
بلتك..بااااااالتك
قصة قصيرة
بقلم
د ماجد عبد القادر
مصر
الآن يمكنني أن أنام .. في البدأ كانت المدينة.. كيف يمكنهم هكذا ببساطة أن يحضروها وبعلبة سجائر للفراش يمرون بها وفي الحجرة أمام بعضهم و الذي عليه الدور بينما الآخرون متكومون حوله يتأهبون.. يستحثونه أن يسرع.. يلسعونه بسجائرهم وربما إمتدت يد أحدهم تعبث .. كان علي أن أرحل .. آخذها من الشارع ربما.. بينهم لا. كنت أدري من البداية أنني سأنتهي إلي طلخا وإلي العزبة بالذات ..
دُرت كثيرا في المنصورة .. سألت في شارع جيهان وشارع الثانوية نزلت الجلاء ركبت ميكروباصا إلي جديلة وأكملت حتي كفر البدماص.. في هذا الوقت من العام كل ما وجدته غرفا ضاق أصحابها بنصف أجرتها فأرادوا أن يقتسموها مع آخرين أو غرف ضاقت بأصحابها الذين لم يقدروا علي أجرتها فلفظتهم لتبحث عمن يقدرون عليها .. كان لا بد أن أعبر الكوبري.. رغم أنه قائم بين المنصورة وطلخا إلا أنهم يسمونه كوبري طلخا .. وجدت سائق الميكروباص يدور حول قوائم معدنية صفت أمام مدخل الكوبري سألته ألست ذاهبا لطلخا ؟ قال أن هناك تحويدة من عند عمر أفندي دار أمام مكتبة المنصورة وقطع الكوبري .. قلت نزلني عند المركز لكنه ما إن هدأ السرعة وكاد يتوقف وهممت أنا بالنزول حتي لمح سيارة شرطة فمضى مسرعا .. إصطدمت رأسي بالشباك... نزلت في الموقف ثم رجعت لحد المركز .. هناك كان ينتظرني زميلي الذي قال لي أن عندهم غرفة خالية .. سألته البيت بعيد؟ قال في العزبة .. قلت وأين العزبة ؟ضحك وقال ألم تعدِّ طلخا من قبل مشينا في شارع صلاح سالم حتي وصلنا للترعة .. اجتزنا قنطرة صغيرة عليها لوحة علامات.. ..سهم لليمين يشير إلي جمصة وسهم للشمال يشير إلي المحلة..سرنا شمالا.. قلت له بدون زعل هي طلخا سموها ببئر الرخامة ليه؟ قال لي دا حقد من بتوع المنصورة .. عارف هي مشهورة بالبنات الجميلة هنا الشباب اللي يقدر الجمال ده.. قلت طب والبئر؟ قال دا بئر بترول يا عبيط وعلي فكرة هسكنك جمبه كمان.. كنا قد تركنا طريق المحلة وتركنا ورائنا الشوارع المرصوفة وأخذنا نتلوي في شوارع متربة.. تتلوى وتتداخل حتي لتكاد تحسبها شريطا طويلا ضيقا يتكعبل ينبعج في أحد الجوانب ويختنق في جانب آخر تحط علي جانبيه دور.. صحيح لا تتعدى الخمسة طوابق لكنها وهي ترص هكذا متلاصقة وبالكاد المسافة بين صفيها يمكنها أن تتسع لعربة كارو كانت تحتل مدخل أحد الحارات إضطررنا أن نعتليها وننحدر من فوقها حتي نكمل سيرنا.. عتبات الدور طول الطريق تفترشها نسوة سمينات يرتدين جلابيب بيت من قماش جوبلين منقوش بوردات باهتة ودوما مكشوفات الأذرع .. قال: وصلنا.. البيت بابه الخشبى ضلفتان مغلقتان علي بعضهما لكل منهما شراعة تكسر الزجاج الذي يغطيها في أكثر من موضع وإستبدل بقطع من الكرتون كانت في الأصل نتيجة والشراعة محاطة من الخارج بأسياخ حديد رمادية تتداخل مع بعضها في مربعات ضيقة .. حك بطن حذائه في الدرجتين المتسختين أمام الباب ليتخلص مما علق به من طين .. فعلت بدوري مثله.. رفع الكف التي تتوسط الباب ودق عليه.. محدش هنا يا أستاذ.. جاء الصوت من خلفنا.. إلتفت.. كانت تطل من الشباك تزجج حاجبيها بالملقاط.. مدت يدها لتعبربها فتحة الصدر في مقدمة القميص.. المفتاح أهو نينتك سابته معايا.. يأخذ المفتاح ويولجه في الباب.. يدور دورة .. إثنتين..يتوقف..يخرجه..يبصق عليه..يولجه مرة أخري..ومرة ثالثة..يلفه..يعتل ..يدفع الباب بكتفه ..ينفتح ..ندخل ..يغلقه .. حاسب هتقع.. فيه سلمة بتتنزل الأول.. يأخذ يدي.. معلش بكرة تتعود.. لقفتني في البداية العتمة ثم شيئا فشيئا إكتشفت أنها طرقة ضيقة .. تمتد بطول البيت تضيئها فتحات في الجدران في الأصل كانت لتثبيت أعراق الخشب التي صب منها العرش .. تنفذ من خلالها خيوط الضوء المحملة بالغبار.. حين اجتزناها قابلنا السلم الذي يفضى لأعلى.. درجات بالكاد تسع نفرا واحدا بلا درابزين.. صعدت وراءه.. فوق.. كانت الشمس شديدة .. لم أفتح عيني إلا بعد أن دفعنى داخل الحجرة التي سأسكنها.. لكنهما لم تريا شيئا.. سمعت تكة زر كهرباء فبدا في الغرفة نور برتقالي باهت يرميه علينا مصباح يتدلى من السقف بسلك أسود مبروم تراصت عليه صفوف الذباب فى هدوء وإستكانةأبدية..الحجرة ضيقة ..لدرجة اننى امكننى ان أعبر المسافة بين الباب والجدار المواجه له في خطوتين إثنتين .. الجدران تساقط معظم طلائها الجيرى وبدا الأسمنت عاريا..رماديا.. البياض نقشت عليه بأسنان الأقلام الجاف صورا لفارس بشواربه المبرومة يرفع حد سيفه علي طرف لسانه ويضع يديه في وسطه ويقف علي صهوة جواد مجنح .. صور البنات يدارين عوراتهن بكفوفهن وتبدو السنبلات وقد نبتن في صدورهن .. صور للجمال وقد حملت الكسوة وطلعت المحمل.. الأرض .. صاعدة.. هابطة والبلاطات كأن فأسا دارت عليهن تقضم من كل واحدة جزءا .
جسدي صار ينضح عرقا وأخذت القطرات تنساب من رأسي مالحة علي عيني .. أدور في الجدران الأربعة أبحث عن نافذة أفتحها لا أجد .. أمرق من الباب تلقفني الشمس ثانية.. أرفع يدي وأبسط كفي فوق جبهتي.. ظهره للشمس باطنه مائل علي عيني .. أزرهما.. السطح مبدور خزانات من الطين والأقفاص المكسورة ..يستكين في الظل الذي ترميه علي أرضه جماعات للدواجن والأوز والبط .. في الجانب ترتفع بنية من الطين واسعة من أسفل لكنها تبدأ تدور.. فتضيق.. وتدور فتضيق كأنها مأذنة مقام الكفان قبل أن يأتي المهندس ويقول أن إتجاه القبلة منحرف فيهدمها ويقيم محلها أخري عالية واسعة خرسانية .
بالنهار جهنم كان عليها أن تقوم داخلها وبالليل تستيقظ الجدران مع السقف من غفوتهم ويبدأون يلفحونني بصهدهم الذي إجتروه من صبرهم أمام قهر النهار..
أهبط.. أملأ الصفيحة من حنفية الكنيف في بئر السلم .. أستند علي الجدار حين أتزحلق في العكة التى تخلفها تحتها رغم الأستك الذي يدور حولها فيربط اليد السائبة بالجسم المعدني.. أحمل الصفيحة علي كتفي.. أصعد.. أسندها على صدري وأحتضنها بين يدي وأتسلق السلم الخشبي.. أعتلى الحجرة وأريق فوقها صفيحة وصفيحة.. لا فائدة .. لم أحضر أي متاع بعد لكنني جئت بلحافي معي من المدينة.. فردته علي السطح .. قرفصت علي نصفه.. شددت النصف الآخر وتغطيت به.. لكنها الكائنات التى تقرص في وتأكل فى جسدي.. تمتص دمي.. عليك أن تبحث عمن يدهن لك السطح.. بالقطران.. وقتها ينكسر قرص الشمس عنك.. قالوا لي أن أي واحد من التوضيبة يعملها لك ويرضي بأقل حاجة..
أخذت الميكروباص حتي ميدان مشعل.. سألت عن شارع مستشفى الصدر علي رأسه كانت الأرض تؤتى أكلها رجالا ونساء جاءوا من كل فج لا يملكون سوي أبدانهم التي تبذل حقا لأي شيء .. وجدتني أجوس في جموعهم.. يحتلون الرصيف على جانبي الشارع.. يمتدون بينهم.. يتعالي صوتهم بالشجار وهم يتقاسمون السجائر أو فصوص البرتقال الذي يفضون قشره هكذا بأيديهم وببساطة.. أكواب الشاي الخمسينة تمر عليهم.. فيرتشفونه ويغمضون عيونهم.. يلتفون حول حجر معسل.. يسحبون من الغابة الصفراء المدسوسة في الخرطوم الأحمر النافذ من خلال سدادة فلينية الي زجاجة لمحلول جلوكوز.. تبدو من خلالها فقاعات الماء.. وتسمع قرقراتها فتجيء الأنفاس.. يتجمعون في أحد الجوانب حول أحد المقاولين الذي يتخير منهم ويأخذهم في مؤخرة سيارة داتسون حمراء.. نقل دقهلية مكتوب عليها بخط رديءالعين صابتني ورب العرش نجاني .. محاط بهم.. أحاول الإنفلات ولا تسعفنى فرجة أفلت من خلالها .. مرحبا يا أستاذ.. كل عام وأنت طيب.. يلزم خدمة .. أيوه.. تعرف تعمل بلاك.. طبعا يا أستاذ.. إنت مش واخد بالك مني.؟
كان هو.. ظهوره كان مقدرا بميقات لا يدريه سواه قالوا أنه إبن الخفير الذى كان يحرس ماكينة رى العمدة.. هناك وسط البحر كانت قائمة على جزيرة صغيرة حتي يصلها كان عليه أن يخلع جلبابه ويربطه حول الجميزة العتيقة.. ويخوض في الماء.. لما جاءت الكوبانية وقالت أنها ستعمل حنفية والملء سيكون منها بالدور لم يرع أحد وبقيت البنات يذهبن عقب آذان كل فجر يرفعن زيول جلاليبهن ويزحن بأيديهن الماء .. فيجرى يملأ الجرار ويروح طريا داخلهن .. يرطبهن.
غير أن الجنية النداهة بنت ملك الجان التى تسكن قاع النيل دارت في البلد وأعلنت أنها من إكتمال القمر وحتي ينكسر ثم يكتمل من جديد عزمت أن تأخذ كل من ينزل البحر وتعقد له علي إحدى بناتها.. لكنه ظل يربط جلبابه حول جذع الجميزة ويمضي بسرواله يشق البحر الي جزيرته .. حين إكتمل القمر.. كانت البنات يتشاجرن حول من منهن أحق بالملء أولا من حنفية الكوبانية.. وكان هو لم يعد..صار بعده الولد إبن الغفير يرحل ليحرس الماكينة حين يجيء الليل .. كان ينزل معه كلبه الأسود كل مرة.. لكننا لما كنا في رمضان نجتمع في الجرن بعد العشاء فجأة تجده بيننا .. بلتك فريقين ننقسم.. لا يلعب دون كلبه..نخط بعود حطب علي الأرض دائرة.. فريق بداخلها وفريق خارجها.. بلتك بلتكتين والعلقة علقتين.. يدخل واحد من الخارج الي الدائرة وعليه أن يلمس أحد اللاعبين بالداخل والفرار دون أن يمسكوه حتي ينتقل فريقه للداخل أما إذا أمسكوا به فساعتها ينزلون عليه ضربا بالشباشب البلاستيك حتي يقول أنا مره فيتركونه .. أبدا لم يكن يقولها.. وأبدا لم يكن أحد يستطيع أن يمسك به......
-إنتهيت ولا سمس(شمس ) بئونة يا أستاذ تقدر تفوت منه.. طب إقعد إتغدي بقي.. لا يادوب ألحق أعاود التوضيبة زمان جماعتي رجعت.. إنت إتجوزت؟ أمال وعندي خمس عيال.وهي بتشتغل أيوه عند ناس طيبين والكلب.؟سموه..
-الآن.. غب في عليائك ياآآتوم فالأرض محزونة تتألم وهي لم تعد بعد مكانا لميلادك مرة أخري..
أنام.. لكنني أبدأ في العد حتي المليون وأقرأ الصمدية ثلاثمائة مرة وأبدأ أصنف الخراف التي تقفز عبر الحاجز الي أبيض ورمادي.. تيوس وماعز.. مبتورة الأرجل ومقطوعة الذنب لكنه يقفز من فوق جواده ويبدأ ينام مع البنات أخشي علي المحمل أن تناله النجاسة فأظل هكذا منتبها كلما اقتربت منه القطرات التي أمسحها بخرقة مبللة بالماء ارشها بالتراب.. ديدبان وبلا عقب سيجارة حتي تبدأ تصحو الشمس من جديد .. فأدرك أن علي احضار قفل ورزازية معي حين أعود.
- بالتك : لعبة فرعونية قديمة ومازال يلعبها العيال في ريف وصعيد مصر حتي الآن .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق