حاول مواساة روحه بإيمانه المطلق بالقضاء و القدر ،
و بكلمات مزخرفة تساعده على البقاء .
عند الغروب سمع صوتها تحثه
على الإستمرار ، على القوة و المحاولة
" أحب عطرك " ، يعانقّه طيفها ، يشد على يده يساعده في الخروج
من الماء حين أرخى الليل وشاحه على صدر الأفق ، ضاق الشاطئ بآهاته ، بعد أن شحن
طاقته بالحب ، بجرعة من الضوء ،
وجد نفسه عائداً إلى البيت
و هو يحمل زهرة جميلة قطفها لزوجته من حديقة عامة ،
الأسرة كانت تنتظره على
العشاء ،
نسي المعاناة التي تنخر
عظامه ، نسي قسوة الفقر و الغلاء ، و هو يحلم بمعجزة تمنحه يوماً آخر يرمم فيه
روحه ، وجدران قلبه ، كي يستطيع أن يستمر ،
أن يعطي بلا حساب ،
و يبقى عطره في ذاكرة
الزمان
....
دم الغزال
عبد الحميد بوشباط
قصتي هذه عشتها في زمن
اختلط فيه العلم بالدجل والغنى بالفقر والاصلاح بالفساد ، سأحدثكم عن ملكة القندول
هي من حكمت وتحكم القبيلة وهي فرع من مملكة بني حيون ، ذات مرة اشتد المرض بالملكة
، أخذوها الى المستشفى فاحاط بها كبار الأطباء والجراحين والمعالجين وقدموا لها
الاسعافات وكل ما يلزم من فحوص وتحاليل ، تفاقم وضعها بسبب ما تفقد من دم كل يوم ،
صارت لا تقوى على الوقوف ولا تستطيع تحريك أطرافها ، المشكة أن فصيلة دمها مختلفة
عن جميع فصيلات الدماء ، بحثوا في كل الارجاء وحللوا دماء كل سكان القبيلة واحدا
واحدا فلم يعثروا على ما يناسبها ، قصدوا أحياء الفقراء والمعدمين لكن دون جدوى
ماعدا دمي أنا ، أنا صاحب الحظ التعيس ،
أخذوني بالقوة الى المستشفى
، الى جناح الملكة كأنه جزء من قصرها يحرسه رجال أشداء ، ويخدمه عمال ونساء أطهار
ومطيعون ، وأطباء مهرة وذوو خبرات ، وضعوني الى جانب الملكة وهي ممدة على سرير في
غاية الأناقة ، تحفه باقات من الأزهار تنبعث منها عطور الياسمين والنرجس ، نظرت في
وجهي الأغبر محدقة بعيونها المستجدية ثم قالت : ما اسمك والى اي قبيلة تنتمي؟ قلت
: أعرف اسمي واسماء أهلي وجيراني ، أما الباقي فلكم أن تضعوني في الخانة المناسبة
حسب الحاجة مثلما فعلتم في تصنيف دمي .. ألا يكفي دمي لتعرفوا كل شيء ؟ جيلي لا
ينام على الحرير ولا يأكل على الموائد الفاخرة ولا يعالج في أرقى المصحات ولا يسرق
دماء الأبرياء ، تقدم كبير الأطباء نحوي متوددا ثم قال : سنخصص لك مكانا هنا قريبا
من الملكة وسنوفر لك كل وسائل الراحة والرفاهية من مأكل ومشرب وملبس وغير ذلك
مقابل قنينة صغيرة من دمك يوميا الملكة من غير دمك ستموت ، صرخت في وجهه : هذا
مستحيل أريد أن أعود الى بيتي ، لكن في النهاية استسلمت فقد كانت يدهم هي العليا ،
صرت مثل البقرة التي يعطوها الحشيش لتعطيهم الحليب ، بعد أيام قررت الملكة ان
تستقر في قصرها بعد أن تعافت بفضل دمي ، أخذتني معها وخصصت لي جناحا ملكيا أقيم
فيه ، ووضعت تحت تصرفي خدما وعمالا وحرسا ، صرت ملكا لا يرد لي طلبا أأمر وأنهي ،
أصول وأجول وكأنني ورثت عن أبي وجدي ، حتى الملكة استأنست بي ، صارت تحدثني في
أمور حياتي وأمور جيراني وعشيرتي ، حتى انها وصفتني مرة بولي العهد لأني الوحيد
الذي يشاركها فصيلة دم ، واقترحت علي الزواج من ابنتها الوحيدة ، في هذه النقطة
بالذات انتفضت غاضبا : أنا أحب ابنت خالي وقد تواعدنا بالزواج منذ الصغر ، لم
تكترث لهذا الموضوع كثيرا لأن أمري بيدها ولا سلطان لي على حياتي ، مرت شهور على
هذا الحال ، ألفت حياة القصر بما فيها من بدخ ورفاهية وفخامة وإجلال ، حتى اعتقدت
انني ملك حقيقي ، عندما حددت الملكة موعدا لزواجي أصبت بصدمة عاطفية ، صرت لا أقوى
على الأكل والشرب وخارت قوايا ، احتار الأطباء في أمري ليس خوفا على صحتي وإنما
على دمي الذي يروي عروق الملكة ، حين اشتد بي الداء ، قاموا بتحليل دمي فوجدوه
مختلفا عما كان عليه ، تدهورت حالة الملكة أيضا ، اجتمع ديوان القصر والفريق الطبي
لدراسة حالتي الصحية ، فقد صرت مربط الفرس ، قال خبيرهم الأكبر : وجدت الحل ، يجب
عودته الى بيئته التى تربى فيها وأن يمارس تفاصيل حياته مثلما كان مع أهله وعشيرته
وأن يتزوج ابنت خاله ليسترد صفاء ونقاء دمه .
خذلان
جنان الهلالي
العراق
لم يرقَ لي اسمي قط..
أُطلِقَ عليَّ بعد أن ألقَوْا بي قسرًا في تلك الحقيبة وردية اللون، وكأنها قفصٌ
مُزَرْكَش. "يوري"... لم يسأل مالكي الجديد عن جنسي: ذكرٌ أم أنثى؟
مسد شعري، قال:
-هل هو مسالم؟
- نعم، إنه لطيف جدًا، وعمره خمسة أشهر فقط. ابتعد عن هواء المكيف
والدهنيات.
توجستُ خيفةً من نظراته؛
صاحب المتجر كان رحيماً، وإن كان يبغي من اعتنائه بي جني بعض المال، فذلك ديدن
عمله. حيرةٌ وقلقٌ وترقُّبٌ... مشاعر فوضويَّة بدت في عيون رفاقي في بقية الأقفاص
الحديدية. أمي لاهثةٌ تموء بحزن، تأخذ القفص ذهابًا وإيابًا، تتوسلهم ألا يحرموها
من صغيرها. أظنهم لا يفهمون لغتها. هي تحزن وتمرض مثل البشر، ولكن مبلغ مائة دولار
عرضٌ مغرٍ لبيع قط شيرازي بعينين عسليتين وشعر أبيض كثيف.مسافة طويلة سرناها معًا،
وأنا أتقلَّب داخل الحقيبة الموصولة بحزام في كتف الرجل طويل القامة كثيف اللحية،
تنبعث منه رائحة الأرجيلة.. أسمعه يتمتم بأغنية "افرح يا قلبي" لمحمد
عبد الوهاب. وأختصر لكم ما أشعر به نحو هذا الضخم: لم أحبَّه قط وصلنا الدار. إنه
بيت كبير لقط صغير مثلي. ما إن دخلنا حتى تملكني الخوف من أن يكون هناك أطفال صغار
مشاكسون يركضون خلفي ويتعمدون إيذائي، وقد يقدمون لي التونة أو عظام السمك النيء،
ولا يعلمون أني لم أبلغ الخمسة أشهر بعد، وتلك الأطعمة قد تُنهي حياتي.
أغلق الرجل الباب بقوة،
نادى بصوت مرتفع:
- آزر.. لارا. تعالا.. مفاجأة.
أقبل علينا طفلان:
- بابا، بابا!
تذكرتُ لهفة أمي عندما
تموء... أجري لاهثًا وألتهم ثديها بنهم. نظرا إلى الحقيبة مبهورين فرحين، قالا
بصوت واحد:
أخيرًا أحضرت لنا قطة!ا
اقتربا يلقيان النظر
إليّ... تراجعت إلى نهاية الحقيبة المغلفة بمشبك أبيض شفاف، خبَّأت ذيلي الصغير
خلف ظهري وانزويت خائفًا مما حذرتني منه أمي من شقاوة الأولاد وكراهية الأمهات
للحيوانات في المنزل. ركض الصغير مسرعًا، فأحضر إناءً للماء ودعاني للشرب. الطفلة
الكبيرة مسحت شعري، وأفرغت بعضًا من كيس الطعام الذي أحضره أبيها من المتجر في صحن
خاص ودعتني لتناوله. تشاجرا مع بعضهما على حملي. الأم غائبة، تعمل ممرضة، والأب
حاول تعويضهما عن غيابها بشرائي.قاربت الساعة العاشرة مساءً. تعب الأولاد، وأنا
أيضًا، من لعبة الكر والفر. اختبأت خلف الكنبة بعد أن أفزعتني رنة جهاز موبايل
الأب. كانت الأم تُلقي توصياتها على الأبناء. صرخ الأب ناهياً الأولاد وهو ما زال
يمسك بجهازه الخلوي:اذهبوا للنوم.. لقد تأخرتم.. بسرعة.
حملت البنت الكبرى صينية
أقداح الحليب الفارغة وأدخلتها المطبخ. الفتى الصغير طلب من والده أن أنام في
سريره، رفض الأب كل توسلاته. بعد أن دخل الأولاد غرفتهم وعمَّ الهدوء، اتخذت من
الكنبة التي تتوسط صالة الدار سريرًا دافئًا لي...
لم أزل أستمع له وهو يُكمل
حديثه مع زوجته بكلام معسول وناعم، وما إن أغلق الموبايل حتى أخذ يدندن ويتمايل
بحركات صبيانية غريبة.
حرّكت أذنيَّ الصغيرتين،
وذهلت من تبدل ألوان وجه الرجل. تذكرت أن أمي أخبرتني عن زبونة كانت تعاملها بلطف
وود، وأحيانًا تضربها بشدة.
توجه صوب باب غرفة الأولاد
مزمجرًا:
سأقفل الباب عليكما؛ لديَّ
عمل غدًا باكرًا.. لا أريد أن أسمع نفسًا.كان يبدو عليه التوتر والترقب. لم يمضِ
وقت طويل حتى بدأ نقر خفيف على باب الدار الخارجي. بعد أن فتح الباب، سحبها من
يدها وأدخلها غرفته. تذكرت حديث أمي عن أبي، الهرّ الأعظم، وعن نزواته المتعددة.
كانت مغلوبة على أمرها، ولو كانت أمي تستطيع أن تمنعهم من بيعي لهذا الرجل
لفعلت.حاولت أن أحشر رأسي تحت الباب، ولكن لم أرَ سوى عتمة. عدت إلى المطبخ أبحث عن
قليل من الحليب المتبقي في أقداح الأولاد، فأنا الآن السيد في هذا البيت بعد أن
خفتت الأصوات وعمّ الهدوء أرجاء الدار. قفزت على الموقد الغازي، كانت النار لا
تزال مشتعلة، لسعت قدميَّ الصغيرتين. قطعة قماش قريبة من عين الموقد الغازي كانت
تشتعل... الدخان بدأ يغزو فضاء المطبخ. نار صغيرة بدأت تزحف نحو قنينة الغاز.
أرعبني منظر النار، ولَّيت هاربًا، حاولت أن أفتعل بعض الحركات والضوضاء حتى ينتبه
أهل الدار... تمنيت أن يكون لي لسان أصرخ أو أطلب النجدة، فمن المؤكد أن الأب تعبث
بأنفه رائحة الأرجيلة وطغت على أنفاسه، فلم يعد يفرق بين رائحة الحريق وبين
أرجيلته!غرق الأولاد في نوم عميق... محاولاتي باءت بالفشل خرجت من فتحة صغيرة في
نافذة غرفة الضيوف المطلة على حديقة الدار، اختبأت خلف جذع شجرة كبيرة وأنا أشاهد
بحزن... لهيب ألسنة النيران، وتوافد أبناء الجيران لإخماد الحريق وإنقاذ من في
الدار.
السلطة... علي وعلى
أعدائي
عبدالإله ماهل
المغرب
كان لقرار نقله وقعا
كالصاعقة، نزل عليه دونما سابق إنذار، ومن دون أن يدان ولو بشبهة، او تسجل عليه
أدنى ملاحظة تذكر.
أتخذ في حقه لا لشيء، إلا
درءا للرماد في العيون عله، يحد من كثرة القيل والقال، الذي أضحى لسان حال الشارع.
لم يستسغ هذا القرار، وكاد أن يتبرأ منه لولا، تدخل جهات نافذة في
موقع القرار على ضرورة الامتثال. موازاة مع ما تمليه الظرفية من اكراهات، مما اضطر
معه الى تجرعه وعلى مضض.
خرج من مكتبه وعلامات الخيبة
بادية على محياه، امتطى سيارته المشؤومة عفوا الموشومة.
ساعتها وصل الى مسامعه أذان
الظهر، أصيب بالحرج. تلكأ بادئ الأمر، إلا أن الشر غلب عليه، هز كتفه، وضغط على
دواس السيارة بكل ما اوتي من قوه، فتناثرت الأدخنة من وراءه كعاصفة سوداء. اكتوى
بنارها الحجر والبشر، لينطلق كالسهم غير آبه، بأيتها علامة تشوير إلى أن أتى على
حانة.
ترجل من سيارته، وخطا
بداخلها، فاحتسى ما احتسى حتى لعب الخمر بعقله.
لم يقوى على السياقة، فنودي
له على تاكسي صغير، نقله مباشرة الى منزله، وتوا الى غرفة نومه.
اغلق عليه الباب، وتمدد على
فراشه وأطلق العنان لمخيلته.
لم تتجرأ الزوجة أن تفسد
عليه خلوته، مخافة ردة فعله التي ألفتها منه مرار وتكرار.
وقعت في حيرة من أمرها بين
إقدام وإحجام، إلا أنها وبعد أن أعياها التردد، استجمعت قواها وطرقت الباب، فلا من
مجيب. عاودت الكرة فلم تحصد الا الصمت المريب.
جالت الوساوس في رأسها،
وبدا لها أن مكروها ما قد حل به. فلم تدري إلا وهي تقتحم خلوته، فكانت النتيجة أن
ردت خائبة على عاقبيها، وبعنف دفعت خارج الغرفة، واوصد عليه الباب بالمفتاح، ليعود
الى خلوته.
حز في نفسه ما آل اليه حاله
الى نكرة، لا حول ولا قوة له، خارج اللعبة، وكأن أريد به أن يتوارى عن الأنظار،
وراء الكواليس المكتبية، ليموت ببطء، بعد أن كان رجل ميدان، سلطة وتسلط، صمم قلبا
وقالبا، كأداة يعول عليها، وصمام أمان، لمواجهة الحدث عندما تضرب الازمة، وكذا
تدبر العاصفة، وعلى كيفه ومقاسه عندما يعم ذلك السكون المريب.
اشتد به الغيض، ولم يرتضي
لنفسه ان يقدم هو بالذات، كبش فداء.
...وما هي إلا كلمة منه، تلقاها تابعوه، حتى سمع دوي انفجار مهول،
أضاء سماء المدينة، أتى على المكان وأهل المكان، دمار في دمار، وأشلاء جثت تناثرت
هنا وهناك.
فتح تحقيق في الموضوع، فلم
يسفر على شيء، إلا أنه وتهدئة للراي العام، وكالعادة، وجهت أصابع الاتهام إلى
عناصر إرهابية خارجة عن القانون، تعمل في جنح الظلام، كالخفافيش على زعزعة
الاستقرار والأمن في المنطقة.
تبسم ضاحكا لهذا المصاب
الجلل، وفي قرارة نفسه ان استراحة المحارب، قد قربت على نهايتها، وأن المقام وراء
الكواليس سوف لن يطول، وأن العودة إلى الميدان أصبحت واقعا حتميا لا مفر منه، وما
هي إلا مسالة وقت ليس إلا.
هز كتفيه، تناول مفاتيح
السيارة... وما أن هم أن يخطو باب عتبة بيته، حتى رن جرس الهاتف الأحمر...
الوجه الخفي
عبدالامير
عبداللطيف خليل
العراق
تصورت أن تحولي من
الاعدادية إلى الجامعة سيغير من حالتي كثيرًا، يبدو اني كنت مخطئًا، فحالة التنمر
التي كنت أتعرض لها في المدرسة الابتدائية والثانوية ما زالت تلاحقني، وكأنها
مرسومةٌ في جبيني، بسبب التأتأة التي أعاني منها أثناء كلامي، جريمتي التي أحمل
لعنتها، حزنا، وقلقا، وأعيشها مرارا وتكرارًا، دون أي ذنبٍ ارتكبته، عظّم المشكلة
تعامل المعلمين كلما شكوت لهم معاناتي، على أننا متنمر وضحية، إضافة لذلك ملابسي
التي تنبيء عن حالتي المادية الفقيرة، وتزداد الحالة سوءً كلما حادثت معلمًا أو
شخصًا غريبًا، أو تعرضت للإحراج، بالرغم من اني كنت ألتهم كتب المكتبة المدرسية
والمكتبة العامة في مدينتنا كلما سنحت لي الفرصة، وعلى قدر من الثقافة تفوق
أقراني، لأني أشعر بالراحة وأنا اقضي وقتًا في عالمها الجميل، تم قبولي في
الجامعة، وعلى الرغم من كوني صاحب المعدل الأعلى في دفعتي هذه بسبب عدم تمكن والدي
من ارسالي إلى الكليات الأخرى لبعدها، إضافةً إلى مصاريف الدراسة التي تطلبها،
حضرت حفل التعارف الذي يقيمه الطلاب القدامى للطلبة الجدد في بداية كل عامٍ دراسي
جديد، كان من بيننا طالبة جميلة، بشعر أشقر وعينين زرقاويين، وقوام غزالٍ، تلك
التي تصفها القصص كاملة الأوصاف، ما أنكر أنها نالت إعجاب الجميع، لاحظت تبسم
البعض عند تأخري في نطق أسمي، لكني أدركت حجم تعاطفها معي، ولا أعرف سببًا لذلك،
ربما وأنا محرج أمامها، قررت أن تلك الفتاة وذلك اللقاء يجب أن يكون نقطة تحول في
حياتي، راجعت نفسي كثيرًا، المراحل السابقة علَّمتني أني كنت الجزء الأكبر من
المشكلة، واني من سمحت لهم بذلك، فقررت أن أواجه هذا المارد الذي في داخلي، أن
أواجه نفسي أولًا، قبل أن أدخل معركتي مع الآخرين، عليَّ أن أعترف بذلك، فانعزالي
عن الجميع في المراحل الدراسية السابقة، فاقم الحالة وأصبحت أتعرض للسخرية حتى من
أولئك الذين يتنمرون عليهم الآخرين، عن طريق تكرار العبارات التي يصفوهم بها،
عليّ، بيئتي الفقيرة، وملابسي القديمة، جعلتني غالبًا ما كنت ألتزم الصمت، خجِلًا،
كلما دارت الأحاديث عن السفر، وزيارة المدن، وشراء ألألبسه من المتاجر الفاخرة، وأحيانًا
عن الطعام الذي يتناولونه مع أسرهم، كنت أعيش مع أحزاني التي لاتفارقني حتى في
زحمة النهار، وكأن البحر يبتلع موجهَا المتلاطم، لكنها تعود ليلا كموجة كبيرة
تكتسحني لتحطم كل سعادة يمكن أن أحلم بها، وتجعلني أتعس مخلوقٍ على وجه
البسيطة.فتحت نافذتي التي طالما غاب عنها شروق الشمس صباحًا، ومزقت كل ستائر الحزن
التي تسدل عتمتها على المكان بِرُمَّته، وأعلنت بَدْء صباحٍ جديد، بدأت بمحادثة
نفسي أمام مرآة غرفتي الصغيرة بإصرار كبير على تجاوز هذه الحالة، أعيد الكلام
مرارًا وتكرارًا، ساعدني كثيرًا وجود هذه الفتاة بقربي، فقد كانت سندي الذي منه
تعلمت أن أربط حياتي بمن يمنحني الحب والاهتمام، وتعاستي كانت لأني كنت أُعير
أهميةً لمشاعر الآخرين الذين لم يهتموا يوماً بسعادتي، لم أكن متأخرًا حين أدركت
ان الندم على الماضي لن ينفع، وأن المستقبل أمامي يفتح ذراعيه بالنور، ما عليَّ إلا
أن ارمي شماعة الندم، وأعيش الحياة الجميلة التي وهبها الله لنا، ذلك شجعني كثيرًا
على الدراسة والتفوق، وكأني إنسان جديد، لقد أدركت أخيرًا، جمال الحياة وأنا
أعيشها باطمئنان وهناء، وأن نهاية كل مشكلة، هي بداية السعادة.
سباق
أحمد الواجد
سوريا
انصفقَ بابُ الحذرِ أمام
حصارِ الكلابِ المسعورةِ ، نقلتُ همّي لطورٕ آخر من الإحساسِ .. فالحياةُ والموتُ
سيّان عندي ، وكمن ُطعنَ في زُقاقٕ معتمٕ وضيّقٕ .. أطلقتُ لنوباتِ ألمي حرّيتها
وعمقها ، كلّما تدفّقتْ واحدة .. تهدّجَ نباحُهمْ المتغطرسُ ومدارهُ :
_ أحضروهُ حيّاً أو ميتاً ...
امتصَّت سحنات تلك الوجوهُ
دهاليزَ تاريخها المظلمِ ، أتى اليأسُ على أطرافِ عزيمتي ، نهشَ لُبابها أمامَ
سرمدية ذلك الجاثوم .. لولا أنْ تحرّرتْ إحدى يديّ من رحمهِ العقيمِ ، تهشُّ
بعصاها عيناً لهم ، تلاها لساني بعد أن كززتُ على أسناني غضباً .. متداركآ
سمّاعةَ الهاتفِ :
_ الأمانةَ الأمانةَ ...
قرصةٌ واحدهٌ بدّدتْ ذلك
الكابوسَ ، لأستيقظَ على عتبةِ دارٍ .. مستقبِلاً رفاقَ الدّربِ ، في دهشةٕ لمْ
تفارقني طيلةَ اللقاءِ ، لقد تبدّلتِ الوجوهُ ، بدأتِ الحياةُ تدبّ في أنحاءِ جسدي
المقرّحِ ، لاغربةَ في ذلك المكانِ الجديدِ ، تتضاعف قوتي شيئاً فشيئاً .. فأتذكرُ
حينها تلك الكلابَ المسعورةِ ، لَكَمْ وددتُ أن أعودَ لأقتلعَ جاثومَها ، وأيقظ
الناسَ من كفنِ صمتٕ رانَ على جثامين حرّيتهمْ ، وسَجّانٍ ينأى ويؤوبُ مرعوباً ..
بينما نحنُ فكِهونَ ..
دافعتُ شبحَ إغفاءةٕ وهميةٕ .. مطرقاً على أسماعِ رفاقي نبأَ تحرّفي للقتالِ :
_ داعبوني يا رفاقُ قبلَ أن أودعكمْ ونعيمكمْ هذا ، لأنقذَ بقيةَ
أهلي بعد أنِ استعدتُ عافيتي وزيادة !
تهلّلتْ وجوههم بابتسامةٕ
هضمتْ ذلكَ الموقف .. قبل أن ترببَ يدُ أحدهمْ على كتفي :
_ أنتَ شهيدٌ يا صديقي !
متسائلاً بين المفاجاةِ
والفرحةِ
:
_ لهذا أنا حيّ إذاً !
_ اطمئنَّ يا صديقي .. فصرختُك المفردةُ لم ترتطمْ بالصمتِ ..بلْ رجع
صداها أمةً واحدةً ، أتذكرُ القرصةَ بعدَ أن رميتَ مُسيّرةَِ العدوّ بالعصا ،
ومكالمتكَ الهاتفية :
_ نعم ..
قلتها بفضولٕ .. وهو يشيرُ
بيدهِ لشريطٕ يَمرّ أمامنا ، يرصدُ لحظةَ تناثرِ اشلائي بعد القصفِ ، وقد مرّ على
ذلك دهراً عظيماً ، تبعهُ تحرّرُ وطني بالكاملِ ..
كيف ذلك وللتوِّ غادرتُ
الأرضَ المحتلةَ _ محدثاً نفسي _ وقد فهموا عليَّ :
_ مفهومُ الزمانِ هنا مختلفٌ يا صديقي ..
أدركتُ الأمرَ ورحتُ أطرقُ
موضوعاً آخر ، مُتمعّناً في وجوهٕ نضرةٕ كالبدرٕ تتحلّقُ حولي ، كيف لا وهم رفاقُ
الدربِ .. حملوا أمانتي يوماً ما قبيل مقتلي ، نقلوها بإخلاصٕ للأجيالِ التي حررتِ
البلاد لاحقاً ..
تعمّقتُ فيها مرةً أخرى
متعجباً .. ومحلّقاً بالسّبابةِ عليهم جميعاً ، وكما جَزمتُ في سريرتي .. جاءني
الردُّ
:
_ سبقتُكمْ في الشهادةِ .. كيف سبقتموني إلى الجنةِ ؟! .
_ ونحن نحملُ الأمانةَ .. قُتِلنا ألفَ مرّةٕ ! .
سفير النوايا
الحسنة
محمد سلاك
لم يتوقع ردة الفعل تلك،
كان لكلماتها أثر الصاعقة في نفسية العم عثمان، تلقى الشتائم و اسمعته قريبته ما
لم يخطر بباله، أصيب بالدهشة و كاد يغمى عليه، ماذا فعل يا ترى ؟
ألم يكن مجرد وسيط؟
لم يفهم الأمر، فهو يناصرهم ،لم يتخل عنهم مرة، منذ وفاة أبيهم، يجمع
المحاصيل و يقلل الخسائر، ظنا منه أنه قريب. أوقف الهاتف و تراجع إلى الوراء.
مجرد فكرة بسيطة قد تجعلتها
تتراجع.
في عامها الأول انقطعت
الإمدادات، توقفت الحقول عن إنتاج القمح ، و تركت الأشجار المثمرة دون ري حتى كادت
تموت لولا لطف أهل القرية، الذين تكفلوا بريها ربما رغبة في جني الثمار. حتى أشجار
الزيتون
استغلت من الغرباء و تم
اقتطاف الحبات في واضح النهار دون رقيب و لا حسيب.
انذاك توقفت عن العبث و
ارغمت باقي اخوتها على حضور القسمة، قبل فوات الأوان.
رن الهاتف أخيرا ليرد العم
عثمان، من المتصل؟
اجابته بهدوء ابنة اخيك
زينب.
لم أعد عمك ابحثي عن شخص
آخر.
كلا يا عم عثمان، هذه هي
الفرصة الأخيرة و إلا فقدنا كل شيء . الأرض العقار و كل الميراث.
حسنا موعدنا الأسبوع
القادم. لننهي الحكاية.
رحلة
سمير عبد العزيز
مصر
وجد نفسه فى قارب يشق
المياه بسرعة كالبرق وسط ظلام دامس.. قطرات المياه المتناثرة ترتطم بوجهه وجسمه..
تملكه الخوف والرعب .. تساءل فى عقله : لماذا أنا هنا ؟ و الى أين يأخذنى هذا
القارب؟ علامات الاستفهام والحيرة تقضمه قضما.
توقف القارب بعد أن قطع
مسافة ليست بالقصيرة.. سمع صوت أقدام لجمع من الناس وهى تطأ القارب ثم مالبث أن
انطلق بأقصى سرعة .
تكرر توقفه مرات عديدة وفى
كل مرة يركب جمع من الناس رجال ونساء يتكلمون بصوت غير مفهوم ، أراد أن يتحدث معهم
فوجد أن صوته غير مسموع.. تعالت وتيرة الخوف بداخله وتمنى أن يكون ما يعيشه الآن
هو مجرد حلم أو كابوس .
بعد أن قطع القارب ما قطع
من رحلته اختفت الأصوات وعم السكون.. شعر بدوار واعياء شديد ، غلبه النوم فنام
نوما عميقا .
استيقظ على ضوء خافت ينسل
خلسة ليمحو الظلام الدامس رويد رويدا..عندما قضم الضوء الظلام وجد نفسه وحيدا على
القارب.
وشم
حسين بن قرين درمشاكي
ليبيا
في
قبرِه الحيِّ، حيثُ تجسدت وحدته القاتمة كثقلِ السنين، وتسللُت خيوطُ الفجرِ
المترددةِ عبرَ النافذةِ الضيقةِ كأنها نظراتُ عتابٍ لروحٍ تحتضر، ظلَّ أسيرًا
لأثرِ أفعالِ أمسِهِ التي نقشتْ روحهُ بالندمِ الأبديِّ، فعلةٍ ما زالت مقيمة
بجنباتِ ذاكرتهِ ككابوسٍ لا ينتهي. تأرجحَ قلبُهُ بينَ خوفٍ ورجاءٍ باهتٍ، بينما
خيّمَ سكونٌ غريبٌ ابتلعَ حتى صريرَ الأبوابِ المعتادِ، وكأنَّ العالمَ حبسَ
أنفاسَهُ انتظارًا لمصيرٍ مبهمٍ؛ أو عودةِ جلادٍ غائب. فجأةً، اخترقَ هذا الصمتَ
المطبقِ صوتٌ مكتومٌ منَ الجدارِ المقابلِ: نقرةٌ خافتةٌ تلتْها أخرى، بإيقاعٍ
بطيءٍ مُلحٍّ، زرعَ ارتيابًا ممزوجًا ببصيصِ أملٍ بعيدٍ، انتفضَ وعلَّقَ عينيهِ
على الحائطِ المتصدعِ، متسائلًا بذهولٍ: هلْ هي رسالةٌ مشفرة تحملُ مفتاحَ خلاصهِ؟
لكنَّ النقرَ تكررَ أكثرَ وضوحًا، ليضيءَ وهْمًا خادعًا في ظلمةِ قلبهِ، ثمَّ
غشيهِ هدوءٌ ابتلعهُ في مستقبلٍ مبهمِ القرارِ. لمْ يستيقظْ على زقزقةِ العصافيرِ؛
بلْ على يقينٍ قاسٍ: توبةٌ أشرقتْ شمسُها على سريرٍ باردٍ، وحكايةٌ مبتورةٌ.
الهوان
ميادة أبوزهرة
مصر - دمياط
"
لا تلقِ بي في الجحيم يا أبي !! "
كانت
كلماتها تدوي في غرفة البيت المتواضع
قالت
باكية " لا أريده .. يفوقني عمرًا سأذبل إلى جواره .. أتوسل لكِ يا أمي
فلتنقذيني وخزة قلبي لا تبشرني بالخير
أيا
أخي أنت صديقي وإلى عقلي أقرب ،، فلتخلصني من هذا الأسر "
لم
يرها أحد ! ولم يسمعها سوى باب الغرفة الخشبي الموصد المسال عليه دموعها !! والذي
لو كان إنسان لنطق بما سمع ورآي ! لم تستطع الهرب واستسلمت لقهرهم وتزوجت
صدق
حدسها وأصبحت خادمة لرجل بخيل دائم الشك يثيره الهواء الذي تتنفسه .. حاولت لتنجو
،، لكنها كُبلت بثلاث أطفال لاذنب لهم
مات
أبوها ،، سافر أخوها و مرضت أمها ولم تبالي !!
لعنتهم
جميعًا ومازالت وحدها في الجحيم ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق