السبت، 19 سبتمبر 2026

الخيمة والنخل قصّة من المجموعة القصصيّة: الحائل للقاص المبدع / سعيد نفّاع

 


الخيمة والنخل

قصّة من المجموعة القصصيّة: الحائل.

سعيد نفّاع*

قدرها الحِل والترحال وفي الغالب لا تختار لا الزمان ولا المكان، فحيز الاختيار لديها محدود محكوم. حطت رحالها في هذه الدنيا دون أدنى إرادة منها وراحت تُدق أوتادها وتوثق أصفادها في كل واحة اعتقدوها ملائمة لها، واقتصر خيارها أو دورها، ليس دون تدخل سافر أحيانا، على المكان والزمان الملائمين لمواصفاتها ليس إلّا.

جاءت الى هذه الدنيا لتأوي في حناياها وتحمي الحب والكره، الضحك والبكاء، الدموع المخلوطة أحيانا بالدم وأخرى بالبسمات، في حناياها تبتدئ حيوات وتنتهي حيوات. فأينما حلّت وإلى أينما رحلت لن يستسيغ كارهو الحب ولا محبو الكره ولا العواصف بحرّها وقرّها، رحابة وحنو حناياها، فكلّ ما في حناياها طرائد لهم، ففي الطراد وفي الزحف وفي الهبوب أدموها وأحيانا حتى الثمالة.

استطاعت دائما أن تلملم جراحها وتتابع الحِلّ والترحال دون اعتراض يذكر، وتقوم بمهامها في إيواء الحب والكره، الضحك والبكاء وابتداء الحيوات وانتهائها، ومرحّلوها ومحلّوها راضون كلّ الرضى يحيون حياتهم مثلما يشتهون يغزون ويُغزَون يرحلون ويحلّون والحلال يكثر ويقل، يكثر كلما يمّموا جنوبا ويقلّ كلما اتجهوا شمالا وهكذا دواليك كلّ حولية.

حطّوا الرحال أخيرا وبعد أن حلّ بهم الكثير من التغيير، وحطّت معهم بالطبع دون أن يكون قد حلّ بها إلّا القليل من التغيير. وإن كانت صُفّدت سابقا بأوتاد تُدق في الرمال تذروها أحيانا الارياح، فتهتز وتتمايل والآلام تعتصرها، صُفّدت المرة بجذوع النخل بعد أن قطع اليقين الشك أن ليس الامر سرابا ناتجا عن تعب الترحال الذي طال وصعُب هذه المرة من طول الوقوف على الأطلال. رغم أن الاصفاد على ما بدا كانت أقوى هذه المرة إلّا أنّ الجديد يبشّر بالخير، فإن كانت ووجه الشمس، فيما مضى، لا يتفارقان إلّا عندما تهجع الشمس، صار الفراق والشمس في عزّها ولأكثر من مرة وفي وضح النهار، لأنّ للشمس في هذه الديار برقع نخليّ.

أحبّت الحب الذي تأويه أكثر وأحبّت الكره الذي تأويه أكثر وأحبّت الدموع حارة كانت أم باردة أكثر، صار ابتداء الحيوات وانتهاؤها في حناياها من لون وطعم آخرين، وصار الحلال يكثر دون علاقة بالشمال والجنوب، والنخيل يطول ويُسقط سعفا ويُعلي سعفا وقطوف بلحِه مدرارة تشبع من في الحنايا.

رغم بعض الخيوط المختلفة اللون التي كللت ثناياها بحكم تبدل الأزمنة، إلّا أنّها، وما دام النخل يتطاول وجذوعه تغلظ ضاغطة أحيانا على أصفادها وهذه بدورها على أطرافها، تمسكت بالجار هذا وإن جار، وقوّاها هو على الأقلّ أمام العواصف، وحمى وجهها حينما جنّت الشمس.

كانت تعرف أنّ دمَ هذا القلب الأخضر الزاهي المعطاء لذلك الجسم الأصفر الباهت الرحب المخيف، مُلكُها ومُلك من في حناياها ومن وجد في ذلك الجسم الاصفر الباهت المخيف مأواه. وتعرف أنّ النخل ومهما علا وتجذّر ومهما كثر بلحه ومهما اشتد وثاقها الى جذوعه، لن يوقف الكواسر ولا الزواحف ولا العواصف، وهي تطلب حقها في دم هذا القلب.

للكواسر وللزواحف وللعواصف حصتها في تلك الواحة رغم الحالّين الجدد، وإن قبلتهم على مضض، لكنها لن تتنازل عن نصيبها في القلب. فتكسِر وتزحف وتعصف كلما وجدت الحاجة الى ذلك، غازية دون وجل ولا خجل، فتصيب احيانا وتخطئ أخرى، وإن أصابت وإن أخطأت ليس دائما لأمر متعلق بها، فهي تكسر وهي تزحف وهي تعصف غير آبهة لا بالقلب الأخضر الزاهي ولا بمن في بطينيه ولا بمن في اذينيه، نجاحها وفشلها متعلق كذلك بصماماته؛ النخل والجذوع والخيمة والوثاق التي لكثرة الكرّ والفرّ تضعف أحيانا.

أحبّ النخلُ، من بين الغزاة، العواصف بقدر ما كرهها ففيها مماته وفيها حياته، وما دامت تصب عليه جام غضبها حتى تحمرّ وجوه سُعفه فهذا ما تحمّله منذ أن جاء إلى هذه الدنيا، لأنّه عرف وبعد طول العمر أن هذا الثمن الذي يدفعه يأخذ مقابله، لكنّ خوفه زاد منذ أن شُد الوثاق إليه، ورغم أنّ الوثاق آلمه شدّا وارتخاء إلّا أنّ هذا الألم صار جزءا منه.

طاب المقام؛ فالنخل أثِر والإيثار مطمئِن، لكنّ الخيمة ومن كثرة الحِلّ والترحال ومن كثرة تقطع الأوثقة ظلّت تجفل لكلّ بارقة؛ تتفقد الاصفاد المكروهة عادة المحبوبة على قلبها رغم اعتصارها إياه وحتى الادماء أحيانا.

ظلّت جذوع النخل صامدة وظلّ الوثاق قويا لأنّ النخل ما زال يحب التسامي ولأن الخيمة ما زالت تحب وثاقها. لكنّ الكواسر صارت أوحش والزواحف أشرس والعواصف أعتى وأوحشها وأشرسها وأعتاها تلك الآتية من الداخل، فهل سيظل النخل يحب التسامي وهل ستظل الخيمة تحب الوثاق!؟

19 أيّار 2005

*الأمين العام للاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين

https://www.facebook.com/share/p/1JdkYcm4vJ/


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هُمَسَاتٌ دَافِئَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بقلم / سَنَاءُ الْعَاجِزِ

هُمَسَاتٌ دَافِئَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بقلم /   سَنَاءُ الْعَاجِزِ   كَانَتْ لَيْلَةٌ هَادِئَةٌ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، وَالْقَمَرُ مُعَ...