الجمعة، 9 مايو 2025

شعرية الوصف في القصة القصيرة (أرواح عنيدة ) لهيثم العوادي أ.د. مصطفى لطيف عارف ناقد وقاص عراقي

 

 

شعرية الوصف  في القصة القصيرة  (أرواح عنيدة ) لهيثم العوادي

        أ.د. مصطفى لطيف عارف

         ناقد وقاص عراقي

ولعل عنوان القصة القصيرة  ( أرواح عنيدة  ) يعد من أهم مفاتيح الدخول إلى عالمها الفني , واستكشاف مكامنها , وسبر أغوارها , وإنارة الأماكن المظلمة فيها , بل حتى الغموض المهيمن عليها , أو على بعض أجزائها ينجلي حينما نلجأ إلى العنوان وندرس بنيته , فيصبح عونا على فهم التركيب الأكثر غموضا وإيهاما من اجل الوصول إلى الدلالة الاشمل في النص القصصي  , واستيعابه ,ولم يخطئ محمود عبد الوهاب حينما سمى العنوان ثريا النص لتألقه , وتشظيه وإنارته للنص , ويعد العنوان منبها أسلوبيا لا يستهان به في النص لما يحمل من بنية دلالية , والنص له دلالته ولغته الخاصة ذات الإبعاد المتعددة, التي يوضحها المبدع,(هيثم العوادي ) بقوله:-  جميلة هذه النافذة دائما ما كانت تُدخل البهجة على غرفتي الكئيبة، الضوء المتسلل منها ينبض بالحياة، تشعر به يحطم الزجاج، كأمواج تزيح الهموم التي تراكمت على قلبي العليل، ينقلب كيان الغرفة إلى كائن حي، تهزه الموسيقى المنبعثة في خيالي؛ فيطرب لها ويتمايل يمينا ويسارا، الموسيقى الحالمة كأنها واقعية، تتراقص معها أغصان شجرة التفاح القريبة من النافذة، فيما تشابكت أغصانها المشرعة بوجه الرياح، تلك الحركة ودفق النشاط الذي ينمو، جعلني أمسك بها ولن أتركها مهما حاولت الإفلات من ثغري ابتسامتي الغائبة منذ شهرين تعود إلى محياي.

وهنا  الذي يشرف النص لا ليضيء ما يعتم منه فحسب ,بل ليوجه القراءة كلها , وهذا ما يفهمه كتاب الحداثة من فلسفة العنونة , وعد العنوان في الدراسات النقدية الحداثوية  بنية نصية وليس لافتة مجردة من الدلالة فهو قراءة نصية تستوقف وتوجه بقدر محمولها ذاته , وما تتشكل منه في عملية الكتابة أولا,ومن ثم فهو  في أضاءته السبيل التي تتناغم مع القراءة, واعتلائه صهوة النص يسمح بنشر النور اللازم لتتبع الدلالات الحافة للنص ثانيا ,وإذا ما تطرقنا إلى  الزمن في القصة القصيرة (أرواح عنيدة) نجدها  محور العملية الجدلية التي تقوم بتوظيف الأفكار والرؤيات , والتصورات المندرجة ضمن خصائص كل عصر لتميزه عن غيره من العصور ,إذ به يكشف عن آفاق التجارب الإنسانية التي يمكن أن تقف معطياتها عند حد معين , إنما تسعى للبقاء في استمرارية تنأى بها عن الوقوع في ثبات دائم , وذلك عبر إدراكها ضمن بنيات التحول المحتضنة لها , والمتجسدة في مركبه المتناوب الأبعاد , إذ ما من شيء إلا ناله الزمن بجانب من التغير والتبدل , بل إن الزمن هو التغير عينه , وبدونه تبور الحركة وتنعدم الحياة , فنراه يقول :- تركت جسدي المسجى قليلا واعطيت مساحة لعقلي ومخيلتي لتنساب مع هذا الجمال، شدني في هذه اللحظة شجرة التفاح التي تورق من جديد، ولفت انتباهي ورقة يابسة متعلقة بطرف الغصن، كأنها قطعة صفيح معلقة بسلسلة ذهبية على جيد فتاة شديدة البياض، ورقة قديمة وصلت إلى نهاية محطاتها ،أنهكها هذا العمر القصير، موسم واحد عمر قصير لا يلبي الطموحات.

 تشبثها بمشيمة النجاة من أجل البقاء، تدل على عزيمتها القوية، وشجاعتها بتحدي الأزمات، تعانق غصنها الحبيب، الذي بدأ ينبذها، لم يكن الغصن وحده بل كل شيء يسير بما لا تشتهي سفنها، فقدت أغلى احبابها، شاهَدَتهم يتساقطون واحدا تلو الآخر، وكأنها مرآة حالي ، وقدري التعيس، الغصن ينفثها بقوة؛ ربما مل من هذا العناق!، او ربما أغرته وريقات خضراء يانعة تنبت على طوله الفارع!، فيزدان جمالا وبهاء، وكأن الحياة تتجدد لديه، اما تلك الورقة المسكينة، تحاول صناعة أمل جديد دون جدوى .

أراقبها واستشعر معها اليأس وقرب الرحيل، تقاسمني هذا الشعور، لكني كلما رأيتها تقاوم السقوط وتتشبث بقوة في برعمها رغم كل الظروف المحيطة: الغصن والرياح والزمن والموسيقى؛ كلما زادت عزيمتي وإصراري وتشبثي بالبقاء.

برز هيثم العوادي  وهو يسرد لنا سلسلة الأحداث  التي عاشها  القاص في المكان الأليف ( الغرفة )  و لشد ما يؤلمه  وصف الأحداث التفصيلة بصورة جمالية تجعل المتلقي يعيش معه كل الأحداث والظروف التي مرت به , وعلى الرغم من الرمزية في أحايين كثيرة لكنه\أجاد في  الوصف السردي وبدقة متناهية , فنراه يقول :-  وصَلتْ إلى نهاية الطريق، مسلوبة الإرادة  فالكل تخلى عنها، أصدقائها إخوتها أخواتها، الأوراق التي بجانبها سقطت، وظلت وحيدة مع هذا البرعم الذي يحملها، لا أدري ربما تشعر بالألم كما اشعر به انا !، ليس ألم الجسد من يضج مضجعنا، انه ألم الروح أكثر وجعا ولوعة، يتركك أصدقائك، أخوتك، وحتى الأبناء، وحيدا تأكلك الثواني وتترقب آخر اللحظات.

راقبتها لعدة أيام على هذه الحالة لم تكن تهدأ، كانت ترقص وتتمتع في آخر اللحظات من حياتها أو ربما ترقص رقصة الطير الأخيرة، شغلتني هذه الورقة عن حالتي، ورحت أواسيها في هذه اللحظات الصعبة، كانت تأتي الممرضة تهتم بي وترعاني، لكني لم أرَ أحدا يرعاها لا أدري ما شعورها ورأيها؟ هل تتعاطف معي؟ هل تتحدث عن البائس الذي يرقد بسريره الأصم؟، لماذا لا يخرج إلى هذه الطبيعة؟ لماذا لا يرقص على الأقل كما أرقص مع هذه الحياة الكئيبة؟.

  تميز أسلوب القاص (هيثم العوادي)   بأسلوب يحيل الكتابة  إلى فن  الوصف بكل تفاصيله, أراد  لقصته ( أرواح عنيدة  )  المغايرة في الكتابة  الشعرية,إذ اللغة هنا بأبسط أشكالها , فنراه يقول :-  مشؤما ذلك الصباح، داهمتها الريح، كأني اسمع حشرجة استغاثتها، خيط رفيع يفصلها عن النهاية، ضَعفتْ مقاومتها، طَارتْ تتهادى عاليا.. شَعرتُ بدوار وأنفاسي تضطرب..رفعتُ رأسي أراقبها، رأيتها تترنح، كانت تهبط رويدا رويدا.. دقات قلبي تتسارع تريد أن تحطم صدري.. بفعل الرياح الشديدة صَعدتْ إلى أعلى نقطة تصلها.. رشح جبيني، أحسستُ بدوار شل حركتي، زاد اضطرابي.. نَزلتْ إلى الأسفل التصقتْ في لحاء شجرتها الأم.. تيبست أطرافي ولم أعد أشعر بها.. انزلقت من مكانها، عادت تتمايل من جديد.. تتقطع أنفاسي، ويصعب علي التقاط الهواء..آخر نظرتي لها كانت تتوسد العشب.. سَقط رأسي عن الوسادة وأغمضت عيني، بعد أن توقف جهاز دقات القلب برنة واحدة طويلة، عم بعدها الهدوء داخل الغرفة  .

إن ما كتبه (هيثم العوادي )   هو تسجيل بأقل ما يمكن من الصفة الأدبية واقل منها الشعرية لكي تقترب أكثر من هذا الواقع الذي اعتقد انه بمجرد تصويره يحتوي على أبعاد شعرية إنسانية على مستوى كبير من الأهمية 0

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...