المسابقة العربية الكبري فى
القصة القصيرة
تحت رعاية الشيخة نوال الحمود الصباح
نظَّمَ الاتحاد الدولي للمثقفين العرب
"مسابقة
القصة القصيرة
"
تحت شعار "من
الإبداع إلى التتويج"
وكانت شروط المسابقة :
————————
تتم المشاركات في المسابقة
بالتعليق بقصة واحدة على هذا البرنامج لكل مشترك
على أن لا تتعدى بوست واحد
-
يستمر قبول القصص لمدة أربعة أيام، تبدأ مساء
اليوم الجمعة 2024/12/13 ، وتنتهي الثلاثاء 2024/12/17 .
- تقبل
النصوص التي تمت المشاركة بها باحدى المسابقات ولم يسبق لها الفوز باحدى المراكز
الثلاثة الأولى
- تقبل
النصوص المكتوبة باللغة العربية الفصحى تقبل العامية في الحوار.
-
القصة المنشورة مسؤولية كاتبها أولاً وهذا
لايخلي مسؤوليتنا، وعليه لن تقبل النصوص المنقولة وما شابه.
-
تقبل النصوص التي شارك بها الكاتب/ الكاتبة فى
مسابقات أخرى قبل ذلك ولم يسبق لها الفوز بإحدى المراتب الثلاثة الأولى بأي مسابقة.
-
لا تقبل القصص السياسية والطائفية التي تمس
كيان الدول أو الشخصيات أو الأديان والمعتقدات الدينية أوالتي تتضمن أية
إشارة عرقية أو طائفية أو مذهبية.
- تقبل
القصص القصيرة فى حدود بوست واحد فقط، أكرر ( بوست واحد فقط).
- مع ضرورة
وضع عنوان للقصة وتذييلها باسم الكاتب الصريح باللغة العربية واسم دولته.
" تنويه
هام "
- يتم عرض
القصص على لجنة مميزة من الأدباء لاختيار أفضل النصوص ومن ثم ترسل للجنة التحكيم
والتقييم.
-
النص الجيد لا يحتاج صورة تدعمه، نريد إبداعا
نري فى قراءته الحدث.
جوائز المسابقة:
———————-
- جوائز
عينية للمراكز الثلاثة الأوائل.
-
ومن المركز الرابع حتي العاشر درع الإتحاد
الدولي للمثقفين العرب.
وأفضل (10) عشر نصوص مشاركة
بشهادات شرفية عليا.
- تنشر
النصوص التي تصل إلى القائمة الطويلة فى مجلة الاتحاد ، مجلة الهيكل ، مجلة
المنتدى العربي.
مع أطيب الأماني بالتوفيق
للجميع.
سمو الشيخة : نوال الحمود
الصباح
رئيس مجلس إدارة الاتحاد
الدكتور مهندس : خالد
النابلسي
نائب رئيس مجلس ادارة الاتحاد
الدولي للمثقفين العرب
الشيخة لارا سلطان المجالي
الأمين العام الاتحاد الدولي
للمثقفين العرب
الدكتور د. عابدين البرادعي
نائب الأمين العام الاتحاد
الدولي للمثقفين العرب
الأديب: مجدي شعيشع
مدير عام الاتحاد الدولي
للمثقفين العرب
ومدير مسابقة "القصة
القصيرة"
الأديب والناقد المهندس: محمد
البنا
أطفال الشمس
خِفت من وجوده المهيمن، تنكّرت في صورة قلم
رصاص، ومرة استقمت شجرة.. مرّ أمامي دون أن يعرفني.
اختبأت خلف معطف والدي على المشجب؛ لما علمت أنه
يتسحّب بليل، ويخطف الأطفال، ويلقيهم في البئر.
سألت أبي:
- من البئر خرج الأنبياء؟.
- وأحيانا الشياطين.
......................
قال جدي، وهو يهمّ بنا لصلاة العشاء:
- لاوطن لهم، جُلبوا كالمماليك عبيداً مأجورين، دنّسوا
الأرض بأفراسهم، نهبوا البلاد، واستذلوا العباد.
- والناس ياجد!.
على باب زويلة ياولدي، ناحوا على طومان باي،
أحبّنا فأحببناه، وكرهنا الخسيس الذي أسلمه رهينة للسطان. بكيناه حين شرعوا في
شنقه أمام العوام.
ونحن بلا حول ولاقوة..
وأنا ألهو بمسبحته:
- متى نملك حولاً ونملك قوة؟.
فاجأته.. تضايق، شتمني،:
- إسأل أباك..
......................
طويت كتاب التاريخ، وفتحت النافذة..
مازال مترصداً، يدوّن أدنى حركة ليخطَّ تقريره..
تبسّم القمر في جوف سماء بنفسجية.. وتدلّت
فوانيس الشّارع كالأشباح تسترق السمع، وتفرش ضوءها المخروطيّ على الطريق.
تلاصقت البيوت في عتمة ماقبل الفجر، كأهل
يحتضنون عائداً بعد طول غياب..
.....................
ذات ليلة..
أردنا الخروج دون ملاحقة. تخفيّنا في هيئة
عصافير، تنقّلنا بحريّة وخفّة بين الأشجار، تمكنّا من السّهر في
"الحسين" حتى الصّباح، وأداء الصلاة..
- وانطلت عليه؟.
- نعم.
زغردت النّساء، وتندّر الرواد في المقاهي
بالحادثة.
-ثم بعد!!.
- أقالوه لتقاعسه عن عمله؛ صمّم على كشف اللغز؛
فطرق الباب وسألنا..
- يااااااه، وماذا فعلتم؟.
- سوف تستغرب، إنه مثلنا ياولدي، فقير، مُسيّر.
- لماذا كل هذا إذن؟.
- ألم تدرسوا السير، وأنباء الغزوات والفتوحات،
والحقب المتلاحقة.
- نعم..
- أدرستم تفسير الرؤى؟.
- هه!!.
.....................
"اصطففنا في وجه الشمس، بوجوهنا دون مواربة..
زحفت جحافلهم كالجراد، انشق النيل، ركضت بقرات عجاف، خرج أطفال الرّؤى متلألئة
بالضّوء، يحملون أكفاناً بيضاء، وثبوا نحو الظلمة فانقشعت... وفاض النهر!".
- أغلق النافذة ياجد؟
*******
كلُّ المقابر ترفضني
نبيل نجار
سورية
لكزني: انهض، انهض يبدو أن القيامة قامت!.
نظرت من ثقب كيسي البلاستيكي الأسود، هناك عمال
يبدون كأشباح يحفرون، يستخرجون أكياسنا يجمعونها قرب الطريق العام.
ـ يارجل، لاقيامة ولا من يحزنون، يبدو أنهم
يستخرجوننا.
ـ لكن، لماذا؟.
أهز كتفي، تصطدم بكيس خلفي، تخشخش الأكياس كأنها
ريح بين أعواد قصب.
ـ لا أدري، دعنا ننصت لعلنا نفهم.
قبل الفجر بقليل توقفت شاحنة كبيرة بقربنا،
بدأوا برمينا في صندوقها بأيديهم المتربة، بعض الأكياس تأوهت و احتجت: هيه، على
مهلك يارجل، كسرتَ عظامنا.
ـ أشعر بالاختناق، صاح كيس تراكمت فوقه أكياس
عاد يسألني: هل فهمت سبب هذه النقلة؟.
ـ على ماسمعت، يبدو أنهم هناك في الغرب امسكوا
بحفار قبور سابق، فاعترف لهم بمواقع دفن بعض الجثث.
ـ ممتاز، أتمنى أن ينقلونا لمقبرة أوسع، وأن
يخرجونا من هذه الأكياس القميئة، تخدرت عظامي يارجل وأنا على نفس الوضعية.
ـ حلم إبليس في الجنة، صاح كيس قريب.
ـ يالك من ناعق، لماذا تستكثر علي الحلم؟.
بالفعل كانت الحفرة التي ألقونا فيها أكبر
وأوسع، وكانت الجرافة التي حفرتها تنتظر قريباً؛ ردمت حفرتنا وسوت ترابها سريعاً.
ـ أين أنت؟ صاح صديقي القديم من طرف الحفرة.
ـ أنا هنا، أخرجت يدي من شق كيسي الذي توسع
كثيراً، لوحت له، هل رآني؟.
ـ الموتى بذور الأرض، قال كيس بجانبي.
ـ يبدو أنك فيلسوف، رائع.
ـ الموت غلطة الحياة، كما الرغيف غلطة القمح.
ـ أحسنت، أعشق الفلسفة، يبدو أننا سنقضي أبدية
مثمرة.
ـ يالك من منافق: صاح صديقي القديم من طرف
المقبرة الجديدة.
في المرة الثانية التي استخرجونا بها ـ ولم أفهم
هذه المرة السبب!ـ كانوا على عجلة من أمرهم، كثيرة هي الأكياس التي تمزقت حتى أن
بعضنا كان قادراً على إخراج جمجمته والقاء نظرة أخيرة على مرقدنا المنبوش، الشاحنة
ذاتها كانت قريبة من الحفرة، ألقونا مباشرة بها؛ من الدار للنار كما يقولون.
بالطبع لم يلتفت أحد لاحتجاجات الأكياس على هذه
المعاملة السيئة، أنا بالذات فقدت بعض العظام والأضلاع ولم يكترثوا، كان من حقنا
أن نعتب عليهم ونحتج؛ فقد صرنا نلتقي كثيرا وصار بيننا أخوة تراب، ولكنني أظن أنهم
لم يقدروا هذه العشرة الطويلة.
تلقيت ضربة على كتفي! فوجئت بصديقي القديم
ـ أهلاً (مططتها لإظهار شوقي) عاش من شافك،
أحوالك؟كيف تسير أمورك؟.
ـ الآن ترحب لي وتظهر الاشتياق؟ يالك من منافق،
تتركني طوال الفترة السابقة وتتلهى مع صديقك الجديد!.
ـ وماذا كان بيدي أن أفعل؟ أكان علي أن أوقظ
الأموات بصراخي كل ليلة حتى أتحدث معك؟ والرجل فعلاً عميق الأفكار، كان كاتباً.
ـ عميق الأفكار! ماذا يعني ذلك؟، أي واحد يستطيع
اختراع ذلك الهراء.
ـ أي واحد؟! هات اسمعنا.
تنحنح وحاول أن يجعل صوته أجشاً عميقاً: نحن غجر
الأموات، مارأيك؟.
صفقت له معجباً: رائعة فعلاً وذات مغزى.
ـ حتى تعرف قيمتي.
ـ على الأغلب كان إلى جوارك فيلسوف أو كاتب وأنت
سرقت كلماته.
ـ لا والله ـ صاح ـ هي من بنات أفكاري، كل من
كانوا حولي أطفال ونساء صدعوا رأسي بأحاديثهم عن عمليات التجميل ووصفات الطعام.
ـ أمازحك ياغالي، الحمدلله أننا عدنا لبعض.
ـ طبعاً عدنا، كما يقول المثل: مرجوع الكلب
للقصاب.
ـ أرجوك صديقي، لاتجلب سيرة الكلاب على لسانك،
جعلت عظامي ترتعد، يكفيني مافقدت من العظام اليوم.
ـ معك حق، لنغير الموضوع، أتعرف بماذا حلمت
البارحة؟.
ـ خير اللهم اجعله خيراً.
ـ حلمت بشاهدة رخامية منقوش عليها اسمي، شاهدة
لي وحدي.
ـ حلم إبليس في الجنة، صاح كيس قريب مقهقهاً.
ـ مازلت تستكثر علي الحلم؟، يالك من ناعق.
*******
بقايا
القاصة السورية
معاني سليمان
أمسكني بين يديه، تأمَّلني مليًاً، ثمّ أدناني
من شفتيه وهمسَ لي : سأملأ جمالك بأشعاري وقصائدي ستكونين ملهمتي
لمحت بطرف عينيَّ ثقةً - في عينيه - أسعدتني،
وعندما عجز عن تشكيلي؛ غضب و رمى بي إلى الأرض لأهوي
إلى قطع متناثرة!
تصادف أن مرّ بي أحدهم، استرعت دموعي انتباهه،
فانحنى عليّ، ولملم أجزائي، وعيناه تتفحّصاني برويّة وهدوء إلى أن وضعني وقال لي
وهو يفرك يديه بتأنٍ: كوني ناسكة زاهدة متبتّلةً متعبّدة في محرابي، وسأخفيك عن
العيون، أنت ِمن الآن لي؛ ملكي أنا فقط.
تراقص قلبي فرحًا بين أضلعي، وطربتُ للصّدق
النّاضح من نبرة صوته الرّخيم.
إلا أنّني أصابني إحباطٌ ويأس، عندما عجز عن
تشكيلي كما أراد، وإذ به ينظر إليَّ ممتعضًاً، ثم ألقى بي إلى الأرض، لأتناثر
مجدّدا!
أجهشت بالبكاء لأحساسي بالمهانة التي أصابتني،
وتمازج معها يأسي من أن أكون شيئا!
سارع آخر استنهضه بكائي، وباشر جمع ما تناثر
مني، وكفكف دمعي وهو يقول لي: لا تبكي بعد الآن حبيبتي، سأزيّنَك وأجمّلك وأجعلك
زينة للنّاظرين، وسأصبح بكِ الأغنى في المدينة وعندما عجز عن تشكيلي، قذفني بعنفٍ
صوب الحائط المواجه له، وغادَر؛ غير آبهٍ بتكسُّر أضلعي.
- لِمَ أنا هشَّة هكذا ياأبي ؟..أتَذكُر عندما كنت
صغيرة، وأمسكتَ بي بيديك الحانيتين ،وقلت لي:
حبيبتي كوني مطيعة، ولا تعصي أوامري
وإلّا..
من يومها ياأبي، وأنا كما تراني أمامك الآن... مجرّد قطع متناثرة .
*******
طرف ثالث
القاص المصري
متولي بصل
لم أنم، والعجيب أن كلب الجيران لم ينم هو
الآخر! ظل طول الليل ينبح؛ لكنه لم يكن ينبح نباحاً عادياً؛ بل كان يعوي كما تعوي
الذئاب ! ربما رأى ملك الموت، وهو يدخل شقتي في تلك الليلة.
حتى الآن لا أصدق ما حدث؛ ليتني لم أسمع كلامها،
ليتني لم أطاوعها! لقد قضيت الليل كله أبكي حتى نفدت دموعي، وأصرخ من أعماقي حتى
بح صوتي المكتوم في ضلوعي، وأنا أحاول أن أسعفها؛ أن أعيدها إلى الحياة؛ لكن كان
الأمر قد وقع ! ربما لو كنت اتصلت بالإسعاف؛ لكتبت لها النجاة، كانت تحتاج إلى من
يسعفها؛ ولكنني كنت خائفاً؛ هي نفسها قبل أن تفقد الوعي رفضت اللجوء للإسعاف أو
الذهاب إلى المستشفى!
مع ذلك أنا متأكد من أنها ماتت، صحيح أنني غير
مثقف كما كانت تقول، ولم أحصل على شهادة عليا كما كانت تقول! لكنني تمرَّست في
مدرسة الحياة، ومررت بأشياء وتجارب لا يعلم عنها أهل المدارس شيئا، رأيت من قبل
رجلا يموت في سيارته بعدما نزل ليشتري علبة سجائر! وبمجرد أن عاد إلى السيارة،
وفتح العلبة، ووضع السيجارة في فمه، وأشعلها تجمد في مكانه ! كان قد أوصد الباب؛
فظللنا وقتاً نحاول فتح الباب لنخرج جثته، كانت عيناه مفتوحتان وجاحظتان وكأنه رأى
ما لم نره !
مرة أخرى؛ وفي الورشة التي كنت أعمل فيها،
المعلم وهو جالس على كرسيه المصنوع من جريد النخيل، وقعت النرجيلة من يده فجأة،
وعندما ذهب زميلي ليساعده وجده جامدا في مكانه لا يتحرك، وعيناه مفتوحتان لا
ترمشان! فعلنا الكثير لدرجة أننا لطمناه أكثر من مرة على وجهه، ومع ذلك لم يتحرك،
لو كان حيا لعلَّقنا جميعاً من أرجلنا كالذبائح !
لقد ماتت زوجتي الحبيبة، أنا متأكد من أنها
ماتت؛ والذي يشهد على كلامي عواء كلب الجيران، لم يكن نباحاً هذا الذي سمعته! إنه
لم ينبح بهذه الطريقة قط منذ أقمنا في هذه الشقة المنحوسة
!
ماذا سأقول، إنّ أحداً لن يصدقني؛ سيظن الجميع
أنني قتلتها، إنها فرصتهم التي انتظروها طويلاً؛ جاءتهم على طبق من ذهب
!
طول الليل وأنا أدور حول نفسي حتى تعبت، ومن شدة
التعب نمت بجانب جثتها ! لقد تزوجتها عن حب، مع أنني كنت أعرف أن زيجتنا غير
متكافئة؛ فأنا مجرد عامل حرفي بسيط، أكاد أعرف القراءة والكتابة، بينما هي خريجة
جامعية؛ لديها شهادة عليا؛ و جميلة؛ وموظفة تنفق على البيت أقصد تساعدني .. لا ..
لا .. الحقيقة منذ غلق الورشة؛ أصبحت هي التي تنفق على البيت؛ تنفق علي َّ كما
يقولون .. اللعنة عليهم جميعاـ؛ إنهم يحسدونني عليها، إنهم شياطين يسعون إلى خراب
البيوت !
رغم كل ذلك، ورغم كل المشاكل التي كانت تندلع
بيننا، فقد كانت تحبني، وكنت أهيم بها حبا، على الرغم من دخول طرف ثالث بيننا
بسببه كدت أطلقها أكثر من مرة، كانت شغوفة به أكثر من شغفها بي؛ تجلس معه أكثر من
جلوسها معي، ترافقه في كل مكان، تستشيره في كل صغيرة وكبيرة، وعندما أعترض، تتحجج
بقلة تعليمي! بدأت أتقبل وجوده بيننا رغم شعوري بأن قرنين كبيرين ينبتان في جانبي
رأسي، وكنت كلما نظرت في المرآة أنظر خلسة خشية أن أراهما، وبدأت أعتاد الأمر
بعدما اتضح لي أن الجميع مغرمين به أيضا إنه المأسوف على شبابه المدعو جوجل
!
في تلك الليلة المشؤومة، فوجئت بها تتلوى وتصرخ،
إنها مريضة؛ فاقترحت عليها أن أصحبها إلى المستشفى، وهممت بطلب الإسعاف؛ لكنها
رفضت وبشدة، وشرحت لي أن المستشفيات كلها موبوءة، ووجدتها تكتب ما تحس به، وترسله
إلى جوجل وما أسرع ما جاء رده ! فبعد أن قرأ الأعراض التي أرسلتها؛ كتب لها قائمة
متكاملة بالأدوية اللازمة ومن ضمنها حقنة، و لأن كلام السيد جوجل أوامر فقد
أرسلتني لأحضر لها الدواء من الصيدلية القريبة، ثم غرست سن الحقنة في ذراعها، و يا
ليتها لم تفعل ! فما هي إلا دقائق حتى رأيتها تتشنج أمام عيني ثم رأيت حدقتا
عينيها تدوران، قبل أن تجمدا، وتتوقفا إلى الأبد، حاولت إفاقتها بكل الطرق، لكنها
كانت قد فارقت الحياة .. .. اللعنة على جوجل، إن مصيبتي كبيرة، وليست في موت زوجتي
التي أحبها فقط، فالمصيبة الأكبر أنهم سيتهمونني بقتلها! بمن سأستشهد ؟! هل أطلب
شهادة كلب الجيران الذي ظل يعوي طيلة الليل خوفاً من ملك الموت، أم أطلب شهادة
جوجل الذي كان يسعى لتفريقنا دائماً حتى نجح، وحرمني منها ؟
!
انتهى الليل ، ليبدأ ليل حياتي الأبدي ؛ لقد مر أكثر من سنة؛ سنة سوداء محت كل عمري الذي عشته من قبل، حتى أنني لم أعد أذكر لحظة سعادة واحدة عشتها، وأنا أنزف الساعات المتبقية لي خلف القضبان! إنهم يقولون إن القرائن كلّها ضدّي؛ كل الأدلة والبراهين تقول أنني قتلت زوجتي الحبيبة ! ولذلك حكموا بالإعدام لتوفر العمد مع سبق الإصرار، كلمات منمقة لا أدرك لها معنى ! لكن الذي يشغلني الآن هو متى سينفذون الحكم ! ربما ينفذونه الليلة؛ فها هو صوت عواء كلب الجيران يتردد في أذني من جديد !
هامة خاوية
زهراء ناجي
قبل أن يخلد إلى النوم، خلع رأسه من بين كتفيه،
ووضعه تحت الوسادة، فقد تعوّد على ذلك منذ فقد رأسه الأصلي قبل سنوات، في إعدام
جماعي، وهو وسط أشلاء القتلى في حفرة عميقة، ولم يجده، عرف في ما بعد أنّ لصًا عبث
في الأجساد، بحث عن شيء ثمين يسرقه، فما وجد غير أدمغة مهشّمة، ورأس واحد مقطوع،
بدت ملامحه كاملة، أخذه وباعه لرجل عاد من الحرب بلا رأس..
الرأس الجديد ليس على قياسه تمامًا، فهو لرجل
أضخم منه مات في حادث سيارة، وجده وسط المقابر، حين ينبش السحرة التراب لتتلقّف ما
تصنعه أيديهم من فنون الشعوذة في جماجم داخلها أرواح الجنّ، كان هناك فوق تلّة
رمل، شعر أنّه يناديه كي ينهي ذلك الصوت الذي يدقّ عظام جمجمته، لكنّه على كلّ حال
يحميه من أسئلة الناس كلّما شاهدوا كتفيه عاريين، حتى إنّه في المدّة التي عاشها
بلا رأس كان يستخدم كرة بدلًا عنه، غير أنّ الأطفال لم يتركوه لحاله، وكثيرًا ما
كانوا يخطفونها منه، ليركلوها بأقدامهم، ويلعبوا، يهرولون نحوها بعد أن تتلطّخ بالوحل،
ليقضّ ليله يزيل عنها ما علق.
اليوم، كلّما شعر بصداع ذهب إلى القبر الذي يحوي
جثّة الرجل صاحب الرأس المستعار، فيسقيه بعضًا من الماء المذاب فيه حبّتان من
المسكن..
الغريب أنّه كلّما مشى في طريق، وجد جسده يتّجه
إلى ناحية، بينما الرأس يتّجه دومًا إلى الناحية التي يوجد فيها قبر صاحب الجثّة
مبتورة الرأس، ما دفعه لأن يفقأ عينيه بنفسه حتى تنتهي معاناته، فلا يتيه بين
الاتّجاهات المتعاكسة..
بات ضريرًا، على هذا الحال لكنّه حافظ على وحدة جسده، وكفّ الناس عن السخرية منه، ولا يزال يخلع رأسه قبل النوم، ويضعه تحت الوسادة ليجده في الصباح ...
مدى
القاصة السودانية
مي عبد الحميد عزت
ترفع إصبعها لتشير إلي، ثم تبدأبصوتها الخافت
الشجي تناديني : مي ! ..اكتبي عني فهذه المرأة لا تعرف كيف تكتب عن حياتي؛ لقد
حولتني لأسطورة..أخبريها كيف إني كنت حقيقيةً للنهاية !!
أقشعر جسدي، ثم وقع مني الشال الصوفي وأنا أنهض
مسرعة لأوافيها بابتسامة، يجتاحها صمودٌ أخرس رغم انكسارة روحي الباكية
..
من هي هذه المرأة ؟!
لا أحد هنا غيرنا !!
أنتزعها من شرودها بصوتيَ اللاهث
-أمي!! انظري لي أنا
أحتضنها وكأني لن أستطيع أن أحتضنها مجدداً.
لم تفارقها البسمة أبدًا؛ التصقت بشفتيها مع
كلامها اللين الرطب ..لكفيها ريح من المسك
تمسك رأسي بأناملها الحنونة وتديره، وتشير لي
مرة اخرى
- انظري !!..إنها ما زالت تكتب عن أسطورةٍ اسمها
ابتسام ..أخبريها أني لست أسطورة !!، إنما واقعٌ عشته لستةٍ وسبعين سنة
..
بهدوء التفت وقلت للمرأة الظل
- توقفي !!..لا تكتبي أنتِ عنها؛ أنا من سيكتب
.
على ظهر ورقة من أوراق الفحوصات الدورية لها،
وبقلمٍ استعرته من الممرضة في الغرفة المجاورة؛ جلست بقربها وبدأت أسألها
:
- أخبريني؛ ماذا و كيف تحبين أن أكتب عنك؟
جاوبتني بسكينة وروية
- اكتبي اسمي .. اكتبي أني افنيت عمري في عشق
والدك ..اكتبي اسمه أيضاً
فكتبته(عبدالحميد) لكن دمعة منها شوّهت اسمه!
قالت لي : حارتنا كان اسمها حارة (قطيفة
)
ثم صمتت قليلًا وسألتني : هل تشمين رائحة
الجدران العتيقة؟ اختلطت رائحة الارض والعرق والخبز والندى..أتشمين رائحته؟.. كان
يتكيء تحت شرفتي لوقتٍ طويلٍ بعد منتصف الليل،
وشجر الليمون الذي كان يحاوط بنايتنا
..
أتتذكرينه ؟! ..وعتبات بيتنا نحلتها أرجل
جارتنا؛ كانت سمينةً جدًا لدرجة أن زجاج الشراعة قد انكسر مرتين ونحن نحاول فتح
الباب لتستطيع الدخول منه
ضحكت وقلت لها: يا أمي، لنكتب عنك
!
قالت: اكتبي؛ كان لي مقعد خشبي في شرفة البيت
أجلس أرقبه وكان يسبقني بسنة في كلية الزراعة، ووعدني إذا نجحت بتقدير؛ سنسافر
للبعثة معا !!..
إخوتي السبعة كانوا يلتفون حول ( الطبلية)؛
يأكلون وجبة العشاء، وكلٌ منهم يترجى الله في صمتٍ أن أبتعد عن سور الشرفة، وأغادر
الكرسي ليحل أحدهم محلي .. سافرنا، لكن هذه المرة للسودان، حيث الحياة كانت أقسى،
والأشخاص رغم اختلافاتهم، إلا أنّني استطعت أن أكسب محبتهم ..بعدها انطلقنا لمحطة
الحلم .. مازلت أذكره يوم حفلهِ لمناقشة رسالة الدكتوراه، التي كُرّم فيها كأول
عربي يحصل على هذه الدرجة !!
- وأنتِ ؟
- أنا تنازلت عن درجة الدكتوراه، لأني كنت على وشك
ولادتك ..
صمتت برهة من الوقت، فبدت لي كمن غادر عائدًا
بروحه إلى زمنٍ مضى، وعادت فأردفت
- هل لي أن أسرّ لكِ بشيء ؟
تمعنت قليلًا !! فأومأت إلي أني أشبهها كثيرًا
!!
ووصتني ان لا أكون مثلها أبدًا
..
ثم قالت :
لكن أتعلمين؟ أنتِ وإخوتك كنتم أثرى من أي درجة
علمية .. بكم ولكم كنت سيدة القصر، وأميرة السيدات؛ لم يحرمني أبدًا ..كنت أجمل
النساء معه!!
فجأة سكتت، وسرحت بنظرها بعيدًا، فقطعتُ الطريق
بين نظرتها والمرأة المزعجة تلك ..
- أخبريني أكثر عنك !!
قالت : كنت طاهية ماهرة، فقد علمتني جدتك لأبيكِ
كيف أصنع جبنًا لا يقاوم ..حينما يدق جرس الباب الساعة السادسة صباحًا، وأجد
الحليب أمامي؛ لا يسعني حينها إلا أن أستحضر ما درسته في الماجستير، لأصنع مشتقاته
كلها ..
وما من أحدٍ حولي لم يعتد على النكهة الخاصة التي
كنت أصنعها .. كان والدك يعشقها كما كان يعشقني .. رغم أنه تزوج بعدي ثلاث نساء
إلا اني كنت الأولى والأخيرة، وضحكت حتى بكت،
فبكيت معها وأمسكت بيدها فإذ بها شديدة البرودة
.. وترتجف !!
عدت مسرعة لكرسيّ أجلب لها شالي الصوفي
انحنيت أرفعه،..
حين انتصب ظهري، كانت قد ودعت - بنظرة حانية
وابتسامة ودودة - المرأة التي تكتب عنها كأسطورة!!
وظلت دموعها الدافئة تغطي ذكراها
…
حينها فقط عرفت؛ أن العشق يثلج الصدر لا يدفئه !.
*******
متواليات الظّلام
( ذاكرة مثقوبة )
القاصة المصرية
جلاء الطيري
أرتقُ الثّقوب التي ملأت ذاكرتي؛ حتى لا تهرب
منّي تفاصيل وجهي في المرآة، سأمنحهُ ابتسامة راضية، أُخبئ وجه أمي في مساحة حميمة
من الذاكرة، أقتفي أثر أصدقاء تلاشوا، حتى لا أكونُ عبئاً عليهم.
أسيرُ متعرّجة والطريق مستقيم، أتعثرُ في فوضى
الأشياء التي لا أراها .
أسقطُ..
أرتطمُ بالأرضِ...
ينفتحُ ثقب كبير يفرُ منه كلُّ من حاولتُ
لملمتَهم
أتبعثرُ...
أتوكأ على عماي وأمضى بذاكرة مثقوبة
(راقص التنورة)
تتوارى العتمة، تزدهي الألوان ببهجتها، الأحمر
بعنفوانه يُسيطرُ على الأصفر البرتقاليّ، يمتزجُ مع الأزرق ..... يدورُ راقص
التّنورة، تلتحم الألوان في شغفٍ حميم يلتحفُ كُلُ لونٍ بما فوقه، ينتشى الرّاقص
....يعلو ....ويعلو في فضائه الرّحيب، أقترب منهُ، أتتبّعُ وقع أقدامه.
يهبط من علٍ، تختفي الأصوات وقرعُ الطّبول، يهرب
لون مارق، يشدّني إليه، أتوحّدُ مع الألوان المُتراقصة، نراود فتى التنّورة عن رقصهِ
....هنيئاً لك ...يحملنا ويصعدُ...أصعدُ، ومن غفوة الُحلمِ... أسقط...أتوكأُ على
عماي ..وروحٌ شفيفةٌ تُضُيئ لي السُواد.
(تسلُّل )
في ترقّب وخوف أفتح نافذتي. كلصٍّ محترف تتسلّل
عابثة بكلّ زوايا الظُّلمِة، تُراود ذاكرتي أتلمّس في دفئها ضوء الشّمعة، ألوانَ
قوس قزح تمنحُ ذاكرتي الهزيلة بعض النَّشوة، أرى اتّساع المدى، يزدادُ شغفُها
بمحاصرتي، تُحاول الولوج إلى روحي تتصارع هي واللّيل الذي يسكنني أتدثّرُ ببعضي.
تلوذ الرُّوح بسرِّها ... أتوكأ على عماي
ويسيِّرني إلى مبتغاه .
*******
أحمر
القاصة السورية
خلود برهان
لم تكمل ولوجها من الباب؛ بل أمسكت مقبضه تنظر
للخلف مرة و إلي مرة وكأنها تريد أن تعود من حيث أتت.
الفضول منعها من المغادرة.
عيناها المندهشتان تحدقان باستهجان ممردغ بنظرات
لا يمكن وصفها.
تمنيتُ لو أن الأرض انشقت و ابتلعتني؛ قبل أن
تراني بهذا المشهد، وأنا التي طوال عمرها أمثّل عليها دور الأخت الكبيرة الحكيمة.
لقد فتحت لها إحدى صديقاتي المدعوات حين كنت
أدور حول نفسي مستعرضة فستاني الأحمر القصير جداً.
لفّني ضباب الخجل ، و هبطت فوق قلبي دوامة سوداء
عتيقة من ذكريات طويلة معها.
حاولت استبعاد الصور التي عبرت مخيلتي بثوانٍ تحدّت
منطق الزمن، و أنا أضبط قدرتي أمام المدعوات
- لحفل بسيط لزواجي الثاني-
على أن أتمالك نفسي و أستمر في رقصي أمامهن، دون
أن ينتبهن إلى الخلل الذي حدث لي و لها لحظة انفراج الباب.
ابتسامتي الحمقاء المصنوعة بأردأ أنواع التلوّن
لم تنفع، كما لم تنفع الدورتان المضطربتان لي حول نفسي ولا حتى تلويحات ذراعيّ.
كدت أسقط على الأرض و أنا أجمع شتات روحي
المبعثرة كتلك الحركات الراقصة الخرقاء..
وأخيرا تمكنت من التوقف عن التلوّي، و ابتسامتي
الكاذبة المفضوحة تجذب نظراتهن الساخرة وتسقط مع ازدياد وزن الموقف العصيب.
همست لنفسي: ماذا فعلْتُ؟
تقدمتُ نحوها مرحّبة بها، بينما اتكأتْ هي على
الباب مرسلة نظرات و رؤى و حكايات خرساء.
أربع خطوات أو خمس نحوها، كانت كفيلة باستعادة
الكثير من المواقف.
منذ أن وُلِدَتْ شعرتُ بغصة مع تحول اهتمام
الجميع إليها، وكأنها أخذت مكانتي بعد عشرة أعوام من الدلال.
لكنني مع السنين سمحت لنفسي بتوجيهها، و كنت
أوبخها على كل صغيرة وكبيرة.
كانت تنصاع لأوامري كعجينة لينة، و هذا يرضيني،
حتى كنت أتمادى في القسوة عليها.
بعد زواجي صرت أجبرها على تنظيف بيتي، و كلما
عاتبتني أمي كنت أتحجج بتعليمها فنون الأعمال المنزلية.
ثم ألقيت عليها عبء تربية ابنتي الأولى و
الثانية، وما كان يغيظني؛ صمتها المستمر و طواعيتها، و الأكثر من ذلك قدرتها على
التفوق الدراسي.
كانت تعتني بمنزل العائلة، و كنت أستغل سكني
القريب من بيت أهلي في استدعائها متى شئت.
لم تكن تفصح عن رغباتها و ذاك الهدوء المستفز
كان سلاحها الفعال في إثارة حنقي و غيظي.
مع الوقت تحولت في نظري إلى آلة. رغم أنني كنت
أتساءل أحياناً.. هل من المعقول ألا تشعر بالحب و الرغبة في الزواج؟ ثم أحاول
استبعاد الفكرة.
و كثيرا ما استجلبتُ لها عرسان لا تحلم بأحدهم
أي أنثى، لعلها إن قبلت أكون المنتصرة في اختياري لزوجي ذي المكانة الاجتماعية
الجيدة. وإن رفضت تظل تحت إمرتي ترضيني و تريحني.
ومرت سنوات عمرها، دون أن أنتبه، لقد غدت جزءًا
لا يتجزأ من راحتي في البيت بعد إنهاء عملها في وظيفتها الحكومية.
كنت أخطط لزواج بناتي في الوقت الذي استثنيت فيه
مراعاة مشاعرها بعد أن تجاوزت الخامسة و الثلاثين.
خطواتي الخمس نحو باب شقتي الجديدة لاستقبالها
لم تنتهِ بسهولة، وأنا التي كنت أرتدي ذاك الفستان .
-أحمر؟ أحمر !...
و تردّد صدى صوتي منبعثاً من ظلام دهاليز
ذاكرتي، وأنا أتوقّف عن الرقص في عرس ابنتي الكبرى و أترك ساحة الحفل متجهة نحوها
كما الآن تماماً، تغلي في شراييني رغبتي في تحطيم روحها متناسية الناس حولي، وهي
تدخل باب صالة الأفراح ببنطال أسود بسيط و قميص أحمر مطرز
..
- أحمر!! أحمر يا خالة العروس! وهل يليق بك ارتداء
الأحمر في عرس ابنتي، هل يليق بعمرك يا خالة العروس؟!
بقيت صامتة كما الآن .. تراجعت للخلف تريد
العودة لكن إحداهن شدّتها و دعتها للرقص ، قائلة:- الأحمر يليق بخالة العروس و
بفرح العروس! ..
الآن لم تبق صامتة، بل حسمت أمر بقائها بعد
ترددها في العودة، اتكأت على الباب بعد أن أغلقته، وصلتُ إليها بعد خمس خطوات طويلة
جداً.. بطول سنواتي الخمس و الخمسين.
.......
قالت بصوت خفيض رصين و كانت المرة الأولى لي
التي أنتبه فيها إلى رنة ذاك الصوت العميق الحزين:
-أحمر يا عروس! يليق بك يا جدة! زواجك الثاني، يليق بعمرك الأحمر.
مقايضة
القاص المصري
هاني المصطفي
خرجوا للتو من هناك، أربع رجال إطفاء وشرطيان
وطبيب وممرض وجثة نحيفة مسنة كثيفة الشعر الأبيض أكلها السل في صمت تحت مرأى ثلاث
قطط شيرازي اختفين في اللحظة التي كسر فيها باب المنزل.
تتخلص الصالة الآن من رائحة الموت التي عبأتها
لمدة 4 أيام أو يزيد. وتعود الحياة للكرسي الذي كانت تجلس عليه صاحبة الجثة محتضنة
الوسادة تجتر ذكريات تعوضها عن أفلام ومسلسلات كانت تود مشاهدتها على تلفازها الذي
لا يعمل. على الطاولة المقابلة، تخرج بعض الكائنات المجهرية من بقايا القهوة داخل
الكوب لتستمتع بالحياة التي كانت تقضي عليها مساحيق غسل الصحون. تتوق هذه الكائنات
المجهرية إلى النمو بدرجة كافية فتمكنها من اكتشاف وربما التهام كائنات مجهرية
أخرى بدأت تشم رائحتها المنبعثة من داخل البرتقالات في الصحن المجاور. قد تتفق
مجموعتا الكائنات المجهرية على المقايضة بشكل حضاري، قليل من القهوة في مقابل قليل
من البرتقال.
هكذا حصلت صاحبة الجثة على معظم قطع الديكور في
هذا المنزل بمقايضتها مع سكان حيها الوافدين الجدد في طقس يحدث في مطلع كل فصل
تتبادل فيه الحاجيات ولا تتبادل فيه الكلمات في طقس مقايضة صامت.
فقد حصلت على هذه الزهريات اللاتي تتدلى منها
زهور أقحوان حزينة الآن و عرائس الماتريوشكا التي بجانبها في مقابل جهاز فيديو جيم
تسعيناتي تركه أولادها الثلاثة وراءهم منذ سنوات عندما ذهبوا إلى الجامعة ولم
يعودوا إليها منذ غادروا المنزل. أما تلك الصحون الخزفية ذات الرسوم شرق الأوروبية
قايضتها بإطارات صور مذهبة بعد أن فرغتها من صور أولادها. وإبريق الشاي الآسيوي
هذا وأكوابه الصغيرة الزرقاء المنمقة هذه قايضتها بهواتف أبنائها الخلوية القديمة.
الآن تجلس هذه الزهريات والزهور الذابلة والصحون الخزفية مع عرائس الماتريوشكا حول إبريق الشاي وأكوابه المنمقة مع بعضهم يودعون آخر أشعة الشمس قبل أن تغادر في المساء لآخر مرة. فغدا سيتفرق هذا الجمع إلى منازل أصحابه الأصليين عندما يأتون لتفريغ المنزل من محتوياته قبل عرضه للبيع في المزاد العلني لصالح مجلس المدينة. وسيتحول هذا المنزل بعد بيعه بسنتين إلى حضانة لأطفال سكان الحي من الوافدين الجدد إلى المدينة.
أنا الميت
القاص المغربي
عبد الغني تلمم
في الطريق إلى المقهى عاودت الاتصال بصديقتي لكن
دون جدوى. أدركني موكب جنائزي بتراتيل الرحيل فضحكت على فأل علاقتنا. فجأة قَرَعَ
أحدهم على رأسي فصحت حانقاً: اهدأ نحن في جنازة!
حين التفتّ رد علي صوت خافت: أعلم، فأنا الميت.
رباه! إنه.. إنه فعلاً هو، يطل من النعش ويسألني:
- ماذا تفعل في جنازتي أيّها المتطفل؟
أخذتني الرهبة لكنه ميت سمج انتهى أمره من
الدنيا ما كان ليؤذيني فأجبته بلباقة تحفظ مراسيمه:
"رحمك الله، إن طريقنا واحد إلى غاية المنعطف
القادم"
ابتسم بخبث وهو يفك آخر عقدة استعصت عليه وأردف
مشاكساً:
- وكم بقي لك أنت لتموت؟
لحظتها انتابتني قشعريرة الفناء وسرحت بذاكرتي
قبل شهرين حين رجعت حبيبتي بسيارتها إلى الوراء ولامستني فكانت بداية علاقتنا.
سؤال المتكفن كان أشبه بشد لجام لفرس جموح أدخلتني في أسئلة وجودية لولا أنه استبق
مخاوفي وأردف:
- لا تخف فالأقدار تمشي لما رسمت له. ثم إن الموت
ليس كما يبدو لك. حينها تجرأت وسألته:
- ماذا وقع لك؟ وهل يمكنك أن تخبرني ما الموت؟
لحظتها تغير لونه وهمس كمن تكشفت له الحجب:
- آه يا صديقي ما أشبه الموت بالحياة!
كنت أرغب في استفساره أكثر لكني كنت على مقربة
من مقهاي حيث اعتدت الاختلاء بصاحبة الشامات الثلاث في علية العشاق فطلبت له
المغفرة وودعته، لكنه فاجأني بطلب غريب:
- تعلم أني ماض إلى غير رجعة فهلا دعوتني لفنجان
أخير؟
لا أخفيكم سراً، كنت آمل أن أنعم برؤية وجه مفعم
بالحياة بدل محادثة جثة حتى أني ذكّرته بجنازته التي ستذهب دونه ليتركني لكنه قفز
من النعش وغمغم ساخراً:
- من لم يتفقدك حياً لن يفتقدك ميتاً.
جلس يتأملني أحتسي فنجان الخيبة بنظراته
المستوحشة. علم السؤال المحرج الذي يجول في خاطري فاستطرد في بوح حزين..
- سألتني عن سبب موتي. يا صديقي حين تموت تتهاوى
هواجس الدنيا لأنك مقدم على ما هو أهول.
ثم نظر إلى شجيرة الزينة وتمتم بتأمل وحكمة..
"شجرة تحمل بذرة وبذرة تحمل في جوفها شجرة ولولا سقوط البذرة ما تعالت
الأشجار" ثم التفت إلي وهمس لي:
- تنزل الروح بالمرأة فيقع الحمل ثم الوضع وكذلك
الموت.. تصعد الروح فيقع الحمل على الأكتاف ثم الوضع في القبر. ما الروح يا صديقي
إلا بذرة تسقط في تربة الجسد لتسمق في ملكوت السماء.
رباه، ما أصدق ما تقول! لكن لم نحب الحياة ونكره
الموت؟ لحظتها أطرق برأسه ورد بصوت خفيض:
- لأننا تستنفذ كل الملذات والله لا يستنفذ كل
عفوه عنا. إنها غصة أن تلقاه عاريا بعد كل الستر الذي شملك به.
كان يجاوبني بصدق المغادرين فشددت على يده
الباردة وتماديت في جرأة السؤال:
"هيا أخبرني كيف أحسست حين قبضت روحك؟"
ظننته سيفزع لكنه تبسم ابتسامة من يدرك كنه
الأشياء وردّ ببرودة..
- الناس يمضون أعمارهم في طرح الأسئلة الخاطئة؛ يا
صديقي من أراد أن يجتاز ضيق القبور عليه أن يأتيها صائماً عن المطامع والفجور.
كان الجو جنائزيا فأردت أن أمازحه وأدخل عليه
بعض البهجة:
- بكفن أبيض ونعش بني فاتح تبدو كمسافر أنيق. هل
هي الموضة هاته السنة؟ أنا أغبطك يا صاح.
ضحك صديقي حتى ظهر كافور أسنانه ثم همس بانكسار
من تفقد خزنة مدخراته فوجدها هباء:
- كل الأناقة في هذا السفر تكمن في لون الحقيبة.
ثم همس لي بحزن وهو ينظر إلى المشيعين:
- أقسى ما في الجنازة أن ترى أحباءك لآخر مرة وقد
أمضيت عمراً تتلهف طلتهم ولا يأتوك. يهتمون بك ميتاً وينأون عنك حياً.
احتضنته حتى كاد يعاوده نبض الحياة وقلت له دون
قصد، ربما لأخفف عنه وحشة الوحدة التي عاش فيها وسيرقد فيها:
- هل أطلب لك شيئا، فأنت مقبل على سفر طويل. اطلب
ما تشاء فالحساب علي!"
ما إن تفوهت بالحساب حتى ارتعدت فرائصه واشتد
شحوبه ونشغ باستسلام:
- الحساب.. آه ما أثقلها كلمة! ثم سكت لحظة قبل أن
يهمس لي بنظرة استجداء:
- هلا زرعت شجرة على قبري؟ فأنا لا عقب لي.
فاجأتني رغبته فسألته فيما ستنفعه وهو تحت
اللحد. إذاك اغرورقت عيناه ووشوش لي وهو يراقب السماء عساها تبشره بحنوط الجنة:
- أريد أن أسمع صوت النسيم على أوراقها وشدو الطير
على فروعها. أريد من يؤنس وحدتي يا صديقي.
حين أتى على ذكر مؤنس الوحدة، تذكرت مُهرتي
وبدأت أتصفح صورها. تلك الجميلة التي أحجمت عن استقبال اتصالاتي في حركة تمنع
وتغنج لم أعتدها منها. رمقني صديقي أكتم تنهيدة الهجر فعلم ما أعاني وهمس:
- أتمنى أن يكون حظك أوفر من حظي.
اعترفت له أنها أجمل من صادفت وأن رؤيتها ترجع
الروح ثم أريته صورتها.
نظر إليها بحب حتى ظننت الوغد سيقبلها ثم انتصب
واقفاً وقال لي قبل أن يتلاشى طيفه أمامي إلا من نظرة بقيت موشومة في ضميري:
- أتعلم ما هو أقصى من سلب الروح؟ هو أن تسلب منك
ذكرياتك الجميلة. ثق بي ستراها وتقسم أن العمر لا يحلو إلا برضاها لكن ليس قبل
أربعة أشهر وعشرة أيام.
*******
وثيقة كاذبة
القاص المصري
محمود روبي
ربما أحترق الآن أو بعد قليل، لكنني لن أتوقف عن
مواصلة إشعال النار حتى يتحول كل شيء من حولي إلى رماد.. وسأعلن انتصاري حين
أُلحقُ الهزيمة بهذه الغرفة وأحرمها نشوة الظفر بي حيًا بين جدرانها لليلة أخرى..
فما يحدث وتقشعر له الأبدان وتعتصر له القلوب إنما يغمرني بلذة لم أشعر بمثلها قبل
هذه الليلة..
ليس هناك وصف يليق بحجم سعادتي وأنا أضرم النار
بهذه الوثيقة الكاذبة.. وفي الزاوية كومة أوراق أخرى تشتعل، أصابها الخرس من هول
الفاجعة، حاولت كلماتها الملتهبة أن تنتفض من بين السّطور لتحفظ عهدها ألا تموت،
لكنني كنت قد مزقت حروفها الكاذبة وطعنت خاصرتها الحُبلى بالخيانة بعد أن كانت
كالشمس ساطعة وناعمة.. كانت تدفئني في مساءات الشتاء وتطوي الليل الطويل.. أصبحت
الآن عاجزة عن الصمود واستسلمت مرغمةً لإرادتي..
قد يكون من المفضل في اللحظات التي تسبق قرار
إنهاء الألم بالموت؛ أن يفرغ المرء ذاكرته ويبوح بالأسرار كلها ولو كانت صادمة
ومخجلة.. فرصة ينبغي اقتناصها قبل أن تتلاشى ملامحي وأفارق الحياة دون أن أترك
أثرًا يتذكره الجميع طوال الوقت..
وإنها لمخاطرة كبيرة حين يرهق شقي عقله ويستنزف
عمره في البحث عمن تسبب في شقائه برعونته وغياب ضميره واتخاذه إلهه هواه.. فيكفي
للأشقياء أن يطلقوا الصرخات قبل الرحيل..
فذاك رجل لا تشبهني ملامحه، قد أظلتني هويته في
ليلة حالكة كهذه.. اختار لي اسمي وديني وتاريخ لميلادي، وأطاعته امرأته وأصبحت
أمي.. برع الزوجان في أداء دورهما الصعب في أثناء طفولتي المريبة.. فلم يمسني
توبيخ أو عقاب حتى إذا أتلفت شيئًا أو تذمرت كبقية إخوتي الذين لا يشبهونني.. كنت
أشعر دومًا بوجهي بارز بين وجوههم فكان ذلك مبررًا لأن أهرب بعيدًا وأركض بلا توقف..
في رحلة البحث عن هويتي المختبئة في مكان ما؛
كانت الفتاة مثل طوق نجاة، تشبثت به علّه ينقذني من الغرق في بئر اليأس والشعور
بالعجز والتّمرد بلا حيلة.. جلستُ إلى جوارها يومًا إذ كانت السماء صافية كعينيها،
والشجر تتراقص أغصانه طربًا لزقزقة العصافير الفرحة بلقائنا تحت ظلال الأوراق
الندية..
- أُحِبُّك
- لقد وُلِدْتُّ الآن يا حبيبتي
لسوء الحظ، سبقتني حقيقتي إلى مقعدنا إذ غابت
الشمس وتلبدت السماء بالغيوم بينما سكتت العصافير حين ذبلت أوراق الشجر واعتصر
الوهن أغصانه فلم تعد تتمايل طرباً لرؤيتنا..
وددت حينها أن تفقأ عيني كي لا أرى.. وددت لو
انشقت الأرض وصارت نصفين كي أفرغ بينهما دمي فيصير نهرًا يروي ظمأ الأشقياء في
رحلتهم إلى المصير المجهول.. لكنني قررت ألا استسلم لهجمات الريح، لن أدعها تحطم
أشرعتي وتُغرق زورقي - سأغرقه بيدي.. لن أمنح الحياة فرصة للانتصار لكي لا تجعلني
ملاذً لطعناتها الغادرة - فلن تجد بعد اليوم جسدًا هزيلًا فتطعنه أو وجهًا بريئًا
لتصفعه..
لا أريد أن أتذكر شيئًا مما مضى قبل الآن.. أريد أن أنتشي بما يجري في هذه اللحظة: الباب تهاجمه طرقات عنيفة، تكاد أن تسقطه.. والنافذة تقاوم نداءات صاخبة تحاول اختراقها.. وهناك فوق منضدة - تلتهم النار أرجلها - إشارة لمكالمة هاتفية تتوسل أن أجيب بينما النار تقترب من قدميَّ..
*******


















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق