قراءة في فضاء نص:
أضلاع الدائرة
للأديب الأستاذ / بدوي الدقادوسي - مصر
بقلم : سارة محمود - الأردن
النص:
أضلاع الدائرة
تسمر مكانه ، التمعت عيناه ، ألقى ما على كاهله من أدوات بناء، تلفت يمنة ويسرة ، التقطني بخفة، أخيرا استجاب الله لدعائي وابتسمت لي الحياة ، أخذ يقلبني بهدوء ، أعاد التقليب بعصبية كادت تمزق أحشائي ، ألقى بي وقد جمع في بصقته فوقي كل غضبه .
ما كادت أحشائي تستعيد مكانها حتى رأيته أنيقا يحمل كتبا ، ألقى ما يحمله ، تلفت يمنة ويسرة ، حملني وهو يوشك على احتضاني بكل جوارحه ، بهدووووء اخذ يقلب ، أعاد التقليب متخليا عن هدوئه ، ألقاني وهو يصب حمم غضبه .
ما كدت ألتقط أنفاسي حتى توقفت سيارة فارهة نزل القائد السمين ، حملني مبتسما ، أخذ يقلب وما زالت الابتسامة ، تبدلت الابتسامة تجهما ألقى بي ، داس فوقي حتى كدت ألتصق بالارض ، كادت صرختي تمزق الفضاء ، اتجه لسيارته وقبل ان يفتح بابها توقف ، عاد ليحملني ، اخرج اوراقا بيضاء ، دسها في أحشائي صرت منتفخة كعجفاء محشوة بالسيلكون وضع فوق الاوراق البيضاء ورقة نقدية ثمينة أعرفها جيدا فلطالما وضعها حاملي القديم بداخلي ووضعني في جيبه مزهوا ، وضعني امامه وهو يقود السيارة منتشيا ،تسرب هواء المكيف لجسدي فأعاد لكياني الحياة ، حملني مغادرا سيارته ، جلس أمام طاولة وقد وضعني رفقة جواله ومفاتيح سيارته ،أشعر أني امرأة فاتنة ؛ رأيت ذلك في عيني النادل الذي يتحدث لصاحبي وهو يكاد ان يلتهمني ، مازال يستمع لطلبات صاحبي وعيناه ترعى في جسدي كحيوان جائع ، ينظر صاحبي لي بزهو .
خطوات ثقيلة تدنو ، ابتسم صاحبها لصاحبي ، طلب الجلوس ، أومأ صاحبي براسه وهو يلتهم ما أمامه .
- ....... ضابط بالمعاش .
- أهلا بحضرتك ...... رجل أعمال .
- اشتريت بمكافأة نهاية الخدمة هذه الكافتريا وأبحث عن جاد ليشاركني حتى نطورها .
- تحت أمرك ، هل توافق على شراكتي ؟
- يسرني .
- فقط أمهلني حتى يتم الإفراج الجمركي عن شحنة قطع غيار مرسيدس سيكون ربحها ربعمائة في المائة فقط أريد بعض السيولة .
- تحت أمرك ، كم تريد ؟ فقط مائتي ألف وسأردهم نصف مليون .
أخرج الرجل دفترا كتب شيئا مد يده بالورقة لصاحبي وعيناه تخترقان جسدي .
أخذ صاحبي الورقة . دسها بملابسه ، بابتسامة واسعة : هل تسمح لي الذهاب للحمام لأغسل يدي وأعود لنحتسي القهوة سويا ؟
- بكل سرور .
لا أعلم كم مر من الوقت والرجل يقلب عينيه بيني وبين الطريق للحمام ، رأيت قلقا باديا ، مد يده تجاهي ، دسني بملابسه ، هرول صوب الحمام الذي كان خاليا إلا مني ومنه ، فتحني على عجل ، أخذ يصرخ في وجهي ، ألقى بي في قاعدة الحمام وهو يلعنني
بدوي الدقادوسي / السعودية في ١٦ مايو ٢٠٢
---------------------------------------
القراءة التحليلية للنص .
-------------
عتبة النص : أضلاع الدائرة
جاءت متمردة على قوانين الرياضيات فلايوجد دائرة باضلاع ....والا أصبحت مضلعا بزوايا واضلاع .
هنا رمزية النص أن الحياة لم تعد كالسابق بل أصبحت
ذات زوايا حادة ومنفرجة وقائمة والزاوية نقطة بداية لما بعدها .
وكأن الكاتب يشير أن كل شيء تغير أصبح مليئا بالعراقيل والتشويه وأن المجتمع تغيرت سماته جذريا وتغلب الانحطاط على الشخصية السوية مشيرا بشكل
سريالي واقعي أن للدائرة أضلاع .
وأن البساطة وسلاسة الحياة وسلامة الفطرة تغيبت عن مجتمعاتنا.
لأننا لو مشينا طريقا دائريا مغلقا ندور فيه حول أخلاقنا وقيمنا التي لاتتغير .
لكن عندما أصبحت ذات زوايا هذا يؤدي إلى تغير المسار .
والدائرة لو أصبحت
ذات أضلاع تكون قد تعرضت للثني تحت تأثير قوة خارجية .
لنتخيل معا اسوراة دائرية لو أننا حاولنا ثنيها ستنثني اذا كانت لينة أو خضعت لقوة أقوى من متانة معدنها وبذلك وبهذه الحالة تصبح ذات أضلاع.
اذا تحت تأثير (ما ) تحولت إلى دائرة مضلعة .
النص اعتمد بشكل كبير على أنسنة المحفظة .
وكان للكاتب غاية في أنسنة الجماد ( المحفظة ) وجعلها بطل القصة والراوي فيها .
نعود للعنوان قليلا ( أضلاع الدائرة ) ...لنقوم معا بجمع أركان النص ( أضلاع / دائرة/ محفظة) وجميعها تتحدث عن علاقة فئات المجتمع بالمال ...كم كان الكاتب ذكيا في توظيف الجمادات والقوانين الرياضية
في إيصال فكرة سائدة وعدم الاتجاه المباشر في نقل الفكرة.
وتغير مسلمات رياضية واخراجها عن طبيعتها ....هذا دليل على عظمة المؤثر .
رمزيات النص :
الدائرة: هي الحياة
أضلاع الدائرة: الدخائل الجديدة عليها
والمحفظة: رمز للمال الذي أصبح الجميع أو بالاحرى الاغلبية عبيدا له .
سننتقل إلى الشخصيات التي ألقى الكاتب عليها الضوء
(Spot lights)
في النص قد أرسل من ضمنها إشارة مشفرة مرمزة لفئات المجتمع .
أولا بدأ بالبناء الذي يحمل عدة البناء معه وقد يكون فعليا بناء عمله البناء /أو رمزيا كالمعلم الذي يبني الأجيال /الأب الذي يبني العائلة / الشيخ الذي يبني القيم والاعتقادات .
جميع هذه الفئات الآن تعرضت للفقر الذي هو الضاغط
على الدائرة الذين هم فيها ليشكل فيها انثناءات وأضلاع وزوايا تغير مسارات الحركة .
شخصا يحمل كتبا : رمزية لكل شخص متعلم أو معلم
هنا أراد الكاتب إيصال فكرة أن المال اهم من العلم
وهذه انحناءة في عجلة الحياة ( الدائرة )
وذلك من خلال أنه ألقى بالكتب جانبا في سبيل محفظة ملقاة قد يكون فيها بعض النقود .
وقد انتشرت أمثال كثيرة تشجع على هذه الزاوية .
الرجل صاحب السيارة الفارهة( النصاب/ رجل الاعمال ) عاد والتقطها من جديد بعدما داسها بالأرض.....عودته تدل على أنها محفظة أنيقة تدل على أن صاحبها ذا مال .
والذي قام بحشوة المحفظة بالمال ثم وضع ورقة نقدية ثمينه وهذا يرمز إلى الزيف الذي يعيشه أصحاب الأعمال حاليا نصب وتزييف ومظاهر كاذبة .
صاحب المطعم / متقاعد على المعاش
طماع أراد أن يستغل رجل الأعمال بشراكته معتمدا على تقييم وضعه المادي من تلك المحفظة المنتفخة .
هنا أيضا يركز على المظاهر الخادعة والتي انتشرت بمجتمعاتنا كالنار في الهشيم .
النادل الذي اغرته المحفظة دون أن يستطع فعل شيء .
الميتاسرد واستعمال أسلوب الفكرة المتسللة بين مجموعة أفكار متينة .
(صرت منتفخة كعجفاء محشوة بالسيلكون)
قدّم الكاتب ماوراء العبارة ممزوجة في ملعقة من عسل بأسلوب هزلي فكاهي لإيصال فكرة (النقد الإجتماعي) بما حل في وضع النساء الآن ومايحدث من عمليات التجميل وتغيير خلق الله.
وأن أصبحت مجموعة كبيرة من النساء الا من رحم ربي منتفخة محشوة بالسيلكون .
هنا العتبة الميتاسردية شكلت تلاحمًا مع المتن الادبي ، فجعلت القارئ يندمج منذ أول وهلة بداية بالعنوان الميتا سردي ، مرورًا بالتجنيس النوعي إلى ماوراء مستوى مابعد النص.
كما أضافت العتبة الميتا سردية جمالية على النص، إذ حفزت القارئ على التسلل إلى أغوار النص بحثا عن المعاني المضمرة فيه.
الانساق المضمرة من النص:
انتشار الفقر وارتفاع شهوة التملك والمال ...تحت مسمى ( الغاية تبرر الوسيلة ).
المظاهر الكاذبة
الطمع وندرة القناعة
انحراف القيم وضياعها ودخول قيم جديدة على مجتمعاتنا ك عمليات التجميل بين النساء .
إطلاق أحكام شكلية على الأشخاص دون معرفتهم .
انتشار الفساد
اختفاء الأمانة بين اغلب فئات المجتمع .
وهل هذه رسالة من الكاتب أن المجتمع يخضع لنظرية المؤامرة وجعل مجتمعاتنا العربية عبيدا للمال .التنازل عن القيم والمباديء .
أخيرا قام الكاتب بإضافة الانسنة للمحفظة لغياب لسان الحق والفضيلة بين الناس .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق