مطلب شغل
بقلم
سالم المتهني
تونس
كان يحرر مطلبه و يفرغ فيه كل أحلامه و أمنياته، كان القلم مضغوطا بين أصابعه و كأنه يخاف على الحروف ألا تكتب فيكتب الكلمة و ينسى أنه كتبها فيعيد قراءتها أكثر من مرة متثبتا من تسجيلها على الورق الأبيض. يجب مقاومة البياض بالأمنيات و الأحلام. كان متشنجا لا يكاد يجد العبارات المناسبة للتعبير عن فكر بسيطة لتحرير مطلب شغل.
طلب منه و من كل راغب في الترشح للعمل تقديم ترجمة شخصية مفصلة. حيره هذا الطلب أكثر مما حيره البحث عن عمل، عم سيحدثهم؟ ما هو مقدار التفصيل الذي يريدونه؟ كل التفصيل أم بعضه؟ و بعض التفصيل إجمال. ما العمل؟ أيفصل فيذكر كل كبيرة و صغيرة عاشها؟ فيحدثهم كيف شقي حتى وصل إلى السنة النهائية من التعليم الثانوي و كيف كان ينظر إليه الجيران نظرة إكبار و إجلال إذ كان من القلائل الذين يصلون إلى هذا المستوى من التعليم في حيهم أم يذكر لهم تلك الحادثة الأليمة التي خدشت كبرياءه وزرعت في نفسه الإحباط؟ هل يخبرهم بذلك اليوم الذي دخل فيه أبوه إلى المنزل مخمورا و كان هو بصدد المراجعة و كيف تشاجر أبوه مع أمه و لما أراد أن يفصل بينهما لطمه على خده و قلب الطاولة المحملة بالكتب و الكراسات فانسابت دموعه على أوراقه الرخيصة و اختلطت بتذلل التوحيدي و غضب المعري و رحلة المسعدي؟ أم يحدثهم عن السنين التي قضاها في الجامعة و عن الفزع و الخوف الدائمين من الامتحان و عن سيارات الشرطة تطوق المبيت و يقتحم الأعوان و الكلاب المدربة الحي الجامعي و يشبعون الطلبة ضربا و ركلا و صفعا و شتما؟ أيحدثهم عن طعم تلك الهراوات التي نزلت عليه كأنها الصاعقة على كل عضو من جسده حتى أكثر الأعضاء أمانا؟ أيحدثهم عن تلك الغيبوبة التي انتابته و التي تمنى بعدها الموت لما انهال عليه أحدهم بعصاه على صدغه، فقد توازنه و رام النهوض غير أن أحدهم تفنن في إيذائه و قرب إلى أنفه قنبلة مسيلة للدموع فاستنشق بدل الهواء غازا فانساب و تلاشى على الأرض؟و أخذ يجذب الهواء بكل ما أوتي من قوة لكن لا هواء و أخذ يصدر أصواتا ما تخيل يوما أنه سيصدرها، أصوات كلب رفسته قاطرة فأقعدته فعوى عواء كالفناء. لقد أشرف على الفناء، لم يكن يتصور أن جسده قادر على تحمل كل هذه الضربات الموجعة و لا كل هذا الغاز، لم يكن يتصور أن جسده قادر أن يدافع عن نفسه أكثر من دفاعه عنه، يقاوم بضراوة، يجذب الهواء مرة أخرى بأكثر عنف و قد كف الأعوان الذين طوقوه من كل جانب عن ضربه خوفا على أنفسهم من موته بين أيديهم. كان ينتظر بين الفينة و الأخرى حشرجة الموت و تذكر أمه و إخوته و تذكر الأحلام و تذكر أستاذه الجليل الذي كان يخرج من فمه جملا كالعناقيد، تذكر صديقته بعينيها الرانيتين، جذب الهواء مرة ثالثة أقوى من كل الجلادين جذبة متبوعة بصراخ مدو لا يأتي بعدها إلا الفصل، إما الموت أو النجاة و كانت الحياة
نهض بتباطؤ، دفعه أحدهم إلى طابور المثنين على ركبهم، انثنى معهم، و صاح به أحدهم " ارفع يديك يا ولد...، رفع يديه و أحس بهما ترتجفان،أحس بكل جسده يرتجف، حاول أن يضع حدا لاضطرابه حتى لا يفهموا أنه يرتجف خوفا لكنه لم يستطع، فقد السيطرة على جسده، أحس بأن هذا الجسد ليس جسده و أن هذا المكان ليس مكانه و أحس أنه في المكان و خارج عنه، أنه في المأساة و بعيد عنها، انفصم إلى شخصين: شخص يتألم و شخص يتأمل، ينظر من عل، يراقب مسيرة العذاب في كلية الآداب.
لقد نجحوا في تجميع كل الطلبة المعتصمين بالمبيت احتجاجا على مشروع حكومي. الضابط يأمر بعض الأعوان بتفتيش كل الغرف، و ما هي إلا لحظات حتى انهالت الأرجل الغليظة على كل الأبواب ، أبواب الغرف و الأدواش و المراحيض، دقائق معدودات و أصبح المبيت بلا طلبة بلا أبواب. و بعد إحضار الطلبة الذين كانوا مختفين جاء الأمر بالسير على الركب، سراويل " الدجين" لم تصمد امام صلابة الأرض المبلطة، الأحذية تقشرت، أصبحت بلا لون، و الألم مكتوم، من يصدر أية آهة أو صرخة ألم تنهال عليه هراوة في أي موضع من جسده، كل المواضع أهداف بلا تمييز. ما أمر أن يصبح الإنسان مجرد هدف للرماية! ما أصعب أن تكون طالبا في هذا الزمن الرديئ!
وصلنا بعد مائة شهر إلى الساحة التي تتوسط الحي الجامعي حيث العجلات المحروقة و الحجارة و البراميل و الأخشاب التي جعلها الطلبة حاجزا و واقيا من الهجوم الذي وقع. سيارة الاطفاء رابضة بعد أن أتمت مهمتها و أطفأت العجلات المشتعلة، أرض الساحة ابتلت و اسودت بعد أن اختلط الماء بسواد العجلات المنطفئة.
صاح الضابط: " كل واحد ينزع شيئا من ثيابه ليمسح الأرض" ، تقبل الطلبة الأمر بغرابة فتململوا قليلا فانهالت الهراوات لتقنع بمنطقية الطلب، و بدأ العمل...ثوبي أصبح أسود عكرا و أنا لا أكف عن تمريغه في الأرض منتظرا الامر بالتوقف، اصطدم كتفي بزميل لي فرمقني بنظرة هازئة هامسا "هذا آخر ما يمكن أن يفعله طالب علم!" لم يكد ينهي كلامه حتى وصلته ركلة في بطنه " اخدم و أنت ساكت ".
" كفى، البسوا أثوابكم " ، لبسنا ثيابنا و قهقهات الأعوان تبارك فعلنا، " انتظموا اثنين اثنين " ، فانتظمنا، " انبطحوا " فانبطحنا، " ازحفوا " فزحفنا و الألم ينهش أيدينا و أرجلنا و العرق يعلو الجباه رغم برودة الطقس في تلك الليلة.
و بعد مائة شهر وصلنا إلى باب الحي الجامعي حيث وجدنا حافلات وزارة الداخلية في انتظارنا.
هل أحدثهم في مطلبي عن هذا اليوم المقيت؟ و هل أقف في حديثي عند هذا الحد؟ إنهم يقولون ترجمة شخصية مفصلة، هل فصلت أم أجملت؟ لعلهم يسألونني إذا توقفت عند هذا الحد ، ماذا وقع بعد ذلك؟ كيف كان مصيركم؟ إلى أين حملوكم في تلك الليلة؟
لم نكن نعلم أي مصير ينتظرنا، جاء الأمر بصعود الحافلات فصعدنا متدافعين متحاشين ضربات الهراوات التي كانت تلاحقنا حثا على الإسراع و عدم التباطؤ. غصت الحافلة بالطلبة، من حسن حظي وجدت مقعدا شاغرا فجلست فأحسست بألم فظيع في مؤخرتي، ملت قليلا على الجانب الأيسر و تحسست بيدي موضع الألم،ليس هناك نزيف بل ورم يمنعني من الجلوس باعتدال. كان الطلبة يتهامسون:
- ستقع محاكمتنا...
- لا اظن...هذا أمر مستبعد جدا...لا يقدرون محاكمة كل هذا العدد..الأرجح أنهم سيجندوننا...
-التجنيد أخف الضررين .
-التجنيد كارثة، يعني ضياع سنة دراسية، إن جندنا لن أعود إلى الدراسة ثانية، سأبحث عن عمل، هذا أفضل.
كنت أسمع حوار الطلبة بصمت غير قادر على مشاركتهم، الواقعة أذهلتني و جعلتني احس كأني في حلم، في كابوس أنتظر من يوقظني منه لكن لا موقظ و لا منقذ.
همس أحد الطلبة: أين نحن بالتحديد؟
المدينة غارقة في أحلامها و الحافلة تخترقها في سرعة معقولة دون أن يتفطن أحد إلى ما حوت من قلوب جريحة و أحلام محبطة. كان الطلبة يتطلعون إلى الطريق بعيون حائرة، الظلمة منعتهم من تحديد اتجاه الحافلة، يئسوا من استباق الأحداث، ليفعلوا بنا ما يشاؤون، معرفة ما سيقع قبل الأوان لن تغير من الأمر شيئا، ما ينتظرنا سنكتشفه في حينه، غير أن احتمالا رهيبا جال في خاطري و أقلقني، القتل مآل فظيع، أراد أن يطرح هذا الاحتمال على زملائه فخشي سخريتهم فكتمه في نفسه كما كتم ألمه و لكنه ظل مقتنعا بإمكانية وروده، فما فعلوه بهم يجعل كل الاحتمالات واردة حتى تحويل أجسادهم إلى صابون لغسل الأيدي الملوثة بالجرائم.
تساءلت: ما الذي قذف بي في هذه المعمعة؟ أهو حب الاطلاع أم حب المشاركة في عمل جماعي؟ أم الإيمان بأن من حقي أن أعترض على مشروع حكومي يضر بي و ببقية الطلبة؟ قد تكون كل هذه الأسباب مجتمعة هي التي دفعتني إلى ان أكون من بين المعتصمين بالمبيت، شعرت ببعض الندم، كان بإمكاني أن اغادر المبيت كما فعل بعض الطلبة و أنجو بجلدي لكني استسهلت الأمر و أعجبتني المغامرة و لم أحسن تقدير الأمور، لم أكن أتصور أنهم سيردون الفعل بكل هذه القسوة.
وصلت الحافلة إلى طريق مضاء، اتضحت الرؤية شيئا ما، همس طالب خبر المدينة بكل شوارعها و أنهجها : " الثكنة...نحن في اتجاه الثكنة " .و لم تلبث الحافلة أن توقفت أمام باب حديدي ضخم علقت أعلاه يافطة رسم عليها شعار البلاد و قد كتب أعلى الشعار " الدرك الوطني " و تحته " فداء الوطن" ، قرأ اليافطة و تنهد بصوت خافت و همس إلى نفسه " و نحن كذلك فداء الوطن".
فتح الباب بسرعة، ولجت الحافلة الثكنة و بعد أمتار قليلة توقفت أمام باب حديدي صغير و جاء الأمر بالنزول و قد تهيأ الأعوان أمام الباب لاستقبالنا فخاف الطلبة أن يعاد سيناريو الضرب و مطر الهراوات على الأجساد فجاء صوت الضابط مطمئنا " لاتخافوا، لن يضربكم أحد بعد الآن "
نزل الطلبة بخطى مترددة غير واثقين مما ينتظرهم بعد هذا النزول، و أية ثقة ستبقى بعد كل الذي وقع.
صاح أحد الأعوان: أيديكم إلى أعلى" تساءل في نفسه " ماذا؟ قتل أم تفتيش؟"
كان في آخر الحافلة يرمق الطلبة النازلين قبله و قد رفعوا أيديهم. همس لزميله " ما جدوى هذا الطلب؟" أجابه " إنهم يحتاطون من أية ردة فعل ممكنة " ، قال في نفسه " ماذا يمكن أن نفعل؟ و بم سنرد؟ بمهجية للمتنبي أم بصرخة من صرخات المعري؟ "
كان الطلبة يلجون الواحد تلو الآخر الباب الحديدي، دخل مع الداخلين، وجد نفسه و الطلبة في مكان فسيح محاط بغرف مقفلة من أربع جهات لكنه دون سقف، نظر إلى أعلى فإذا على سطوح الجهات الأربع أعوان أمن برشاشاتهم و قد صوبوها إلى أسفل في اتجاه الطلبة، التصق الطلبة إلى الجدران خوفا من هذه الرشاشات الموجهة نحوهم، قال أحد الأعوان و قد لاحظ سلوك الطلبة " أتخافون يا أولاد...؟ ألم تظنوا أنفسكم أبطالا منذ ساعة؟ اجلسوا الآن...لا تخافوا لن نقتلكم..فجلسوا.
جلسنا على الأرض ملتصقين نلتمس الدفء من تراصصنا و لم يبق وقت طويل على طلوع الفجر. ابتعد عنا الأعوان و أصبح بإمكاننا أن نتحدث دون أن يسمعنا أحد. كان أحد الطلبة ممن جلسوا حذوي قد أخذ يروي طرائف عما وقع و كأنه ليس في مصيبة فانسجمنا مع حكاياته و أخذنا نرسل الضحكات المغتصبة و كنا نكبت ضحكاتنا بعض الكبت حتى لا يسمعنا الأعوان فيزدادوا نقمة علينا.
- أرجوك أن تكف عن رواية هذه النكات..إني لا أستطيع أن أتحمل أكثر...أخاف أن تفلت مني ضحكة قوية فينهالوا علينا ضربا...
- لا تخش شيئا، إنهم بعيدون جدا...اسمع هذه النكتة الأخيرة...زميلنا يوسف الذي لا يكاد يبصر و سمك زجاج نظاراته يتجاوز سمك قوارير المشروبات..لما اقتحم الأعوان المبيت أراد أن يهرب فأخذ يتلمس بيديه في الظلمة منفذا فوقعت يده على باب ففتحه و دخل فإذا هو في سيارة الشرطة.
أرسلت الضحكات و أحد الطلبة أفلتت منه ضحكة قوية فارتمى عليه طالب آخر بجانبه واضعا يده على فمه فأخذ يهتز و الضحك يرتد في جوفه إلى أن انتهت فورة الضحك فأزاح اليد التي على فمه واعدا بالتمسك في انفعالاته.
بدأت الظلمة تتبدد و يكشف النور ما خفي علينا البارحة.أخذ الطلبة ينظر أحدهم إلى الآخر نظرات ساخرة ثم بدأ الهمس و الضحكات الخافتة، كان كل طالب يضحك من هيأة زميله دون أن يعلم أن مظهره هو الآخر مضحك، كانت كل الرؤوس شعثاء و كانت كل الوجوه تحمل آثار الضرب و كانت كل الأثواب تحمل آثار سواد العجلات المحروقة. في صباح ذاك اليوم بدأ التحقيق و الفرز و تعددت القائمات و كثر التأويل و التخمين في المصير المجهول و كان كل يوم نقضيه في الثكنة يمر بين الانتظام صفوفا للفرز و التثبت في الملامح أو الانتظام لتناول وجبة من وجبات اليوم الطويل و كانوا في كل يوم يطلقون سراح مجموعة من الطلبة تأكد عندهم براءتهم من مواجهة الأعوان أثناء اقتحام المبيت و كنت دائما ضمن المجموعة التي يحتفظ بها لمزيد التحقيق إلى أن أتى اليوم السابع الذي انحسر فيه عدد الطلبة الموقوفين إلى السبعين بعد أن كان يجاوز الألف، انحسر عدد الطلبة و انحسر أملي في الخلاص، في ذاك اليوم وقع الإفراج عن ثلاثين و احتفظ بأربعين كنت أنا واحدا منهم و كان التجنيد مصيرنا.
هل أحدثهم في مطلبي عن السنة التي قضيتها في الصحراء مجندا دون أن أحمل سلاحا؟ إن بدأت الحديث فلن ينتهي و إن استرسلت في الاستجابة لطلبهم المتمثل في تحرير ترجمة شخصية مفصلة على هذا النحو فسأكتب مجلدا و لن يقرأ مطلبي. لأختزل قدر المستطاع و ليكن التفصيل بعد القبول،
إذن سأكتب على هذا النحو: إني الممضي أسفله هلكان بن سرحان متحصل على شهادة البكالوريا بملاحظة قريب من الحسن، درست بكلية الآداب لمدة سنتين تحصلت فيهما على شهادة واحدة، أرجو من سيادتكم قبول انتدابي بالدرك الوطني.
@.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق