دموع
تحت الضوء الأحمر
بقلم
أميره عبدالعظيم
مصر
تتسلل بين السيارات كطيف لا يُرى إلا حين تتوقف
العجلات بإشارة حمراء هناك، تبدأ حركتها التي إعتادها الجميع، خصوصاً عند السيارات
الفارهة، تقف عند نافذة السائق، ودموعها تنسكب كأنها ماء يروي قلوباً جافة. بصوت
متهدج، تردد جملتها المعتادة:
"أعطني مما أعطاك الله."
هكذا تقضي يومها، طفلة ببراءة لم تعد تُشبه
الأطفال.
وعند
غروب الشمس، تبدأ بلملمة دموعها المُستنزَفة، عائدة إلى بيتها الذي لا يشبه البيوت
إنه جُحر تحت الأرض، مختبئ بين أكوام القمامة، معتم، كريه الرائحة.
في طريق عودتها، تصطف المطاعم على الجانبين،
تفوح منها روائح الطعام الذي لا تعرفه إلا بالأحلام. بطنها الصغير يتلوى جوعاً،
فتقف أمام ما تشتهيه عيناها، وتستدعي دموعها من جديد. يشفق عليها بائع الطعام،
فيُقدّم لها بقايا ما تركه الآخرون، ملفوفة في رغيف خبز. ثم تكرر المشهد عند بائع
العصير، الذي يهتز قلبه أمام نظرتها، فيمنحها كوباً صغيراً من العصير الطازج.
عندما تصل إلى ذلك الجُحر البائس، تكون قد
إستنفدت كل ما تبقى من روحها. تستلقي على الأرض المظلمة، محاولة أن تغفو، لكن
الانتظار لم يكن صديقها الوحيد في هذا الليل. ينتظرها وحش الغابة، مروض الشحاذين،
الرجل الأقرع ذو الشارب الكث، يأتي ليأخذ منها كل ما جمعته خلال يومها، دون أن
يترك لها فلساً.
تناثرت العملات بين يديه السمينتين، إلا ذلك
الجنيه الفضي الذي انزلق من بين أصابعه ليقع على قطعة القماش. تلتقطه بسرعة، تضمه
بيدها الصغيرة وكأنه كنزها الوحيد.
في عالم الظلام الحالك
تنام عيناها وهي تحمل الجنيه، وتحلق روحها في
أحلام الطفولة، تشتري حذاءً وردياً وفستاناً أبيضَ، تمشط شعرها بفرشاة جديدة،
وتزينه بفراشة صغيرة. ترى غرفة مليئة بالضوء وسريراً ناعماً يعلوه وسادة إسفنجية.
تسأل نفسها بابتسامة بريئة:
"كم تبقى معي من الجنيه؟"
تفتح عينيها فجأة، لتجد يدها مفتوحة وخالية، و
قد إختفى الجنية كما تختفي الأحلام.
في الصباح، تشرق الشمس على يوم جديد، وتعود
دموع "روح" تتجدد كما لو كانت هي التي تُضيء شوارع المدينة.
وتنتظر بشغف حلول الليل أملًا في سقوط جنيه فضي
آخر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق