دراسة تحليلية أعدها / أحمد فاروق بيضون - مصر
لرواية ( أسرار المدينة ) لكاتبتها الأديبة / معاني سليمان
أسرار المدينة.. لبطلتها مريم تتأرجح بين
الإسكندرية عروس ساحل المتوسط المصري وياسمين الشام بدمشق التاريخية في رحلة
العودة.. تلك المحامية مريم التي اتبعت شغفها بالكتابة وعلى شفير مغامرة بين
عالمين لكتابة روايتها الجديدة وهي تفتح الصندوق الأسود لإنقاذ الأديب العالمي
الراحل نجيب محفوظ.. (من جمال الحياة أن الله يبعث في طريقك ما يوقظك بين الحين
والآخر.. أنت الذي ظننتُ لوقت طويل أنكَ مستيقظ) لجلال الدين الرومي كما شارت
بطلتنا الذات الساردة العبقرية التي تجوب عالمين بحثا عن جنة الحب المفقود.. نقطة
البداية كانت في أحضان أم وليد الخالة التي انقذتها من براثن زوجة أبيها لتعيش في
أحضان الطبيعة الخلابة والبيوت الحجرية وأشجار الزيتون واللافندر، عاشت لواعج
الاغتراب مع زيجة فاشلة محكوم عليها بالإعدام مع زوج لا يكترث، سعيد، لتتركه مع
طفلتها أمل الرضيعة، ذاك الزوج الذي ساهم في تعاستها كان من اختيار وليد ابن
خالتها وقدوتها الذي تكن له احتراما وتبجيلا واواصر أخوة، كانت تهرب من واقعها
الأليم وتستلهم من أخيلتها روايات ذات دلالة رمزية (الشمس) كأنها تبحث عن الحقيقة
والوجودية كما أشار (سارتر الفيلسوف)، و(متاهة الأرواح) كأنها تعيث في عبثية التيه
ولم تدرك ذاتها.. بينما تناسخت روح أخرى كظلها صنوان حالمة تجتاح كانون الأحلام
بلواج premonition الهاجس، لم تجدي صرخة الآااااه التي ابتكرتها
مع صديقتها (آلاء).. التي عانت من توترالعلاقة مع خطيبها سامح العربيد الذي
يعايرها بأن خالته كانت ستخطبه لإحدى بناتها، وكل النساء متيمن بعشقه. (كنت أشعر أنى ضعيفة بلا وطن بلا سند عليّ ان ادفع ثمن ضعفي لأن العالم خلق
للأقوياء).. كلمات أطلقتها مريم وعين الناقد تراها كانت الأجدر ببداية روايتنا
لتخلق جوا من التشويق والإثارة وتمهد لقانون الغاب السائد Might Is Right البقاء للأقوى.. المفاجأة كانت عودة وليد بعد غياب طال أمده
ويكأنه خلق ليكون قائدا عسكريا على الرغم من امتهانه الطب إلا أنه لم يجد من يسعف
قدمه التي بترت من جراء شظايا قذائف وطيس حرب غاشمة لا ذنب له فيها إلا نبل القصد،
أما مريمٌ كانت طائرا من زمان آخر ولا ينتمي هاهنا بل ينطقُ بمرض الحب وسكراته love morbidity and inebriation.. هي أيضا كانت بطلة مغوار وجسور في مغامرتها
ومجاذفتها لإنقاذ الهاجس الذي يناديها لمساعدته، لقد فاجأها المخرج (مجدي حسن) من
مصر بالإسكندرية بأن روايتها تتحول لفيلم سينمائي ببنسيون فؤاد.. أو ميرامار
الموسوم في رواية الراحل النوبلي نجيب محفوظ، لتستدعي في بالها ذكريات قراءتها
ومشاهداتها لشادية ويوسف شعبان وحسين كمال أبطال تلك الرواية التي جرت بالفندق،
لقد صممت على الذهاب على الرغم من اعتراض سعيد طليقها ودعم من وليد.. لتترك طفلتها
هنيهة حتى تحقق غايتها.. لقد وصلت إلى البقعة الساحلية المصرية الهوى وهي تشعر
بشغف الاستكشاف لكل شبر بكل حدب وصوب هنالك، ولما جاءها المنتج لإمضاء عقد
الرواية.. أصرت على استحضار فلاشباك ونوستالجيا ذكريات تليدة بعدما استقلت الحنطور
وزارت قلعة قيتباي وجالت بمحطة الرمل ومكتبة الإسكندرية الملأى بذكريات الحاضر
والماضي.. كانت كأنها تعيد إحياء التاريخ وتؤسطر مغامرة رأتها في أحلامها، أصرت
على المبيت بالفندق الذي تبدل فيه كل شيء بعبق الماضي بعدما تدق الساعة ١٢ بمنتصف
الليل.. لتنبري بوابة الرواق عن أساطير مصرية عبأ طيفهم تلك المناحي كشادية وطه
حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وعبدالحليم حافظ، انقضت ليلتها الأولى بصحبة فتى
أحلامها (محمد) الذي توجها على عرش قلبه ولا يدري ماالذي جاء بها لهذه الحقبة
الزمنية، فتحاطب إحسان عبدالقدوس وتسمع نصيحة نجيب الذي حذرها من الأبواب المواربة
(إما أن توصدها أو تتركها مفتوحة) في حين أنها حذرتها بنذر شديدة اللهجة بمصاب جلل
سيؤول إليه، لكن الأديب العالمي أخبرها بأنه لا ينجي حذر من قدر، أما دور (شادية)
الرومانسية الحالمة التي أخبرتها بأن الحب الشجعان والضربة التي لا تعصف تقويها...
كانت تنصت لأهازيج ام كلثوم (رجعوني عنيك) وهي تتحدث لمؤلفها وجها لوجه موسيقار
الاجيال محمد عبدالوهاب، في الليلة الثانية لما قابلت نجيب ولكن هول الصدمة لما تم
اختطافه بعربة سوداء يقلها ملثمان، باتت تدرك الآن الغرض الأساسي من سفرها عبر
الزمن بعدما قرأت عن مذكرات الأعوام لنجيب محفوظ وما حدث من تبعات أولاد حارتنا..
كان محمدا يصحبها ويزود عنها ويتقرب إلى جذوة عشقها على حين غرة دونما هوادة، بالليلة
الثالثة أخبرتهم الراحلة شادية بأن أحمد مظهر لديه مفتاح اللغز وقد يدلنا على مخبأ
نجيب وماهية العصابة. َفهو من الحرافيش أو الصعاليك التي تعني حارة اللاشيء باللغة
التركية كما ناداه صديقه نجيب، لتفاجئ مريم الجميع مغبة الصمت حتى لا يصيب التاريخ
مكروها فنجيب من قفز بالادب للعالمية، أخبرتهم بنفق رأته يجوس بيادر مخيلتها و
الوصف يستنم إلى( المسرح الروماني) حيث تلتقي حضارة الفراعنة و الرومان وثلاث عشر
درجا من المدرجات العتيقة التي يقام بها الحفلات وذاك الدهليز بجوار الحمام
الروماني، لقد تطابقت أرقام السيارة الراجلة هناك ما كتبه أحمد مظهر وأبلغ عنها،
الجميع استدعوا السلطات المنوطة من رجال الشرطة، ليهرعوا إلى مكان الجريمة ومكمن
المختطف، لتنبري البطلة مريم وتتبع نداء الأديب حبيس النفق مضحية من أجله ولا
يهمها تحذيرات الصويحب محمد أو عمالقة الفن، لتنقذ الأديب الموثق مع نفرة انقضاض
من زمرة الشرطة ليخرجوا من أقبية الهلاك. الليلة الرابعة كانت النصيحة الغالية من شادية
باغنيتها (ده القلب يحب مرَّة) لتخبرها بألا تفرط في حبها ابدا إن طرق بابها وقد
عهدت مواثيقه مع محمد، الذي بانت قصته الموجعة التي تشبه قصة فقدها بطيف من الماضي
الأليم باحزان (رؤى) الفتاة الجامعية حبيبته الأبدية الراحلة على
إثر حادث سير مفجع، أدركت خلالها تتمة مأموريتها في مصر الكنانة وقد تركت ذكرى
طيبة في قلب رجل من أثير أحلامها وطيف لا وجود له، لكن الحقيقة البلجاء في flash forward التقافز السردي الزمني لعودتها للجامع الأموي وقلعة صلاح
الدين وتمثاله التاريخي البرونزي، وتأتي بداجة كهدية لابنتها وبعض التذكارات
لصديقتها آلاء التي أخبرتها بأن تتخلي عن ذاك العابث سامح الذي املها الانتظار حتى
تحترق، وهي أيضا قامت بوضع (بلوك) لطليقها المستبد الذي لم يدرك معدنها النفيس، فتعود
أدراجها لذاك الطبيب ذو القدم المبتور الذي عاش رجلاً يدافع عنها طوال حياته
ومازال، يخبرها بأنه يحبها على الرغم من أن ابيه من حض فيه إنساناً صارماً مسؤولا
بلا مشاعر، ولكنه على النقيض تماما متيم بعشقها.. وتكون النهاية جولة في الحرم
المكي بجمع رائع يشاطر التبتيلات والتكبيرات في عائلة ترسم الأمل من جديد وتفتش عن
أسرار روحانية جديدة. أهنئ الراوية على سردها واختيارها الكلمات
والعبارات المتقنة وو صفها سيميائية الزمكان بين عالمين، إلا أنني أردت أن تكون
المقدمة أكثر تشويقا وإلهاما للغز تتمحور حوله الأحداث، وكذلك الخاتمة.. ماذا لو
كانت مفتوحة لفك أسرار مدينة أخرى تبحثُ فيها عن مهمة جديدة قبل ارتباطها ب(وَليد)
؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق