أدباء الواجهات.. حين يصبح الأدب مائدةً
للمصالح
بقلم : حسن غريب أحمد عضو نقابة اتحاد كتاب مصر
ليس كل من حمل لقب «أديب» جديرًا بأن يكون
أديبًا، كما أن ارتداء معطف الثقافة لا يجعل صاحبه مثقفًا، والجلوس في الصفوف
الأولى من الندوات لا يمنح صاحبه بالضرورة مكانة في تاريخ الأدب. فثمة ظاهرة أخذت في الاتساع داخل بعض الأوساط
الثقافية، يمكن أن نطلق عليها «أدباء الواجهات»؛ أولئك الذين أصبح حضورهم الأدبي
مرتبطًا بالمناسبة أكثر من ارتباطه بالإبداع، وبالمنصة أكثر من ارتباطه بالكتاب،
وبعلاقات المصالح أكثر من ارتباطه بقيمة النص. هؤلاء لا يبحثون دائمًا عن الأدب، وإنما يبحثون
عن المشهد الذي يمنحهم صورة الأديب. يظهر الواحد منهم في كل مناسبة، يصفق للجميع،
يمدح الجميع، يكتب عبارات الإشادة للجميع، ثم ينتظر المقابل: دعوة هنا، صورة هناك،
تكريم في مكان، شهادة تقدير في مكان آخر، وربما مقعدًا في لجنة أو عضوية في وفد أو
حضورًا في مؤتمر. وهكذا تتحول الثقافة من مشروع للوعي إلى شبكة
علاقات عامة. والخطورة ليست في أن يجتمع الأدباء أو يتعارفوا
أو يتبادلوا المجاملات؛ فهذا أمر طبيعي في الحياة الثقافية. فاللقاءات الأدبية والمقاهي والصالونات كانت
تاريخيًا فضاءات للحوار وتبادل الأفكار، وأسهم بعضها بالفعل في خلق بيئات خصبة
للإبداع. لكن المشكلة تبدأ حين يحل الاجتماع محل
الإبداع، وتحل المجاملة محل النقد، وتحل العلاقات محل الاستحقاق. فالأديب الحقيقي لا يحتاج إلى أن يطرق أبواب
الآخرين كل يوم ليقول لهم: أنا هنا. نصه هو الذي يقول. كتابه هو الذي يقول. مشروعه الإبداعي هو الذي يقول. وتاريخه هو الذي يقول. أما أن يتحول الكاتب إلى مندوب دائم عن نفسه،
يجمع الصور والشهادات والمنشورات والتهاني، ويقيس قيمته بعدد مرات ظهوره في
الفعاليات، فهذه ليست صناعة أدبية، وإنما صناعة صورة أدبية. والفرق بين الاثنين كبير. ثقافة التصفيق الأخطر من «أدباء الواجهات» ظهور
فئة أخرى يمكن تسميتها «نقاد التصفيق»؛ ناقد لا يرى في النص إلا ما يرضي صاحبه،
ولا يجرؤ على الإشارة إلى عيب، ولا يستطيع أن يقول للكاتب: هنا أخطأت. فتتحول القراءة النقدية إلى شهادة مجاملة،
والمقال النقدي إلى خطاب تهنئة طويل، وتصبح الجملة النقدية الأكثر تداولًا: «نص مدهش.. تجربة استثنائية.. لغة متفردة..
مشروع يستحق الاحتفاء». ثم ينتهي كل شيء دون أن نعرف: أين النص؟ وأين جمالياته؟ وأين مشكلاته؟ وأين
أدواته الفنية؟ وأين مواطن القوة والضعف؟ النقد الذي لا يختلف مع الكاتب ليس نقدًا
بالضرورة، كما أن الناقد الذي يخشى غضب المبدع يفقد أهم شروط وجوده. فالناقد ليس موظف علاقات عامة، والأدب ليس حفلة
مجاملات. حين تصبح الموائد أهم من الكتب لقد عرف تاريخ
الأدب العربي مجالس وصالونات ومقاهي أدبية لعبت أدوارًا مهمة في التواصل الثقافي. لكن المكان لم يكن هو الذي يصنع المبدع؛ وإنما
كان المبدع يحمل تجربته إلى المكان. وتشير شهادات ودراسات عن المقاهي الأدبية إلى
أن بعضها كان فضاءً للحوار وتبادل الأفكار، لا مصنعًا للموهبة ذاتها. أما اليوم، فقد نجد العكس أحيانًا: المائدة تصنع الشهرة، والصورة تصنع الحضور،
والعلاقات تصنع المكانة، بينما يأتي الإبداع في آخر الصف. وهنا ينبغي أن نسأل بوضوح: هل أصبح معيار النجاح الأدبي هو عدد الدعوات؟ هل
أصبح الأديب الناجح هو الأكثر حضورًا في الصور؟ هل أصبح الكتاب أقل أهمية من صاحب
الكتاب؟ وهل صار الحصول على التكريم أسهل من الحصول على نص جيد؟ إن حدث ذلك، فنحن
لا نواجه أزمة أدباء فقط، بل نواجه أزمة معايير. الأدب لا يحتاج إلى «شلل» لا مشكلة في أن تكون للأديب صداقاته، ولا في أن
ينتمي إلى جماعة أدبية، ولا في أن يشارك في الفعاليات. المشكلة حين تتحول الجماعة إلى شلّة مغلقة؛
تمدح أبناءها، وتقصي المختلف، وتمنح شهادات الجودة لأعضائها، ثم تتبادل الأدوار: اليوم أكتب عنك، وغدًا تكتب عني. اليوم أصف كتابك بالعبقرية، وغدًا تصف كتابي
بالاستثنائية. وهكذا يصبح المشهد الثقافي دائرة مغلقة يدور
فيها الجميع حول الجميع، بينما يبقى القارئ الحقيقي خارج الدائرة، ينتظر أدبًا
يستحق القراءة. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن يصبح
الانتماء إلى المجموعة أهم من الانتماء إلى النص. فالأدب العظيم لم يولد من التصفيق، ولم تصنعه
المجالس المغلقة، ولم تمنحه الموائد. الأدب صنعته الموهبة، والمعرفة، والقلق،
والاختلاف، والاشتباك مع الحياة، والقدرة على قول ما لا يريد الآخرون سماعه. الجوائز لا تصنع أديبًا كما أن التكريم لا يصنع
موهبة. الجائزة يمكن أن تكرم المبدع، لكنها لا تستطيع
أن تخلق الإبداع من العدم. والشهادة يمكن أن تعلق على الحائط، لكنها لا
تستطيع أن تعلق نصًا ضعيفًا في ذاكرة القارئ. والصورة مع كبار المثقفين قد تمنح صاحبها لحظة
شهرة، لكنها لا تمنحه بالضرورة مكانة أدبية. فالزمن لا يحتفظ بصورنا.. يحتفظ بما كتبناه. ولهذا، فإن على كل من يمارس الكتابة أن يسأل
نفسه سؤالًا بسيطًا وقاسيًا: لو اختفت كل المنصات، وكل التكريمات، وكل
الصور، وكل المجاملات، وكل الأصدقاء الذين يصفقون لي.. هل سيبقى نصي قادرًا على الوقوف وحده؟ إذا كانت
الإجابة نعم، فأنت كاتب. أما إذا كانت الإجابة لا، فربما كنت تصنع لنفسك
واجهة أدبية أكثر مما تصنع أدبًا. وهنا تحديدًا يجب أن نعيد ترتيب المشهد: الكتاب قبل المائدة ، والنص قبل الصورة،
والإبداع قبل التكريم، والنقد قبل المجاملة، والاستحقاق قبل العلاقات. فالأدب ليس وليمة يتزاحم حولها الباحثون عن
نصيب، وإنما مسؤولية ثقيلة؛ ومن أراد أن يجلس على مائدته، فعليه أولًا أن يأتي
ومعه نص يستحق أن يُقرأ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق