الجمعة، 9 مايو 2025

همسة على بوابة القصر قصة قصيرة بقلم : عبدالزهرة عمارة - العراق



همسة على بوابة القصر

بقلم

عبدالزهرة عمارة

العراق


جلس حسن في بهو قصره الفسيح، تحيط به جدران الصمت، ويعانق بصره فسيفساء الذكريات. كان المساء ينثر أجنحته البنفسجية على الأفق حين رن جرس الباب الخارجي ، كأنه دقّة قدر غير منتظر.

نهض حسن من مقعده الوثير، تتعثر خطاه بين الفضول والتوجّس، وفتح البوابة الثقيلة، فانفرجت أمامه لوحة من الجمال الطبيعي، كأنها زهرة نَدِيَة خرجت من رحم العاصفة. فتاة في مقتبل العمر، نقية القسمات، بعينين يشعّ منهما بريق الأمل المغلف بالحزن.

قالت بصوت خجول، كهمسة عصفور جائع:

-على باب الله... مساعدة.

تأمل حسن ملامحها، فتاهت نظراته في بحر عينيها، وقال كمن يتحدث مع القدر نفسه:

-أأنت متزوجة؟

تنهدت الفتاة، وانحنى بريق عينيها، كأنها تحمل على كتفيها جبالًا من الهموم، ثم أجابت:

لا، لم يشأ النصيب بعد. أبي مريض، وأمي أرهقها الدهر، فصرت أطرق الأبواب بحثًا عن لقمة العيش، وكما تراني...

ساد الصمت، كأنه قصيدة بلا كلمات، ثم قال حسن، وقد خفقت في صدره مشاعر مبهمة:

-ولماذا لم تتزوجي؟

أطرقت برأسها، كزهرة أذلّها الجفاف، ثم همست:

-نصيبي لم يأتِ بعد.

ابتسم حسن، وقد لمح في كلامها بابًا فتحه القدر أمامه، فقال بنبرة لم تخفَ عليها جديّتها:

-وإذا كان النصيب واقفًا أمامك الآن؟ شخصٌ مقتدر، بإمكانه أن يجعلك ملكة في قصره، يضع الدنيا بين يديك، ويمسح عن جبينك غبار التعب؟

رفعت عينيها نحوه، فإذا بوميض الفجر يطلّ من خلف غيوم الحزن، وخفق قلبها كطائرٍ يستيقظ على حلم لم يكن يجرؤ على تخيله. لم تتكلم، لكن شفتيها ارتجفتا ببسمة خجلى، كأنها تعانق الأمل لأول مرة.

 

نظرت إليه بعينين متردّدتين، تتقاطع في أعماقهما خيوط الدهشة والحياء، ثم قالت بصوت كعصفورٍ يتردّد في الطيران:

-سأستشير أبي وأمي... لكن كيف لي أن أعرف أنك صادق؟

ابتسم حسن، كأن شفتيه تهمسان بمواثيق لا تُكتب، ثم قال بنبرة هادئة تنساب كجدول رقراق:

-عودي غدًا في مثل هذا الوقت، وسأنتظر منك القبول أو الرفض.

أومأت برأسها، وانسحبت كنسمةٍ خجولة تودع شرفة المساء، لكنها لم تكمل خطواتها حتى استوقفها صوته العميق:

-انتظري لحظة!

تجمّدت في مكانها، كمن استيقظ على رجع صدى أمنيةٍ لم تكتمل، ثم التفتت إليه وعيناها تلمعان بتساؤلٍ خفي.

غاب عنها حسن لدقائق، بدا فيها القصر ساكنًا كحكاية تنتظر نهايتها، ثم عاد، وعيناه تحملان سرًّا لم تفك شيفرته بعد. مدّ يده نحوها، وفي كفّه امتدّت ورقاتٌ نقدية، كأنها أغصانٌ خضراء تنبت في صحراء العمر.

لم تصدّق عيناها! رمشت مرّات كأنها تخشى أن يكون هذا سرابًا، ثم امتدت يدها المرتعشة والتقطت المبلغ الكبير، كمن يُمسك لأول مرة بحلمٍ يتجسّد بين أصابعه.

همست، وصوتها يختلط بأنفاس الشكر والامتنان:

-بارك الله فيك... لا أعرف كيف أعبر عن شكري...

ثم، بدافعٍ من فطرةٍ نقية، انحنت لتقبّل يده، كمن يقبّل يد الحياة نفسها، لكنّه سحب يده سريعًا، كمن يرفض أن يكون سيدًا حينما يمنح، ويأبى أن يترك للجميل دَينًا.

ارتبكت، واحمرّت وجنتاها كزهرتيْن أفاقتا من خجل الفجر، ثم التفتت وانصرفت بخطواتٍ خفيفة، كأنها تخشى أن تستيقظ من حلمٍ جميل قبل أن يكتمل.

 

استيقظ الصباح على أنغام الطيور وهي تغرّد بين أغصان الأمل، وكأنها تبشّر بيومٍ يحمل في طيّاته سرّ القدر. في الساعة التاسعة تمامًا، كانت الفتاة تقف على عتبة القصر، يلفّها نسيم الصباح الهامس، وعيناها تتعلقان ببوابةٍ بدت كأنها تفصل بين عالمين.

مدّت يدها برفق، وقرع الجرس بصوتٍ خفيف، لكنه كان كوقع خطوات الأقدار وهي تتقدم دون تراجع. لم تمضِ لحظات حتى انفرج الباب، وظهر حسن، عيناه مثقلتان بالفضول، ونبضه يسابق اللحظة.

لكن الفتاة لم تمنحه فرصة السؤال، إذ قالت باندفاع نديّ كقطرة مطر تعانق الأرض:

-تمّت الموافقة... لكن بشرط.

تراجع حسن قليلاً، كمن يتأمل سطراً غير متوقّع في رواية حياته، ثم ابتسم قائلاً:

-وما هو الشرط؟

نظرت إليه بثباتٍ يشوبه الحياء، ثم قالت بصوتٍ يحمل صدق البسطاء وصفاء القلوب:

-قبل أي شيء، عليك أن تأتي معي، ترى حالنا، كيف نعيش، من نكون... قد لا نُعجبك، وقد ترى أن حياتنا لا تناسبك. اسأل عنا، ثم بعد ذلك، إن كنت مقتنعًا، يتم العرس.

ساد الصمت للحظة، كأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه منتظرًا ردّه. لكن حسن لم يتردد، بل أشرق وجهه بابتسامةٍ بدت كأنها شروق جديد، وقال بنبرةٍ واثقة:

-اتفقنا. انتظريني، سأرتدي ثيابي ونذهب معًا لألتقي بأهلك وأتعرّف عليهم.

انسحبت الفتاة خطوة للخلف، وكأنها تمنح القدر مساحةً ليرتّب فصوله القادمة، بينما دخل حسن القصر ليستعد.

لم تمضِ سوى عشر دقائق حتى كانت الفتاة تجلس في المقعد الأمامي للسيارة، بينما تولّى حسن القيادة، متجهين نحو منزلها.

كانت السيارة تشق الطريق، وكأنها تعبر بين فصلين من الحكاية، الريح تداعب خصلات شعرها المتحررة من حجابها اللحظي، وعيناها ترقبان الطريق بملامح تترجح بين القلق والتفاؤل. أما حسن، فقد كان يقود بصمت، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا؛ كان تفكيرًا عميقًا، كأن عقله يسابق الزمن، يحاول رسم صورة واضحة لما ينتظره هناك.

كانت السيارة تتهادى بين الطرقات، تتسلل الشمس من نوافذها كأنها ترسم خيوط القدر، وحين انعطفت نحو حيّ بسيط، بدت البيوت كأنها تروي قصصًا من الكفاح والصبر. أوقف حسن السيارة أمام باب منزل الفتاة، وتأمل المكان بنظرة فاحصة، لم يكن قصراً كقصره، لكنه كان يحمل في جدرانه الدافئة أنفاس الحب وعبق الحياة الحقيقية.

فتحت الفتاة الباب بخطواتٍ واثقة، ودعته للدخول، فتبِعها بخطى هادئة، كمن يعبر إلى فصل جديد من حكايته. استقبلته العائلة بحفاوة خجولة، وقف الأب، رجل ستينيّ أنهكه المرض لكنه ظلّ شامخاً، والأم، امرأة تشعّ الحنان من عينيها، بينما تململت بعض الأخوات في الزاوية، تتراقص في أعينهن نظرات الفضول والخجل.

بادر حسن بالسلام، فردّ الأب بصوتٍ خافت، لكنه حمل في طيّاته وقار السنين:

-أهلاً بك يا بني، ابنتي أخبرتني بكل شيء... فما رأيك بعد أن رأيت بعينيك؟

نظر حسن إلى العائلة، ثم إلى الفتاة التي وقفت بجوار والدتها، كغصن نديّ يتكئ على جذوره، ثم قال بثقةٍ لم تخفَ على أحد:

رأيت الصدق في العيون، والدفء في المكان... وهذا يكفيني.

ساد الصمت للحظات، ثم تلا ذلك حديثٌ قصير، لم يحتج إلى مقدمات طويلة، فالأرواح حين تتآلف، لا تحتاج إلى شروط كثيرة.

وفي لحظةٍ لم يتوقعها الجميع، كان كل شيء قد تم بسرعة كأن الأقدار استعجلت فرحتها، وتمت الخطوبة في جلسةٍ هادئة، لم تحتج إلى تكلفٍ أو بهرجة، بل كان الاتفاق الوحيد هو وعدٌ صادق بين قلبين التقيا في منتصف الطريق.

لم تمضِ الأيام حتى أُعلن الزفاف، وتوّج القدر قصته بعرسٍ بسيط لكنه مليء بالسعادة. في ليلة الزفاف، وقفت حمدية بفستانها الأبيض، لم تكن أميرة بقصرها، لكنها كانت ملكة بروحها، ووقف حسن أمامها، يتأملها كأنها قصيدة كتبها الزمن بعناية.

وفي تلك اللحظة، حين تعانقت الأيدي، أدرك حسن أن الحب ليس في القصور، بل في القلوب التي تعرف كيف تمنح الدفء حتى في أبسط الأماكن.



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...