قصة قصيرة:
عائشة
بقلم
م.فتوح
تونس
وقفت عائشة بشرفة الصالون تستعذب نسمة الغروب المعتدلة...الانارة العمومية تقاوم الظلام الزاحف على المدينة...ضجيج الشارع يتدرّج رويدا رويدا نحو الهدوء وصوت الأذان يملأ الفضاء...زاغ بصرها نحو النوافذ المفتوحة على مصراعيها...رأته يحتضنها من الخلف...يرسم قبلة خفيفة على رقبتها فتنكمش من دغدغة تسري في مسامّها...تهزّ كتفيها في دلال تخفي عنه رقبتها...يهمس في أذنها فتستدير ضاحكة مشرقة الوجه وترتمي في أحضانه كأنّها تختبئ بين ضلوعه...
أحسّت وهي أمام هذا المشهد بأنّها تغبط هذه المرأة وتتمنّى لو كانت مكانها...خشيت أن ينفتح صدرها للحسد فأغلقت النافذة وأسندت ظهرها إليها. زاغ بصرها نحو أرجاء الصالون...حملقت في الصورة المعلقة على الحائط قبالتها...صورة زفافها...علت شفتيها ابتسامة مرّة وضجت بصدرها خيبة عميقة تؤجج إحساسها المتّقد بالحرمان...
تقدّم جارهم المنصف لخطبتها...قبِلت دون تردّد. رأت فيه طوق النجاة من براثن الإكتئاب الجاثم على صدرها مذ غاب صادق دون سبب أو سابق إنذار تركها تحلم بالحياة ثمّ تبخّر ولم تعرف له طريقا....
لم تعرف للمنصف يوما عنفا أو سكرا غير أنّه انسان بارد المشاعر لا يُلقي بالا لأنوثتها لكم تزيّنت وتأنّقت لكنّها لم تسمع منه كلمة حبّ ولم تظفر مرّة بضمّة شوق...كلّما امتلأ شهوة أتاها كما تأتي البهائم بعضها بعضا ثم غطّ في نوم عميق موشّح بشخير مزعج...كم مرّة فاتحته في الأمر لكنّ الرّدّ المغلّف بمزحة كان دائما بمثابة طعنة في الصدر ...
سوف يعود كعادته من المقهى بعد أذان العشاء...يملأ بطنه...يعدّ " الشيشة" ويجلس أمام التلفاز بحثا عن مباراة كرة قدم وستلجأ هي إلى الصمت وتحلم بيوم يتغيّر فيه كل شيء، يوم يلقاها فيه
ببشاشة وحبّ، يضمّها بشوق ويملأ أذنيها كلاما حلوا...
أدار المفتاح واندفع إلى الداخل...داعبت خياشيمه رائحة شهيّة...
ناداها فلم يسمع لها ردّا...جاب كلّ الغرف...لم يعثر لها على أثر...ارتبك...نز عرقا...عاد إلى الصالون...انتبه إلى ورقة بين الصحون على مائدة الأكل...أخذ الورقة...عدّل موضع نظاراته على أنفه وأذنيه...قرأ:
- العشاء فوق الطاولة...كُلْ واملأ بطنك...القناة الثانية الايطالية تبث مباراة كرة...
ملاحظة: ابحث لك عن بهيمة...أنا إمرأة...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق