قراءة نقدية للقصة القصيرة جدّاً * مناص * للكاتب المبدع أكثم جهاد
التحليل بقلم الناقد الأستاذ المبدع / ميزي إبراهيم / الجزائر.
=======النص(ق.ق.ج)=============
مَناصٌ
أيقَظوهُ مِن أوهامِهِ، استَعادَ ذاكِرَتَهُ، تَشَبّثَ بِحَبائِل الماضي... لَمّا انطَفَأ بَصيصُ الأمَلِ، وَأدَ أحلامَهُ.
بقلم
أكثم جهاد
_المقدمة:
الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويُبتلى ليُجزى.
الأمور لا تجري في الدنيا كما يشتهي الإنسان، لأن الدنيا دار امتحان...قد ينجح الإنسان في امتحان الرخاء ويخفق في امتحان الشدة، والإنسان حينما تزوي عنه الدنيا، وحينما يضعف، ويبتلى، قد ينقله هذا الابتلاء إلى حدّ الهوان، وحينما يقوى ويغنى قد تنقله القوة والغنى إلى حدّ الطغيان، الإنسان حينما يرى أنه مستغنٍ عن الله بوهمه طبعاً يطغى ويتجبر.
_التحليل الأدبي و الفني :
اختار القاص عنواناً هو (مناص)، معناه ..مفر ، مهرب، منفذ ومخرج...جاء نكرة ليفتح الباب أمام الذهن لكل الاحتمالات الواردة وغير الواردة.
قصة قصيرة جداً، معبرة و هادفة، بلغة بسيطة وسلسة التعابير عظيمة المقصد وجليلة المرغب.
ذاك ما يريدنا القاص أن نجنح إليه، من خلال كثافة الإيحاء وعمق الإثارة واستنباطية الدلالة الرمزية، لأنّ القاص يعمد هنا إلى عمل فنّي محبوك، وعملية الحذف، والإضمار، والاستئناس بذكاء المتلقي، وفهم المسكوت عنه، واستنتاج النتيجة.
مناص... '' قصة قصيرة جدا ً very short story تتسم بمتعة خاصة ككلّ القصص النّفسية، أو التي يكون لها طابع نفسيّ. فهنا نحن أمام ظاهرة نفسية تعرف في علم النّفس بالاضطراب التّحولي disorder conversion الشيء الذي يؤدي إلى الحسرة و الندم regret...البنية السردية مشهد للتصدي لنزوات النفس، وحبس الأنفاس، وأهوائها وضبط الحواس وعصيانها. فالجزاء من جنس العمل...إما منحة فنجاة، أو محنة فهلاك.
"أيقَظوهُ مِن أوهامِهِ"..
اليقظة لغة هي الاسم أو المصدر من قولهم: يقظ فلان ييقظ، وهو مأخوذ من مادّة (ي ق ظ) الّتى تدلّ على نقيض النّوم والتّنبّه للشّيء...وهي حالة الوعي التي بها يستطيع الشخص أن يدرك نفسه وما حولها.
أما الأوهام مفرده وهم...معناه شَكّ، غَفْلَة ونِسْيان، وهو عبارة عن عدم الإيمان بالذات، وأن ينتقل الإنسان من حقيقته إلى شيء آخر وهمي، وكأنه يستمدّ منه قدرتَه وطاقتَه، ولذلك فإن الأوهام هي في الغالب ازدراء للنفس الإنسانية، فضلًا عن أن الأوهام خلاف الواقع.
يقول المتنبي: وَثِقنا بِأَن تُعطي فَلَو لَم تَجُدْ لَنا....
لَخِلناكَ قَد أَعطَيتَ مِن قُوَّةِ الوَهمِ.....
إنّ الوهم هو أن يبالغ الإنسان في تصور الشيء أو تخيله حتى يصبح هذا الشيء كأنه واقع، مشيرًا إلى أن الوهم قد يكون شيئًا إيجابيًّا في حالات معينة، لكنه سلبيٌّ و خاطئ في الغالب.
" استَعادَ ذاكِرَتَهُ، تَشَبّثَ بِحَبائِل الماضي"...أي
استفاق من سبات غيبوبته...حَبائِلُ اسم جمع أُحبولة ،حَبائِلُ جمع حِبالة، الجمع أحابيلُ وحَبائِلُ المصيدة والخديعة.
الفقرة تأمل و عبرة و حسرة و ندم، فالماضي لا نملكه والمستقبل رجاء وتمني لمقام الأوْبَة والإنابَة والإقلاع عن الخَطيئة، التَهَتُّكٌ، الفُجُورٌ والعصيان.
"لَمّا انطَفَأ بَصيصُ الأمَلِ، وَأدَ أحلامَهُ."...تلكم المفارقة المدوية والقفلة الصادمة... دلالة
القُنوط، الهَزِيمَة، اليَأْس واِنْقِطَاع الأَمَل وخسران الدنيا والآخرة. حينما تصبح الدنيا غايةً عُليا للإنسان، يركن إليها ويتعلق بها... ويكون همُّه إشباعَ شهواتها، والانغماسَ في ملذَّاتها...فإن النفس تنصَرِفُ عن معالي الأمور، ومراتب الكمال، وغايات الجلال، إلى أراذل الأعمال وسفاسِفها، ومن ثَمَّ يستوحشُ صاحبُها من الآخرة، وينفرُ عن الموت نفورًا زائدًا؛ لأنه لا يرى بعدَه إلا الشقاء، البؤس والضنك وشيئًا فشيئًا ينسى الغايةَ التي خُلق من أجلِها، ويُحجب قلبه عن ربِّه، ويُحبس عن السير إليه، بعدما يتملّك حبُّها قلبَه؛ فيعطل أمر الله ونهيه؛ لأن الجهل بحقيقة الدنيا والاغترار بها تجعل الإنسان يظن أنه ليس من وراءها غاية أكرم وأبقى من مُعايشة لذات مقطوعةٍ عن منهج الله تعالى؛ الذي جعل الدنيا بما فيها مزرعةً للآخرة لحصاد الجنة.
القصة انتقاء أدبي رفيع واختيار جليل، أبعادها إنسانية، فطرية، دينية، خلقية ونفسية...تستدعي المرء المؤمن العاقل...أنّه إذا اتخذ طريقاً أو سبلاً أو مجداً، فلا ينبغي بعد ذلك أن يتردد، فليس من الدين أو الحكمة أن يرمي الإنسان نفسه للمجهول. المرء ينبغي عليه أن يعلم في غالب حاله، هل هذا الشيء في غالب علمه بنفسه خُلق له أو لم يخلق له، هناك أشياء ليست لك، فلا تطلبها...فلابد من مراعاة السنن الكونية وصدق النية، والتقيد بأقدار اللّٰه وحكمته.
بورك فيك ولك أستاذ اكثم جهاد !
دام الإبداع والتوليد .




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق