الاثنين، 31 أغسطس 2026

قراءة نقدية في قصيدة ( قم يا معلم) للشاعر متولي بصل بقلم : أ. حسن غريب أحمد ناقد باحث شاعر مصري

 




القصيدة :

قم يا معلم قد صبرت طويلا

واطلب حقوقك وارفض التأجيلا

قد كنت في صدر الزمان مكرما

كيف ارتضيت بأن تكون ذليلا ؟

إن غاب ضوء الشمس عن أوطاننا

كن أنت في داجيْ الدُجى قنديلا

من ذا سواك يكون ( نوحا ) بيننا

من ذا يكون لمن سواه رسولا ؟!

الناس كالأنعام ضاع طريقهم

والجهل كالطوفان صار وبيلا

يا أيها البيت العتيق ألا ترى

أفيال أبرهةٍ تدق طبولا

قم يا وريث الأنبياء إلى الورى

واجعل قلوب العالمين نخيلا

وابذر بذور العلم في أحلامهم

حتى تصير جداولا وحقولا

يا صانع الأجيال صمتك محزن

قد ضاعت الأجيال فارحم جيلا

إن أنت لم تأخذ لنفسك حقها

ستظل عمرك كله مخذولا

اطلب حقوقك واسترد مكانة

ستزول إن أنت ارتضيت نزولا

لن تستعيد الأرض يوما مجدها

إن ظل صانع مجدها مجهولا

القراءة :

قصيدة «قم يا معلم» للشاعر متولي بصل تنتمي إلى الشعر الذي يجعل من الكلمة موقفًا، ومن القصيدة نداءً يتجاوز حدود الذات إلى المجال العام. ومنذ العنوان، يضع الشاعر المتلقي أمام فعل أمر مباشر: «قم»؛ وهو فعل لا يطلب مجرد الحركة، وإنما يستدعي النهوض واستعادة الدور والمكانة والفاعلية. فالـ«معلم» هنا ليس مجرد موظف يؤدي وظيفة تعليمية، وإنما يتحول إلى رمز لصانع الوعي وباني الإنسان وحارس المستقبل. ومن ثم فإن الدفاع عن حقوقه في القصيدة لا يأتي باعتباره مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل باعتباره دفاعًا عن قيمة العلم نفسها. يبدأ الشاعر: «قم يا معلم قد صبرت طويلا واطلب حقوقك وارفض التأجيلا» ويأتي التكرار الدلالي لفعل الأمر «قم» ليمنح القصيدة منذ بدايتها طاقة خطابية واضحة. فالصبر الذي كان فضيلة يتحول، حين يطول ويتجاوز حدوده، إلى نوع من الاستسلام. ولذلك يضع الشاعر في مواجهة بين الصبر والمطالبة، وبين الصمت والرفض. ثم يستدعي الشاعر ماضي المعلم: «قد كنت في صدر الزمان مكرما كيف ارتضيت بأن تكون ذليلا؟» وهنا تظهر ثنائية الماضي والحاضر بوصفها أحد المحاور المركزية للنص. فالمعلم كان في الوعي الجمعي صاحب مكانة وهيبة، ثم حدث انكسار في هذه المكانة. والاستفهام «كيف ارتضيت» ليس سؤالًا ينتظر إجابة، وإنما هو استفهام إنكاري وتحريضي، يريد أن يوقظ في المعلم إحساسه بذاته وكرامته. ويأخذ الخطاب بعدًا رمزيًا أكثر اتساعًا حين يقول: «إن غاب ضوء الشمس عن أوطاننا كن أنت في داجي الدجى قنديلا» فالصورة هنا واضحة وفاعلة: الشمس رمز للنور العام، والقنديل رمز للنور المحدود الذي يستطيع الإنسان أن يصنعه في قلب العتمة. والمعلم، في رؤية الشاعر، هو ذلك القنديل الذي ينبغي ألا ينتظر النور من الآخرين، بل يصنعه بنفسه. وتبلغ القصيدة ذروة رمزية في قوله: «من ذا سواك يكون (نوحًا) بيننا من ذا يكون لهؤلاء رسولا؟!» استدعاء نوح عليه السلام ليس مجرد إحالة دينية، وإنما هو استدعاء لنموذج الإنسان الذي يقف في مواجهة الطوفان. فالطوفان في القصيدة يتحول من حدث ديني إلى استعارة للجهل والانهيار القيمي وضياع الطريق: «الناس كالأنعام ضاع طريقهم والجهل كالطوفان صار وبيلا» وهنا تتجاور صورتان تشكلان بنية رمزية متماسكة: الضياع والطوفان. فالناس فقدوا الطريق، والجهل أصبح ماءً طاغيًا يهدد الجميع. والمعلم، وفق هذا التصور، هو القادر على قيادة السفينة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. غير أن الشاعر لا يكتفي بالطوفان، بل ينتقل إلى استدعاء تاريخي آخر: «يا أيها البيت العتيق ألا ترى أفيال أبرهةٍ تدق طبولا» استحضار أبرهة والفيل يمنح النص بعدًا حضاريًا وتاريخيًا، ويجعل البيت العتيق رمزًا لمواجهة الأخطار التي تتربص بالقيم والمقدسات والمجتمع. وتبدو «أفيال أبرهة» هنا قابلة للتأويل بوصفها رمزًا لكل قوة غاشمة تهدد البناء الروحي والحضاري. ثم يعود الشاعر إلى المعلم، لكنه يرتقي به إلى مرتبة رمزية شديدة الدلالة: «قم يا وريث الأنبياء إلى الورى واجعل قلوب العالمين نخيلا» إن عبارة «وريث الأنبياء» من أكثر العبارات كثافة في القصيدة؛ فهي تمنح المعلم وظيفة تتجاوز التعليم المدرسي إلى الهداية والتنوير وبناء الإنسان. أما تشبيه القلوب بالنخيل، فهو انتقال من المجال المعرفي إلى المجال الروحي والجمالي؛ فالنخلة رمز للعطاء والامتداد والثمر، وكأن المعلم مطالب بأن يحول القلوب إلى فضاءات قابلة للإثمار.

ويؤكد الشاعر هذا المعنى في: «وابذر بذور العلم في أحلامهم حتى تصير جداولا وحقولا» وهنا تتشكل منظومة تصويرية جميلة تقوم على مفردات الزراعة: بذور، أحلام، جداولا، حقولا. العلم بذرة، والأحلام تربة، والنتيجة ماء وحقول. إنها صورة تجعل التعليم عملية إنبات حضاري، لا مجرد تلقين للمعلومات. ومن أجمل مقاطع القصيدة من حيث وضوح رسالتها: «يا صانع الأجيال صمتك محزن قد ضاعت الأجيال فارحم جيلا» فالتعبير بـ«صانع الأجيال» يختصر فلسفة القصيدة كلها؛ فالمعلم لا يصنع الدرس فقط، وإنما يصنع الإنسان الذي سيصنع المستقبل. ولذلك فإن صمته لا يعود شأنًا شخصيًا، بل يصبح خسارة عامة. ثم يصل النص إلى منطقه الاحتجاجي المباشر: «إن أنت لم تأخذ لنفسك حقها ستظل عمرك كله مخذولا» هنا تنتقل القصيدة من استنهاض الوعي إلى المطالبة بالفعل. ويكرر الشاعر مفردة «الحق» أكثر من مرة، لتصبح محورًا دلاليًا في النص، بينما تتكرر أفعال الأمر: «قم»، «اطلب»، «ارفض»، «استرد»، وهي أفعال تمنح القصيدة إيقاعًا حركيًا يتلاءم مع موضوعها. ويُحسن الشاعر إنهاء قصيدته بقوله: «لن تستعيد الأرض يوما مجدها إن ظل صانع مجدها مجهولا» وهي خاتمة تتسع فيها الدائرة من المعلم إلى الوطن. فالمعلم ليس شخصًا هامشيًا في صناعة المجد، وإنما هو صانع المجد نفسه؛ وإذا ظل هذا الصانع مجهولًا أو مهمشًا، فلن يستطيع المجتمع أن يستعيد عافيته الحضارية. فنيًا وإيقاعيًا اختيار بحر الكامل مناسب لطبيعة القصيدة؛ فالكامل بما يمتلكه من طاقة إيقاعية وحركة داخلية يتلاءم مع الشعر الخطابي والحماسي. كما أن تتابع الأوامر والاستفهامات والنداءات يمنح النص نبرة خطابية قوية. وتعتمد القصيدة على القافية الموحدة باللام، مع امتداد صوت المد قبلها، وهو ما يضفي على الأبيات نغمة إنشادية واضحة، ويساعد على تثبيت النبرة التحريضية. أما على مستوى المعجم، فنجد حقولًا دلالية متشابكة: النور/الظلام، العلم/الجهل، الكرامة/الذل، الصبر/المطالبة، الزراعة/الثمر، الطوفان/النجاة، المجد/التهميش. وهذه الثنائيات هي التي تمنح النص بنيته الفكرية العميقة. ملاحظة رؤيتي النقدية: وإذا أردنا قراءة النص قراءة نقدية صارمة، فإن قوته الأساسية تكمن في صدق الانفعال ووضوح الرؤية وقوة الرمز، بينما كان يمكن لبعض المواضع أن تستفيد من قدر أكبر من التكثيف والانزياح الشعري؛ لأن بعض الأبيات تميل إلى المباشرة الخطابية، وهو أمر مفهوم في القصيدة ذات الطابع التحريضي. لكن هذه المباشرة نفسها جزء من طبيعة النص ووظيفته؛ فالشاعر لا يريد أن يترك رسالته غامضة، وإنما يريد أن تصل إلى المعلم والمتلقي واضحة وصادمة.

وفي خلاصة قراءتي النقدية أقول: «قم يا معلم» ليست قصيدة عن حقوق المعلم فحسب، بل عن استعادة الإنسان لدوره حين يُدرك قيمة ما يصنع. فالمعلم عند متولي بصل هو القنديل في زمن العتمة، و«نوح» في مواجهة طوفان الجهل، ووريث الأنبياء في صناعة الوعي، والزارع الذي يبذر العلم في أرض الأحلام. ولهذا فإن أجمل ما في القصيدة أنها تجعل من كرامة المعلم قضية حضارية، ومن حقه في التقدير والاعتراف شرطًا من شروط استعادة المجتمع لمجده. إنها في جوهرها قصيدة تقول للمعلم: لا تطلب امتيازًا، بل استرد مكانتك؛ لأن المجتمع الذي يهين صانع أجياله، إنما يهين مستقبله قبل أن يهين معلّمه.

 











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قراءة نقدية في قصيدة ( قم يا معلم) للشاعر متولي بصل بقلم : أ. حسن غريب أحمد ناقد باحث شاعر مصري

  القصيدة : قم يا معلم قد صبرت طويلا واطلب حقوقك وارفض التأجيلا قد كنت في صدر الزمان مكرما كيف ارتضيت بأن تكون ذليلا ؟ إن غاب ضوء ...