الأربعاء، 25 ديسمبر 2024

دراسة نقدية



بقلم

الكاتب والناقد والباحث

د. محمد بشير بويجرة 

جامعة وهران _الجزائر

النزغ السردي و غواية التخييل في رواية "الحمار الذهبي"

 



إن مبدع رواية "الحمار الذهبي" هو لوكيوس أبوليوس الذي ولد سنة 124 أو 125م في مدينة "مداورش" التي كانت عاصمة القديس "اوغستين" و التي ولد فيها أيضا الروائي الطاهر وطار، و التي تبعد عن مدينة سوق اهراس بحوالي 45 كلم.و بالتالي فهو جزائري المولد و النشأة، لأنه تلقى تربيته الأولى و صقل نشأه الأول في هذه المدينة لما كانت تزخر به من ثقافة و حضارة آنذاك.و لقد أقر هو بذلك عند ما أقر بانتمائه إلى وطنه الواقع بين "نوميديا" و "غيتوليا" و اعتباره، بناء على ذلك،نصف نوميدي و نصف غيتولي بأن ليس في ذلك ما يخجل،مذكرا بأن الفارسي "سيروس" العظيم كان من جنس مختلط، نصفه ميدي و نصفه الآخر فارسي"[1]".

ولقد نالت هذه الرواية حظوة كبيرة لدى أهل الأدب و المفكرين، حيث اعتبروها أول نص روائي عالمي لما حملته من قضايا موضوعاتية و لما امتازت به من تقنيات في السرد و في الحبكة القصصية، تلك الامتيازات و الخصائص التي جعلت الكثير من الأدباء في العالم، بعد ذلك، يتأثرون بها إن في النسق الفني أو محاكاتها في الموضوعات الإنسانية التي زخرت بها،مثل تأثر الكاتب الإيطالي "بوكاتشيو" في كتابه "الديكاميرون"[2]".

   و لقد قدم "لوكيوس" روايته هذه في أحد عشر فصلا(سماها أبوابا)،و بصيغة ضمير المتكلم، و قدم فيها أحداثا يتلاقى فيها الواقعي مع الخيالي و يتقاطع فيها الممكن مع المستحيل و يتنافر حولها المنجزات الاجتماعية مع منجزات السحر و الأعمال الخارقة التي لا يصدقها العقل،كما نوع فيها بكم هائل من الشخصيات مختلفة الطبقات و الأهواء و متعددة السلوكات و متضاربة الأهواء و المقاصد.

  و تنبع خصوصية هذا المبدع و ريادة نصه في أن كل المصادر و المراجع ذكرت بأنه كان قد ورث ثروة طائلة من أبيه، كما كان ذو علم غزير في المجالات الفكرية و الفلسفية و اللاهوتية و كذا علم السحر و كان خطيبا مفوها، لكنه على الرغم من كل هذه الحقول و المجالات التي كان يتطلبها العصر فإنه جنح إلى فن لم يكن معروفا على عهده، و ذلك تحت نزغ إنجاز حقل جديد يمكنه من البوح و الإفراغ فيه كل ما يبعد عنه سأم اليومي و يخفف عنه قيود الاعتقادات و الأعراف و الدين.

   و يبدوا لي أن مقصدا كهذا و في هذه المرحلة المتقدمة من عمر الإنسانية، و بالنظر إلى ما تحقق في مجال السرديات، يفرض علينا أن نعده إنجازا معرفيا و جماليا مهما جدا، و خاصة حين نلاحظ مجموع الخاصية الفنية التالية التي أصبح النقاد المحدثون يعدونها الأسس الأولى للإنشاء السردي و من أهم تقنياته : ـ

بداية نلاحظ بأن الرجل، على الرغم من أنه رجل فلسفة و رجل دين و فكر، قد كانت تدفعه نوازع فنية و جمالية قد لا تمت إلى الدين أو الفلسفة بصلة. و لعل أبرز معالم ذلك ما نقرأه في أول كلمة حين نجده يقول : "..أريد أن أضفر لك بأسلوب مليزي باقة من الحكايات المتنوعة، تدغدغ أذنك الصاغية برنين عذب ـ إذا كنت ممن لا يأنف من النظر في أوراق البردي المصرية، التي كتبتها بقصب النيل ـ إلى درجة أنك ستعجب كيف يتخذ بعض الناس أشكالا غريبة ثم يستعيدون صورهم الأصلية على وجه مغاير.."[3]"، حيث نجد أن "لوكيوس" يقصد، عن وعي كامل و تام ببنائه نصا سرديا يمزج ما بين الواقع المعيش و الخيال، إلى الخروج عن المألوف و المعتاد لدى المتلقي / القارئ الذي يخاطبه بصيغة ضمير المخاطب(ك) و كأنه في حالة حضور معه إيغالا في إرساء دعائم التخييل و في تدعيم أسس الافتراض، و لعله مما يؤصل هذه القصدية قوله في الفصل العاشر: "..عليك الآن أن تعرف، أيها القارئ الكريم،أنك تقرأ مأساة لا ملهاة، فتهيأ لما يسبب لك الألم و يبعثك على الرزانة و الجد.."[4]".

    نلاحظ في الفقرة الأخيرة أن لوكيوس يؤكد على شيئين اثنين هما؛ يعرف بأنه يكتب نصه إلى قارئ مفترض لا يعرف شكله و لا نفسيته و لا ثقافته، و يعرف بأن ما يكتبه هو نص يحمل الكثير من الأوجاع و الآلام و المعاناة،دلالة و إيحاء على التصاقه بالواقع المتخم بهذه الحالات و الوقائع و الأحداث، و في كلتا الحالين يمكننا القول بأن لوكيوس كان واعيا بأنه يكتب نصا مغايرا لكل النصوص التي اعتاد استهلاكها.و لعل قولته التالية تبرز ذلك كله : "..أرجو أيها القارئ أن تعذرني...إن هذه الحكاية، التي سأبدأ بروايتها، يونانية الأصل. فانتبه، فإنك ستنال حظك من التسلية.."[5] ". أما الإشارة الأصيلة حقا، في هذه المسألة فإننا نلاحظ أن النصوص الإبداعية(التي كان الأدباء الإغريق قد كتبوها في شكل مسرحيات أو أشعار) كانت تشاهد و لا تقرأ، أما ما كان لوكيوس قد عزم على كتابته حينذاك فكان نصا يقرأ و لا يشاهد ممسرحا، و تلك إلماحة طيبة إلى أن هذا المبدع كان في ذهنه نوع من التنظير للبدايات الأولى للمفاهيم النقدية الحديثة التي تجمع على ضرورة اجتماع العناصر الثلاثة للعملية الإبداعية(المبدع، النص، القارئ).

     و لو حاولنا أن نتقدم أكثر في المجالات الفنية لهذا النص لوجدناه حقيقة قد استوفى كل المقاييس و الأركان الأساسية لفن الرواية(السرد) المعاصر، و ذلك استنادا إلى ما يلي:ـ  ـ

 

1 ـ بناء الشخصية السردية :ـ

   لقد عدت الشخصية على مر العصور السردية أهم عنصر فني يقام على كاهله المعمار السردي للنص، باعتبارها الفاعل الأساسي في الأحداث و في الوقائع و المطور لها، و على الرغم من ريادة هذا النص غير أننا نلاحظ عليه عنايته الشديدة بتنوع الشخصية فيه حين نجده جامعا لكم هائل من الشخصيات بداية من لوكيوس،الكائن بواسطة ضمير المتكلم و الذي تحول فيما بعد إلى حمار، مرورا على أمه "سيليفيا" و صديق العائلة "ميلو" التاجر المرابي و زوجته "بامفيلية" الساحرة،و اللصوص الذين كان لهم حضور قوي في كل الرواية، و كذلك شخصية "آمور" و شخصية "بسيشة"، و مجموعة كبيرة جدا من الآلهة، زيادة على شخصيات أخرى ثانوية مشكلة من التجار و العساكر و الرعاة و الفقراء و السحرة و رجال الدين. مما يؤكد على أن لوكيوس أراد أن يخلق لنصه المصداقية الفنية و الإقناع الفني بفضل هذا التنوع في الشخصيات التي يتبعها بالضرورة تنوع في الوقائع و في الأحداث و في السلوكات.

ـ لوكيوس/ الحمار :

      يعتبر الشخصية المركزية في الرواية، لأننا نجد كل الأحداث تقوم على ما يمارسه من سلوكات أو على ما يقع فيه من مكاره و مزالق، بسبب حبه للمغامرة و للأسفار و بسبب حبه الاطلاع و معرفة أسرار السحر و حقائقه، دون العناية و الحفاظ على الثروة الطائلة التي تركها له أبوه.و تحت تأثير هذه النزوات سافر إلى مقاطعة "تيساليا" التي اشتهرت بتعويذاتها السحرية، و التي وصلها عبر القفار و الفيافي فوق حصانه الأبيض. و للإيغال في تشويق القارئ لما سيحدث له نجده يلتقي في طريقه إليها بشخصين يحكيان له عن وقائع و أحداث غريبة و رهيبة يحدثها السحر و السحرة مثل هذه اللقطة عن رفيقه في الطريق إلى "تيساليا": "..فنهض و بحث عن مكان مسطح فوق ضفة النهر، و جثا على ركبتيه، ثم انحنى لينهل منه بنهم، لكنه ما كاد يلامس سطح الماء بشفتيه حتى تحول الجرح في عنقه إلى ثقب كبير، تدحرجت منه الإسفنجة إلى الخارج، و قد صاحبها قليل من الدم. وفي النهاية تمايل جسده، الذي كانت الروح قد فارقته.."[6]"، وهي اللقطة التي أرعبته و أفزعته، لكنه على الرغم مما حدث له فإننا نجده يقول، بعد وصوله إلى مدينة السحر و السحرة " تيساليا " : "..هذا ما حدثتني به " بيرهينا " و هي خائفة. و لكني كنت على أية حال مستعدا لتقبل الجديد. و حين سمعت كلمة السحر المغرية، كنت في تلك اللحظة أبعد ما أمون عن الاحتراس من "بامفيلة" بل هممت بالتوجه إلى مدرسة تعلم السحر مهما كلفني ذلك من ثمن.."[7]" .

     و تتعدد الأحداث و تتعقد الوقائع مع لوكيوس حتى أدت به ذات ليلة و هوعائد، في وقت متأخر من الليل، أن شاهد ثلاثة لصوص يحاولون سرقة منزل "ميلو" الذي كانت زوجته "بامفيلة" قد عشقته و ترجته أن يقضي الليل عندهم،فحاول "لوكيوس" ثنيهم عن السرقة حيث يقول : "..و في الحين سللت سيفي الذي كنت قد أخفيته تحت جلبابي، و كنت جلبته معي لمثل هذه المناسبة، وشرعته و هويت به دون تردد بينهم، و رحت أطعن الواحد بعد الآخر.."[8]". و بعد هذه الواقعة تبين بأن "لوكيوس" كان قد قتل السراق الثلاثة مما دفع بالمؤسسة القضائية إلى محاكمته بصفته غريبا عن المدينة الذي تسبب في قتل مواطنيها، و كان الحكم قاسيا جدا حين قررت المحكمة تعذيبه حتى يكشف عن بقية القتلة ثم شنقه، لأن المحكمة رأت استحالة قتل "لوكيوس" وحده ثلاثة شبان أقوياء. لكن فجأة ظهرت عجوز كان ابنها ضمن المقتولين و دعت إلى إحضار جثث المقتولين للإطلاع على جمالهم و فتوتهم حتى تتشدد المحكمة في إنزال العقاب بالجاني "لوكيوس". ثم بعد ذلك أحضرت الجثث في عربة، و بعد أن رفعت عنها الأغطية تبين بأنها قرب من جلود الماعز، فتفاجأ الجمع و علت الضحكات و السخرية من "لوكيوس" الذي قتل القرب.

    و تحت التأثير النفسي السلبي على لوكيوس لهذه الحادثة، أخذ يجتهد في البحث عن الحقيقة التي وجدها عند "فوتيس" إحدى خادمات زوجة "ميلو" الساحرة "بامفيلة" التي أخبرته بأن هذه الأخيرة هي التي أنجته من الموت بسبب سحرها الأموات و تحويلهم إلى قرب منفوخة. فتعجب من هذه العملية السحرية العجيبة و طلب من "فوتيس" أن تحظر له شيئا مما تستعمله سيدتها في الأعمال السحرية، و خاصة أن "فوتيس" كانت قد دللت على ما قالت له باإطلاعه على تحول سيدتها إلى بومة كل ليلة. فما كان من "فوتيس" غير تلبية طلب "لوكيوس"، لكنها أخطأت في اختيار نوع المادة السحرية التي تحوله إلى طائر فأحضرت له مادة حولته إلى "حمار" بعد أن طلا بها جسمه، حسب ما تصرح به الفقرة التالية : "..بعد ذلك نزعت ثيابي كلها بسرعة، و أدخلت يدي في العلبة ، و غرفت كمية معتبرة من المرهم و دهنت بها جسمي...لكن شعري نما بشكل واضح و أصبح خشنا، و صارت بشرتي الناعمة طبقة سميكة من الشحم، و تجمعت أصابع يدي و قدمي ليتحول كل منها ببساطة إلى حوافر، و انبثق في أسفل ظهري ذيل عظيم...و عند ما تأملت كل أعضائي في هذا الوضع البائس، لم أر نفسي طائرا، بل رأيت نفسي حمارا،و هممت بتوجيه الشتائم إلى "فوتيس" على ما فعلته بي، و لكني كنت قد فقدت حركتي و صوتي الإنسانيين.."[9]" .

      و منذ الفصل الثالث(الباب الثالث) تصبح شخصية "لوكيوس" الإنسانية حمارا في الشكل لكنها تظل محتفظة بالغرائز و الخصوصيات و الأذواق الإنسانية حتى الفصل الحادي عشر(الباب الحادي عشر)، تلك الخصائص التي كانت تمكنه من اشتداد معاناته و غبنه بكل الفصول و الأحداث التي تخللتها؛ حيث لاحظ مكر بني الإنسان و خبثهم و دسائسهم، و ذاق ويلات الجوع و الإهمال تارة لكونه حمارا و تارة أخرى بسبب إهمال الإنسان و انعدام إنسانيته.إلى أن كان ذات ليلة أثناء نوبة الحراسة فقام نشطا و لسان حاله يقول: "..استحممت في البحر..غمست رأسي سبع مرات في أمواج البحر لأن "فيتاغورس" الموهوب كان قد اعتبر هذا العدد خاصة ملائمة للطقوس الدينية..و رحت أصلي للربة القوية و الدموع تنهمر من عيني.."[10]" .

   و بقي على هذه الحال يستجدي الإلهة التي تسكن الأعالي، حتى أقامت حوارا معه دعته فيه إلى التحلي بالصبر و ترك النواح و الإقلاع عن التفكير في الماضي و في مآسيه، حتى قالت له  : "..سيدشن كهنتي يوم غد سفينة جديدة لي بعد أن أصبح السفر ممكنا من جديد افتتاحا للمواصلات. و لا يجوز لك أن تستقبل هذا الحدث المقدس بحزن أو بأفكار دنيوية. فعندما يتشكل الموكب كما ينبغي سآمر الكاهن بربط إكليل من الورد في الصنج المعلق بيده اليمنى. و هنا يجب عليك أن تندفع في الزحمة فورا و تتبع الموكب واثقا من إرادتي بكل نشاط. فإذا ما أنت اقتربت من الكاهن فارفع رأسك بهدوء، كما لو أنك تريد أن تقبل يده، واقطف الورد، و ستتخلص حالا من جلد هذا الحيوان.."[11] "، و بعد أن يفعل "الحمارـ لوكيوس" كل ما طلبته منه الإلهة يعود "لوكيوس" إلى طبيعته البشرية.

   و لم يكتفي لوكيوس في بناء شخصيته( في حالة تحوله إلى حمار) بالشكل الخارجي من جسد و شعر و أرجل و أذنين، و لا بالوظائف التي توكل إليه من حمل للأثقال و من إدخاله إلى الإسطبلات و ما يلصقه به مستعملوه من إهانات و احتقار، و لكنه كان يعتني أيضا ببناء البعد النفسي( المتعلق بالإحساس و العواطف و الشعور) الذي نجده متناثرا بكثرة في النص؛ سواء كانت تلك الإحساسات ذات صلة بعقله و بعواطفه(باعتبار أن لوكيوس تحول إلى حمار بجسده فقط، و قد ظل فيما عدا ذلك محتفظا بخصائصه الإنسانية) أو كانت ذات علاقة بسلوكه و مهامه في حالته الحيوانية.

    و لو حاولنا أن نعدد بالتفصيل هذه الحالات لطال بنا الأمر و لطال نفس البحث، مما لا نأمن معه سأم القارئ، لذا سأقتصر على بعض اللقطات من الرواية لاستبيان كل ذلك، مثل اللقطة التالية التي تقول : "..و في وسع الحمار نفسه أن يستنتج هذا من التحية الأولى و من الحديث المطول و القبل المتداولة...و بينما كنت أرتج فوق هذا البحر من الأفكار ، رأيت في مكان قريب منخفضا وارف الظلال، تزهوا فيه ورود ذات ألوان برتقالية وسط حشائش و أعشاب مختلفة. و في الحين خطر بذهني، الذي لم يكن ذهن حمار تماما، أن هذا الحقل حقل مقدس عند فينوس و إلهات الجمال.."[12]".

     كما نجد تداخلا جميلا رائعا و قويا بين الإنسان و كل ما يلتصق به و بين الحمار و كل ما يرتبط به في هذه اللقطة : "..أما أنا فقد احتفظت بعقلي البشري، مع أني كنت قد تحولت من لوكيوس إلى حمار نقل على أتم ما يكون، و في النهاية أخذت أشاور نفسي فترة طويلة و بشكل مسهب فيما إذا لم يكن من واجبي أن أصك المرأة التافهة الملعونة بحافري و أقتلها عضا.."[13]" .

   و عند التمعن في أعماق النص و منحنياته و مخبآته نقع على كم هائل من الغبن الذي تعرض له "لوكيوس/ الحمار" لعل من أطرف ذلك هذه الفقرة التي تقول : "..و بعد أن رعت دواب الحمل ثلاثة أيام، لكي يكزن مظهرنا أكثر إغراء، قادونا إلى السوق، و نادى الدلال بصوت عال بالأسعار المفردة،و فاوض الشراة من أصحاب المال على الأحصنة و كذلك الحمير واشتروها، و لكني أنا بقيت وحدي، و كان معظم الناس يتخطونني في احتقار. و في النهاية قرفت من لمسات الناس، الذين كانوا يريدون معرفة عمري من أسناني، و عند ما كان أحد الأوغاد ينكت لثتي بأصابعه النتنة خطفت يده القذرة و عضضتها عضة بالغة.."[14]"

ميلو و بامفيلة :

    هاتان الشخصيتان أساسيتان في النص أيضا، باعتبارهما قد أديتا دورا مهما و أساسيا في تنمية الأحداث، إذ لولا تعرف "ميلو" على "لوكيوس" اعتمادا على معرفة سابقة بعائلته و به، و لما قتل "لوكيوس" اللصوص الذين حاولوا سرقة مسكنه، و لولا ربطه التواصل بين زوجته "بامفيلة" الساحرة و بين "لوكيوس" لما استطاع هذا الأخير أن ينجو من قصاص المحكمة و لما استطاع أيضا أن يتحصل على المرهم السحري بواسطة "فوتيس". و لذا، فإني أجد دور هاتين الشخصيتين، على الرغم من قصر مدة تواجدهما النصي،أساسيا في بناء جمالية متميزة للأحداث داخل النص كله، و بخاصة حين ركز المبدع على حالاتها النفسية و بعض خصائصها الجسمية و القوة السحرية الخارقة التي تتميز بها؛ إن سلبا أو إيجابا، حيث يقول في ذلك عن نقد "بيرهينا"، صديقة العائلة و التي تكلفت بتربيته أيام الطفولة، لزوجة " ميلو" "بامفيلة" المتحكمة بقوة في فنون السحر: "..بحقي عليك إلا أخذت حذرك من فنون "بامفيلة"(التي تعشق الجميع)السيئة و إغراءاتها المضرة، فهي ساحرة، تزوجت ميلو الذي تسميه مضيفك، ساحرة من الدرجة الأولى، و يقال إنها ماهرة في كل نوع من أنواع السحر المتصل بالأضرحة، تستطيع بنظرة واحدة منها أن تجعل الأعواد الصغيرة و الحجيرات و ما أشبهها تغرق أضواء النجوم في هوة سحيقة حالكة الظلمة.."[15]".

ـ فيتوس :

    هذه الفتاة التي وجد فيها "لوكيوس" قيما جمالية خاصة تميزت بها عن غيرها من الفتيات اللائي تعامل معهن. و يلاحظ القارئ، في هذه المسألة بالذات ربط الجمال الأنثوي عند "لوكيوس" بجمال شعر المرأة من عدمه، حيث يقول : "..كان المهم بالنسبة إلي دائما أن أتأمل الرأس و الشعر بشكل دقيق و أمام الناس حتى أتمتع بذلك في البيت فيما بعد.."[16] "، ثم يؤكد ذلك بقوة حين قوله : "..إن لتسريحة الشعر أهمية على الإطلاق، فمهما تزينت المرأة بالذهب و الجواهر و الألبسة و كل ما يمكن تصوره، فإنها لن تسمع ثناء على أناقتها، إذا ما هي أهملت شعرها.."[17]"، أما عند ما يصل إلى التدقيق في إعطاءنا سبب إعجابه ب "فيتوس" فإنه يقول : "..لكن فتنة فيتوس كانت تكمن في إهمالها لشعرها.."[18]".

    أما عن الصورة التي رسمها لها النص على لسان "لوكيوس" فيجدها القارئ في هذه اللقطة : "..و لم أجد في البيت لا ميلو و لا زوجته، و إنما وجدت فوتيس الجميلة...و كانت هي نفسها قد ارتدت ثوبا مخمليا أنيقا، و شدت صدرها برباط يشع حمرة تحت نهديها، و يخلع على قوامها الكثير من الفتنة و الجمال.."[19]"

ـ اللصوص : ـ

  لقد وظف لوكيوس شخصية اللص بطريقة عجيبة و قوية جدا حين كانت هي الطاغية، و هي المرافقة الدائمة للوكيوس/ الحمار في كل مغامراته و في كل تحركاته و انتقاله من مكان إلى آخر، تارة بسرقته هو نفسه من طرفهم، و تارة بحملهم علبه مسروقاتهم، و تارة ثالثة بالاستماع إليهم و معرفته كل ما يحيكون من خطط و أساليب للسطو و السرقة لاعتقادهم بأنه حمار حقيقي لا يفهم ما يخططون له .

    و لو حاولنا أن نتتبع كل اللقطات المبرزة لكل ذلك لما أسعفنا الوقت و الحال، لذا سأحاول أن أشير إشارة خفيفة إلى بعض اللقطات مثل تلك التي تقول : "..أخرجنا اللصوص من الإصطبل. و قد أثقلونا بالأحمال على وجه الخصوص. و كان الطريق الطويل قد أرهقني، و الحمل الكبير قد أثقل كاهلي، و ضربات الهراوة القوية قد دمرتني، فصرت أعرج في سيري، اقتربت من جدول صغير تترقرق مياهه بلطف، ففكرت في أن أستغل هذه الفرصة، فأثني فخذي بمهارة و أرمي بنفسي إلى الأمام.."[20]" . أو في تلك التي نجدها في الفقرة التي جعلت لوكيوس/ الحمار يقف متأثرا بمناجاة تلك الفتاة التي اختطفت لحينها من طرف اللصوص الذين كانوا قد سرقوه هو أيضا، و هي تناجي نفسها : "..لقد فقدت أنا التعيسة بيتا رائعا و خدما كثيرين. كانت لي ألطف الوصيفات، و كان لي أجل أبوين، فأصبحت غنيمة لعملية نهب رهيبة، و حولت إلى خادمة...كيف يمكنني أن أكف عن البكاء أو كيف يمكنني أن أحيا و أنا أعاني رعبا قاتلا و خوفا من الموت تحت بلطة الجلاد ين المرعبين من اللصوص و قطاع الطرق.."[21]".

   أما عن أسباب تواجد هذه الفئات من الشخصيات داخل النص و انتشارها فيه بصورة ملفتة للنظر فنقع عليها في الفقرة التي يقول فيها أحد اللصوص للفتاة(بسيشة) التي اختطفوها لتوها : "..تستطيعين أن تطمئني على حياتك و شرفك، إلا أن عليك أن تتذرعي بالصبر إلى أن نستفيد منك، فقد جعلنا الفقر و العوز أن نمتهن هذه المهنة، و لسوف يقدم لنا أبواك ـ على بخلهما ـ شيئا كافيا من جبل ثروتهما، يفتديان به دمهما من غير تأخير.."[22] ".

ـ الآلهة : ـ

     و لقد تعددت الآلهة في هذه الرواية، كل حسب وظيفته حسب المعتقدات الوثنـية اليونانية و كل حسب دوره و فعاليته في تأزم الأحداث أو في حل تعقيداتها داخل النص، مثل الآلهة التالية ؛ فينوس، مارس، إلهة الجمال،أرورا ربة الفجر، و غيرها من الآلهة التي وظفها المبدع في الرواية، مثل ما نقرأ في الفقرة التي تصف لنا حالة فينوس إلهة البحار و الجمال، بعد أن طلبت من ابنها أن ينتقم لها من "بسيشة"، و هي تسرع إلى شاطئ البحر : "..فأدخلت رجليها الورديتين في زبد الأمواج المتكسرة، و جلست فوق قبة أعماق البحر الرائعة،فحدث ما كانت تريده، بل حدث فورا و كأنها كانت قد أمرت به قبل فترة طويلة. لقد ظهر موكبها البحري في الحين، فخرجت بنات فيريوس مع الجوقة الموسيقية، و برز بوتونوس (إله المرافئ عند الرومان)بخصلته السوداء المنتفشة، و سلاكيا و قد امتلأ حجرها سمكا، و باليمون(اليوناني، نظير إله المرافئ الروماني)، و كانت آلهة البحر تتوثب بين الأمواج في كل مكان، هذا يعزف على الصدف الصادح، و آخر يمسك بمظلة مخملية لحجب أشعة الشمس المحرقة، و ثالث يرفع مرآة أمام عيني الإلهة، و آخرون يسبحون مثنى مثنى حول العربة على مقربة منها.لقد صاحب إلهة الجمال  في رحلتها إلى المحيط موكب من هذا النوع.."[23] "

ـ بسيشة : ـ

      إن شخصية "بسيشة" تلعب دورا أساسيا في أحداث و وقائع هذه الرواية حين نجدها تسمها بسيمات البعد التراجيدي فيها. و تدخل هذه الشخصية الأحداث بواسطة القصص و الروي التي روت بأنها كانت ابنة أحد الملوك أختا لفتاتين، و كلهن فتيات جميلات، لكن بسيشة كانت أجملهن على الإطلاق.

     و لقد جلب لها هذا الجمال كثيرا من المتاعب، حين جعل كل سكان مملكة أبيها، تحت تأثير هذا الجمال، يعاملونها معاملة خاصة فاقت معاملتهم لفينوس إلهة الجمال، مما جعل هذه الأخيرة تناصبها العداء ة تكيد لها المكائد.

ـ كوبيدو : ـ

     هو ابن الربة "فينوس" ربة الجمال، و كان رائع الجمال، لكنه بمجرد أن رأى بسيشة وقع في حبها و أعجب بجمالها فتزوجها متحديا بذلك أمه التي كانت تكيد لبسيشة شر المكائد.

ـ بسيشة و كوبيدو؛إشكالية الصراع بين الإنسان و بين الآلهة : ـ

     دخلت هاتان الشخصيتان الرواية بواسطة قصة قصتها عجوز وضع عندها اللصوص فتاة سرقوها من بين أحضان أمها و هي تزينها لليلة عرسها "[24]"، حين روت لها قصة "بسيشة " تلك الفتاة الرائعة الجمال؛ جمال جعل "فينوس" ربة الجمال تغار منها فتكيد لها المكائد بواسطة ابنها "كوبيدو" الذي أمرته أن يزرع في قلبها حب أخس و أقبح رجل لتتزوجه، لكن "كوبيدو" بمجرد أن رأى جمال "بسيشة" حتى وقع في حبها عاصيا أمر أمه فتزوجها مشترطا عليها عدم الطلب منه الكشف عن وجهه، و أن لا يعاشرها إلا في أوقات الظلام، فوافقت على ذلك ، ثم غيبها عن الأنظار، فلم تعد ترى.

    و بهذا الفعل اشتدت المشاحنة بين "فينوس" و بين "بسيشة"، حتى أغرت أختي بسيشة بالبحث عنها في كل مكان، حتى وجداها بعد مدة طويلة من البحث. و أثناء ذلك كان كوبيدو قد حذرها من البوح عن أسرار الربوبية التي تكون قد اطلعت عليها و بخاصة عدم الكشف عن هويته و عدم محاولة رؤيته و الكشف عن وجهه و الاكتفاء بمعاشرته في أوقات الظلام فقط.

     و تحت إلحاح أختيها في الكشف عن هوية هذا الزوج الذي يوفر لها كل سبل الرفاهية و العيش الرغيد، و تحت إصرار "بسيشة" عدم الكشف عن كل ما يريدان معرفته، تزداد ضراوة الأختين في رغبتهما الكشف عن هوية الزوج و عن الألغاز التي تحيط بحياة أختهما، تضطر "بسيشة" الكشف عن كل الأسرار المتعلقة بحياتها، حين تأخذ مصباح زيت و تقترب به، في إحدى الليالي، من وجه "كوبيدو" فتنبهر من جماله و من لطافة جسمه، و تحت تأثير هذه المفاجأة تندلق قطرة زيت من المصباح على كتف "كوبيدو" فيتفطن إلى خيانة "بسيشة" للعهد الذي قطعته له بعدم رؤية وجهه، فيطردها بعيدا عن بيته، فتتيه في الفيافي و القفار، ثم تذهب، أخيرا، عند أختيها، فتجدهما قد لقيتا مصير حسدهما و قد نالتا ما تستحقه من عقاب الآلهة جزاء أفعالهما الشنيعة، حيث تسقط كل واحدة منهن من فوق الأعالي فيتشظى جسميهما قبل أن تصلا إلى الأرض.."[25]". 

    و تتأزم حالة "بسيشة" النفسية لإحساسها بالخطإ و بالذنب في عدم احترامها للاتفاق الذي أبرمته مع "كوبيدو" مما تسبب في جلب متعب لها، بدء من فقد زوجها و من ازدياد قلقها من انقلاب سعادتها إلى تعاسة و شقاء، مما جعلها تفكر في وضع حد لحياتها بواسطة الانتحار بإلقاء نفسها من أعالي الجبال. كما اشتدت محاصرة فينوس لبسيشة في كل مكان، مما أضفى على المنطقة كلها،حسب الاعتقادات السائدة آنذاك، عدم الشعور بالأمان، مما جعل "ميركور" كبير الآلهة أن يدعو كل الآلهة إلى اجتماع عاجل لمعالجة المسألة و سيعاقب كل من يتخلف عن هذا الاجتماع، و حينئذ سوت الآلهة الخلاف بين فينوس و بين ابنها كوبيدو بعقد قرانه على بسيشة بصورة نهائية بأمر من ميركور الذي قال : "..أما أنت يا بنيتي العزيزة، فلا تغتمي لهذا ولا تهتمي بمصاهرة أسرتك العلية و مقامك الرفيع لأسرة بشرية، كوني حريصة على أن لا تكون هناك علاقة غير شرعية، و من ثم يجب أن يتم الزواج وفقا للقانون المدني.." ثم يقول لبسيشة : "..اشربي يا بسيشة، فأنت من الآن فصاعدا خالدة، و لن يكون لكوبيدو حل الرباط الذي يربطك به، فلزواجكما هذا الخلود و الدوام.."[26]" .

    و لقد تمت صياغة كل هذه الوقائع بواسطة أسلوب الارتداد حين أخذت عجوز، ترك عندها لصوص فتاة اختطفوها من أبويها، في سرد هذه القصة، ترويحا لها عن النفس، قائلة : "..كان يعيش قديما في إحدى المدن ملك و ملكة، و كان لهما ثلاث بنات في منتهى الجمال..."[27]" .مما يبرهن على أن مبدع هذه الرواية كان يقصد، بوعي و تمكن، إلى أنه يبني نصا أدبيا فنيا يختلف عن كل النصوص الأخرى التي كان يكتبها في مختلف الحقول، و تلك خصلة أعتقد أنها تحسب للمبدع في تلك الحقبة الضاربة في القدم قبل أن تبرز نظريات الأحناس الأدبية و قبل أن تتبلور المفاهيم النقدية المرتبطة بالسرد و السرديات .

 2 ـ الوقائع و الأحداث :

   لقد تنوعت الوقائع و الأحداث في هذه الرواية بشكل بارز و تعدد تفاصيلها، سواء كانت تلك الأحداث و الوقائع تتصف بالعنف و القتل، أو كانت ذات صلة بالسلوكات المريبة المبنية على الحيل و على الخدع، أو كانت تتمثل في أحداث و وقائع عاطفية و إنسانية،أو كان يقوم بها آلهة و أرباب، و سواء أكان ذلك في الفترة التي كان فيها لوكيوس إنسانا أو في الفترة التي تحول فيها إلى حمار. و ذلك ما جعل الأحداث في الرواية تتداخل بينها ما بين الواقعي الذي كان يعيشه الإنسان على ذلك العصر و ما بين الأسطوري و الخيالي الذي كانت تقوم به الآلهة و السحرة و القوى الغيبية اللاواقعية.

  كما نجد تلك الوقائع تحدث بواسطة الشخصيات المتعددة في الرواية، بداية من لوكيوس وهو يقوم برحلته من أجل التجارة خارج وطنه و بعيدا عن أهله إلى " ثيساليا "، ومرورا عليه و هو يتحول إلى حمار حين بدأ يشاهد كل الوقائع و الأحداث التي تقع عليه أو حوله،و حين كان يسمع كل الحكايات التي كان يتداولها أشخاص الرواية معتقدين عدم فهمه لكلامهم و لا لحكايتهم، ثم بعد أن عاد إلى حالته الإنسانية و بعد أن أصبح عابدا متبتلا في أحد الأديرة.

   و لقد امتازت تلك الوقائع و الأحداث بالغرابة و الأسطورية تارة، و بالعقلانية و بالموضوعية تارة أخرى، لكنها على العموم كانت مبنية بدقة و إحكام من أجل شد انتباه القارئ و من أجل إمتاعه بالمفاجآت و بالمغامرات التي تثري لديه و تبني أفق انتظاره. و لو تتبعنا كل تلك البنى الفنية التي صاغ لوكيوس على أساسها معظم الوقائع و الأحداث لما استطعنا أن نلم بها كلها، لكني سأقف عند الواقعة التي تروي فيها تلك العجوز التي كانت تكره "لوكيوس/ الحمار" قصة تلك المرأة ذات الجمال البارع، و التي كان لها زوج إسمه "بارباروس" يحبها و يخاف عليها من فجور العصر.ولقد لاحظ "فيليسثيروس" هذا الجمال على تلك المرأة، فاستغل سفر زوجها الذي كلف خادمه "ميرميكس"بالحفاظ عليها في غيابه، لكنه لم يقاوم إغراءات السبائك الذهبية التي قدمها له "فيليسثيروس" فعمل على توفير الظروف له للقضاء أوقاتا غرامية مع تلك الزوجة الرائعة الجمال، لكن فجأة، وفي أحد الأيام، عاد الزوج من سفره في الوقت الذي كان فيه "فيلسثيروس" معها في غرفة النوم،و لما علما بقدوم الزوج سارع "فيلسثيروس" إلى الهرب تاركا وراءه خفه تحت السرير، الذي وجده، بعد ذلك، الزوج فكبل الخادم "ميرميكس" عقابا له على خيانته للأمانة، ثم قاده إلى المحكمة. و أثناء المحاكمة، خرج "فيلسثيروس" بقوة و عنف ضاربا "ميرميكس" و مسقطه أرضا أمام القضاة و الجمهور، و هو يردد هذه الكلمات ".. أهذا أنت أيها الخبيث و الكذاب الآشر،إن سيدك هذا و هؤلاء الناس،الذين أنزلتهم إلى الشارع بيمينك الكذبة الوقحة،من حقهم أن يلحقوا بك الأذى. لأنك سرقت خفي من الحمام يوم أمس، فأنت جدير بهذا،يعلم الله أنك جدير بأن تمزق بشرتك هذه القيود و أن تستقر في حبس مظلم فوق ذلك.."[28]".

   مما لاشك فيه و أن سرد تلك الوقائع و ترتيبها، في الفقرة السابقة، كان شيقا و كان جالبا لمجموعة كبيرة جدا من الممكنات و التأويلات و المصائر المفترضة في ذهن القارئ/المتلقي،لكن على الرغم من كل ذلك فإن ذلك الموقف(المفاجئ) الذي اصطنعه لوكيوس في ظهور "فيلسثيوس" بهذه القوة و بهذا العنف في اللحظة المناسبة قد أحدث المفاجأة غير المنتظرة، مما ساهم بقوة،حسب اعتقادي، في رفع وتيرة الانفعال لدى القارئ/المتلقي، ذلك الانفعال الذي يعتبر، في مثل هذه اللحظات، قيمة جمالية أضافها النص إلى مجموع القيم الأخرى التي يزخر بها النص كله.

3 ـ جماليات المكان :ـ

    إن عنصر المكان و جمالياته و بنياته الفنية كانت بارزة و مهيمنة على معظم اللقطات النصية، حتى كان هذا العنصر الفعال في إضفاء الجمالية الفعالية على الوقائع و الأحداث و تقريب بينها و بين الشخصيات الفاعلة في النص. و لعل الفقرة الفاتحة للفضاء النصي القائلة : "..إعلم إذن بغختصار : أن جبال هيميتوس في أتيكا، و إيتيموس المجاورة لإيفيرا و تيناروس في بلاط الإسبرطيين، تلك المروج البديعة التي خلدت في كتب رائعة هي موطن سلالتي.." [29]" .ثم يضيف : "..كنت قد ذهبت في رحلة تجارية إلى ثيساليا...و بعد أن قطعت الانهيارات الجبلية، و الوهاد الموحلة، و المراعي الندية، و المروج التربة.."[30]".و غيرها من الفقرات التي تبرز و تدل على الأهمية القصوى التي يعطيها الكاتب لنصه.

    كما يلاحظ على توصيف جماليات المكان أنها أتت في الرواية غالبا على لسان "الحمار/ لوكيوس"، الذي كان دقيقا جدا في ترتيب تلك الجماليات وفق لغة سلسة و شاعرية ذات إحالات و ذات أبعاد دلالية ترتبط بالحالة النفسية التي يكون عليها "الحمار/لوكيوس"، مما جعل وصفه لكل الأمكنة الموظفة في الرواية يكتسي نكهة خاصة، سواء في تطور الأحداث و نمو الشخصيات أو في تبيان ترانيم الحالات النفسية و تقلباتها، اعتبارا لما يرويه بحد لسانه : "..هنا، يتطلب موضوعي أن أقدم وصفا للمكان و للمغارة، التي سكنها اللصوص

    و لقد استطاع لوكيوس أن ينسج سميفونية جميلة بين أجزاء الفضاء داخل هذا النص، حين كانت جمالية اللقطة الفضائية تنسجم و تتعالق مع الحالة النفسية العامة للشخصية، مما جعله يلجأ إلى توظيف أنماط كثيرة من الفضاءات منها المنفتحة مثل البراري و الجبال الشاهقات و المروج الساحرة و البحار و المحيطات، و منها المنغلقة بأنواعها الثلاثة؛ الفخمة، الدالة على الرخاء و الرفاهية مثل القصور و ملحقاتها من حدائق و مزارع، و المرهبة و المخيفة مثل المغارات و الكهوف و الدهاليز، أو أمكنة العبادة مثل المعابد و الأماكن التي تقدم فيها القرابين.

4 ـ بنية الزمن : ـ

   لقد أعطى "لوكيوس" في نصه "الحمار الذهبي" أهمية خاصة لعنصر الزمن، حيث جاءت بنيته وفق مستويات مختلفة و متنوعة، فتارة نجده كرونولوجيا ؛ خاضعا لتراتبيته في الطبيعة حين نجد كل عناصره متوفرة مثل؛ اليوم، الليل، الشمس،اللحظة، الحر، البرد، الربيع، و غيرها من ملحقات الزمن و رموزه مثل الشيخوخة و الشباب و الطفولة و القديم و الجديد.

   أما حين ندقق في البعد الفلسفي لميكانزمات الزمن و أبعاده النفسية فسنجدها، دون شك ليست في المستوى التقني الذي يشتغل عليه رواد السرديات المعاصرة، لكن المدقق في المسألة و فق اللقطة التي تقول : "..أما أنت فإن لك أذنا صماء و حسا بليدا، فأنت تستخف بحكاية قد تكون حقيقية، يعلم الإله أنك لم تدرك بعد أن المرء يعكس الأمور حين يؤمن ببطلان ما هو جديد على الآذان أو ما لم تألفه العيون أو يتجاوز إدراك الأذهان.."[31]". و ذلك حين اعتبر مفعول عنصر الزمن له أهمية قصوى في تقدير الأمور و في الحكم عليه و في تقييمها، فإذا ما حكمنا، في زمن متقدم، على فكرة ما بالجودة أو بالسوء، فإن هذا الحكم سيتغير بالضرورة مع تغير الزمن و تقدمه.

    أما توظيف البعد الزمني في لبوس نفسي فإننا قد لا نعثر عليه بصورة قوية مخضبة بالنفس و بتداعياتها النفسية، و لكنا قد نعثر على بعض الإحالات المتواضعة و العميقة الدلالة مثل اللقطة التالية التي تقول : "..هيأت نفسها على هذا الوجه للخضوع المريب، بل هيأت نفسها لنهايتها الأكيدة، و أخذت تفكر في الطريقة التي تبدأ بها في التماس الرحمة و المغفرة.."[32]". إن قارئ الفقرة السابقة، دون شك، يلاحظ و كأن المبدع يحاول أن يقرأ التفاعلات النفسية التي خلفها في عمقها النفسي إخلافها بالوعد تجاه زوجها "كوبيدو"، ذلك الإخلاف الذي خلخل مصير كينونتها و هز أركان عشقها و حبها و فتت استقرارها النفسي.

    و بنفس المبتغى و الإلماح نقرؤه أيضا في الفقرة التالية "..عند صياح الديك الأول جاء شاب من المدينة القريبة، و الظاهر أنه كان أحد عبيد خاريتي، تلك الفتاة، التي شاركتني في معاناتي عند اللصوص.."[33]"، حين نفهم من لفظة "..صياح الديك الأول.." ساعات اليوم الأولى، و توحي كذلك بأن هذا الحضور المبكر لهذا الشاب كان بدوافع نفسية مفزعة عاشها في الأزمنة الماضية، تلك الدوافع التي عجلت بدخوله القرية قبل انبلاج آثار اليوم، مما يمكننا من القول بأن مثل هذا التوظيف يلتصق، بالضرورة، بالزمن النفسي للشخصيتين معا؛ شخصية الفتاة و شخصية عبد خاريتي.

5 ـ البنية الأسلوبية :

    إن القارئ لهذه الرواية يلاحظ من سطورها الأولى وعيه الكامل باللغة و الأسلوب المطلوبان في عملية بناء نص سردي، حيث يقول : "..و أجهدت نفسي في تعلم لغة الرومان إلى أن أتقنتها، لذا أرجو، أيها القارئ الكريم، أن تعذرني إن أنا تعثرت في هذه اللغة الأجنبية من حين إلى آخر. مع ذلك فإن هذه الرطانة مناسبة للهدف الذي وضعته نصب عيني، وهو التسلية.."[34]".

     نلاحظ في الفقرة السابقة ثلاثة نقاط أساسية هي؛ أن لوكيوس يعتبر اللغة التي كتب بها روايته لغة أجنبية عنه، و ثانيهما يعتبر ما تعلمه من هذه اللغة ليس بالشيء الكثير، أما ثالث الأشياء فهو يرى بأن هذا الشيء القليل من اللغة يناسب جدا هذا النوع من الكتابات، لتأتي النقطة الرابعة المبرزة لماهية هذا النص المتمثلة في التسلية. لنخلص، من هذه النقاط، إلى أن لوكيوس كان لا يرى نفسه رومانيا، كما أن إجادته للغة الرومانية لم تكن جيدة، ثم إن ما تعلمه من هذه اللغة في بساطته يصلح لهذا النص الذي يكتبه، لأن هذا النص هدفه الأساسي و الأول هو التسلية.

      و عند التدقيق في هذه المسائل نجد فيها الكثير من الشذرات النقدية الصادرة عن الرجل عن وعي فني و جمالية تقصد إلى ملامسة عواطف القارئ و التأثير فيه ليس بواسطة الأحداث و الوقائع والشخصيات فقط، ولكن بفضل الأسلوب و اللغة أيضا. و ذلك لأننا نعرف أن "لوكيوس" ترك آثارا فكرية و فلسفية و دينية كثيرة و متعددة بلغة رومانية راقية جدا، و لم يشك في هذه النصوص من ضعف لغتها الرومانية، كما لم يشر فيها إلى اعتبار لغة هذه النصوص أجنبية عنه.فكيف فعل ذلك مع هذا النص فقط؟.

    أرى بأن المسألة، هنا، مسألة موقف فني صادر عن وعي الرجل بأن الذي يكتبه في "الحمار الذهبي" مختلف تماما عن ذاك الذي كان يكتبه في الحقول الأخرى، إنه يكتب نصا أدبيا فنيا لا يشبه المتعارف عليه في ذلك العصر(التراجيديا، الملهاة) المعتمد أساسا على قوة الكلمة و متانة اللفظ و جدية الطرح.

   و يمكن القول بأن تقييم أسلوب الخطاب الروائي في هذا النص يستحيل إن يستقيم على مقاسات الخطابات الروائية المعاصرة، لأن هذا النص كتب بلغة لاتينية قديمة، ثم ترجم إلى لغات عالمية متعددة أثرت، قليلا أو كثيرا، في الميزة الأسلوبية الأم(اللغة اللاتينية) و أدخلت، بدون شك، على النص مميزات أسلوبية، بالإيجاب أو بالسلب، مرتبطة بهذه اللغات الحديثة و المعاصرة التي ترجم إليها.

     لكن، على الرغم من كل ذلك، فإن القارئ يلاحظ تعددا و تنوعا في الخطابات داخل هذا النص؛ تعدد ناتج عن تعدد الشخصيات و عن تعدد الثقافات و تنوع المقاصد و المآرب. لعل بداية هذا التعدد تبرز و تظهر في الشخصية الرئيسية ذاتها، التي كانت تتعاطى خطابات مشحونة بكم هائل من المعارف عما يتطلبه الموقف أو الحال في المرحلة الأولى قبل أن يصبح حمارا، أما بعد أن أصبح كذلك فإننا نجد أسلوب خطابه قد تحول من القول إلى الاستماع و المشاهدة فقط دون المشاركة في الحوارات و المناقشات، لتصبح بلاغة الاستماع و المشاهدة المرفوقين بالتدبر و التمعن هي صلب أسلوب الرواية، ثم بعد أن يعود إلى إنسانيته نجده يتغير تغيرا جذريا في خطابه و في أسلوبه، حيث تغير خطاباته من عشق المغامرة و السحر إلى الارتماء في أحضان الكهانة و الاشتغال على ما يرضي الآلهة.

 

= و لعل ذائقة القارئ الكريم لكل الإشارات السابقة في هذه السطور، و إذا استطاع أن يفرغ واعيته، مؤقتا، من الحمولة المعرفية المتعلقة بالأقوال و النظريات السردية المتلقفة من الغرب، يستطيع أن يقر صراحة بأنه كانت تتوفر في راية "الحمار الذهبي" الجزائرية و المؤلفة فيما بين 125 و 185م معظم المقاييس النظرية و التطبيقية التي اشترطتها كل النظريات الغربية المرتبطة بهذا الجنس الأدبي.مما يؤكد على أن الذات الجزائرية كانت دائما قادرة على متابعة الحيثيات المرتبطة بماهية الحداثة وفق المواصفات المشروطة فيها. و مما يبطل ،أيضا، ادعاءات المغرضين القائلين بأن ظاهرة حدثية أبدعتها و أنتجتها هذه الذات يعود الفضل فيها إلى الآخر(سواء كان عربيا أو تركيا عثمانيا أو إسبانيا أو فرنسيا).

 


ـ مقدمة رواية " الحمار الذهبي " ص 12 .[1]

[2] ـ يمكن مراجعة تفاصيل ذلك في مقدمة الرواية التي وضعها المرحوم الأستاذ الدكتور أبو العيد دودو

[3] ـ رواية "الحمار الذهبي"، لوكيوس أبوليوس"، ترجمة:د.أبو العيد دودو، الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف،الطبعة الثالثة،2004،ص41

[4] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص  207 .

[5] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ، ص 41 .

[6] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص 52 .

[7] ـ  م  ،  س  ،  ص  62  .

[8] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص  78 .

[9] ـ  م  ،  س  ،  ص   90 ، 91 .

[10] ـ الحمار الذهبي ،  م   ،  س  ،  ص  229 ،  230 ، 231 .

[11] ـ  م  ،  س  ،  ص  231 .

[12] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ، ص  95 .

[13] ـ  م  ،  س  ،  ص   91 .

[14] ـ  م  ،  س  ،  ص  177 .

[15] ـ   م  ،  س  ،  ص  61 .

[16] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص  63 .

[17] ـ  الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص  64 .

[18] ـ   م   ،   س  ،  ص  64 .

[19] ـ   م   ،  س   ،   ص  62 .

[20] ـ  م  ،  س  ،  ص  96 .

[21] ـ  م  ،  س  ،  ص  106 .

[22] ـ  م  ،  س  ،  ص  106 .

[23] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص  110 .

[24] ـ من ص 108 (الباب الرابع) إلى ص 142 (الباب السادس) .

[25] ـ الحمار الذهبي  ،  م  ،  س  ،  ص  126 .

[26] ـ الحمار الذهبي  ،   م  ،  س  ،  ص  142 .

[27] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص 108 .

[28] ـ الحمار الذهبي  ،  م  ،  س  ،  ص  192،193،194.

[29] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص  41 .

[30] ـ   م  ،  س  ،  ص  41 .

[31] ـ الحمار الذهبي ،  م  س  ،  ص  42 .

[32] ـ  م  ،  س  ،  ص  133 .

[33] ـ  م  ،  س  ،  ص  165 .

[34] ـ الحمار الذهبي ،  م  ،  س  ،  ص 41 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شِلة قبضين ( عامية مصرية ) كلمات : متولي بصل

  شِلة قبضين كلمات : متولي بصل ******* شالوا الطَبَقْ حَطُّوا الطبقْ فاضي ما فيه حتى مَرَقْ ! دول شِلة الجهل اللي عشش وانتشرْ ال...