السبت، 14 ديسمبر 2024

جزء من رواية ( غدا سأرحل ) للأديب والروائي العراقي / عبد الزهرة عمارة

 











1~     ~

الساعة العاشرة صباحا ......

سجن النساء في ابو غريب ...

كانت تقف على رصيف الشارع العام المقابل الى سجن النساء أمرآه في عقدها الثالث من عمرها ... بيضاء البشرة طويلة القامة..... احتارت عينيها لا تعرف أين تستقران ...

خرجت للتو من قفص الدنيا وتنفست طعم الحرية لأول مرة ...

لا أحد ينتظرها .....

رفعت رأسها ... وقفت منتصبة بقدها الفارع الرشيق رغم تعب السنين.

كانت ترتدي قميص أبيض وتنوره سوداء وبيدها صرة من قماش ابيض عتيق ...

أدارت ظهرها قليلا... وألقت نظرة نافذة حزينة على باب سجن النساء الموصد في قلعة أبو غريب الذي أمضت فيه ثلاث سنوات عجاف من عمرها الفتي.

راحت تطيل النظر بعينين أجهدها التعب والملل وتمتمت بهمس

ــ الله يلعنك ...... يا سعاد ناصرية !

لا أحد ينتظرها ......

حتى زوجها تركها بعد اربعة أشهر من دخولها السجن وأرسل إليها ورقة الطلاق ..

جالت ببصرها يمينا وشمالا وكم تمنت أن ترى أبنتها نور الهدى وهي تعانقها بحرارة وتمسح الدموع من خديها وهي تقول

ــ ماما .... طال الفراق .. مشتاقة إليك كثيرا

ولكن ....... لا أحد ينتظرها

لم يزرها أحدا عدا عمها الحاج عبد الجليل الكبير السن بفترات متقطعة ثم أنقطع عنها بعد عام ....

أحست بقطرات من العرق تتصبب على خديها ...

افترشت جادة الطريق .... وضعت أصابع يدها تحت ذقنها وراحت تتأمل ....

نظرت الى الشارع الطويل ...ولم ترى أحدا ...

قميصها المتهدل بفوضى عليه أثار غبار السجن .. لكنها جميلة شعرها الأسود منسدل على كتفيها بعصبية بانت عليه أثار الشيب ولو قليلا .. لكنها جذابة .. باقية كما هي لا يعتريها شيء رغم السنين الثلاث التي قضتها زورا في السجن .

كانت ساكنة .. ...

وجهها المدور ظهرت عليه علامات الشحوب قليلا .. أثقلها الزمن الذي لا يرحم بين قضبان السجن ....... قتل أبيها في حادث عشائري في مدينة آبي الخصيب في البصرة وهي لازالت في المرحلــــــــة الابتدائية ورأت أمها تتهاوى كجبل وتفقد الحياة من أثر الصدمة مما اضطرت لتعيش في كنف عمها وفي قلبها غصة وفي

نفسها لظى .

كانت ليلى في الخامسة من عمرها عندما جاء عمها ليصحبها من مدينة أبي الخصيب المدينة الزراعية التي تقع جنوب العراق وسميت أم النخيل لكثرة النخيل فيها وتعتبر من ريف البصرة .

كانت ليلى تمشي بجانبه وقد أمسك بيده الخشنة أطراف أصابعها الناعمة وهي لا تعرف الى أين ؟

سارت جنبه صامته وكان عمها يتكلم بكلمات لا تفهمها الى أن أومأ بيده الى سيارة أجرة ...

توقفت التاكسي ....

وبكلمات مقتضبة قال عمها للسائق

ـــ المعقل ... شارع اجنادين .... قرب محطة القطار

تحركت السيارة من المدينة وليلى تنظر يمينا وشمالا وهي لا تعي الموقف حتى قطعت السيارة مسافة عشرين كيلو متر لتدخل في البصرة ..

تجاوزت شارع الكورنيش وليلى كانت تنظر الى شط العرب والسفن الصغيرة والكبيرة التي يزخر بها ببلاهة ثم انعطفت الى شارع تموز وعبرت الجسر الحديدي القصير ثم سارت في شارع مالك بن دينار وانحرفت نحو شارع اجنادين الذي يمر في مدينة المعقل وسمعت صوت عمها يقول للسائق

ــ لحظة من فضلك ... هذا يكفي

نقد عمها سائق التاكسي أجرته ونزل من السيارة وأشار الى ليلى بالنزول ...

أخذ بيدها وسارت جنبه ... وأمام متجر لألعاب الأطفال وقف عمها قليلا ثم دلف داخل المتجر .

مررها على عدة أصناف من الألعــاب حتى اختارت أحدها ... أبتاع اللعبة وأعطاها لها وخرج ....

واصل المسير قليلا ...

وقف أمام منزل واسع تضلله الأشجار وفيه حديقة غناء

طرق الباب عدة طرقات ..

فتح الباب ..

أطلت سيدة متوسطة العمر وسمعت عمها يقدمها قائلا

ـــ هذه ليلى يا عواطف ... هي أمانة في عنقك ... من الآن يمكن أن تعتبريها أبنتك

واستقبلتها عواطف زوجة عمها بابتسامة لطيفة وعانقتها وقبلتها ثم ضمتها بحرارة ....

وبكلام معسول قالت عواطف وهي تخاطب ليلى

ـــ الله .. يحرسك .... ما هذا الجمال؟ .... تعالي ... تعالي ... أضمك وأشبع من حلاوتك يا حبيبتي ...من الآن اعتبرني أمك .. عمتك ... خالتك ... أي لون يعجبك تناديني فيه أنا موافقة .... هذا بيتك يا روحي ....أهلا وسهلا يا عزيزتي

وأمطرتها بالقبل والكلمات العذبة وليلى تسمع ولا تجيب سوى ابتسامة باهتة ارتسمت على شفتيها.

كانت عواطف سمراء ... جميلة التقاطيع ...سوداء العينين واسعتها

رشيقة القوام ...

تمتلك شخصية جذابة ممزوجة بتعقل ووقار في الثلاثين من عمرها تقريبا




*****








 

 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...