السبت، 14 ديسمبر 2024

غربة بقلم نبراس سالم العراق

 


غربة

بقلم

نبراس سالم

العراق

لوّحتُ مشتاقا لمّا ترأى لي، وأنا على جسر الشهداء، لم يردّ عليّ هذه المرة.
- هل زعل الرصافي مني يا ترى ؟!، كأن التمثال قد أشاح بوجهه عني، يا ويلي ماذا سيفعل بي المتنبي؟ لو دخلتُ أتجول في شارعه الآن!؟
أزحتُ بنظري عنه خائبا، وإذا ب (السوق العربي) يفتح أبوابه أمامي فجأة!، كبرتني السنوات لهذا الحجم؟ أم أن (شارع النهر) قد قَصُرَ؟، ليستْ غايتي السوق، ولا احتاج إلى كسوة جديدة اليوم.
رائحة مميزة تجذبني، عطر يشحذ الوجدان بسحره، أعلم أن البهارات مستوردة من الخارج، بيد أن عطر وطعم عبق تاريخ دهاليز (سوق الشورجة)، تزيدها شهرة.
لم أكترث.
فقدتُ حاسة التذوق منذ أن غادرتُ العراق، وأصبح كل شيء بلا طعم، ماسخا، بدونه.
زملائي في بلاد الغربة، لهم مطالبهم، سمعوا عنها في حكاياتي، قائمة مشترياتهم طويلة، من التمور ومن السما والبهارات ومكسرات الشمال وووووو، لكن عذراً، ليس اليوم.
الفلامنجو المهاجر يلومني بنظراته الحزينة في قفصه، حالما دخلت (سوق الغزل)، أتذكر الجولات الصباحية يوم الجمعة، لم تنقطع، حتى قطّعتْ السيارة المفخخة ساقيّ، لا تُشبع لهفتي نظرات جمعة واحدة، أعاود الجمعة المقبلة، لأعزز نشوتي مجدداً، برؤية الطيور والقرود والزواحف وكل شيء بالإمكان صيده، وحبسه، وبيعه، قطعتْ الغربة ما تبقى مني روحي.
قدماي بدأت تتراقص، تحكني، تحاول أن تركض بيّ نحو (سوق هرج)، أخبرني طبيبي المعالج، أن ألم الطرف الشبحي قد اختفى ولن يعود، فما الذي حصل؟
أمواج الذكريّات تتلاطم بكرسي العجلات، تدفعني إلى سوق الخردوات في (ساحة الميدان).
هنا وقبل عقدين من الزمان، بعتُ أثاث البيت.
أمازح أصدقائي بنكتة الحصار، وبأنني أصبحتُ أعمل في التجارة، في البيع والشراء تحديدا، أبيع أغراض بيتي لأشتري بثمنها الطحين والرز والزيت.
قدمت لأبحث عن حاجاتي، لا أريد الأجهزة الكهربائية ولا كؤوس الكريستال الثمينة ولا اللوحات الفنية القديمة والسجاد، ولا حتى الكتب، كنت في عوزٍ وبعتها ولم ولن أندم على ذلك، وأنا اليوم في إشتياق لرؤيتها، أكثر من يوم بيعها.
لكنني ابحث عن (جرامافون) يخص والدي، آخر حاجة تخليت عنها، مضطرا استبدلتُه بجواز سفر مزور، وهاجرت.
صدى صوت أغاني حضيري أبو عزيز وناصر حكيم وداخل حسن، تصدح في غرفة استقبال بيتنا القديم، تتردد في أذني هناك في المهجر، لا أستطيع التخلص منها تزعجني في النوم وفي الصحو.
دفعتني سنة كاملة من العذاب والسهر للعودة، سأشتريه والأسطوانات الحجريّة معه بأي ثمن، عسى أن تنتهي معاناتي، ويتوقف النداء لو استرجعتها.
الخردة لم تعد كما كانت!، كل شيء في المكان تغيير، أزعجني الأطفال كثيراً بطلباتهم المتكررة لشراء قناني الماء، أخاف أن يسرقوا حقيبتي، امسكها بيد، وأدفع العجلة بالأخرى، عيني تطوف المكان، بحثا عن أشيب يسعفني.
-ها قد وجدتك، مرحبا يا شيخ، ابحث عن جرامافون وأسطوانات تعود لوالدي يا عم، هل لديك؟ لقد بعتها هنا في هذا الدكان ولشخص يشبهك، قبل حوالي عشرين سنة، سأدفع لك أي ثمن تريده، لأشتريها.
-نعم موجود وفي كل ليلة يعزف الجرامافون لوحده، ينادي صاحبه بمقطوعة من أعذب الألحان، ليعود.
-هل تمزح؟، لا أصدق ما أسمعه.
-بل أنت المازح، أم يا ترى مجنون؟، أي بضاعة هذه التي ستجدها، بعد كل هذه السنوات العجاف.
-معذرة، والله ما دفعني للسؤال إلا حاجة ماسة له، قطعتُ المسافة من الرصافي إلى هنا، كأنها أطول من سفرتي عبر المحيط، مررت بذكريات أبكتني، مرغما ومتأملاً العثور عليه، لارتاح.
كانت قطعة نادرة، ليس لها مثيل في بغداد، أسمع صوت حضيري أبو عزيز، هناك في الغربة، وهو يغني عمي يا بياع الورد، يسحبني نحو البلد للبحث عنه.
-يبدو أن العيش هناك، أنساك الحصار.
يا بني، لو كنت أنا أغلى من جهازك، لباعني أولادي قبله.
دهر مر عليّ، في كل ليلة أبكي وأصرخ وحدي عسى أن يسمعني أولادي، أن يتذكرني أحدهم، كل أمنياتي أن يطول العمر لأرى أحدهم امامي، هنا مكانك واقفاً، قبل أن أموت.
يا بني هل أنت واثق مما كنت تسمعه؟ هل كان فعلاً صوت حضيري؟
(شارع المتنبي، شارع النهر، السوق العربي، الشورجة، سوق الغزل، سوق هرج)
مناطق تجارية في قلب بغداد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...