الأحد، 4 أغسطس 2024

قراءة تحليلية عن رواية ..أمضي أم اعود؟ للكاتب الفلسطيني أ. فوزي نجاجرة اصدار ٢٠٢٤ حروف نابضة وشعاع من التفاؤل بقلم الأكاديمية وفاء شاهر داري كاتبة و الباحثة

 


قراءة تحليلية عن رواية ..أمضي أم اعود؟

للكاتب الفلسطيني أ. فوزي نجاجرة اصدار ٢٠٢٤
حروف نابضة وشعاع من التفاؤل
بقلم الأكاديمية وفاء شاهر داري
كاتبة و الباحثة
كتبت …
الرمزية والواقعية الاجتماعية
تمثل هذه الرواية رمزية واقعية واجتماعية يصور الكاتب من خلالها معاناة الشعب الفلسطيني وما يلاقيه يوميا من غطرسة المحتل ومن إذلال يومي على حواجز الاحتلال، وما يلحقه من ظلم ومرارة وضياع وفقدان للهوية، محاولًا سلبه كرامته وحياته الكريمة وحتى أمام زوجته وأبنائه، زيادة في القهر والإذلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تصور واقعًا اجتماعيًا تعيشه كثير من زوجات الشهداء حيث التغاضي من قبل المؤسسات الوطنية لاحتواء حالتهن الإجتماعية والإقتصادية فيزداد الحال سوءا، وتتعقد الأمور حتى تكون حلقة ضعيفة حتى أمام إبنها العاق وإن كان وحيدا، الذي يصبح الآمر الناهي لأمور حياتها فيزداد القهر قهرا والظلم ظلمات.
وينسج الكاتب بداية روايته من خلال سرد حدث إنسانيّ، حيث يلقي الضوء على إنسانه فلسطينية شابة تدعى "خديجة"، تعبر عن إحساسها اتجاه حدث إنساني حول طفل يكاد يسقط من علو "...إنه يتعلق بيديه الضعيفة في الدربزين، سيسقط، نعم سيسقط، لطفك يا رب، ركضت مسرعة انكمشت، توترت، انشدّت أعصابها، يديها لفوق تضرع إلى الله اتسعت فتحة عيونها، تجمد دمها، اقشعر بدنها..."، إلا أن شهامة شاب فلسطيني يدعى "خالد"، هذه الشهامة المعهود بها كل فلسطيني في كل مكان، تمثّلت في انقاذ الطفل من سقوط محقق قد يؤدي به الى الموت أو الأذى الكبير مما أثار إعجاب خديجة بهذا الشاب "فتحت فمها مندهشة....ذاهلة...ضحكت...فرحت كثيرا....، عندما شاهدت شابا طويل القامة، مثبتا قدميه على الإسفلت، يطبق بيديه القويتين على الطفل قبل وصوله إلى الإسفلت وكأنه حبة برتقال، أو كرة سلة".
هذا اللقاء الإنساني يترجم إلى علاقة حب عفيف تُتوّج بزواج ينقطع يوم العرس نفسه بسبب عادات مقيتة تعود لثأر معين منذ زمن طويل، إلى أن الإصرار والتحدي أدى بقرار خططه الحبيبان في زواج سري بعيدا عن الأهل والخلان، تكون ثمرته طفلا أطلقا عليه اسم "وسيم"، ولكن هذه الفرحة لم تدم طويلا، إذا كان أثناء عودتهما من فحص لتطعيم ابنهما إذ يصلان إلى حاجز عسكري يحاول الجنود الاستفزاز متعمدا إهانة خالد أمام زوجته:
ـ "شو...أنت بلعب مصارع يا جيفر ـ بطل؟ أنت عامل نفسك قوي، هاه...احكي!!!!؟(ص 40).
.....
ـ "احكي...أنت موش جيفر -بطل – أنت حمور".
ـ "حمار كبير...أنت فاهم يا حمور؟؟؟"(ص41).
يدور صراع بين خالد وبعض الجنود وتكون الغلبة لخالد أولا إلا أن جنديا حاقدا يفرغ العشرات من الرصاصات تخترق جسد خالد وتسقطه شهيدا...ومن خلال هذا المشهد يضعنا الكاتب في صورة من الصور التي يواجهها كل فلسطيني يوميا على حواجز الاحتلال من السخرية والإهانات وينتهي كثير منها باستشهاد العشرات من شبابنا الفلسطيني.
ـ "وصيتك وسيييييم ....يا....خ....د...ي....ي...ج ...ـة..."(ص42).
هذا آخر كلمات صرخ بها الشهيد "خالد" تاركا زوجته "خديجة" زوجة شهيد مع وليدها، حيث يبدأ الراوي حبكة قصصية أخرى أكثر إثارة تصور واقع زوجة الشهيد ما بعد استشهاد زوجها.
ولتوضيح الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها سنحاول تفكيك الرواية إلى عناصرها الأساسية وتحليلها على النحو التالي:
العنوان:
ينجح الكاتب في أن يشد انتباه القارئ من خلال عنوانه المتميز "أمضي أم أعود؟"، حيث يكون مدخلا للرواية، ومضمونه يمثل حالة صراع وتمزّق دائمين تواجهه الفلسطيني في حياته اليومية في كل مكان وزمان، هي حالة الصراع التي تراوده عند حواجز الاحتلال، أيعبر الحاجز أم يعيده الجنود، أيقبله صاحب العمل أم يعود أدراجه بقية أيامه باطلا عن العمل، أيمضي في قرار الهجرة من الوطن بحثا عن لقمة العيش أم يعود ويستقرّ في وطنه في حالة فقره المدقع ويتقبل واقعه المرّ، هذا حالة الصراع الدائمة التي تواجه الفلسطيني خلال مسيرته حياته بسبب الظروف القاسية التي يمرّ بها يوميا تحت الاحتلال.
المكان: انطلقت الأحداث في رواية "أمضي أم أعود؟" من مكان حدث يكون فيه طفل في حالة سقوط من علو، حيث كان متعلقا بدربزين البيت يكاد يقع على الأرض، وتتوالى الأحداث حيث يتم إنقاذ الطفل على يدي شاب يدعى خالد، ينتهي بلقاء في بيت والدة الطفل الذي تمّ إنقاذه بين خديجة وخالد، ومن هناك تنسج بينهما علاقة حب. وقد حرص الكاتب على ألا يذكر مكانا معينا خلال الرواية كلها بالإشارة إلى موضع ما صراحة، مدينة أو قرية، بل أشار إلى اسم إحدى المدن بالحروف (س ص)، لأن الكاتب أراد الإشارة أن أحداث هذه الرواية قد تحدث في كل ومكان من المدن أو القرى الفلسطينية.
الشخصيات الرئيسة: تدور أحداث رواية "أمضي أم أعود؟"، بين عدد من الشخصيات الرئيسة:
خديجة: تُعدُّ من الشخصيات الرئيسة في الرواية، وحتى يمكن اعتبارها الأكثر رئيسية لما يدور من أحداث حول هذه الشخصية الإنسانية، وهي التي أخذت قرارا عكس التيار في الزواج من خالد سرا بعيدا عن أهلها متمردة على العادات والتقاليد البغيضة التي أرادت أن تحرم هذا الزواج بين حبيبين عفيفين، وهي زوجة الشهيد التي تبقى وفية لزوجها الشهيد خالد، لترعى طفلها الوحيد وتقضي جلّ حياتها في خدمته وتربيته، ومن ثم تعاني ظلم ابنها الوحيد الذي ربته "برموش العين"، كما يقال في عاميتنا الدارجة، إلا أنه ينقلب عليها بعقوق وصل به أن يقوم بمحاولة قتلها لا لسبب إلا أنها رفضت أن تلبي ما يريد هو رغم ما قدمته له من حنان وعطف وعطاء، حيث يصور الكاتب في كلمات الإهداء:
"إلى الأمومة المعذبة الشقيّة، إلى الأمومة المقدمة على مذبح الحب والحنان، والعاطفة الصادقة البريئة دون أثمان"(الإهداء).
ثم تتوالى الأحداث حول هذه الشخصية فتشق طريقها بعصامية منقطعة النظير، بعد أن تنكّر ابنها لمعروفها، بعيدا عن أهلها وابنها وتبني حياة جديدة في مجتمع جديد يقدّر إنسانيتها وأسلوبها الراقي في التعامل، لأنها تستحق ذلك وبجدارة لما قدمته من تضحيات، بدءا من وفائها لزوجها الشهيد، واستمرارا لتربيتها لابنها في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، هذه الحياة الجديدة من تقدير الناس لها أثلج صدرها وعوضها خيرا عما كان الحال مع ابنها.
خالد: زوج خديجة، الشاب الشهم الذي أنقذ الطفل من موت محقق، وهو الشاب الفلسطيني الشهم الذي أبى أن ينقاد للعادات والتقاليد وأصر أن يتزوج خديجة ولو سرا وفاء لحبه لها ويقينا أنه على حق، وأنهما يستحقان الزواج على سنة الله ورسوله كباقي البشر رغما عن كل العادات والتقاليد، وهو الشاب الذي أبى أن يذلّ، وانتفض لكرامته أمام محاولة جنود الاحتلال إذلاله والسخرية منه وخاصة أمام زوجته، فدفع ثمنا غاليا، وهذه الشخصية تمثل في سلوكياتها كل شاب فلسطيني يحمل كرامة يعتز بها ويكافح من أجلها، وهي الشخصية المتعلمة التي تتمرد على العادات والتقاليد وتأبى الانصياع لها، هو شاب كما وصفه الراوي:
"خالد ليس من الشباب الطائشين، هو رجل نبيل بحق وحقيقة، كامل متكامل، لديه الكثير من خصائل الرجولة والشهامة والنخوة، أينما وجد ولا يوجد رجال يكون هو الرجل، هو صاحب موقف لا يتنازل، لا يتراجع أو يتقاعس، يتصرف بما تمليه عليه أخلاقه الكريمة ورجولته...."(ص37).
هذه الشخصية التي جعلت خديجة "تاجرت فيه ولم تفرط، انتظرته تحملت الإهانات من أهله وأهلها لأكثر من ثلاثة أعوام، ...كذلك إن الصفات والمواصفات العالية التي يتمتع بها خالد، فرضت على خديجة احترامه وتقديره والتمسك به، وتضرب بعرض الحائط خاطر أهلها، ثم تهرب معه دون اعتبار لأي منهم"(ص37).
وسيم: ابن الشهيد خالد، وخديجة زوجة الشهيد، المرأة التي كانت وفية لزوجها الشهيد، أبت الزواج حتى تربي ابنها الوحيد وسيم، وكان حلمها كبيرا نسجته لمستقبله وأعطته بلا حدود "لم تبق لها أي شيء لتحتفظ به لقادم الأيام، فكلّ ما كانت تملكه أعطته لابنها، أعطته بسخاء بدون حدود ودون تحفّظ"، ورغم هذا العطاء الكبير الذي ناله وسيم من أمه والتضحيات الكبير، جعلت في شخصيته الأنانية، وقد حملت نفسها مسؤولية "الأنوية" التي رافقت ابنها وحب التسلّط حتى على أمّه الذي ربته وسهرت عليه ليلا ونهارا:
"فالاهتمام الزائد الذي أولته خديجة لابنها وسيم، كذلك حبها الكبير له في كلّ مراحل حياته، أوصل وسيم للاعتقاد أنه ابن ملك أو أكثر، أو أن وجود أمه خديجة على هذه الأرض يرجع الفضل فيه إليه، لذا تكوّن لديه مفهوم خاطئ لعلاقته مع أمه وغيرها، وكأنّ الآخرين ملزمين بإعطائه كل ما يطلبه، فدوره في الحياة هو الأخذ فقط، أصبح وسيم يأخذ ولا يعطي، يسمح لنفسه بالأخذ ويمنع نفسه من العطاء، وبالتالي كبر لديه مفهومي التملّك والاستحواذ، ومفهوم الأنا تضخّم عنه كثيرا، صار صارّا لنفسه أكثر من ضرره لغيره، أنانية كبيرة ومفرطه، طمع زائد عن الناس، اعتقاده الواهم بسهولة الحياة، وأن كلّ ما يطلبه يستطيع الحصول عليه بسهولة، وغيرها من الصفات التي أصبحت مسؤولة عن أنويته ومسلكياته بشكل عام".
هذه الشخصية التي نالت كلّ شيء بلا حدود، التي تربت أن تأخذ ولا تعطي، استعظمت أن يُرفض لها طلب، لأنّه اعتاد أن تكون أوامره كلها مستجابة على الفور، استعظم أن ترفض أمّه طلبا له أن تلبس ما يريد هو من لون، ورغم تفاهة هذا الطلب، أدى به أن يقوم بسلوك عدواني بالاعتداء على أمه وحتى إلى قتلها:
" من شان اللللله لا تقتلني...آاااااااااه..ساعدونننننننني يا ناس.... جااااااي يا أهل البلد...يا عالم حد يساعدني".
فوسيم هي الشخصية التي تمثّل أناسا كثيرون في مجتمعاتنا الذين تقدم لهم خدمات كبيرة، إلى الحد الذي لا يمكن الردّ عليه، يردون عليك بنكران الجميل، فيصبح عدوك لفرط ما أحسنت إليه.
منى (أم بشير): بعد أن قررت خديجة (حيث سمت نفسها فيما بعد زبيدة أم الوفا حتى تخفي هويتها) الرحيل عن بلدها كانت تبغي الابتعاد كثيرا عن جرحها وبلدها، والوصول إلى ابعد الأمكنة التي يستحيل على أي من معارفها إذا فكّر في البحث عنها أن يجدها خاصّة ابنها وسيم. وبعد مسير طويل وبعد أن تحملت مشاق السفر تلتقي ببائعة خضرة تدعى "منى أم بشير"، امرأة طيبة مضيافة، شهمة بعد أن عرفت أنها غريبة عن البلد ولا تعرف أحدا يضيفها قالت لها:
ـ إذن أنت ضيفتي هذه الليلة إن شاء الله إذا قبلت، أنا أختك اسمي منى أم بشير"(ص67).
منى امرأة صابرة زوجها أسير لدى سجون الاحتلال الصهيوني، والذي يقضي حكما مؤبدا، امرأة كافحت شظف العيش وقسوة الحياة بعد سجن زوجها مما اضطرها للخروج إلى العمل في بيع الخضار، وكما وصفتها ابنتها سميه"....فأمي أطال الله بعمرها تقوم بدور الأب والأم، ....فهي إنسانة حديدية بكل معنى الكلمة، تنهض باكرا مع الفجرية، تذهب إلى الحسبة مع الناس، وتهتم بي وبأخوتي، وكل أسبوعين تذهب لزيارة والدي في سجم عسقلان، وتعود مهمومة مغمومة، كثيرا من الأحيان تمرض وتتعب، حياتنا قاسية يا خالتي، ولكن الحمد لله على كل حال"(ص74).
وشخصيتها كما رسم الراوي حياتها كبقية النساء الفلسطينيات اللواتي عانين قسوة الحياة مما اضطرهن للعمل في مجالات شتى لسد حاجات الأبناء من الطعام، والتعليم حين غياب الزوج إما لاستشهاده، أو سجنه، أو هجرته.
سميّة: ابنة منى أم بشير، طالبة جامعية طيبة بطيبة أمها، أحبتها خديجة (زبيدة أم الوفاء)، وكذلك سمية تعبر لها عن حبها لام الوفا "خالتي أم الوفا أنا بحبك كثيرا"(ص75)، وقد اصطحبتها في جولة إلى المدينة تعرفها على معالمها وحال الناس فيها، وتنشأ علاقة طيبة بينما دامت طويلا، وسمية هي الشخصية التي تمثل أيضا الكثير من الفتيات الفلسطينيات اللواتي أيضا عانين مرّ العيش، إما بسبب استشهاد الوالد أو سجنه، وإما باستشهاده، وتعبر عن ألمها من فراق الأب بسبب سجنه بقولها:
ـ الحمد لله يا خالتي، والله أنا بحب أمي وأبي، والله عندي حسرة كبيرة؛ بسبب اسر والدي في سجون العدوّ الصهيوني، والله لو حد يطلب من روحي، مقابل أن يفرج عن والدي ويفكه من سجنه لأعطيته إياها. أنت ما بتتخيلي كم المعاناة الكبيرة التي نعانيها جراء أسر أبي..."(ص74).
إقبال: خاتمة الفرح، حفيدة من غير ميعاد لبطلة هذه الرواية خديجة (زبيدة أم الوفا)، التقت بها في مقهى كانت قد أقامته أم الوفا بالتعاون مع سمية قرب الجامعة استقطب طلاب الجامعة، وكانت إقبال ممن يرتادون المقهى مع بقية الطلاب، أم الوفاء (خديجة) قربها من قلبها، وعند مرض أم الوفا الشديد نتيجة وساوس أصبتها أو ما أسماه الأطباء الوسواس القهري، انتقلت إقبال للسكن معها وقدمت لها أفضل الرعاية تعافت أم الوفاء جيدا، واستشعرت إقبال حبها الخاص لأم الوفا:
ـ "صرت لا أستوعب حياتي ووجودي في هذه المدينة، بدون أن تكوني فيها خالتي أم الوفا، فأنت اللغز المحير بالنسبة لي بحنيتك وحبك، بقهوتك، ضحكتك، وذوقك النادر حبيبتي، أنا وجدت نفسي مشدودة إليك بسر لا يعلمه إلا الله"(ص149-150).
وحين كتبت أم الوفا مذكراتها منذ التقائها بخالد وحتى اللحظة الأخير ذاكرة تفاصيل حياتها بدقائقها، وما حدث مع ابنها حين أراد قتلها وهجرتها إلى مدينة أخرى، ورأوا أنها تصلح لعمل أدبي روائي، تستحق التكريم عليه، و يذيع صيت الرواية ويفوز بجائزة الإبداع، ثم دعوة من البنك المركزي للتكريم، وتكون المفاجأة حيث يكون أحد المكرمين هو ابنها وسيم، وتكون إقبال حفيدتها، ويكون الهرج والمرج من هول المفاجأة، والبكاء والعويل، وصرخات إقبال وأبيها لاكتشاف أن أم الوفاء ما هي إلا خديجة التي رحلت منذ زمن:
ـ " أنت ستي...أنت ستي خديجة، أنت لست خالتي زبيدة أم الوفا...أنت ستي أم وسيم، حبيبتي يا ستي خديجة..."(ص173).
لم يخب حدس أم الوفا ـ خديجة بمشاعرها اتجاه إقبال لأنها كانت الأقرب على القلب.
رسالة الرواية
استطاع الكاتب أن يقدم للمكتبة العربية عامة، والفلسطينية خاصة إبداعا متميزا، كان له حس مرهف استشعره في كل بيت من بيوت الوطن فلسطين، فما من بيت إلا وفيه، شهيد، أو أسير، او مهجّر عن وطنه قسرا، إذ قدّم لنا نموذجين لما تعانيه الزوجة:
الأولى زوجة الشهيد، اليت ظلمها المجتمع، وظلمها الأقربون، وظلم ذوي القربى اشد مضاضة، بجاية مع ظلم مجتمع لم يرد لها الزواج ممن تحب وتراها سندا لحياتها، وسعادة دائمة، مما اضطرها إلى التمرد على هذا المجتمع وعاداته والزواج من شريك حياتها بعيدا عن إرادة الأهل والمجتمع، فقد دفعوها دفعا لذلك لتحيا مع زوجها بالحلال، ثم صور لنا كيف تفرّد بها ابنها الوحيد رغم عطائها اللامحدود لها ليفرض أنانيته، لأنه استشعر أن الكل يجب أن يدور في فلكه، وأنه الأحسن والأفضل، مما دفعها لأن تشقّ طريق حياتها بمفردها وتبني مستقبلا زاهرا من النجاح، وهذا معهود عن المرأة الفلسطينية التي تتحدى الصعاب، وتتخطى الحواجز وتنطلق كالريح المرسلة إلى الأمام فلا تقل عن شأن الرجال، وكما يُقال "امرأة أخت رجال"، تفرض في نهاية الأمر نفسها على المجتمع وعلى من ظلمها وتحظى بكل احترام مرفوعة الرأس رغم الألم والجراح.
الثانية: هي أم بشير زوجة أسير حكم عليه بالمؤبد في سجون الاحتلال الصهيوني الغاشم، وهي كبقية زوجات الأسرى تحد نفسها معيلة لأبنائها، تعاني من الصعوبات المادية والاجتماعية، تذهب مسيرة ساعات من المعاناة للوصول إلى سجن عسقلان لزيارة زوجها، وتعود مهمومة مغمومة، وفي كثير من الأحيان تعاني المرض، وقد نجحت هذه المرأة بعد مضي زوجها في السجن مدة 31 عاما فوق أنت تعيل أبنائها أن تعلمهم في الجامعات ويكونوا ناجحين، ميسون تزوجت وهي طبيبة أنف وحنجرة مشهور، سمية أنهت رسالة الدكتوراة في الجامعة، وهي رئيسة قسم، متزوجة ولها أسرة رائعة، بشير مهندس ناجح وله اسرة وأموره موفقة، وتبقة أم بشير وحيدة في بيتها صابرة تنتظر الفرج، حتى يأتي اليوم ويفرج عنه مع عدد من الأسرى في صفقة تبادل أسرى وتعم الفرحة البيت وسائر بيوت الأسرى.
وقد قدم لنا الكاتب رسائل عدة من خلال هذه الرواية:
الرسالة الأولى: هي رسالة موجهة لعموم أبناء الشعب الفلسطيني يبعث من خلالها الأمل في قلب كل فلسطيني، تضمنتها رسال سمية حين قرأتها في حفل تكريم أم الوفاء على كتابها:
"نعم صحيح أن ليلنا طال؛ إنما نهارنا قادم، ستشرق شمسنا وسيرحل الجراد عن أرضنا، وستنطفئ نيران الوجع لهذا الزمان البائس، وسيحتفل الوطن ويفرح بميلاد الإنسان الفلسطيني وانبعاثه من جديد. القدس تنتظرنا، لكل بداية نهاية، ولكل نهاية بداية، إنّ مع العسر يسرا، والفجر لا بدّ قريب، أليس الصبح بقريب."(ص170).
الرسالة الثانية: رغم قسوة الحياة التي تواجهها زوجة الشهيد أو زوجة الأسير، إلا أن الصبر مفتاح الفرج وتبقى الأم عظيمة بعطائها، وحنانها، وحبها، تحتوي الجميع، ورغم قسوة الأبناء اتجاه الأمهات، إلا أنه سيأتي اليوم وتدور الدائرة ويكونون آباء لأبناء ويعرفون معنى الأبوة، وسيستشعرون كم ظلموا آباءهم أو أمهاتهم، وهو الحال بالضبط الحال الذي حصل مع وسيم مع أمهم، يأكل يديه ندما وحسرة على ما فرطه بحق أمه الحنونة الطيبة المعطاءة.
الرسالة الثالثة: هي أن الصبر والمثابرة والثبات على الحق هي مفتاح لكل نجاح، فما حدث مع خديجة لا يعني نهاية الحياة بل هي بداية جديد وأفضل، تصل بصاحبها أعلى المراتب واحترام الناس ومحبتهم، فالأصيل يبقى أصيلا، وهكذا بقيت خديجة أصيلة بمبادئها، بحنانها وطيبتها، وهي دعوة لكل من واجه صعابا أن يبحث عن بديل أفضل، وقد افرغت خديجة همومها في الكتابة وأبدعت في ذلك، فمن المحنة تنتج المنحة، ومن الظلمة يخرج النور، ومن الأحزان يبزغ الفرح "ربما لا يستطيع الإنسان أن يكون شاعرا أو كاتبا، إلا إذا صار وزن أحزانه يعادل وزن جسمه، عندما يعيش الإنسان صراعا داخليا عنيفا مع فوضى متصاعدة من الأحاسيس والمشاعر، بهذا يكون الإنسان كاتبا"(ص170)...وحتى مبدعا.
وأخيرا أحيي الأستاذ فوزي على هذه الرواية الرائعة التي لامست المشاعر والقلوب والوجدان متمنية له المزيد من العطاء والتقدّم.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نص‏‏

افتتاحية العدد الثالث من مجلة "الناقد" يوليو ـ 2024 الناقد "3" بقلم / ممدوح رزق



 افتتاحية العدد الثالث من مجلة "الناقد"

يوليو ـ 2024
الناقد "3"
بقلم / ممدوح رزق
يمثل كتاب "القصة القصيرة" للناقد الإنجليزي آيان رايد النموذج المناقض لكتاب "الصوت المنفرد" للكاتب والناقد الإيرلندي فرانك أوكونور والذي تناولته في المقال السابق .. كنت قد حصلت على الكتابين في نفس المساء ـ كما سبق وذكرت ـ من معرض الكتاب بالمنصورة عام 1993، وحين انتهيت من قراءتهما أدركت الفرق بين "النصية الحميمية" للنقد الأدبي كما عند أوكونور، و"العلمية الجافة" كما لدى آيان رايد، مع أهمية التعريفات والمصطلحات الدقيقة التي تضمنها كتابه خصوصًا بالنسبة لكاتب يخطو خطواته الأولى في كتابة القصة القصيرة ونقدها.
صدر كتاب "القصة القصيرة" لآيان رايد عام 1990 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة د. منى مؤنس واشتملت فصوله على مناقشة لتعريف القصة القصيرة، وعرض لتاريخ القصة القصيرة من العصر القديم إلى العصر الحديث، وتناول لأشكال أدبية تابعة للقصة القصيرة، ومقارنة بين القصة القصيرة والأنواع الأخرى من الكتابات النثرية وكذلك شرح لخصائص القصة القصيرة .. من ضمن ما لفت انتباهي في الكتاب أن "الصوت المنفرد" لفرانك أكونور كان من المصادر التي اعتمد عليها آيان رايد، وبالرغم من أن "الصوت المنفرد" كان يجسّد ـ وبشكل ساحر ـ ماهية عمل الناقد بالنسبة لي إلا أنني أدركت أن "اللعب الشاعري" ليس ضامنًا للتخلص من غريزة "الحكم الأبوي" على النصوص الأدبية، والدليل على ذلك أنني مع الاستغراق التام في الحديث الفاتن لفرانك أوكونور عن تاريخ القصة القصيرة كنت متيقظًا برفض عفوي "للانتقادات الإلهية" التي كان يطلقها أوكونور تجاه بعض النصوص التي يحللها ـ كما فعل مع موباسان وهمنجواي وكاثرين مانسفيلد مثلًا ـ حتى وإن لم أكن قد قرأتها من قبل، ولكنني كنت أمتلك في تلك الفترة المبكرة ما يمكن اعتباره وعيًا شاحبًا وأصيلًا، بأن "الحميمية النقدية" لا تعطيك الحق في أن تعيّن نفسك "شرطي القصة القصيرة".
في المقابل فإن الرصانة النقدية التي يمثلها آيان رايد لا تعني مطلقًا حتمية "الحضور الأبوي" بكل ما يتسم به من تحيزات عقابية مطلقة، ولهذا فإن جوهر "الناقد" كما تشكّل في بصيرتي منذ البداية ـ ومثلما أشرت في مقالي السابق ـ يمزج بين اللعب الحميمي وتفكيك "الحكم الإلهي" على النصوص، أي أنه أبعد ما يكون عن "الوصاية" التي لا تقوى سوى على محاولة إخضاع "الكتابة" / الحياة والموت إلى مجرد "وجهة نظر"، أو "زاوية رؤية" يتوهم صاحبها أنها "الصواب المطلق للعالم" وبالتالي لا يمكنه تحمّل وجود ما يناوئها.
تحميل العدد

الأحد، 28 يوليو 2024

جزء من رواية ( الممسوس ) تأليف / متولي بصل مصر

 

جزء من رواية

الممسوس

تأليف / متولي بصل

مصر

عندما أصاب الكساد النجارة، وتحولت معظم الورش إلى مطاعم ومقاهي؛ اضطررت إلى أن أترك صنعتي وصنعة آبائي وأجدادي، وأعمل في أحد تلك المطاعم، وظننت وقتها أن القدر قد ظلمني، لكن فيما بعد اكتشفت أنه كان يساعدني ويهيئ لي كل السُبُل التي يمكن أن تخفف عني تلك الطامة الكبرى التي توشك أن تدمِّر حياتي وحياة أسرتي الصغيرة.

فالمطعم بجوار المسجد الكبير، وإمام هذا المسجد هو أحد أشهر الشيوخ الذين يعالجون بالقرآن، وكل أربعاء من كل أسبوع بين المغرب والعشاء تزدحم ساحة المسجد بالناس، وأكثرهم جاؤوا من بعيد، ومن شدة الزحام يُضطر بعضهم لافتراش رصيف المسجد ! ومنهم من يفترش رصيف المطعم، ولأنني حارس أمن هذا المطعم كان من واجبي أن أبعدهم عن الرصيف بكل حزم.

في البدء كنت أبعدهم دون أي اهتمام بمعرفة السبب الذي أخرجهم من ديارهم في ذلك الوقت؛ وجاء بهم ليفترشوا الأرض بهذه الطريقة في انتظار مقابلة الشيخ.

كانوا يواسون أنفسهم في وقت الانتظار، بسرد حكاياتهم لبعضهم البعض، وما أعجبها من حكايات تفوق حدود العقل والمنطق! لدرجة أنني كنت أُكذِّب أكثرها بيني وبين نفسي، لكن هذا لم يصدَّني عن الاستماع لما يقولونه، فقد كان بمثابة تسلية لي حتى ينتهي وقت العمل.

صاحب المطعم كل يوم في ذهابه وإيابه يُذكرني بألا أسمح لأي مخلوق مهما كان بأن يشغل الرصيف، وعندما أخبرته بأمر زوَّار الأربعاء الذين يأتون من كل مكان لمقابلة الشيخ، قال لي وهو يضحك ساخرا:

-  هؤلاء المساكين لو يعلمون حقيقته .. هذا الشيخ ميمون من عشرين سنة تقريبا كان مجرما، وقاطع طريق، وكان اسمه ميمون العفريت وعندما قبض عليه رجال الشرطة في إحدى حملاتهم، سأله الضابط عن سبب تسميته بالعفريت؛ فبدأ يتلفت يمينا وشمالا، ويهذي بكلمات غير مفهومة وكأنه يتحدث إلى شخص آخر - ولم يكن ثمة شخص ثالث في حجرة المكتب - فظن الضابط أن له علاقة بالجن؛ فصرفه خشية أن يؤذيه، ويعمل له سحرا أو عملا، و أمر العسكر ألا يأتوا به إليه مرة أخرى، ومنذ ذلك الحين اشتهر ميمون ودخل كار السحر والأعمال من أوسع الأبواب .

-  لكن الناس يقولون أنه يعالج بالقرآن!

 - وهل يحتاج القرآن إلى شيخ ليقرأه ؟! أنا ممكن أقرأ القرآن، وأنت وكل واحد يقدر أن يقرأه، قراءة القرآن لا تحتاج واسطة !

من كثرة ما سمعته من زوار الأربعاء عن الدجالين والمشعوذين صدَّقت كلامه، لكن الذي كان يُحيِّرني أن سمعة الشيخ ميمون كانت حسنة جدا، والجميع يذكرونه بكل خير! حتى إنني عندما سألت واحدا ممن ينتظرونه عن حاله مع الشيخ؛ قال لي :

-  إنه رجل مبارك!

-  هل يطلب منكم مالا ؟!

-  لا، لم أسمع أنه طلب مالا من أحد، لكن معظم الناس يُقدِّمون له الهدايا عن طيب نفس.

-  وكيف يُعالجك ؟!

-  إنه لا يعالجني أنا، وإنما يُعالج زوجتي، ففي أحد الأيام ظهر فجأة قِط غريب، وقبض بأنيابه على دجاجة صغيرة، وهمَّ بافتراسها، وكانت زوجتي تطحن بعض البهارات؛ فضربته على رأسه بيد الهون فمات؛ ومن يومها ونحن نعيش في عذاب، لو كانت تعلم أن هذا القط جني لتركته يأكل الدجاجة الصغيرة، وكل الدجاج الذي عندنا.

-  تقصد أن القط بعد أن مات انتقل الجنِّي منه إلى زوجتك ؟!

-  لا يا أخي، عندما مات القط مات الجنِّي، لكن أهله من يومها يُعذبون روح زوجتي انتقاما لموته؛ هذا هو الكلام الذي قاله لنا الشيخ ميمون.

-  يُعذبون روحها! كيف يُعذبون روحها ؟!

-  يوما تشتكي من آلام فظيعة في ذراعها، وتصرخ صراخا شديدا، وتقول أن ذراعها ستُقطع! ويوما تشكو من آلام رهيبة في رأسها لدرجة أنها تظل تضرب رأسها في الحائط من شدة الألم؛ حتى تسيل منها الدماء، ويوما تصرخ من وجع شديد في ساقها، وتظل تبكي وتتألم، وعندما أذهب بها إلى أي طبيب، وينظر في الآشعة والتحاليل، يقول متعجبا أنها سليمة، ولا يوجد أي مرض عضوي!

-  يااااه كل هذا لأنها قتلت قِطَّا !

أمسك الرجل يدي بكلتا يديه، وقال لي بتوسل حتى أنني شعرت كأنه غريق يستنجد بي :

-  والله العظيم أنا أعيش في جحيم، عندما أطفئ نور الغرفة؛ تصرخ كالمجنونة، وعندما أشعل النور، تُقسم لي أنها رأت عيونا من نار تنظر إليها نظرات مرعبة؛ فأظل أبحث في كل مكان، وأقلب أثاث الشقة، لكنني لا أعثر على شيء! ماذا أفعل .. ماذا أفعل ؟!

-  الله يكون في عونك، ويصرف عنها ويشفيها!

هذا الرجل ظل يأتي مرات عديدة إلى الشيخ، وأحيانا كان يحضر زوجته معه، نصحته أن يعرضها على طبيب نفسي فربما تعاني من مرض نفسي، وكان رده أنه لم يترك أي طبيب نفسي في البلد إلا وذهب إليه!

و من بين زوار الأربعاء الذين لا أنسى حكايتهم العجيبة شاب يافع، عندما كنت أبعد الناس عن رصيف المطعم، أمسك بذراعي؛ وقال لي بهدوء عجيب :

-  لا تتجبَّر فالله أكبر !

نظرت إلى عينيه، فشعرت برهبة كبيرة، إنه لم يتجاوز العشرين، لكن نظرته نظرة رجل في الخمسين ! قلت له محاولا أن أصرف عن تفكيره فكرة التجبر هذه :

-  هذا عملي يا بني، إنني أتقاضى أجري من أجل إخلاء هذا الرصيف من أي إشغالات أو زحام قد يسبب مشكلة لزبائن المطعم !

-  يمكنك أن تؤدي عملك، مع إظهار بعض الرحمة والرفق بالناس، الرحماء يرحمهم الرحمن .

أردت أن أغير مجرى الحديث، إذ وجدت أنه من الصعوبة إقناعه بأن طبيعة عملي تحتاج إلى القسوة والحزم وليس الرحمة والرفق؛ فقلت له :

-  لم أرك من قبل، إنني أكاد أحفظ وجوه زوار الأربعاء، ولا أظنك واحدا منهم !

-  هذا صحيح، إنها المرة الأولى التي أحضر فيها لأرى الشيخ .

-  ولماذا تريد مقابلته، هل بك مس أو سحر، مع أنني أراك - ما شاء الله ولا قوة إلا بالله - شابا فتيا تتمتع بالصحة والحيوية !

-  أمي وإخوتي كلهم كأنهم مسهم الشيطان !

-  كلهم !!

-  يرون أشياء تعيش معنا في البيت !

-  أكيد شخص مؤذي عمل لهم سحرا !

-  لا، ليس سحرا، إنه مس شيطاني، فقد انتقلنا من البيت القديم الذي كنا نعيش فيه بجوار النيل، وسكنا في منزل جديد، لكن هذه الأشباح التي يرونها انتقلت معنا !

-  الله يكون في عونك يا ابني، وهل ترى أنت هذه الأشياء ؟!

-  أنا من صغري تربيت عند جدتي، وكانت حريصة على تحفيظي القرآن الكريم، وعلمتني أصلي الفروض في أوقاتها، لذلك عندما ماتت، ورجعت للعيش مع أهلي، لم يظهر لي أي شيء مما يحكون عنه، لكن أحوالهم تكاد تقتلني .. أخي الأكبر يظل يهذي ويتحدث إلى نفسه؛ وأخي الأوسط أصابه الجنون؛ وهام على وجهه في الشوارع؛ وأمي وأخواتي البنات في البيت كالأموات أو الأشباح، أحوالهم تبكي الحجر!

-  ألا يمكن أن يكون كل هذا الذي يحدث لأفراد أسرتك بسبب مرض نفسي ؟!

-  ذهبنا لجميع الأطباء في كل التخصصات، لم نترك بابا إلا طرقناه، لكن بلا فائدة.

-  وأبوك، لم تذكر شيئا عنه !

-  قتلوه !

-  مَن ؟!

-  الذين يسكنون معنا !

-  لا إله إلا الله !

-  كان يحاول أن يطردهم بكل الطرق، وأحضر الكثير من الشيوخ، لكن لم يستطع طردهم، وفي النهاية قتلوه .

-  قلت أنكم انتقلتم من البيت القديم إلى بيت جديد، فانتقلوا معكم !

-  صحيح، كنا نظن أن السبب وجود البيت القديم قريبا من النيل، لكن عندما انتقلنا إلى البيت الجديد، وسط المباني والعمران، فوجئنا بأنهم انتقلوا معنا !

-  لماذا قلت بكل يقين أنهم قتلوه، ربما مات ميتة طبيعية، حزنا على ما أصاب أسرته؛ أزمة قلبية مثلا، أو أي سبب من أسباب الوفاة الطبيعية !

-  أمي وإخوتي أخبروني أنهم رأوه وهو يصرخ ويستنجد بهم، بينما كانت هذه الأشباح تحيط به من جميع الجهات، لو كنت موجودا وقتها ربما كنت استطعت إنقاذه من بين أيديهم .

كلام الشاب جعل الخوف يتسلل إلى قلبي، إنه أغرب من أن يُصدِّقه عقل، لقد بدأ كلامه بحكمة، وأنهاه بخرافات لم أستطع تصديقها؛ لدرجة أنني بدأت أرتاب في أمره، فربما يكون هو نفسه به مس من جنون !

سمعت حكايات كثيرة عن عالم لا نراه، ولا نعلم عنه إلا القليل، لكن ضحاياه أكثر بكثير مما يتخيله عقل بشر، وقد اكتشفت أنني كنت مهملا جدا في صلاتي، لكن بعد كل ما رأيته وسمعته أصبحت حريصا أشد الحرص على أن أصلي الفريضة في وقتها، وألا أنام إلا بعد أن أصلي العشاء، وأقرأ آية الكرسي.

ولم يكن لي في هذه الدنيا إلا زوجتي وابنتي الوحيدة؛ لذلك أوصيتهما بحفظ القرآن، وأداء الصلاة في وقتها، وألا يقتلا أي شيء حتى لو كان جرذا صغيرا، فربما يكون عفريتا ونحن لا نعلم! لكن كما يقولون ( لا يغني حذر عن قدر ) ولأن المكتوب ليس منه أي هروب، كان لزاما عليَّ أن أشرب من نفس الكأس التي شرب منها هؤلاء المساكين الذين كنت أطردهم من على رصيف المطعم.

ابنتي حبيبة قلبي؛ وفرحتي الوحيدة في هذا العالم المليء بالأحزان؛ نور عينيَّ في هذه الدنيا السوداء المظلمة، فجأة ودون سابق إنذار بدأت تظهر عليها نفس الأعراض التي كنت أسمع عنها من زوار الأربعاء، تبكي دون سبب؛ تظهر على وجهها ملامح الفزع والذعر فجأة وكأنها رأت وحشا مخيفا؛ تهذي بكلام غير مفهوم في بعض الأوقات؛ كل صباح عندما تستيقظ من نومها تظهر على جسدها خدوش وجروح حمراء لا تعرف سببها؛ وعندما أقرأ عليها القرآن ترتمي على الأرض وتتلوى بطريقة عجيبة، وهى تترجاني أن أتوقف عن القراءة!

كذَّبت نفسي، وكتمت ما أعرفه - بخصوص الجن والمس والسحر - عن أمها، وذهبنا بها إلى أكثر من طبيب لكن بلا جدوى، فالجميع يظنون أنها حالة نفسية، ويصفون لها أدوية لعلاج الاكتئاب، وحالتها تسوء، والأعراض تزداد، وأنا وأمها لا نعرف ماذا نفعل! لذلك لم أجد مفرا من الذهاب إلى الشيخ ميمون، الذي استمع لي؛ ثم قال :

-  ابنتك ممسوسة !

نزل كلامه على رأسي كالصاعقة، تحاملت، وسألته :

-   وما العمل يا شيخ ؟!

-  أحضر عسلا، أي نوع من العسل، وسأقرأ عليه، ثم تأمر ابنتك بأن تغسل به شعرها مرتين كل يوم؛ عندما تستيقظ من نومها، وقبل أن تنام.

نفذت كل ما قاله لي، لكن حالة ابنتي كانت تسوء أكثر، وزوجتي تعتقد أن ما أصابها هو نتيجة سحر أسود، وعمل سفلي، عمله أهل العريس الذي رفضناه منذ شهر، فقد كان شابا عاطلا، ولم يكن له حظ في التعليم، وكل ما يمتلكه هو شقة اشتراها له أبوه!

رفضناه أنا وزوجتي كما رفضنا من قبله آخرين لم يكونوا جديرين بابنتنا، إنها وحيدتنا، ولم نبخل عليها حتى تتعلَّم، وتكمل دراستها، وتتخرج من كلية العلوم، صحيح لم يكن لها حظ في الوظيفة، لكنني - ما دمت على قيد الحياة - سأوفر لها كل ما تحتاجه، ولن أقصِّر في حقها أبدا.

أنا وأمها كانت كل أمنيتنا أن نزفّها إلى الشاب الذي يستحقها، ويستطيع أن يسعدها، ويرعاها ويحميها، أما اليوم فأمنيتنا أن ننقذها مما أصابها، ونخرجها من تلك المأساة التي ألمَّت بها، والتي لا نعرف سببها.

لم أترك شيخا أو دجَّالا إلا وذهبت إليه، لكنني كنت دائما أرفض أن تأتي ابنتي معي إلى أي واحد منهم، وبدأت بمرور الأيام أشعر بما يشعر به زوار الأربعاء، وأنا أقف على رصيف المطعم، لم أعد أهشّ أحدا، فمصيبتنا اليوم واحدة، وحتى إذا مرَّ صاحب المطعم، ورآهم؛ وغضب منِّي، وحتى إذا طردني من العمل، لن أشعر بأي أسف أو ندم، فطردي من العمل أصبح بالنسبة لي أهون بكثير من طرد هؤلاء المساكين الذين يعانون أشد المعاناة من أجل أحبائهم.

الأيام تمر ثقيلة على قلبي، وكأنها عجلات قطار، وخوفي على ابنتي يزداد، وكنت قد أخبرت الشيخ ميمون بأن حالة ابنتي لم تتحسَّن؛ فطلب مني أن أحضرها معي في المرة المقبلة، لذلك لم أذهب إليه مرة أخرى، فقد كنت أرفض تماما أن أذهب بها إلى أي شخص فربما يكون دجالا؛ فيؤذيها، وكان هذا من لطف الله سبحانه وتعالى بي وبابنتي، ففي خلال أيام قبض رجال الشرطة على الشيخ ميمون بعد أن اتهمه أهل فتاة بأنه اغتصبها بعد تخديرها، وبعد القبض عليه، وانتشار الخبر؛ ظهرت من تحت الأرض حكايات لجرائم أخرى.

قررت ألا أذهب بها إلى أي مكان، خوفا عليها، لكن حالتها كانت تستفحل كل يوم، إنني أراها تذبل وتموت أمام عيني ولا أستطيع أن أفعل شيئا!

لذلك قرَّرت أن أبحث عن الكتب التي تتحدث عن الجن والمس والسحر، وظللت أياما أقرأ فيها، لكنني لم أصل إلى طريقة أنقذ بها ابنتي!

وذات ليلة وأنا أقرأ في كتاب من هذه الكتب، بينما كانت هى نائمة في سريرها، أخذتني سِنة من النوم؛ فرأيت شبحا مخيفا يقول لي بصوت غريب مرعب:

-  ابنتك ماتت .. ابنتك ماتت!

قمت مفزوعا، وجريت عليها؛ وجذبتها من على السرير بقوة؛ لأوقظها وأتأكد من أنها على قيد الحياة، وأنا أصرخ وأبكي، وأنادي عليها :

-  مريم .. ابنتي .. مريم !

ولم أهدأ إلا عندما رأيتها تفتح عينيها! كاد قلبي يتوقف من شدة خوفي عليها، وجاءت أمها مذعورة واحتضنتها، وهى تشعر أن وراء صراخي وبكائي خطب كبير، لم أخبرها بالكابوس الذي رأيته، لكن دمعي أخبرها، فمنذ تزوجتها لم تنزل دموعي أمامها إلا مرة واحدة عندما بشرتني بأنني سأصبح أبا، بكيت وقتها من شدة الفرح، بعد أن ظللنا محرومين من نعمة الإنجاب سنوات، واليوم نزل دمعي مختلطا بمزيج من الخوف والحزن والحسرة.

الشقة التي نعيش فيها في الطابق الأخير من العمارة، لذلك كنت أصعد إلي السطح أحيانا  لاستنشاق بعض الهواء النقي، كان عبارة عن مساحة كبيرة خالية إلا من حجرة مغلقة في أحد أركانه، لم أسأل يوما عن سبب وجودها، ويبدو أن أصحاب العمارة قد نسوا وجودها، فلم يفكر أحدهم يوما في تأجيرها لأي شخص، شدَّ انتباهي بابها الخشبي القديم، وفوجئت بأن القفل الذي عليه مفتوح! لم أصدِّق عيني إلا عندما مددت يدي، ورفعته عن الباب؛ فانفتح، وأخذ يصدر صريرا حادا، مع وصول النور إلى الداخل عرفت أنها خالية، لكن يبدو أن على الأرض سجادة .. غير معقول، إنها سجادة ابنتي مريم، كيف وصلت إلى هنا ؟!

عندما وقفت في مدخل الحجرة تضاءل النور، وانكمش للحظات، وحلَّت محله الظلمة، لكن بمجرد أن دخلت فرش النور ضياءه في أركان الحجرة من جديد، لاحظت أن السجادة مفروشة عكس اتجاه القبلة! أكيد ابنتي لم تنتبه لهذا الأمر، وربما فرشتها فقط لتجلس عليها، وتقرأ كتابا، فهى تحب القراءة.

تذكرت ما كنت أسمعه من زوار الأربعاء عن قراءة بعض آيات القرآن بالمقلوب، وعن الطقوس الغريبة التي يفعلها خادم السحر لاسترضاء الجن واستحضارهم.

في نهار اليوم التالي، قلت لابنتي :

 - الحجرة المهجورة التي على السطح وجدتها مفتوحة، ويبدو أن شخصا ما قد فتح قفل الباب!

ابتسمت ابتسامة ضعيفة، وقالت :

-  أنا التي فتحتها يا أبي !

-  معقول يا مريم، وكيف تفعلين ذلك، أصحاب العمارة لو علموا سيتهموننا بالسرقة!

-  لا تقلق يا أبي، فهى خالية، ولا يوجد فيها أي شيء!

-  حتى إن كانت خالية، فليس من حقنا أن نفتحها، ما دام على بابها قفل مغلق، صحيح كيف فتحت ذلك القفل الكبير الصدئ ؟!

-  طرقت عليه بقطعة خشب عدة مرات فانفتح

-  ولماذا فتحته ؟!

-  سمعت صوت قطة يأتي من داخل الحجرة، كانت كأنها محبوسة وتستنجد بي !

-  قطة !!

-  نعم، كان صونها واضحا!

-  وهل رأيتها عندما فتحت الحجرة؟!

-  لا، لم أجد أي قطة في الداخل !

-  والسجادة، كيف وصلت هناك ؟!

-  كنت أقرأ كتابا، وآشعة الشمس كانت شديدة؛ فدخلت وفرشت السجادة، وجلست أستكمل القراءة، وغلبني النعاس، فنمت، وعندما استيقظت كانت الحجرة مظلمة، والباب كأنه مغلق؛ فأخذت أصرخ وقمت مفزوعة، وفتحت الباب، ونزلت إلى هنا.

في ذلك اليوم عرفت سبب ما حدث لابنتي، هذه الحجرة المهجورة يسكنها عفريت، وهو السبب فيما تعانيه ابنتي . كيف أخرجه منها، وأبعده عنها قبل أن يقضي عليها وعلى مستقبلها ؟!

أسوأ شيء يمكن أن يُبتلى به الإنسان أن يرى فلذة كبده تتعرض للخطر، وهو لا يستطيع أن يدافع عنها، ويبعده عنها، كيف أتعامل مع شيء لا أراه، ولا أعرف عنه شيء؟!

أمها قالت لي وهى تجهش بالبكاء، وتكاد تلفظ روحها مع الكلمات من شدة الكرب الذي تعانيه :

-  مريم ابنتنا حصل لها شيء فظيع !!

- ماذا حصل ؟!

-  تقول أنها تشعر وكأن شخصا - لا تراه - يتحرش بها !

-  يتحرش بها .. معقول .. لطفك يا الله !

-  وصفت لي أشياء تحدث لها .. لا تحدث إلا لامرأة مع زوجها يا سليم !

-  لطفك يا رب .. لطفك يا رب !

لم نتحمَّل، وذهبنا بها إلى طبيبة نساء، كنا مثل شبحين أو ميتين ونحن نجلس أمامها، نشرح لها المصيبة التي أصابت وحيدتنا !

كلامنا أصابها بالذهول، ويبدو أنها لم تصدِّق حرفا مما قلناه لها، لكنها قامت وكشفت على مريم، والعجيب أنها عادت إلينا بوجه مبتسم، وهى تضرب كفا بكف، وتقول :

-  ياااه .. معقول فيلم الرعب الرهيب الذي جعلتماني أعيش فيه ! البنت سليمة، لم تُمس، ولم يُخدش لها خدش، ربنا يحميها، ويرزقها بابن الحلال.

تهلل وجهي ووجه زوجتي، وشهقنا شهقة غريقين كانا في عِداد الأموات، ثم قذف بهما الموج فجأة إلى الشاطئ؛ فعادت إليهما الروح من جديد!

سألتها زوجتي بعد أن اطمأن قلبها قليلا :

-  والأشياء التي تحكي لي أنها تحدث لها يا دكتورة ؟!

-  مجرد أوهام وخيالات لا أساس لها من الصحة .

تمنيت أنا وزوجتي لو نصدق أن كل ما هى فيه مجرد أوهام وخيالات، لكن حتى لو صدقنا بمجرد أن نعود للبيت سنجد أنفسنا وجها لوجه أمام ذلك الهم الثقيل، والعذاب المستطيل الذي يلاحق ابنتنا، ولا يرحمها .

كان من الضروري أن أجد حلا، يقولون أن ( كل عقدة ولها حلال )، وإيماني بهذه المقولة هو الذي جعلني أفكر وأبحث عن طريقة أنقذ بها ابنتي من ذلك الملعون الذي بدأ يُكشِّر عن أنيابه؛ وأخيرا اهتديت إلى حيلة؛ فأخذت السجادة، وصعدت إلى السطح بعد أن خيَّم الظلام على كل شيء، ثم دخلت الحجرة، وفرشت السجادة كما كانت مفروشة من قبل، في نفس المكان، وأغلقت الباب، ثم تمدَّدت عليها، محاولا النوم! وأنا أغالب خوفي، وأصبِّر نفسي بأن ما أفعله قد ينقذ ابنتي .

لم أخبر زوجتي في ذلك اليوم بما نويت فعله، بل كذبت عليها، وقلت لها أن صاحب المطعم يريدني أن أعمل فترة إضافية تلك الليلة، قلت لها ذلك حتى تطمئن، ولا تشعر بأي قلق، يكفيها قلقها على ابنتنا، كما أنها لو علمت أكيد كانت ستعارضني وتحاول منعي .

لا أدري متى استيقظت، لكنني شعرت وأنا بين النوم واليقظة كأن شخصا يُقيِّد ذراعي ورجلاي! وأنا أحاول بكل قوة التخلص منه! وفتحت عينيَّ بصعوبة شديدة، فقد كان جفناي كأن عليهما ثقلا يضغط عليهما ليظلا مغلقين! كنت أقرأ بتلقائية شديدة آية الكرسي وبصوت جهوري حاولت تضخيمه بكل ما استطعت من قوة، كنت أحاول أن أستجمع كل قوتي لتتركز في صوتي وأنا أقرأ ! رغم الظلمة الشديدة رأيت في لمح البصر ذلك الملعون الذي كان يحاول تقييدي وشل حركتي! لمحت حدوده الخارجية فقط! كانت تبدو مثل الخطوط التي يرسمها الرسام ليحدد بها الشكل قبل تلوينه !

حاولت أن أقنع نفسي أن كل ما يحدث لي ليس سوى هلاوس سمعية وبصرية سببها الظلام الشديد، كل هذا لأطمئن نفسي، لكن هيهات .. هيهات!

اتخذت وضعية الجلوس، وأخذت أردد كل ما أتذكره من آيات، وأذكار، وأدعية، وفجأة شعرت بقشعريرة شديدة تسري في سائر جسدي أصابتني بالشلل للحظة، ثم بدأت تزول شيئا فشيئا، وتنسحب من الأطراف إلى الداخل، حتى استقرت في الجانب الأيسر لي، وأحسست بثقل غريب لم يكن موجودا من قبل! قمت ناسيا السجادة، وفتحت الباب، وخرجت من ظلام الحجرة إلى ظلام الدنيا، وقفت فوق السطح مترددا لا أعرف هل أنزل أم أظل في مكاني حتى تشرق الشمس، كنت أخشى إن نزلت إلى الشقة أن ينتقل هذا الذي أصابني إلى زوجتي، فأنا أتعامل مع شيء لا أعرف عنه إلا القليل، قررت أن أبقى مكاني حتى تشرق الشمس، وعندما تشرق شمس الغد سأعرف نتيجة ما فعلته، لديَّ أمل كبير في أن يكون هذا الذي اقتحم مسام جلدي؛ وتسلل إلى لحمي وعظامي؛ وتلبَّسني هو نفسه الذي مسَّ ابنتي، يمكنني أن أتحمَّل كل بلاء يسببه لي، إنه الآن في كليتي الشمال، ومن المؤكد أنه سيجعلني أشعر بآلام رهيبة، لكنني سأتحمَّل، سأصارعه ويصارعني، قد أهزمه فأشفى، وقد يهزمني فأصبح مثل هؤلاء المجانين الذين يمشون في الشوارع على غير هدى، أو هؤلاء الذين تمتلئ بهم مستشفيات الأمراض العقلية، ليس مهما عندي، لكن الأهم أن يكون قد خرج من جسد ابنتي، غدا سأعرف وأتأكد، فبعد قليل ستشرق الشمس .

(جزء من رواية الممسوس)

 

 

 

 

 

 

 

هُمَسَاتٌ دَافِئَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بقلم / سَنَاءُ الْعَاجِزِ

هُمَسَاتٌ دَافِئَةٌ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ بقلم /   سَنَاءُ الْعَاجِزِ   كَانَتْ لَيْلَةٌ هَادِئَةٌ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، وَالْقَمَرُ مُعَ...