لا تقتلوا العصافير !
تأليف : متولي بصل
مصر
وحيدٌ أنا في تلك الدار، التي تتوسَّط قيراطين من الأرضِ، إنها كل ما
تبقَّى لنا من أمي التي رحلت، وهى في ريعان شبابها ! أشعر أن كل شيء من حولي يبكي
لفراقها؛ هى التي كانت تروي النخيل والأشجار حول الدار، بل سمعت منها أنها هى التي
زرعت شجرة الجوافة القريبة، وبعض أشجار التوت؛ كما أنها كانت ترعى البط والإوز
والدجاج، تطعمه بيديها، وتهتم به؛ وكانت تهتم بالكلبة البنية التي تحرس دارنا،
تطعمها؛ وتنظفها؛ وتهتم بجرائها. كل بضعة أشهر تلد الكلبة بضعة جراء، وبمجرد أن
تكبر هذه الجراء قليلا، تتم سرقتها جروا جروا، ولا يتبقى لنا في كل عام إلا تلك
الكلبة الوفية، التي كانت ترافق أمي لتحرسها في ذهابها وعودتها، عند الذهاب إلى
السوق، أو لزيارة أهلها، كما كانت تحرس أبي في طريقه إلى المطحن، وبعد أن تطمئن
إلى وصوله مكان عمله؛ تعود إلى الدار؛ وتوصلني إلى المدرسة، وتظل واقفة أمام الباب
حتى ينتهي الطابور، وأدخل الفصل .
كانت السعادة تغمرنا أنا وأمي وأبي، لكن بعد رحيلها فارقتنا هى أيضا،
حتى إن أبي لم يعد يذهب لصيد العصافير أيام الجمع كما كان يفعل . فقد كان كل جمعة يذهب
للصيد، ويرجع بصيد وفير، وكنت حريصا على الذهاب معه، ومن شدة حبي للصيد؛ علَّمني
كيف أجهز البندقية، وكيف أصوب نحو الهدف، ولم أكن أعرف وقتها أن تلك الهواية قد
تجعل منِّي - في يومٍ من الأيام - قاتلاً .
صحيح أنني لا أزال طفلا صغيرا؛ مجرَّد تلميذ في الصف السادس
الابتدائي، لكنني أصبحت أعرف جيدا أن ضغطة واحدة على الزناد يمكنني بها إزهاق روح،
وإنهاء حياة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الروح - دائما - روح عصفور .
أشياء كثيرة تطوف في
رأسي، وأنا أتأمَّل الأشكال التي تكونها الخطوط والبقع التي هى بقايا الجير على
جدران حجرتي، والتي تكاد تعود عارية كما كانت قبل طلائها منذ سنوات بعيدة .
كل يوم تبدو لي تلك
الأشكال، وكأنها أرواح العصافير التي قتلتها، إنها تطير داخل الجدار، وأحيانا
يتمكن بعضها من الخروج منه، والطيران من النافذة !
تلك العصافير التي كنا نقتلها أنا وأبي، هى التي تؤنس وحدتي الآن،
وتمنحني السكينة والاطمئنان .
أحدها كان ينظر لي بدهشة، وكأنه يعرف ما أفكر فيه؛ لدرجة إنه سألني :
- لماذا تريد أن تقتلها ؟!
أعرف أن العصافير لا تتكلم، وأن الببغاء هو الذي يمكنه ذلك، لكن
العصفور تكلم، وسمعته؛ لذلك قلت له، وأنا أمسح دموعا سالت من عيني :
- لقد حَرَمَتْني من أبي، ألا
يكفي حرماني من أمي ؟!
طار العصفور على الفور، وخرج من الجدار، ثم انطلق من النافذة نحو
الخارج ! فشعرت بالقلق، وخشيت أن يكون ذلك العصفور الموتور قد ذهب ليخبرها بأنني
أنوي قتلها .
أشكالٌ أخرى على الجدار
بدأت تظهر، وتتضح أكثر، أبي مع زوجته، وبعيدا عنهما في الناحية الأخرى من الجدار،
ظهرت أمي، كانت تفتح ذراعيها لي لأرمي نفسي في أحضانها، حاولت كثيرا لكن الجدار
كان يفصل بيننا، ليتها تخرج منه كما فعل العصفور منذ قليل، سمعتها تقول لي :
- لا تقتلها يا بني، لا
تقتلها !
زوجة أبي تبتسم، وتعلو ضحكاتها وترتفع، وأبي هو الآخر ينظر لي مبتسما،
ويقول ساخرا من جرأتي :
- تريد أن تقتل الكلبة التي
أرضعتك وأنت صغير، إنها الآن بمثابة أمك يا بني !
صرخت بأعلى صوتي :
- إنها ليست أمي، ليست أمي !
دفعني الغضب نحو النافذة، كنت قد ثبَّت البندقية عليها، ووجهتها نحو
شجرة الجوافة التي اعتادت أن تستظل بظلها في ذلك الوقت، إنها الآن أمامي، سأصوب
نحو عينها مباشرة، فالطلقة التي تقتل العصافير، لا يمكن أن تقتل شيئا كبيرا إلا
إذا ثقبتْ إحدى عينيه؛ وأصابت مخه، وبهذا كان أبي قد أخبرني - من قبل - عندما
سألته :
- هل يمكن أن أصطاد ثعلبا
ببندقية العصافير هذه ؟
سمعت صوت أمي وكأنها تناديني؛ فالتفت نحو الجدار، فوجدتها تدعوني لكي
أقترب، تركت البندقية، وأسرعت نحوها؛ فقالت لي :
- وأنت صغير تركتك عند شجرة
الجوافة، تشاهد الكلبة وهى ترضع جراءها، ودخلت الدار لأحضر سلة أجمع فيها بعض ثمار
الجوافة، وعندما عُدت؛ وجدتك ترضع منها، إياك أن تقتلها يا بني !
- لقد عضتني يا أمي، وبسبب
عضتها اضطر أبي أن يذهب بي إلى المستشفى، وهناك تعرَّف على تلك الممرضة، لولا هذه
الكلبة ما دخلت تلك المرأة حياتنا يا أمي .
سمعت زوجة أبي تقول ساخرة :
- الكلبة أرضعتك من لبنها،
عرفت الآن لماذا أنت مزعج، كثير النباح .
نظرت إلى أبي، وانتظرت أن يرد عليها سخريتها، لكنه ظل مبتسما، وقال لي
:
- لا تغضب يا بني، إنها تمزح
معك، ثم لا تنسى أنها هى التي أنقذتك من داء الكلب، فقد ظلت أياما تعطيك الحقنة،
حتى شفيت .
صرخت بحسرة، وألم :
- أنقذتني من داء الكلب،
لتصيبني بلعنة زوجة الأب !
لا أعرف كيف خرجت زوجة أبي من الجدار، وربطت يديَّ من الخلف، وطرحتني أرضا،
ثم ربطت رِجلاي، وقبل أن تخرج، أمسكت بلاطة من بلاط الأرضية الذي تفكَّك منذ زمن،
وأخذت تكشط بها الجير الذي على الجدار، فلم أعد أسمع صوت أمي أو أبي، أو حتى صوت
العصافير.
وقبل أن يعود أبي جاءت، وفكت وثاقي، ثم وضعتني في السرير، بعد أن
تسللت برودة البلاط إلى لحمي وعظامي .
وأبي منذ تزوجها أصبح لا يهتم بي، لم يعد يدخل حجرتي كما كان يفعل في
السابق، ويتحدث معي، ويطمئن على حالي! رغم أنه
قبل زواجه بها كان لا ينام ليلة،
ولا يغمض له جفن، إلا بعد أن يراني، ويأخذني في حضنه، ويقبل رأسي، لا أعرف كيف
استطاعت تلك المرأة الشريرة أن تمحو كل أثر لي من ذاكرته .
الأيام تمر، وقد ذهبت
حلاوتها، وحلَّ محلها المر، كل يوم أحاول أن أقتل الكلبة البنية التي كانت سببا في
تعاستي، وعذابي على يد تلك الشيطانة، لكن قلبي لم يكن يطاوعني .
لا أعرف لماذا تتفنن في تعذيبي، وأنا مجرد طفل صغير، أليس من المفروض
أنها - كما يقول أبي - ملاك من ملائكة الرحمة ؟!
لقد بلغ من قسوة قلبها
أنها كانت تستغل الأيام التي يسافر فيها لزيارة أهله في الصعيد، ويغيب فيها يومين
أو ثلاثة، فتتفنن في تعذيبي، وكان أبي يُسافر كل أسبوعين تقريبا، وكان من قبل لا
يذهب لزيارة أهله إلا ونحن معه أنا وأمي، لكن من يوم أن تزوجها، أقنعته بأن يتركني
حتى لا تتأثَّر دراستي، لكنها بمجرد أن يسافر، تمنعني من الذهاب للمدرسة، وتحبسني
في الحجرة، ممددا على البلاط، ومربوط اليدين والرجلين؛ لتنهش البرودة جسدي النحيل،
وأظل أصرخ من البرد والجوع، ثم تتركني على هذه الحالة، وتذهب إلى عملها في
المستشفى !
وفي أحد الأيام، كدت
أموت من قسوة البرد، وشدة الجوع؛ فأخذت أصرخ وأنادي على أمي لعلَّها تظهر في
الجدار، وتخرج منه لتنقذني، وبعد أن ذهب صوتي، وفقدت القدرة على أن انطق بأي كلمة؛
إذا بالنافذة المغلقة تنفتح، وكأن أحدا قد دفعها من الخارج دفعا، ثم فوجئت بالكلبة
البنية تقفز منها إلى الداخل، وظلت تعض بأنيابها الحبال حول يديَّ ورجليَّ، حتى
فكَّت وثاقي، وحررتني، واستطعت بصعوبة بالغة أن أضع جسدي الضعيف فوق السرير، وأضع
الغطاء فوقي، وأنال بعض الدفء الذي كنت محروما منه .
وعندما عادت زوجة أبي لم تُصدِّق عينيها، ووقفت في وسط الحجرة تحاول
أن تفهم ما حدث، ثم أمسكت بلاطة مكسورة، وأخذت تتأمَّل حافتها الحادة، وكأنها تقول
لنفسها أنني ربما استطعت فك الحبال وتقطيعها بمثل هذه البلاطة .
وعندما عاد أبي من سفره؛ حكيت له وشكيت، لكنه لم يصدِّق كلمة واحدة
مما قلته عن زوجته ! حتى دموعي لم تقنعه، وأنفاسي المتقطعة، وشحوب وجهي، والإعياء
الذي أصابني .
سمعت كثيرا - رغم صغر سني - عن النساء اللائي يسحرن أزواجهن، وعندنا
في القرية أكثر من ساحر، وأكثر زبائنهم من النساء، ربما تكون هذه الشيطانة قد عملت
له سحرا؛ جعله ينساني، وينسى حتى زيارة قبر أمي التي تركت له دارا وقيراطين، كانوا
كل ميراثها من أبيها .
حُرمتُ من عطف أبي
وحنانه، رغم أنه لا يزال على قيد الحياة، وحُرمتُ من رؤية وجه أمي، ومن رؤية
العصافير على الجدار، بعد أن أقنعت الشيطانة أبي بضرورة طلاء الدار من الداخل بطلاء
أفضل من الجير، بحجة أن الجير هو سبب الربو الذي أصابني، والسعال الذي ينهش رئتي،
ويكاد يفتك بصدري .
ولم يعد لي في هذه الدنيا إلا الكلبة البنية، يا الله ! كم كنت غبيا
عندما فكَّرت في قتلها، ظلت على وفائها رغم جفائي، وحتى عندما عضتني، كنت أنا
المخطئ، فلم تعضني إلا بعد أن يئست من توقفي عن حزِّ ذيلها بنصل السكين الذي كان
أبي يذبح به العصافير بعد إصابتها .
بدأت أتقرَّب منها من جديد، وأشاركها عصر كل يوم ظل شجرة الجوافة،
وأتأملها وهى ترضع جراءها الجدد، إنها الوحيدة التي أستطيع أن أبث لها حزني، وأبوح
لها بتعاستي وبالعذاب الذي أتعرض له .
وفي اليوم الذي تحبسني فيه زوجة أبي، أناديها؛ فتدفع النافذة؛ وتقفز بكل
فدائية؛ لتحررني من جديد، ثم تعود إلى جرائها تحت شجرة الجوافة .
وذات ليلة قبل الفجر،
استيقظت على صوت أبي، وجدته يدخل مع زوجته، ويقبِّل رأسي وأنا بين اليقظة والنوم،
ثم انصرف إلى عمله، وكان من المفروض أن أظل في فراشي أياما كما قال الطبيب، ولا
أذهب إلى المدرسة إلا بعد أن أُشفى، وأسترد عافيتي، لكن زوجة أبي كعادتها معي، نزعتني
من فراشي، وطرحتني على البلاط، كنت في حالة شديدة من الإعياء، ورغم ذلك رَبَطتْ
يديَّ ورجلاي مثل كل مرَّة؛ وسكبت بعض الدواء على الأرض؛ ثم أعادت العلب إلى
مكانها، كنت ضعيفا جدا، فلم أستطع أن أصرخ، وأنادي على الكلبة البنية لتفك وثاقي
مثل كل مرَّة .
ورغم ذلك، فوجئت بها تدفع النافذة، وتقفز إلى الداخل وتحررني، وبعد أن
عدت إلى فراشي الدافئ، خرَجَت كما جاءت، استمتعت ببعض الدفء، لكن معدتي كانت
خاوية، فانتظرت حتى تشرق الشمس، ففي ذلك الوقت تكون زوجة أبي قد ذهبت إلى عملها؛ ثم
خرجت من الحجرة أبحث عن أي طعام أطفئ به نار الجوع التي تحرق أحشائي، ولكنني عندما
مررت أمام حجرة أبي سمعت صوتا، فظننت أن أبي قد نسى شيئا وعاد لجلبه، وقفت أمام
الباب مترددا، فوجئت بصوت زوجة أبي هى الأخرى يأتي من داخل الحجرة! سمعتها تذكر
الدار والقيراطين، ثم صك سمعي صوت غليظ، إنه صوت رجل، لكنه ليس صوت أبي، انحنيت
لأنظر من ثقب الباب، رأيتها فوق السرير، وبجوارها ذلك الرجل غريب، أذهلتني الصدمة،
ولم تعد رجلاي قادرتين على حمل جسدي؛ فرجعت إلى حجرتي زحفا، وأغلقت الباب كما كان،
ونمت في فراشي، ووضعت الغطاء على جسدي، وغطيت وجهي، وأخذت أبكي بكاء مرَّا .
عندما دخلت الشريرة
حجرتي، ووجدتني في فراشي، لم يبدُ على وجهها أي شيء يوحي بالدهشة، فقد كانت الكلبة
البنية بجواري على السرير، وقد جلبت لي بضع ثمار من الجوافة، وكنت من فرط جوعي
ألتهمها التهاما، لدرجة أنني كنت ألتهم الأوراق مع الثمار. لقد عرفت سرِّي، كما
عرفت سرها .
في اليوم التالي، لمحتها وهى تضع إناء مليئا بقطع اللحم أمام الكلبة
البنية، وما أسرع ما التهمته ! إنها المرة الوحيدة التي تبدي فيها اهتماما بها،
وتضع لها طعاما، إنه ليس مجرَّد طعام عادي، بل وليمة جهزتها بنفسها، الشك
يُساورني، وسرعان ما تحوَّل الشك إلى يقين؛ ماتت الكلبة البنية؛ قتلتها تلك
الشيطانة؛ سممتها، إنها حتى لم تهتم بمصير الجراء الذين لا حيلة لهم، من سيطعمهم
ويرعاهم بعد أن قتلت أمهم ؟
فعلت فعلتها، ثم ذهبت للسوق!
قررت ألا أدفن الكلبة إلا بعد أن أخذ بثأرها، سأقتل تلك الملعونة، حتى
لو كان هذا آخر شيء أفعله في حياتي، لن أسمح لها بأن تستولي هى وعشيقها على الدار
والقيراطين، لكن بعد أن أقتلها، أين سأذهب، وماذا سأقول لهم، إن أبي لا يُصدق حرفا
مما أقوله، كيف سيصدقني رجال الشرطة ؟! ربما يتخلى عني أبي، ويتركني لهم ليحبسوني
هم أيضا .
أخذت أنظر إلى الجدار، وأبحث فيه عن أمي، أمسكت بلاطة وأخذت أحاول أن
أكشط بها الطلاء، لكنني كنت أضعف من أن أزيل أي جزء منه .
لو أستطيع كشط جزء صغير؛ وأتسلل وأختبئ فيه عند أمي، أين أنت يا أمي،
أين أنت يا أبي ؟! حملت البندقية، وذهبت نحو النافذة، انتظرت طويلا، حتى رأيتها
وهى راجعة من السوق، ها هى تقترب، شعرت بقوة كبيرة تسري في عروقي، جعلتني أصوب نحو
عينها مباشرة، وأضغط الزناد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق