السبت، 19 سبتمبر 2026

حنان كلــــــــــــــــــــب- قصة قصيرة للقاص والروائي العراقي / حميد الحريزي

 

حنان كلــــــــــــــــــــب- قصة قصيرة

حميد الحريزي

تفاجأت كثيرا ، أحرت زوارق عينيها في محيط الفرح حين أعلمتها الطبيبة انها حامل بعد طول ترقب وانتظار تجاوزت العقد من السنين ، كان ((وجدان)) حلم الزوجين الذي تحقق بعد صبر طويل ... ادخل البسمة والتفاؤل في حياتيهما ، الأم متوردة الخدود عالية الأهتمام بمظهرها وزوجها ، الزوج يولد من جديد ، تجدد شبابه ونشاطه،....أخذ عشهما يتوسع باطراد ، عمل بهمة عالية ، واردات العمل تزداد ، بدأت أفكاره الأبداعية تتفتق عما هو جديد من أجل زيادة ثروته ، شراء عقارات، زيادة الأستثمارات لضمان مستقبل وليدهم المرتقب ،قتر على نفسه واصل الليل بالنهار دون كلل ، ما إن يعود للدار حتى يتبدد التعب عندما يلصق أذنه على بطن زوجته مستمتعا بسماع نبض وحركة الوليد الحلم ....

.....كانت ستغطس في بحر من الحزن والألم بعد الوفاة المفاجئة للزوج ،حيث ان َّانشغلاته بالعمل أنسته تناول أدوية السكر والضغط ، لولا ترقبها للأمل المنشود للتحقت بزوجها الحبيب ، أصطبرت ، قاومت الوحدة والفراغ بمناجاة جنينها ، تناديه بأسم والده تحكي له حكايات الطفولة والشباب ، قصة العشق والهيام ، قصة ترقبهما وانتظارهما الطويل ... تأكل لاجله، تفرح لأجله ، تتحدث لأجله ، تنام وتستيقظ لأجله ... تتابع أعمال زوجها بنجاح كبير أذهل من حولها

لكي تحافظ على ثروة ولدها القادم حلمها وحلم المرحوم زوجها ... انَّها مؤتمنة على هذه الثروة من أجل ((وجدان)) كما اتفقا على تسميته ....

حرصت على تعليمه على أيدي اكفأ الأساتذة أرسلته الى خارج البلد لإكمال تعليمه العالي في أرقى الجامعات العالمية لم تؤخر له طلبا ولم تعترض على رغبة من رغباته ، وقد حاز على شهادة رفيعة هناك ،...

تجلس طوال الوقت تعد الأيام والأسابيع والأشهر لعودته من بلاد الغربة لتنعم برؤياه ، تعيد جرد الممتلكات وحساب الأرصدة في البنوك ، تقتر على نفسها وعلى العاملين معها في شركاتها المتعددة لتؤمن له ثروة تسعده وتسعد أبنائه من بعده

جلست أمام التلفاز في يوم عودته الموعودة ، تتابع أخبار العالم وخصوصا أخبار حركة الطائرات ، مترقبة عودته الميمونة من بلاد الضباب حاملا ًشهادته العليا ، برفقة زوجته الفارعة الشقراء كما شاهدت صورها معه ، ورسائله المحملة بصورهما في منتجعات وعواصم العالم المختلفة .. مستغرقة في خيالها ، ترسم وتخطط لحفل استقبال ولدها في قدومه المرتقب فستعمل لهما حفل زفاف كبير لتعوض عما فاتها من فرح زواجهما في لندن ،وهي سارحة في خيالها واحلامها ، قرأت العاجل التالي :-

((تعرضت طائرة الخطوط الجوية ....... القادمة الى بغداد الى حادث مؤسف وسقطت في منطٌقة مجهولة )).

صرخت صرخة أرتج لها المنزل ، لم تشعر بوجودها إلا في مكان مظلم لا ترى من حولها أي شيء ، انَّه الظلام الدامس ، في مستشفى المدينة ، لم يفارق لسانها أسم ولدها ((وجدان))، تهدء ثم تصرخ ولدي ((وجدان)) ، كانت تبكي بلوعة تُبكي الحجر ، بصعوبة بالغة أقنعها من حولها انَّ الطائرة التي سقطت ليست طائرة ((وجدان)) وسيصل انْ لم يكن قد وصل الآن الى المطار ...حاولت أنْ تهدأ، نهضت ، سقطت لإنها لم ترى طريقها ، تريد أنْ تغادر المستشفى لتذهب الى المطار لإستقبال عزيزها العائد من الغربة ...

احتضنت ولدها بدليل رائحته دون أنْ ترى وجهه ، تتلمس رأسه ، عيونه، حاجبيه ، فمه ......

نعم نعم انَّه ولدي... نعم انه عزيزي ((وجدان)) ، هذه رائحة ولدي شكرا لك يارب.... إنَّه سالم معافى ....ليتني أرى عروسه ؟؟

استغربت الشقراء من مرآى الام وهي أشبه بالمجنونة

Oh my god what happen to your mother??

ذهب الجميع الى الدار ، الأم تكاد تطير فرحا وهي تنتقل بينهم على غير هدى ، تتقاذفها الأيادي وسط أستغراب الجميع ، بين حزين آسف لحالها وبين هازءا، وجد في حالتها تسلية طريفة ، سوى الكلب الذي غادر حضن الشقراء ، اخذ يدور حول العجوز العمياء يتشممها ، يلتف بين قدمييها ، ....الشقراء جلست لصيقة زوجها منكمشة على نفسها أظهرت مشاعر الدهشة والإشئمزاز ، ، نادت على كلبها أنْ تعال ..........

لم يعطي((وجدان)) والدته الأهتمام المطلوب وهي تشمه وتلقي عليه وابل من الأسئلة حول حالته وحال زوجته الصحية ، ماذا يحبون من الأكلات والمشروبات والأفرشة،تحاول أنْ تزغرد فرحا لسلامتهما ، أوتبكي حزنا لفقدها البصر، وعدم قدرتها على رؤيتهما و رعايتهم وإعداد الأكلات التي يحبها ولدها الغالي بيدها.....



مر اليوم الأول للإستقبال على هذا الوضع.. حاول الولد انْ يستشير الأطباء حول مرض والدته وهل يمكن شفائها أكدوا له إنَّ تكاليف شفائها باهضة جدا ربما تعادل ربع ثروتها .... بدأت زوجته تتضايق كثيرا من والدته الضريرة ومدى تعلقها بولدها وكأنها ضرتها العنيدة .... دارت في مخيلة ((وجدان)) دوامات من الذكريات والأحاسيس والمشاعر، ذكرياته مع والدته وبين جزع حبيبته الشقراء التي لا تنام إلا وهي ثملة محتضنة كلبها المدلل لاهم لها سوى المال والعودة الى بلدها..بعد بضعة أيام جلس مبكرا توجه نحو والدته التي كانت تفترش الأرض في باب غرفة نومهم، كعادتها في كل يوم ، تأمر الشغالة انْ تحضر لهم الفطار على مائدة تضم كل ما لذ وطاب، رغم انَّها كانت تشعر بالحيرة ، حينما تفكر بإطعام الكلب ، انَّه ليس كالكلاب الذي تعرفها ، فكلابهم كانت تتملق أسيادها منبطحة عند باب الكوخ تتلقى بامتنان كبير كسرة الخبز أو عظمة مكدودة ، ترمى لها من بقايا الموائد ، تتلقفها فرحة جذلة ، تمرغها بالتراب كانها تغمسها في إناء من سمن ، لكن هذا الكلب لا يأكل الا بعد أن يلبسونه صدرية خاصة ، وانْ يوضع له طبقا خاصا ... يتصنم بعد إكماله طعامه منتظرا من يمسح له بوزه بورق ))الكلينكس(( المعطر ، كما وصفته لها الشغالة، المندهشة من عادات هذا الكلب المدلل ، أم وجدان أحتملت نجاستة لفرط حنانه ومرحه وتسوله والفته ، وهو يلحس يديها ويضع رأسه على صدرها ، معيدا للأم ذكرياتها مع ((وجدان)) وكيف كان يتودد لها ، لا ينام إلا بعد أنْ يدس رأسه في حضنها الدافيء ، كيف كان يحبو ، وكيف كانتا كفاه الصغيرتين تتلمسان شفتيها ووجهها ، انَّه وجدان الكلب ، قطع شريط تخيالاتها وجدانها معتذرا عن تناول الإفطار، زوجته تريد ان تفطر خارج الدار،كظمت الوالدة غيضها وضياع جهدها سدى في إعداد إفطار أيام زمان .. إنحنى مقبلا يدها طالبا منها أنْ تبصم على ورقة قبول إجراء عملية لعينيها تعيد لهما النور .... طاوعته أعطته إبهامها وهي فرحة علها تشفى وتتمكن من رؤيته وزوجته من جديد ، سرحت في عالم الخيال وهي تتخيل صورته ،تتخيل زوجة الحبيب ، تتخيل أحفادها من زوجته الشقراء ، تنصت لهما وهما يرطنان بالأنكليزية فلا تميز غير الضحك فتنفرج أساريرها أو تنقبض تبعا لنغمة الحديث بين الفرح والغنج والجد والحزن وووو .... يا الله ستتمكن أخيرا من رؤية تبدلات تقاسيم وجهيهما وترقب بريق عينيهما؟؟ ....

هل يمكن أنْ تحقق لها هذه البصمة كل هذه الأحلام؟؟ ، قبلت إبهامها فبانت البصمة البنفسجية على شفتيها المزمومتين على شكل قفل بنفسجي يحكم أقفال فمها .......

بعد مرور عدة أيام أقتادها الى حيث وعدها ، تكاد أنْ تطير من الفرح ، فستلتقي مع النور ثانية وتكتحل عينها بصورة ولدها بعد غياب سنين طوال .... إستقبلت أصوات لم تألفها من قبل ... بعد إنتظار دام ساعات أخذت تسأل عن سبب تأخر الطبيب لإجراء العملية ...ولماذا أختفت رائحة ولدها من حولها ؟؟؟؟

هل هي الآن في صالة العمليات ؟؟؟

قالت أنا ليست خائفة ابدؤا العملية حتى بدون ((بنج)) أنا لا أخاف ،كل شيء يهون أمام رؤية ولدي فلذة كبدي ، لابد أنْ أراه ، خذوا كل ما أملك مقابل أنْ أراه ....كانت الصدمة الكبرى حينما علمت انَّها في دار العجزة.... باع وحيدها كل شيء مستفيداً من الوكالة العامة المطلقة التي بصمت عليها ، فار تنور العتاب في قلبها الجريح .... لماذا رحل ؟؟؟

هو هوَّ الكلب بين أقدامها معلنا سفر ((وجدان)) مع شقرائه عائدين الى بلاد الضباب ..ليتركوها تحت رعايته .....

* القصة احد قصص محموعتي للقصة القصيرة ، والقصة الفصيرة جدا ، اصدار اتحاد ادباء وكتاب النجف




https://www.facebook.com/share/p/1DjSR6GM1B/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هُمَسَاتٌ دَافِئَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بقلم / سَنَاءُ الْعَاجِزِ

هُمَسَاتٌ دَافِئَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بقلم /   سَنَاءُ الْعَاجِزِ   كَانَتْ لَيْلَةٌ هَادِئَةٌ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، وَالْقَمَرُ مُعَ...